نظرة عامة إلى سفر الرؤيا

 

سفر الرؤيا هو سفر فريد في العهد الجديد. فالأناجيل وسفر الأعمال تقدّم لنا السيرة والمثل والتعليم في إطار إخباري. والرسائل تحمل العرض اللاهوتي والحضّ على حياة مسيحية تليق بالدعوة التي دعينا إليها. أمّا رؤ فيختلف عن سائر أسفار العهد الجديد. ففيه الخبر من جهة. ولكنه خبر من نوع خاص. هو يروي رؤى لما لا يراه البشر بعيونهم وسماعاً لا يسمعه البشر بآذانهم. سفر الرؤيا هو فريد في العهد الجديد، ولكنه ليس بفريد في العالم اليهودي الذي عرف عدداً كبيراً من الرؤى التي توسّلت أسلوباً خاصاً لتشجّع المؤمنين على الثبات في الإيمان، ولتفتح لهم نافذة على السماء وعلى عالم جديد يهيّئه الله بعد أن يدمّر القديم.
سوف نتوقّف عند سفر رؤيا يوحنا فنتعرّف إلى الكاتب، إلى زمن الكتابة، إلى دخول هذا الكتاب في الكنيسة.

1- كاتب سفر الرؤيا
سمّى كاتبُ سفر الرؤيا نفسه: إنه يوحنا. فنحن نقرأ في مقدّمة الرسائل: "من يوحنا إلى الكنائس السبع التي في آسية" (1: 4). إذن، لا شكّ في هويته. ثم إنه يعرف معرفة دقيقة الظروف التي فيها تعيش هذه الكنائس. وهو يكتب إلى هذه الجماعات المسيحية بسلطان يدلّ على أنّ هذه الكنائس خاضعة له.
يرد إسم "يوحنا" أربع مرات في رؤ. في 1: 1 يسمّي نفسه "عبد" يسوع المسيح. وعمله أن يكون رباطاً حياً بين يسوع وجماعته ليخبرها بما يحدث الآن في الكنيسة. هي أيام صعبة ولا بدّ من كلمة تعزية وتشجيع لا للمستقبل، بل للحاضر الذي تعيشه كنيسة أفسس وغيرها من كنائس في الزمن الحاضر.
ونقرأ في 22: 8: "وأنا يوحنا سمعت ورأيت هذه الأشياء". نحن هنا أمام تضمين حول إسم "يوحنا". قرأناه في البداية ونقرأه في النهاية. لقد سمع ورأى، إذن هو يستطيع أن يشهد، فتكون شهادته إمتداداً لشهادة يسوع. هنا نتذكّر ما في 1 يو 1: 1-3: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأمّلناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة... نبشّركم به لتكونوا أنتم أيضاً شركاءنا". دور يوحنا هو دور الرائي ودور الشاهد المؤمن الذي يشارك إخوته شهادتهم. "أنا يوحنا، أخاكم وشريككم في المحنة. والملكوت والثبات في يسوع، كنت في جزيرة بطمس من أجل كلمة الله وشهادة يسوع" (1: 9). الشهادة التي يشهد بها يسوع هي كلمة الله. المحنة تدلّ على الإضطهاد. والملكوت هو ملك المسيح الذي انتصر بقيامته على عالم الشّر والموت.. يبقى على المؤمن أن يثبت، أن يصبر إلى المنتهى.
لماذا عدنا إلى داخل رؤ لا نجد إشارة خاصة تقول لنا مَن كان يوحنا صاحب الرؤيا. قال ديونيسيوس الإسكندراني: هو يوحنا مرقس الشاب الذي رافق بولس وبرنابا في الرحلة الرسولية الأولى (أع 13: 5). ولكنه تخلّى فيما بعد عن هذه الفكرة حين تحدّث عن عودة يوحنا مرقس إلى أورشليم لا إلى آسية (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 7: 25). ثم لا نجد تقارباً بين رؤ وإنجيل مرقس.
نترك هذه الإشارة العابرة ونعود إلى التقليد القديم الذي يتّفق على القول بأنّ يوحنا الرسول هو صاحب رؤ. فيوستينوس الشهيد الذي عاش بعض الوقت في أفسس خلال القسم الأول من القرن الثاني، تعرّف إلى رؤ واعتبر أنّ كاتبها هو الرسول يوحنا (حوار مع تريفون 81: 15). وهذا ما تسنده ملاحظة نجدها عند أوسابيوس (الذي لا يعتبر أن رؤ هي عمل الرسول يوحنا) تقول بأن يوستينوس ذكر رؤ وسمّاها حقاً عمل الرسول (التاريخ الكنسي 4: 18). وأورد إيريناوس سفر الرؤيا مراراً في حربه على الهراطقة، فاعتبره عمل "يوحنا، تلميذ الرب" (ضدّ الهراطقة 4/ 14: 1؛ 5/ 26: 1)، أي "رسول" الرب كما قال بعض الشرّاح. هذه الشهادة مهمة جداً لأن ايريناوس الشاب عرف بوليكربوس الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع يوحنا (التاريخ الكنسي 5: 20). وأورد اكلمنضوس الإسكندراني رؤ مراراً فقال إنها عمل يوحنا الرسول. وحين كتب ترتليانس من قرطاجة أورد جزءاً كبيراً من رؤ ولا سيّما في أعماله المونتانية (مونتانوس اعتبر انه صوت الروح وتحدّث عن نهاية العالم) واعتبر السفر أنه من تأليف الرسول يوحنا (ضدّ مرقيون 3/ 14: 24).
وهناك شهادات بابياس (حسب أندرياس القيصري) ومليتون السرديسي (التاريخ الكنسي 4: 26) وأوريجانس (شرح يوحنا 2: 5) وهيبوليتس (المعاديّ للمسيح 36: 50) والمطلع اللوقاوي المناوىء لمرقيون. كلّهم يتحدّثون عن يوحنا الرسول ككاتب رؤ. يعتبر التقليد أنّ يوحنا بن زبدى ذهب إلى آسية الصغرى وعاش حتى سنة 95. غير أن هناك تقليداً آخر يقول إن يوحنا قد استُشهد قبل سنة 70 وربّما مع أخيه يعقوب سنة 44. 
وجاءتنا شهادة هامّة من كتاب غنوصي أكتُشف سنة 1945 في صعيد مصر. إسمه: أبوكريفون (خفيّات أو المخفى) يوحنا الذي يورد رؤ 1: 19 ويعلن أن كاتبه هو يوحنا أخو يعقوب، وكلاهما كانا إبنَيْ زبدى. يبدو أنّ هذا الأبوكريفون يعود إلى سنة 100- 150.
كان هناك بعض التردّد في الشرق بعد ديونيسيوس (منتصف القرن الثالث). ولكن لا شكّ في أنّ رؤ اعتبر في مساحة واسعة من كنيسة القرن الثاني على أنه عمل يوحنا الرسول.
أمّا المعارضة القائلة بأنّ صاحب رؤ ليس يوحنا الرسول فقد بدأت في القرن الثاني مع مرقيون الذي أعلن "إنجيل الحب"، فاعتبر أن الإنجيليين كانوا عمياناً بتأثير يهودي، ورذل كل ما لم يكتبه بولس (ما عدا لوقا في نسخة مصحّحة). بعد هذا هاجم رؤ جمعٌ من الهراطقة (في آسية الصغرى): أرادوا معارضة المونتانية فرذلوا إنجيل يوحنا والرؤيا. وحسب أبيفانيوس نسبوا رؤ إلى الغنوصي قرنتيس. وهذا الرأي أخذ به أيضاً غايوس، الكاهن الروماني في القرن الثالث (أوهابيوس، التاريخ الكنسي، 3: 28).
واعتبر بعض الشرّاح أنّ يوحنا هو نبيّ يهوديّ من فلسطين هاجر في نهاية حياته إلى آسية الصغرى. فهو يسمّي نفسه النبي لا الرسول. ولكن كان لصاحب رؤ سلطة على كنائس آسية. فإن كتب على أنه نبي، فوظيفته في الكنائس هي وظيفة رسول.
وتبع شرّاح آخرون أوسابيوس (التاريخ الكنسي 3: 29) فقالوا إنّ صاحب رؤ هو يوحنا الشيخ الذي يميّزه بابياس عن يوحنا، تلميذ الرب. هناك بعض الشكّ في أنّ بابياس ميّز بين يوحنا (التلميذ) ويوحنا (الشيخ). لكن، وإن تكلّم عن "يوحنّين"، وإن وُجد في أفسس نصبان يحملان إسم يوحنا. كما يقول ديونيسيوس (التاريخ الكنسي 7: 25)، فهذا لا يعني أنّ يوحنا الشيخ هو صاحب رؤ.
وقالت فئة ثالثة: إنّ رؤ هو كتاب "مركّب" من مقاطع عديدة تعود إلى يوحنا المعمدان وتلاميذه. فإنّ ف 4- 11 ترتبط بالمعمدان قبل رسالة يسوع العلنية. وف 12- 22 (ما عدا مقاطع في الفصل الأخير) قد دوّنها قبل سنة 70، تلميذٌ من تلاميذ المعمدان عرف بعض الأمور عن يسوع وجهل الأمور الأخرى. أمّا ف 1- 3 (+ 22: 16- 17 أ، 20- 21) فقد زادها كاتب مسيحيّ متهوّد. إنّ رؤ ليس كتاباً مسيحياً ولا كتاباً يهودياً مع زيادات مسيحية. إنه كتاب يرتبط بيوحنا المعمدان ومدرسته التي تمثل شكلاً أول من المسيحية. ولكن يُطرح السؤال: لماذا رفضت الكنيسة عدداً من الرؤى ولم تدخلها في لائحتها القانونية كما أدخلت رؤ يوحنا؟ هذا يعني أنّ رؤ هو كتاب مسيحي وان يكن أعاد قراءة نصوص العهد القديم كما فعلت أسفار أخرى من العهد الجديد. لا ننسَ أنّ كتّاب العهد الجديد هم يهود (ما عدا لوقا الذي كان وثنياً من أنطاكية)، فلماذا نتعجّب إن انطلقوا في تفكيرهم من تراث الشعب اليهودي أكانت أسفاراً بيبلية أو لا بيبلية. فلو ربط هؤلاء الشرّاح سفر الرؤيا بمدرسة يوحنا الرسولي لكانوا أقرب إلى الواقع. فالأسفار المقدّسة هي عمل جماعة قبل أن تكون عمل فرد يدوّن ما يدوّن في سكون غرفته. فالجماعة تأمّلت بتعاليم المسيح والكتب التوراتية، وجاء مَن يكتب باسمها حسب عبقريّته الخاصة.
إنّ معظم الشرّاح لا ينسبون رؤ إلى الرسول يوحنا نفسه. وهذه أسبابهم. الأول: لا شك في أنّ صاحب رؤ يسمّي نفسه يوحنا وعبد الله (1: 1) وأخ قرّائه (1: 9) والنبي (22: 8). ولكنه لا يسمّي نفسه أبداً "رسولاً". ونحن نعلم أنّ الأنبياء يأتون بعد الرسل في لائحة الوظائف حسب القديس بولس (أف 4: 11: البعض رسل والبعض أنبياء؛ 1 كور 12: 28: في الكنيسة أولاً الرسل. ثانياً الأنبياء). ماذا يكون الجواب؟ إنّ السلطة الذي بها يكتب "يوحنا" هي سلطة رسولية، لذلك فهو لا يحتاج أن يبرز لقبه. بل إنه حين لم يشدّد على درجته الرسولية لقرّائه، فقد أبرز سلطة أعظم حين كتب.
الثاني: لا شيء في رؤ يدلّ على أنّ الكاتب عرف يسوع التاريخي أو أنه كان حاضراً أمام أحداث يصوّرها الإنجيلي وتتعلّق بالرسول يوحنا. هذا ما يسمّى البرهان بالصمت. ولكن لماذا ننسى أنّ الإنجيل الرابع اهتمّ بخدمة يسوع التاريخي. أمّا رؤ فنظر إلى تتمة التاريخ. الثالث: هناك تقليد يقول إن يوحنا أستشهد. وراح بعضهم يقول إنّ يوحنا لا يأتِ أبداً إلى آسية الصغرى. يبدو أنّ هذا التقليد ضعيف. ولهذا تحاشى عددٌ من الشرّاح أن يتحدّثوا عن هذا الإستشهاد ليقدّموا برهانهم حول كاتب رؤ.
الرابع: وقدّم ديونيسيوس، أسقف الإسكندرية، برهاناً ضدّ السلطة الرسولية لسفر الرؤيا. كانت جماعة متطرّفة تستند إلى رؤ فأراد أن ينتزع منها سلاحها. حينئذٍ فصل رؤ عن يو و1 يو، مستخلصاً أن يوحنا لم يكتب رؤ (أوسابيوس، التاريخ الكنسي، 7: 25). وإلى ديونيسيوس إستند عدد من الشرّاح ليعلنوا أنّ يوحنا لم يكتب رؤ مستندين إلى خلافات بين الإنجيل الرابع وهذا السفر الغريب بفنّه الأدبي. سبق وقلنا إنه إن كان يوحنا لم يوحِ بكتابة رؤ، فالمدرسة التي تدور حوله هي التي دوّنت هذا الكتاب مرتكزَة على سلطانه الرسولي.

2- متى كتب سفر الرؤيا
قيل إنّ رؤ دُوّن فى زمن مبكر، في عهد الإمبراطور كلوديوس (31- 54). وقيل انه كُتب في زمن متأخر، في عهد الإمبراطور ترايانس (98- 117). فالذين قالوا بالزمن المبكر فسرّوا بعض العبارات والتلميحات على ضوء الواقع السياسي والثقافي والديني في منتصف القرن الأول. والذين أخذوا بالزمن المتأخر استندوا إلى سلطة الكتّاب القدماء. إنّ دوروتاوس (ناسك في القرن السادس) وتيوفيلاكت (مفسّر بيزنطي في القرن الحادي عشر) جعلا منفى يوحنا يتمّ في عهد ترايانس. أمّا معظم الباحثين فيجعل تأليف رؤ في عهد دوميسيانس (81- 96)، أو بعد نيرون (54-68). ونبدأ أولاً بالنظرية التي تقول إن رؤ دُوّن في زمن دوميسيانس.
أقدَم مرجع يجعل رؤ في عهد دوميسيانس هو إيريناوس. تحدّث عن رؤ فقال: في نهاية عهد دوميسيانس (ضد الهراطقة 5: 30). وسيذكر أوسابيوس القيصري كلام إيريناوس في التاريخ الكنسي (3: 18). أما إكلمنضوس الإسكندراني وأوريجانس (في مت 16: 6) فلم يذكرا إسم دوميسيانس. وكان فكتورينوس واضحاً (في رؤ 10: 11؛ 17: 10) وكذلك أوسابيوس (التاريخ الكنسي 3: 18، 20، 23) وإيرونيموس (الرجال العظام 9) في جعل تدوين رؤ في عهد دوميسيانس.
وإذا عدنا إلى سفر الرؤيا نفسه، نجد أنّ الخلفية هي صراع بين فرض سلطة سياسية توتاليتارية والتزام بالإيمان المسيحي. فقد تشخصنت الإمبراطورية الرومانية (صارت شخصاً حياً) في وحش يطلب لنفسه عبادة شاملة. نقرأ في 13: 4: "وسجد الناس للتنين (الشيطان) لأنه أولى الوحش سلطانه، وسجدوا للوحش قائلين: من مثل الوحش (رج: من مثل الله)؟ من له أن أن يقاتله (رج خر 15: 11)؟ يُمدح الوحش كما يُمدح الله (رج آ 17-18؛ 14: 9؛ 16: 2؛ 19: 20)! وشدّد النص على أنّ الناس جعلوا على جباههم سمة الوحش أو اقتيدوا إلى الموت. نقرأ في 13: 15-17: "تجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون... وتجعل الجميع يضعون سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم، بحيث لا يسع أحداً أن يبيع أو يشتري إلا من عليه السمة، إسم الوحش أو عدد إسمه" (19: 20؛ 20: 4). نستطيع أن نفسّر هذا الكلام تفسيراً معقولاً في إطار نموّ العبادة للإمبراطور، لا سيّما في آسية الصغرى. إنّ مفهوم العبادة للإمبراطور تطوّر في العالم الوثني القديم بعون عبادة الأوثان وتأليه الأبطال الأسطوريين. وفي الإمبراطورية الرومانية ألّهت الدولة فاستفاد الأباطرة من هذا الوضع ليقوّوا سلطتهم. بل ليجعلوا الناس يؤلّهونهم. فيوليوس قيصر تقبّل العبادة كإله وهو بعد حيّ. ففي أفسس بُني معبد يحمل هذه الكتابة: "إلى الالاهة رومة وإلى يوليوس الإلهي". تحفّظ أوغسطس فيما يخصّ رومة، ولكنه وافق على إقامة المعابد له في المقاطعات. وبعد موته عُبد في آسية الصغرى كما في الغرب. أمّا كاليغولا فما رضي بعبادة طوعية. بل فرض على عبيده في كل مكان أن يكرّموا تمثاله. وفي زمن نيرون تثبّتت عبادة الإمبراطور كنظام ديني. مع العلم أن اضطهاد المسيحيين في عهد نيرون لم يكن نتيجة مطالبة الإمبراطور بأن يُعبد، بلا لأنه احتاج إلى مجموعة يلقي عليها تهمة حريق رومة. وفي عهد دوميسيانس من تهرّب من تكريم الإمبراطور أخطأ في المجال السياسي واستحقّ العقاب. وهكذا صار الإضطهاد من قبل الدولة مؤسّساً على الدين. إنّ الصورة عن تثبيت عبادة الإمبراطور التي نجدها في رؤ 13 تنبىء بما سيصبح عليه الأمر فيما بعد. هناك صراع قريب بين الوفاء للمسيح والوفاء لقيصر. وهكذا يكون رؤ قد دوّن في عهد دوميسيانس. 
نجد داخل الكتاب نفسه بأنّ عاصفة الإضطهاد بدأت تهدأ بعض الشيء. فالكاتب نُفي إلى جزيرة بطمس (ولم يُقتل) "من أجل كلمة الله وشهادة يسوع" (1: 9). وإن كان هذا المنفى نتيجة عمل قامت به السلطة المحلّية، فمن المعقول أن نكون أمام سياسة عامة صادرة عن رومة. ففي الرسالة إلى برغامس، نعرف أن أنتيباس، الشاهد الأمين لله، قد حُكم عليه بالموت لأنه رفض أن ينكر إيمانه (2: 13). ونُبّه المؤمنون في سميرنة إلى ما ينتظرهم من ألم وسجن قد يصل بهم إلى التضحية بحياتهم (2: 10). ووُعد أهل فيلادلفية كنتيجة لأمانتهم: "سيحفظون من ساعة المحنة الآتية على العالم كله" (3: 10: إذن، لسنا فقط في نطاق محليّ). وحين فُتح الختم الخامس ظهرت "نفوس المذبوحبن من أجل كلمة الله والشهادة التي شهدوا بها" (6: 9). إنّ مثل هذا التصوير قد يعني الشهداء في كل مكان. ولكن التعليمة التي أُعطيت لهم بأن ينتظروا بعض الوقت لكي يكتمل عدد "رفاقهم في الخدمة" (آ 11)، تدلّ على أنّ الإضطهاد هو في الأفق.
ونحن نكتشف الإضطهاد في عدد من المقاطع خلال الحديث عن الزانية العظيمة (رومة) التي سكرت بدم القديسين والشهداء. نقرأ في 17: 6: "رأيت المرأة سكرى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع". وفي 18: 24: "فيك دم أنبياء وقديسين، ودم جميع المذبوحين على الأرض". وفي 19: 2 نقرأ نشيداً لله الذي "انتقم من يدها لدم عبّاده" (رج 16: 6؛ 4:20).
عاشت الكنيسة الأولى منذ البداية في جوّ وثني، ولم توافق الوثنيين على طريقة حياتهم (1 بط 4: 3). واعترفت بسلطة أرفع من سلطة الإمبراطور، ونظّمت اجتماعات لم يفهمها الحكّام على حقيقتها. أول مرة نشب الإضطهاد كان على أيام نيرون سنة 64 كما يقول تاقيتوس في حوليّاته (15: 14). إنحصر هذا الإضطهاد في رومة، فتميّز عن اضطهاد شامل يتحدّث عنه رؤ. وسيعود الإضطهاد إلى نشاطه في أيام دوميسيانس الذي ظنّ أنّ المسيحيين يشكّلون خطراً سياسياً عليه (هذا بالإضافة إلى الإتهام الديني). ويروي ديوكاسيوس أنّ دوميسيانس أعدم إبن عمّه فلافيوس كلمنس ونفى إبنة أخيه دوميتيلا إلى جزيرة بونطية لرفضهما الآلهة (أو: الالحاد). وتحدّث إكلمنضوس الروماني وهو معاصر لدوميسيانس عن "نكبات ومضايق مفاجئة حلّت بنا". وهذا ما يتوافق مع ما نعرفه عن دوميسيانس المتكبّر حتى الوقوع في مرض العظمة، وما قاله عنه المؤرّخون حول اضطهاده للمسيحيين. ومع أنّ انتشار الإضطهاد في أيامه لم يكن قوياً بشكل خاص، فلا نجد حقبة أخرى في القرن الأول توافق زمن كتابة رؤ. 
وهناك براهين أخرى تسند قولنا بأن رؤ كتب في عهد دوميسيانس. الأول: أسطورة نيرون التي نجدها في خلفية ف 13 و 17 لم تتوسّع فتُقبل قبل نهاية القرن الأول. الثاني: إن الانحطاط الروحي في أفسس وسارديس ولاودكية يتطلّب بعض الوقت. الثالث: وجود شيعة ضالة مع إسم معروف (النقولاويون) يفترض مسافة بين الزمن الرسولي وزمن رؤ. الرابع: غياب كل إشارة إلى عمل رائد لبولس في آسية الصغرى. الخامس: إستعمال متى وربّما لوقا، وهذا ما يجعلنا بعد سنة 085 السادس: قد لا تكون وُجدت كنيسة سميرنة قبل سنة 60- 064 السابع: يتحدّث رؤ 3: 17 عن كنيسة لاودكية الغنية، مع أن المدينة كانت قد دمّرت في زلزال سنة 60- 61 ب. م.
ونقدّم براهين القائلين بأن رؤ دوّن في عهد نيرون. الأول: في 11: 1- 2 قيس الهيكل. فهذا يعني أنه لم يكن بعد قد دمّر. ولكننا أمام إشارة رمزية تدلّ حقّاً على أن الهيكل دمّر وداسته الأمم الوثنية. وحين سمّى الكاتب "أورشليم" سدوم (11: 8)، فهو يعني أن مصيرها صار كمصير سدوم. الثاني: تفسير العدد 666 (13: 18) الذي يعود بنا إلى نيرون (ق ص ر: 100+ 60+ 200؛ ن ر و ن: 50+ 200+ 6+ 50= 666) كما في العبرية. إن إيريناوس الذي تحدث عن رؤ في بداية القرن الثالث لم يشر إلى نيرون (ضد الهراطقة 5/28- 30). ولكن التفسير الحديث يرى في نيرون نموذج المضطهد الذي في أيامه مات الرسولان بطرس وبولس. والسؤال الذي طرحه صاحب رؤ هو: إن كانت الكنيسة اضطهدت في رومة ولم تسقط، فهذا يدلّ على أن الله يحافظ على أمانته لها. لا في أيام نيرون وحسب. بل اليوم في عهد دوميسيانس وفي كل عهد تعرف الكنيسة الاضطهاد. هنا نتذكّر دانيال الذي إن قرأناه حرفياً حسبنا أن الكاتب عاش في زمن نبوكدنصر ودمار أورشليم سنة 587، وأنه ينظر إلى الأمام ويتنبأ على الممالك الآتية. أما الواقع، فهو أن دانيال عاش في أيام انطيوخس الرابع أبيفانيوس واضطهاده المريع لليهود سنة 163- 167. عاد الكاتب إلى الوراء وألقى نظرة على الأحداث التي سبقته، فـ "درسها" على ضوء كلمة الله. هو في موقع بشري، ولهذا عاد إلى الوراء ليكشف إرادة الله في شعبه. حماه الله خلال أعظم كارثة عرفها وهي دمار أورشليم. وهو يحميه اليوم خلال إضطهاد انطيوخس. فلماذا الخوف؟ أما إن جعل دانيال نفسه "في موقع الله"، فهو يؤكد أن التاريخ بيد الله وأن الملوك مهما عظموا يخضعون له. لهذا عاد إلى نبوكدنصر. ومثله عاد صاحب رؤ إلى نيرون. ولكنه في الواقع يعيش في أيام دوميسيانس
الثالث: تفسير سبعة رؤوس الوحش في 17: 10- 11 للقول بأن رؤ دوّن في زمن نيرون. الملوك الخمسة الذين سقطوا هم أوغسطس (27 ق. م.- 14 ب. م.) طيباريوس، كاليغولا، كلوديوس، نيرون (54- 68 ب. م.). ولكن من هو "الواحد القائم؟" قد يكون غالبا. وقد نصل إلى فيتاليوس. لا نتوقّف أكثر مما يجب على عدد الرؤوس السبعة التي تعني أول ما تعني التلال السبع التي عليها بُنيت مدينة رومة. ثم إن العدد 7 الذي يشير إلى الأباطرة، فهو يعني أن حقبة من اضطهاد انتهت، وبدأت حقبة ثانية مع العدد 8. هذا يعني أن على الكنيسة أن تعرف أن الاضطهاد يرافقها ما زالت أمينة لمعلّمها. فإن اتفقت مع "العالم" وساومت، كان لها راحة "سكان الأرض" وعبّاد الوحش.
وهكذا نقول إن رؤ في نسخته النهائية قد دوّن في عهد دوميسيانس، حوالي سنة 95. عاد إلى زمن نيرون، كما قلنا، ليأخذ منه عبرة بأن الله لا يتخلى أبداً عن كنيسته، كما هو لم يتخلّ أبداً عن شعبه. قد ذهب شعب التوراة إلى السبي. وتعرف الكنيسة الموت والمنفى. ولكن المؤمنين متأكّدون من الغلبة مستندين إلى أمانة الرب.

3- دخول سفر الرؤيا في الكنيسة
تفوّق رؤ على سائر أسفار العهد الجديد فعرف انتشاراً واسعاً وأقرّت به سريعاً كنائس عديدة. توجّه إلى سبع كنائس خاصة في آسية الصغرى. فكانت كل منها مركز إنتشار سفر الرؤيا في ما حولها، وهكذا وصل الكتاب إلى كل مقاطعة آسية الصغرى. وبما أن تعليمه تركّز على حقبة صعبة دخلت فيها الكنيسة كلها، تجاوز رؤ حدود آسية فوصل إلى المؤمنين في كل أنحاء الإمبراطورية.
ولكن اختلفت الآراء حول وجود آثار من رؤ لدى الآباء الرسوليين. قد نستطيع العودة إلى "راعي هرماس" في رؤاه (2: 2، 7؛ 4: 2، 5؛ 4: 3، 6) نقابلها مع رؤ 7: 14 و 3: 10. إن كاتب راعي هرماس قد اختطفه الروح (الرؤى 1: 1، 3). ونقرأ في رؤ 17: 3: "نقلني بالروح إلى البرية". وهناك صور مشتركة بين المؤلّفين: الكنيسة كإمرأة. عدوّها الوحش. الرسل هم جزء من بنائها الروحي. قد يكون راعي هرماس استقى من رؤ، وقد يكون استقى مع رؤ من تقليد جلياني مشترك.
وهناك موازيات مع رسالة برنابا. 21: 3 مع رؤ 22: 10، 12 (الوقت قريب. أجيء عاجلاً)؛ 7: 9 مع رؤ 1: 7، 13 (ها هو يأتي)؛ 6: 13 مع رؤ 21: 5 (كل شيء جديد). ومع أغناطيوس الانطاكي في رسالته إلى أفسس 15: 3. نقابل مع رؤ 21: 3 (مسكن الله مع البشر)، وفي رسالته إلى فيلدلفية 6: 1 مع رؤ 3: 12 (أكتب اسم إلهي).
وحسب أندرياس في مقدّمة تفسيره لسفر الرؤيا (القرن السادس)، إن بابياس أسقف هيرابوليس (منبج) في السنوات الأولى من القرن الثاني، عرف رؤ واعتبره ملهماً. يوستينوس الشهيد الذي عاش مدّة قليلة في أفسس وعلّم فيها بعد ارتداده (حوالي سنة 130) كتب: "رجل منا اسمه يوحنا، وهو واحد من رسل المسيح تنبّأ في وحي وصل إليه أن الذين يؤمنون بالمسيح سيكونون معه ألف سنة في أورشليم" (الحوار 81: 15). وهناك شاهد آخر يقوله إن رؤ أرسل إلى مليتون السارديسي الذي كتب حول الرؤيا حوالي سنة 175 كتاباً احتفظ أوسابيوس بعنوانه (التاريخ الكنسي 4: 26، 27).
وايريناوس مولود آسية الصغرى وأسقف ليون في جنوبي فرنسا، استشهد مراراً في كتابه "ضد الهراطقة" برؤيا يوحنا. هذا ما يدلّ على انتشار الكتاب السريع. وكتبت كنائس ليون وفيينا (فرنسا) إلى مؤمني آسية وفريجية كتاباً، فعادت إلى رؤ 14: 4؛ 12: 1؛ 19: 9؛ 22: 11 (التاريخ الكنسي 15: 58).
ودخل رؤ في لائحة موراتوري (نهاية القرن الثاني)، وهكذا وصل إلى رومة وقبلت به هذه الكنيسة. واللاهوتي الكبير هيبوليتس (القرن الثالث) عاش في رومة وأورد مقاطع من رؤ واعتبر أن صاحبها هو "رسول الرب وتلميذه". وفي قرطاجة، "ابنة كنيسة رومة"، اعتبر رؤ كتاباً له سلطانه. في نهاية القرن الثاني عاد ترتليانس، المدافع القرطاجي الكبير عن المسيحية، إلى رؤ وأورد مقاطع من 18 فصل من فصوله. وكان ذلك في السنوات الأولى من القرن الثالث (مثلاً، ضد مرقيون 3: 14، 4). وفي مصر اعتبر اكلمنضوس الاسكندراني رؤ كتاباً رسولياً (المربي 2: 119). ومثله فعل أوريجانس معاصره ومواطنه (شرح يوحنا 5: 3). وفي سورية العربية استعمل تيوفيلوس أسقف أنطاكية "شهادة من رؤيا يوحنا" في مقاله ضد الهرطوقي هرموجينس (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 4: 24). قد نستطيع أن نذكر مراجع أخرى، وكلها تدلّ على أنه منذ نهاية القرن الثاني انتشر رؤ وقبلت به الكنائس على أنه كتاب مقدّس وانه نتاج يوحنا الرسول.
ولكن كانت مقاومة لسفر الرؤيا. من قبل مرقيون بسبب الطابع اليهودي للكتاب. ومن قبل مجموعة مناوئة لمونتانوس في آسية الصغرى: رذلوا رؤ بسبب رموز لا تحمل على التقوى، وبسبب أخطاء وجدت في الكتاب (مثلاً، لا وجود لكنيسة في تياتيرة). وإن غايوس ذاك المدافع الغيور ضد المونتانية في رومة، رفض رؤ واعتبره من تأليف قرنتيس الهرطوقي الذي تصوّر الألفية مستوى عالم الحواس (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 3: 28). ردّ هيبوليتس على غايوس. ومنذ القرن الثالث فرض رؤ نفسه في الغرب، ما عدا بعض الشكوك عند إيرونيموس.
أما في الشرق فكانت معارضة طويلة لسفر الرؤيا. أراد ديونيسيوس الاسكندراني أن يردّ على نيفوس في موقعه الألفاني فتفحّص رؤ فأعتبره مهماً، ولكنه رفض القول بأن كاتبها هو يوحنا الرسول. وحين رُفضت "رسولية" الكتاب، طرح أسئلة حول قانونيته. فاوسابيوس القيصري (بداية القرن الرابع) تأثّر بديونيسيوس فقال إن رؤ كُتب بيد يوحنا الشيخ الذي يتحدّث عنه بابياس (التاريخ الكنسي 3: 39). وشكّ في هذا الكتاب أيضاً: كيرلّس، أسقف أورشليم (315- 386) ويوحنا فم الذهب (347 - 407) وتيودوريتس القورشي (386- 457). ثم إن رؤ لم يدخل في الأسفار القانونيه كما أعلنت في مجمع لاودكية (حوالي سنة 360). ولهذا ألغي من البسيطة التي هي الترجمة الرسمية للعالم السرياني.
ولكن بدأت "العودة" إلى رؤ منذ القرن الرابع مع اثناسيوس أسقف الاسكندرية. ثم جاء مجمع قرطاجة الثالث (397) فجعل رؤ بين الكتب القانونية التي تقرأ في الليتورجيا. وفي مجمع القسطنطينية (680) قُبل بسفر الرؤيا في الكنيسة الشرقية. أما اليوم فجميع الكنائس المسيحية تقرّ بقانونية سفر الرؤيا وإن اختلفت بعض الشيء في طرق تفسيره.
إن قرّاء رؤ الأوائل فهموا التعليم الأساسي لسفر الرؤيا بدون صعوبة تُذكر. ولكن مع مرور الأيام بدأ الغموض يسيطر حول المواعيد الاسكاتولوجية وتتمتها. فالكتّاب الأولون مثل يوستينوس دهايريناوس وهيبوليتس ارتبطوا بالنظرية الألفية فتحدّثوا عن ملك يدوم ألف سنة على الأرض، وتتبعه القيامة والدينونة وتجديد السماء والأرض. في القرن الثالث، أدخل فكتورينوس فكرة "نيرون العائد إلى الحياة" وفكرة "الإعادة والتجديد" التي فيها تتوازى سباعية الكؤوس مع سباعية الأبواق.
في كنيسة الاسكندرية توسّعت مقاربة تستند إلى الرموز، مستندة إلى الفكر اليوناني: فالملكوت المنتظر لم يقم. ثمّ كان هذا الموقف رداً على ما تحمل الحركة المونتانية من مغالاة على مستوى الألفانية. ولعب أوريجانس دوراً هاماً في إنهاض أسلوب الاستعارة في التأويل. يجب أن نقرأ الأسرار في رؤ، فنتخطّى المعنى الحرفي والتاريخي لنصل إلى المعنى الروحي. وسار تيكونيوس في خط أوريجانس وتبعه أوغسطينس في التفسير المستيكي والصوفي. أما في الشرق فلا نجد تفسيراً لسفر الرؤيا بسبب المعارضة التي قامت ضدّه ولا سيّما في العالم السرياني الذي كتب أسفار رؤى عديدة حتى في القرن السابع. ثم إن مخطوط سيناء العربي (كودكس 150) الذي يعود إلى سنة 867، فهو لا يتضمّن سفر الرؤيا مع أنه يتضمّن الأناجيل وأعمال الرسل وجميع الرسائل من بولس إلى بطرس ويوحنا ويعقوب ويهوذا.

خاتمة
هذه نظرة عامة إلى سفر الرؤيا تجعلنا نتساءل عن التعليم الذي أراد الرائي أن يحمله إلينا. هل نحن أمام تفسير روحي لحياة الكنيسة في أيام يوحنا، وبالتالي في كل تاريخ الكنيسة؟ هل نحن أمام درس للوقائع التاريخية؟ أما أراد بعض شرّاح القرون الوسطى في الغرب أن يجدوا في هذا الكتاب مراحل تاريخ الكنيسة حتى نهاية العالم؟ وأما رأى عدد من معاصرينا في رؤ تسلسلاً للتاريخ المعاصر ليوحنا، وللتاريخ التي تعيشه البشرية اليوم؟ كلها اسئلة ما زال الناس يطرحونها اليوم علّهم يجدون جواباً على الخوف الذي ينتابهم من نهاية العالم. أما نحن فنفهم رؤ إنطلاقاً من محنة تعيشها كنيسة يوحنا. عادت إلى سنة 64- 67 وحكم نيرون. بل عادت إلى أسفار العهد القديم وقدّمت جواباً للمسيحيين العائشين في نهاية القرن الأول والمعرّضين لاضطهاد مريع. يتوجّه رؤ أول ما يتوجّه إلى معاصري يوحنا لكي يشجّعهم ويذكّرهم بأمانة الله لكنيسته. ولكن كلمة الله هي هي أمسك واليوم وإلى الأبد. وهي بالتالي تتوجّه إلينا اليوم لا لتخبرنا بأمور تاريخية، بل لتقوله لنا كلمة الله في الحاضر الذي نعيشه