رؤية إبن البشير

 

 

لقد استعدت الجماعة. والله الحاضر فيها ليتورجياً مع الإبن والروح، سيقدّم بواسطة شاهده يوحنا، وحياً مباشراً ومعمّقاً عن علاقته بالتاريخ كله، بل عن علاقته بهذه القطعة من التاريخ التي تعيشها الجماعة اليوم. 
نحن هنا في الرؤية الاعدادية. وهي تتضمن عدّة أجزاء:
1: 9- 10: المستفيد من الرؤية، مكان الرؤية وزمانها: يوحنا. في جزيرة بطمس. في يوم الرب، أي يوم الأحد والإحتفال بالليتورجيا المقدسة.
1: 11: الأمر بالكتابة: أكتب ما تراه وأرسله إلى الكنائس.
1: 13- 16: مضمون الرؤية: ابن إنسان...
1: 17: تأثير الرؤية على الرائي: وقعت عند قدميه كالميت.
1: 18- 20: تشجيع (لا تخف) وأمرٌ ثانٍ بكتابة الرؤية.
يدخل في رؤية "ذاك الذي يشبه ابن إنسان" أخبار عديدة تورد رؤى من التوراة. وهكذا تتسجّل هذه الرؤية التي جاءت في الأزمنة الأخيرة للمسيحية الأولى، في خطّ ظهور الله لموسى وإيليا وأشعيا ودانيال، في خطّ الظهور على الرسل فوق جبل التجلّي. هذه الرؤية تختتم كل الرؤى السابقة وتتوّجها.

1- ظروف الرؤية والأمر بالكتابة (1: 9- 11)
لسنا أمام دعوة يوحنا، كما في أسفار الأنبياء، بل أمام أمر بالكتابة. وليس الله هو الذي يرسل، بل المسيح. لا يقال: الوحي الذي ناله يوحنا. بل وحي يسوع المسيح. لا أشياء جديدة لم يُسمع بها. بل تفكير وتأمل يا كلام يعرفه المسيحيون: المصلوب يأتي. القائم من الموت يأتي. إنه الشخص الرئيسي في رؤ، إنه مركزه المضيء والديناميكي.
أنا يوحنا. لا إشارة كرونولوجية: في أيام الملك... ما يهمّ في شأن يوحنا هو وضعه كشاهد ومعترف. وضعه كمعلن للإيمان. هذا "أنا" يذكّرنا بدانيال: "أنا دانيال وحدي، رأيت الرؤيا، والرجال الذين كانوا معي لم يروا الرؤيا" (دا 10: 7).
وقدّم يوحنا نفسه كرفيق المحنة، كرفيق الإضطهاد الذي يصبّ على الجماعات المسيحية في آسية الصغرى. وهو نفسه قد نُفي إلى جزيرة بطمس، لأنه رئيس الجماعة المسيحية في أفسس. هذه الجزيرة الصخرية الصغيرة (إسمها اليوم: باتينو) تقع على شاطىء تركيا، ومساحتها هي فقط 40 كلم مربع. إن دير القديس يوحنا المشهور ينتصب في قلب مدينة خورا الواقعة على الجبل. هناك فجوة في الصخر كان الرائي قد اعتاد القيام فيها. 
أخوكم وشريككم. الإخوة والشركاء هم المسيحيون. وبصورة خاصة هم الذين يتبعون المسيح في طريق الألم والإستشهاد (6: 11؛ 12: 10- 11؛ 19: 10). ويوحنا هو واحد منهم. هناك مجالات ثلاثة تنعقد فيها الشراكة بين المسيحيين. في المحنة. في الملكوت. في الثبات. صفات ثلاث هي في الواقع واحدة. قبلها أل تعريف واحد. ولفظة "في يسوع" ترتبط بكل واحدة منها.
رفيق محنة في يسوع: نحن أمام محن نهاية الأزمنة (تلبسيس). محن يواجهها المسيحي لأن في المسيح يختلف عن العالم. رفيق ملكوت في يسوع: من يعيش المحنة يختبر منذ الآن انتصار يسوع الحاضر على الخطيئة والموت (11: 15؛ 12: 10؛ 20: 1- 8). رفيق الثبات والصبر والمقاومة في يسوع: نحن أمام الأمانة لكي نحتمل التوتّر الذي نعيشه (في العالم، لسنا من العالم) حتى عودة المسيح. ولكن عبر هذا الثبات يبدّل الله المضطهدين فيجعل منهم مواطني الملكوت. ونحن نعيش كل هذا في يسوع. قال بولس الرسول: "أعرف المسيح وأعرف القوة التي تجلّت في قيامته وأشاركه في آلامه وأتشبّه به في موته" (فل 3: 10). وقال بطرس: "المسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه" (1 بط 2: 21).
من أجل كلمة الله وشهادة يسوع. الكلمة والشهادة هما واحد. قد تتضمّن الشهادة عطاء الذات والإستشهاد. وقد سُجن يوحنا بسبب إيمانه. هذا إجراء فردي وخفيف نسبياً. فالإضطهاد الذي خضع له المسيحيون في أيام دوميسيانس كان مبطّناً ولم يكن يسري على الجميع. ولكن يبقى أن آسية الصغرى عرفت أكبر الصعوبات في أيامه.
إختطفني الروح (رج 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). يحن أمام "خروج" من هذا العالم. هذا ما شعر به بطرس حين كان يصلّي وقبل أن يعمّد كورنيليوس (أع 11: 5)، وبولس حين كان يصلّي في الهيكل (أع 22: 17؛ رج 2 كور 12: 1 ي). لا يتوقّف الكاتب عند "كيف" (خطف). فما يهمّه هو الرؤية وواقع الإلهام.
إختطف في يوم الرب، يوم الأحد. هو يوم القيامة. اليوم الذي فيه أظهر يسوع سيادته. اليوم الذي فيه يحتفلون بالافخارستيا. الذي فيه ينتظرون عودته. إنّ الليتورجيا تجعلنا نتصل إتصالاً مسبقاً بأحداث نهاية الأزمنة.
سمعت صوتاً. الرؤية هي أولاً صوت. فالكلمة تسبق الرؤية ثم توضحها (آ 17). لا قيمة للرؤية في ذاتها بدون الكلمة التي تشرحها. وكلمة المسيح هي الأولى دوماً تجاه الميول الصوفية لدى "الرائين"، تجاه "التأمّل الصوفي". نقرأ في آ 12: "إلتفتُّ لأنظر الصوت". فالموضوع الحقيقي للرؤية والمشاهدة هو الكلمة نفسها. والصوت هنا هو صوت ابن الإنسان.
كصوت البوق. هذه الألفاظ مثل "كما" "يشبه" تعود مراراً في رؤ وهي مهمة جداً. إنها تقول لنا إن التقاربات تترجم ضعف اللغة البشرية وعجز الصور الأرضية عن التعبير تعبيراً أميناً عن أمور الإيمان السامية المتعالية. وتبدو صور رؤ مرات عديدة غير متماسكة، غير مترابطة. فقد جُعلت هنا لا لترينا ولتبيّن لأنظارنا شيئاً ما، بل لتعني لنا، لتشير إلى أبعد من الصورة. إنها صور تحدّث العقل (والقلب) لا العينين. نحن أمام لغة لاهوتية تقليدية، لا أمام أسلوب تصويري أو جمالي بسبب الرسوم التي فيه. لهذا، فمحاولة ترجمة رؤ في صور لا تحمل الشيء الكثير إلى الفهم، بل تدفعنا مراراً إلى "الضحك". البوق هو عنصر عبادة يُسمع هتافُه في التيوفانيات، في الظهورات (خر 19: 13؛ عب 12: 19). إذن، إستعمل هنا ليعلن عودة الرب (مت 24: 31؛ 1 كور 15: 52؛ 1 تس 4: 16). 
إن رؤية الرب (كيريوس) المتجليّ تقع في اليوم المطبوع بالحدث الخلاصي، في اليوم الأول من الأسبوع (مت 28: 1؛ يو 20: 1؛ أع 20: 7؛ 1 كور 16: 3)، يوم الأحد، يوم قيامة المسيح: هكذا كان يتكلّم المسيحيون الأولون الذين ابتعدوا شيئاً فشيئاً عن السبت اليهودي. وحين "اختطف" يوحنا، لم يرتفع عن الأرض، بل إن جزيرة بطمس هي الموضع الذي فيه يستطيع أن يرى ويسمع ما لا يستطيع إنسان أن يسمعه لولا نعمة الله.
أكتب. يحيط بالرؤية أمران: كتب (آ 11، 19). فالمعنى هو واضح: ليس يوحنا ذاك "الكامل" (تدرّج في المعرفة) الذي ينال وحده إيحاءات سامية. إنه الأخ الذي يتقاسم كل شيء مع إخوته.
سبع كنائس. هناك خطر ملحّ؟ أو: هي كنائس تسمع ليوحنا؟ ترسل الكنيسة إلى مركز ومنه تشعّ إلى الأماكن المجاورة. قد نكون أمام دورة رعائية يقوم بها يسوع بواسطة هذه الرسائل السبع. هي كنائس آسية الصغرى، بل كل جماعة الخلاص، وكنيسة العهد الجديد كما تتحقق بشكل ملموس في كل كنيسة محلّية.

2- مضمون الرؤية (1: 12- 16)
ماذا رأى يوحنا (آ 12- 16)؟ ثم ماذا سمع (آ 17- 20)؟
أُخِذ يوحنا على غفلة، فاجأه الأمر، تجاوزه. عليه أن يلتفت. هكذا "التفتت المجدلية وراءها فرأت يسوع واقفاً" (يو 20: 14). فالمسيح يأتي ويقف حيث لا نتوقّع ولا ننتظر.
سبع منائر من ذهب. تأثرت الصورة بما في زك 4: 2، 10. منارة (شمعدان) فيها سبعة سرج (قناديل). صارت سبع منارات بتأثير من 1 مل 7: 49. يرى زكريا أن هذه السرج السبعة تدلّ على سهر الله ومعرفته الشاملة. سيعود 4: 5 و5: 6 إلى نص زك، فيرى فيه رمز الروح المسبّع الأشكال: "سبعة مشاعل هي أرواح الله السبعة". "سبع عيون هي أرواح الله السبعة".
في آ 20 المنائر هي الكنائس. ولهذا نفهم النصّ على ضوء مت 5: 14 ي (أنتم نور العالم، فليضىء نوركم قدّام الناس)، فل 2: 15 (تضيئون فيه كالكواكب في الكون)، وعدد من النصوص الرابانية: ترمز المنائر إلى طاعة الشعب وتقواه أمام الله وأمام البشر بانتظار عودة الملك المسيح الذي سيكون السراج الحقيقي (21: 23: الحمل هو مصباحها). المنائر هي صورة الكنائس التي تنتظر (مت 26: 1 ي) بأمانة، صورة إشعاع الحياة المسيحية في هذه الكنائس.
ابن إنسان. أخذت هذه العبارة من دا 7: 13؛ 10: 5 فدلّت على "الإنسان". وهي ترد 69 مرة في الأناجيل الإزائية. إنّ هذا اللقب الملوكي قد عرف لدى المسيحيين الأولين تطوّراً هاماً. في البداية، إبن الإنسان هو ديّان اليوم الأخير. في النهاية، رأوا فيه يسوع الناصري الذي يعيش الفقر و"العري"، الإضطهاد والصلب. ابن الإنسان هو أيضاً مسيح القيامة. إنحصر المدلول الأول في العالم الإسكاتولوجي. وتكمّل فيما بعد بسمات المسيح التاريخي والأرضي، كما بسمات المسيح المتجلّي والحاضر في كنيسته والعامل فيها.
في وسط المنائر شخص... ليست المسيح فوق الكنيسة، خارج الكنيسة، بل وسط الكنيسة، وسط المؤمنين. ليس غريباً عن أخصّائه، ولم يؤخذ منهم. إنه وسط المنائر، أي قريب من جماعته. فكيف نتخيّل يسوع من دون جماعته؟ يسوع ابن الإنسان (غياب أل التعريف لا يؤثّر) ما زال يمارس ملكه ودينونته، وذلك في كنائسه.
هنا تبدأ صورة ابن الإنسان: رأسه، رجلاه، حركاته، وجهه. وتستلهم هذه الصورة دا 10: 5-10 (رج دا 7: 9). إنه شخص عظيم بلباسه الطويل وحزامه الذهبي.
يلبس ثوباً طويلاً. إن صورة الثياب تذكّرنا بعظيم الكهنة في العهد القديم (خر 28: 4 ي؛ 39: 1 ي). فابن الإنسان هو عظيم الكهنة والمحتفل بليتورجية الميثاق الجديد (عب 4: 4- 5: 10). والثوب الطويل الذي يصل إلى القدمين يلامس الأرض. فمن أجل الأرض كلها أتمّ عمل الخلاص. نقرأ في حك 18: 24: "كان يلبس ثوباً طويلاً مزيّناً برموز العالم كله". ويدلّ حزام الذهب على الكهنوت والملك (1 مك 10: 89) اللذين يتمتّع بهما ابن الإنسان. في هذه الرؤية، يصل سرّ الشخص إلى الكهنوت السامي "حسب مليكصادق" (عب 5: 10)، وهو سيدوم في الميثاق الجديد.
رأسه. عيناه. تستلهم الصورة دا 7: 9 الذي يتحدّث عن الله (إذن، ابن الإنسان هو الله). البياض هو لون إلهي، لون المجد المشعّ، لون الغلبة والإنتصار. والرأس والشعر الأبيض يدلاّن على عدد كبير من السنين، على الأبدية. هو أكبر وأحكم من أي شيخ مهما كانت أيامه. وما كان يُقال عن الله في دا يُقال هنا عن المسيح. أما البهاء الساطع في عينيه فيذكّرنا بظهور الله على موسى في العليقة الملتهبة (خر 3: 1 ي). إنّ النار ترمز إلى الحياة كما إلى حضور الله. إنها علامة الحب، علامة الدينونة والتنقية. في دا 7: 9، تحيط النار بالله. أما العينان فتدلاّن على المعرفة. فنار النظر الإلهي تتغلغل في الإنسان وتكشف خباياه. هنا نتذكّر دا 10: 6 حيث للملاك عينان مثل سراجين من نار.
رجلاه كنحاس مصقول. ما زال الكاتب يتمتم فيحاول أن يتمثّل المسيح كما استشفّه في الرؤية. هذا النحاس (خلكس) هو في الواقع مزيج من فضّة وذهب. يتميّز بلمعانه. وهو ثمين جداً. ثم هو نقي بعد أن حمي في الأتون. هذا المعدن (دا 10: 6) يدلّ على ثبات الشخص وقوته. تجاه هذا، كانت رجلا التمثال في دا 2: 33 من حديد وطين (أو: خزف). هذا يدل على الضعف وسرعة العطب. أما ابن الإنسان فيتميّز بالصلابة والنقاوة كما بالحب والفداء.
صوته كصوت مياه غزيرة. نحسّ بالمجهود الذي يقوم به الرائي ليجد الكلمات والتشابيه التي تساعدنا على أن نستشفّ ملء ما لا يعبَّر عنه وأحداثاً دائماً جديدة. قد يكون يوحنا نظر إلى شاطىء الجزيرة فسمع صخب الأمواج، فأفهمته هذه الصورة تنوّع وغنى رؤية المسيح التي لا يستنفدها نظر. نتذكّر هنا صوت الله (حز 1: 24؛ 43: 2) الذي هو كصوت جمهور (14: 2؛ 19: 16). صوت الملاك في دا 10: 6 يشبه صوت جماعة كبيرة. هدير مائج. موسيقى متواصلة. كل هذا يدلّ على عظمة ابن الإنسان وبهائه.
في يده اليمنى سبعة كواكب (أو: نجوم). رج 2: 1؛ 3: 1. فابن الإنسان مسلّط حتى على الكواكب في السماء. سلطانه يشمل الكون كله، يشمل السماء والأرض. اليد اليمنى هي يد البركة والعناية المحبّة. وهذه الكواكب هي أيضاً الكنائس السبع (1: 20) (تدلّ على الكنيسة كلها) التي لا توجد إلاّ بنعمته: إنها في يد الله. وقد تكون "سلاحاً" بيد ابن الإنسان بها يحارب الشّر والخطيئة.
يرمز السيف إلى الكلمة بدليل ما نقرأ في أش 49: 2: "فمي جعله كسيف قاطع". وفي حك 18: 16: "يحمل حكمك الصارم كسيف قاطع". وفي عب 4: 12: "وكلمة الله حية فاعلة، أمضى من كل سيف له حدّان". وقد يدلّ السيف على الروح كما في أف 6: 17: "تقلّدوا سيف الروح الذي هو كلام الله". أما في رؤ، فالسيف يميّز الديان الذي يزيل الهراطقة والكافرين (2: 12، 16؛ 19: 15). فبعد صورة حبّ الله وعنايته (اليد اليمنى)، تتحوّل الصورة فجأة فتجعلنا أمام دينونة لا ترحم يتلفّظ بها الربّ في يوم من الأيام. حيث يظهر المسيح، تتفجّر أزمة تخلق انقساماً (جئت لألقي ناراً) وتفرض خياراً. فلا يستطيع أحد أن يتفلّت من هذا الحضور. فالسيف مسنون ومن يقاومه؟
وجهه كالشمس. لا نستطيع أن نتحمّل بهاء ابن الإنسان وضياءه. فالأعين البشرية لا تقدر أن تنظر إلى ملء النور الإلهي. من يستطيع أن يرى وجه الله (ونوره) ويبقى على قيد الحياة. هنا نتذكّر يسوع في التجلّي (مت 17: 2)، كما نتذكر تمجيد الأبرار في العالم الآتي (قض 5: 31: يكون محبّوك كالشمس المشرقة في بهائها). قال يسوع في نهاية مثل الزارع: "وأما الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

3- تأثير الرؤية وتشجيع يوحنا (1: 17- 20)
تحدّثنا في آ 16-20 عما رآه يوحنا. وهنا نتوقّف عند ما سمعه: لا تخف. أنا الأول والآخر. فلما رأيته. إن المسيح الذي رآه يشبه "ابن إنسان" (إنسان من الناس)، ولكنه يتجاوز العقل وإمكانية الإختبار لدى الإنسان. بل هو يسحق الانسان بشكل لم يُسمع به، ويلقيه إلى الأرض. لا يستطيع الإنسان أن يحتمل "رؤية" الله. فالله هو "الآخر الآخر". إنه غريب كل الغربة عن الإنسان، ولو كان الإنسان مخلوقاً على صورته (تك 1: 26). فبين الله القدوس والإنسان الخاطىء إختلاف جذري، هوّة سحيقة. فأمام الله القدير والكلّي القداسة، يبدو الإنسان خليقة، وخليقة خاطئة. يبدو قريباً. من العدم.
وقعتُ عند قدميه. هذا ما نكتشفه في التيوفانيات والظهورات (حز 1: 28؛ دا 8: 18؛ 10: 8 ي). هذا ما يدل على حقارة الإنسان أمام الله. فالإتصال بالله يفعل فينا فعل الصاعقة. فلمسني بيده اليمنى. نحن أمام تناقض أراده الكاتب. المسيح يضمّ العالم كلّه، ولكنه ينحني على كل إنسان. فبيده التي تمسك الكواكب السبعة (أي: ملء السماء) يُنهض خادمه. لن نتساءل ببلاهة: أين يضع الكواكب في ذلك الوقت. نحن لسنا أمام صورة مرسومة، بل أمام مدلول لاهوتي يدلّ على تعطف الله وحنانه على يوحنا وعلى كل واحد منا.
ترى التوراة أن من رأى الله صار إلى الموت. فاللقاء بالله يدرك الإنسان بشكل فريد جداً بحيث لا يستطيع الإنسان أن يعود إلى تفاهات الأرض. مسّته خبرة الأبد، فكيف يعود إلى الزمن؟ أراد بولس أن ينحلّ ليكون مع المسيح. وشعر يوحنا أنه قريب من الموت، ولكن يد الله لامسته وشجّعته. وهكذا حملت رؤية المسيح تعليم تعزية يتوجّه إلى جماعات مسيحية تعرف المحنة. ليس تعليمه حملاً ثقيلاً بل كلام تشجيع من أجل الثبات.
قال. نحن هنا في ذروة الرؤية، نحن أمام أول كلمة يتفوّه بها المسيح، وهى كلمة تشجيع وعزاء: لا تخف. هي كلمة تتكرّر مراراً في الكتاب المقدّس كله (رج لو 1: 13، 20؛ 2: 10؛ مر 16: 6...).
لم يعُد من شكّ. فنحن أمام رؤية المسيح. وكلماته تتضمّن ملخصاً كرستولوجياً (يتحدّث عن يسوع المسيح) مع نقاطه البارزة: الصلب والقيامة. في هذا المقطع تشعّ صورة كما رآها القديس بولس وعرفتها الجماعات المسيحية في آسية الصغرى. المسيح القائم هو المنتصر على الموت. "إنه بكر الراقدين" (1 كور 15: 20). ونقرأ في كو 1: 15- 20: "بكر الخلائق كلها. به خُلق كل شيء في السماوات وفي الأرض... به وله خُلق كل شيء... شاء الله أن يصالح به كل شيء في الأرض كما في السماوات، فبدمه على الصليب حقّق السلام".
أنا الأول والآخر (2: 8؛ 22: 13). استعملت التوارة هذه العبارة لله (أش 44: 6؛ 48: 11). أما في رؤ فهي تعود دوماً إلى المسيح. وهي توازي عبارة "الألف والياء" التي تدلّ على وجود المسيح قبل الخلق وما وراء تاريخ العالم.
أنا الحيّ. الله هو الحيّ. وهنا أيضاً تُنقل صفة إلهية من الله إلى المسيح. هذه الكلمة توضح المعنى الذي فيه يكون المسيح الآخر: لقد تلفّظ بآخر كلمة لله. وفي هذا الزمن الأخير الذي دشّنه، يبقى الحيّ والحاضر والفاعل وسط البشر ومن أجل البشر. نحن هنا أمام تأكيد نجده عند يو 1: 4 (فيه كانت الحياة)؛ 5: 26 (الآب مصدر الحياة، الإبن مصدر الحياة)؛ 11: 25 (أنا القيامة والحياة)؛ 14: 6 (أنا هو الطريق والحق والحياة).
كنتُ ميتاً. يوضح النطق لماذا نستطيع أن نسمّي المسيح "الحيّ" على مثال الله. هنا تُذكر الكرازة الأولى: فيسوع المجيد هذا هو ذاته الذي عاش بيننا، عرف (في الماضي) الموت يوم الجمعة العظيمة. منذ الفصح، هو حيّ (الحاضر، حاضر الأبدية الذي لا ماضي فيه). "أنا حيّ" (آ 18). غير "أنا الحيّ" (آ 17). لسنا أمام حياة الله (الذي هو الحيّ)، بل أمام الحياة التي مُنحت لبشرية يسوع بعد قيامته (لو 24: 5، 23؛ أع 25: 19). ولسنا أمام عبارة "عدت إلى الحياة". فهي تدلّ على لحظة القيامة. أما هنا فالمعنى يشبه ما في روم 6: 9: "المسيح أُقيم من بين الأموات، فلا يموت أبداً". 
بيدي مفاتيح. الموت والجحيم هما موضع الموتى. لقد دخلهما يسوع وأخضعهما له. إحتلّهما كما يحتلّ قائد حصناً من الحصون. والمعنى واضح: لا شيء يوقف امتداد سلطة يسوع. فالموت نفسه تراجع من أمامه. وسبق وقلنا إنّ ابن الإنسان يمسك الكواكب في يده، أي يسيطر على السماء. هنا نتذكّر فل 2: 10: "لتنحني لاسم يسوع كل ركبة في السماء وفي الأرض وتحت الأرض". هذا يدلّ على ملء العالم المخلوق، عالم الأحياء، عالم الموتى. ونتذكّر أيضاً نزول يسوع إلى الجحيم، إلى عالم الموتى.
هذا هو أول إعلان للمسيح وهو يفتتح الرؤيا ويعدّ يوحنا ليسمع الأمر بالكتابة. هذا الإعلان يبرز طبيعة ومدلول سيادة المسيح على الكنائس. هو ديّان كلّي القدرة وكلّي الرؤية. ولكنه قبل كل شيء ذاك المنتصر على الموت، ذاك الذي يُحيي ويعطي الحياة. فمع قيامة المسيح بدأ فداء الكون كله. فكانت لنا الحياة جميعاً وتجلّى الكون بانتظار أن يصبح أرضاً جديدة وسماء جديدة.
فاكتب (آ 19). هنا نعود إلى الأمر الذي سمعه يوحنا فيما قبل (آ 11). كتب ما رأيت. ما يكون الآن. ما سيكون بعد ذلك. ما رأيت، أي الرؤية الإعدادية (آ 19- 20). ما يكون الآن، أي الرسائل إلى الكنائس (ف 2- 3). ما سيكون، أي 4: 1- 22: 5. أو بالأحرى: ما رأيت (جميع الرؤى). ما يكون الآن (2: 3). ما سيكون (4: 2).
إن 1: 1 و 22: 6 يقدّمان برنامج الكتاب: ما سيكون بعد ذلك (4: 1). إذن، هدف الكاتب الأساسي هو إعلان مجيء المسيح في العالم. بعد هذا، أحسّ بالحاجة إلى أن يتوجّه إلى كنائس محدّدة تعرف الصعوبات. وهكذا يكون 1: 19 لمسة جديدة على المخطّط الأول لتأمين موضع للرسائل (ما يكون الآن) تجاه الأمور المقبلة (ما سيكون). هناك تدوين أول تضمن 1: 1-19 و4: 22. ثم زاد الكاتب 1: 20-3: 22.
ومهما يكن من أمر، لا يجب أن نصلّب التعارض بين "ما يكون الآن" و "ما سيكون بعد ذلك": فالرسائل تتضمّن تلميحاً إلى المستقبل. وإعلان النهاية يعود إلى الحالة الحاضرة التي تعيشها كنائس آسية الصغرى.
الكواكب السبعة هي ملائكة الكنائس السبع (آ 20). فالمنائر في آ 12 قد تدلّ على روح الله الذي لا يفلت منه شيء (يرى كل شيء). والكواكب في آ 16 تعني سلطة المسيح على الكون، كما على الكنيسة كلها. والكواكب هنا تدلّ على ملائكة الكنائس والمنائر هي الكنائس. هناك سرّ الكواكب (أو: النجوم) أي المدلول الحقيقي الذي يبقى خفياً. وهناك المنائر. لا نجد سرّ الكواكب والمنائر. بل سرّ الكواكب فقط.
من هم ملائكة الكنائس؟ إذا جعلنا ف 2-3 جانباً، نرى أن رؤ يتكلّم 60 مرة عن الملائكة. هم خلائق سماوية وعلوية (تفوق الطبيعة البشرية). كانت محاولات تقول بأن ملائكة الكنائس هم بشر: مرسلون، موفدون، أساقفة. فالتعليم يتوجّه إلى كنائس موجودة على الأرض. إذن، يبقى علينا أن نبحث عن الرباط القائم بين هؤلاء الملائكة والكنائس.
عرف العالم اليهودي ملائكة شفعاء بالأمم (دا 10: 13، 20- 21؛ 11: 1؛ 12: 1)، وعرف الملائكة الحرّاس للأفراد (مت 18: 10؛ أع 12: 15). هؤلاء الملائكة هم ممثّلون سماويون لأشخاص (أو: وقائع) أرضيين. ولكن الشخص الأرضي وملاكه لا يمثّلان كائنين مختلفين، بل واقعاً واحداً هو الواقع الذي نجده على الأرض وننظر إليه من زاويتين مختلفتين.
فالصورتان (الكواكب، المنائر) تشيران إلى واقع واحد وحيد: الكنيسة المؤلفة من بشر أحياء. صورتان هما جزء من الرموز المضيئة. غير أن الكوكب (أو: النجم) هو سماوي. أمّا المنارة (أو: الشمعدان) فهي ترتبط بالأرض. ومع ذلك فنحن أمام الكنيسة عينها. فإن صوّرناها في شكلين، فلأنّ لها طابعين: من جهة، هي كنيسة تحاول رغم الصعوبات أن تحافظ على سراجها مضاءً رغم الرياح المضادّة التي تهبّ على العالم. ومن جهة ثانية، تبدو هذه الكنيسة لمن فتح الإيمان عينيه، كواقع اسكاتولوجي، كواقع من العالم الجديد والنهائي الذي هو علامة دنيوية للملكوت المقبل. إذن، مكانها هو قرب الله، في السماء، وسط الملائكة.
فإذا نظرنا بعين الجسد أو بعين الإيمان، فالكنيسة هي على الأرض أو في السماء (لا سيما حين تحتفل بالليتورجيا). هي مهدّدة وخالدة معاً. هي مضطهدة ومجيدة. إنها تشبه مسيح التجلّي (كما في الأناجيل): فهو شمس في مجد الآب وإنسان عادي أمام البشر. من فهمَ هاتين النظرتين الأرضية والسماوية، والدنيوية والإيمانية، إلى هذا الواقع الوحيد الذي هو البشرية أو الكنيسة، إمتلك المفتاح الرئيسي الذي يُدخله إلى رؤ، وتفلّت من فخّ التفسير المكاني (يقول: السماء هي فوق، والأرض هي تحت) ومن التمييز الحقيقي بين الكنيسة وملاكها، بين الإمبراطورية والوحش... نحن لسنا أمام مسافة مكانية أو تمييز عددي، بل أمام مستويين مختلفين لواقع واحد هو واقع الكنيسة.
هذا تفسير. وهناك تفسير آخر يرتبط بالتقليد. فالملاك في رؤ يعني: الملاك الحارس للكنائس. وهو تجسيد رمزي للموقف الداخلي في هذه الكنائس. وهو أخيراً المسؤول (رئيس، أسقف) في الكنائس. في العهد القديم (حج 1: 13؛ ملا 2: 7؛ 3: 1) سمّي الكهنة والأنبياء ملائكة (مرسلي) الله. ودلّت لفظة "ملاك" على رئيس المجمع عند اليهود. وهذا يعني آن "ملائكة الكنائس السبع" هم رؤساء الجماعات المسيحية (رج مر 1: 2؛ مت 11: 10؛ لو 27:7).

خاتمة: أي تعليم نستنتجه
- إن خبر هذه الرؤية يجعلنا نكتشف الصعوبات التي يواجهها الإنسان لكي يتكلّم تكلماً صحيحاً عن الله، حتى وإن لجأ إلى الصور والتشابيه. ندرك مجهود الإنسان وضعف لغته لكي ينقل إلى الآخرين ما منحته النعمة أن يراه في رؤية. الله وحده يعرف الله. الله وحده يتكلّم عن نفسه. وكل لغة بشرية تبقى تمتمة مرهقة "لأن علمنا ناقص" (1 كور 13: 9).
- ظهر المسيح في بهائه بأشكال مختلفة: كاهن أعظم وملك (اللباس والحزام، آ 13). الله أزلي وعالم بكل شيء (رأس وشعر أبيض... عينان، آ 14). منادٍ بالخلاص وصانع الخلاص (آ 15). ديّان العالم كله (يخرج سيف، آ 16). فمن أدركه نظرُ المسيح الناريّ لا يستطيع أن ينساه أبداً. فقدما المسيح قد حميتا لأنهما سارتا لخلاص البشر. وتركت هاتان القدمان آثار حبّ الآب المستعد دوماً للغفران. وبكلمة المسيح فاض الوحي كنهر مائج على عالم البشرية بما فيه من صحراء وعقم وخطيئة. ولم تكن كلمة لله للبشر جامدة كشيء نحرّكه كما نشاء؛ فهي تبقى حية وفاعلة وديناميكية. ونحن ما زلنا نتعمّق فيها ونكتشفها. وكلمة الله وحبه الخلاصي قد رأيناهما وسمعناهما ولمسناهما في يسوع الذي هو الرب الديّان وكاشف الأفكار.
- كيف واجه الإنسان رؤية المسيح؟ هو لا يستطيع أن يتحمّل البهاء الإلهي. هو يختبر حضور الله في الخوف والرعدة. فواقع الله وتعليمه يتجاوزان الإنسان ويقيّدانه فلا يعود يستطيع أن يفكّر أو يتكلم. من جهة، هناك الله الأزلي والعالم بكل شيء، القدير والقدوس. ومن جهة ثانية، هناك الإنسان المخلوق والجاهل، والضعيف والخاطىء.
- لا يريد الله أن يحطّم الإنسان، وإن كان "يصدمه" بحضوره ويجعله يخسر "توازنه". ليس الله تمثالاً في الدار لا يتحرّك. إنه الحيّ والقريب من البشر. ومن سقط على قدميه عرفه في بشريته، عرفه ذاك الذي يضع عليه يده اليمنى ويقول له: "لا تخف". الله قاسٍ لا يدرك للإنسان المتكبّر (برج بابل) ولكنه يفتح قلبه للمتواضعين. في يوم الدينونة، الله هو القاضي الرهيب. وفي زمن المحنة والإضطهاد، هو الراعي الصالح في جماعته، هو الإنسان الذي يسحرنا بحنانه. حين يقنط الإنسان وتخور قواه، يحسّ بيد الله تعزّيه وتسانده. فحبّ الله ليس فكرة مجرّدة ولا مفهوماً فلسفياً. حبّ الله تجسّد في المسيح وحلّ في قلب البشر لكي يستطيع البشر أن يقتربوا من عمق قلب الله وحياته الحميمة