يوحنّا فم الذهب (+ 407)

 

ولد يوحنّا في أنطاكية من عيلة عريقة، فتعلّم منذ حداثته الأدب والخطابة. اقتبل سرّ العماد ثمّ ذهب إلى البريّة يعيش حياة العزلة. بعد ستّ سنوات عاد إلى أنطاكية حيث رسم كاهنًا وأسقفًا فعرف بسهولته في الكلام، بحرارة خطابه، وعمق ولوجه إلى نفس السامعين.

حين مات نكتاريوس، دعي يوحنّا إلى كرسيّ القسطنطينيّة، ففرح البلاط الملكيّ. ولكنّ يوحنّا ليس بالصنج الذي يرنّ، إنّه القدّيس الذي يوبّخ ويصلح. لهذا تنظّمت المعارضة فأرسل الأسقف مرّة أولى ومرّة ثانية إلى المنفى وهناك مات.

كان يوحنّا أعظم أساقفة القسطنطينيّة واشتهر بخطابته فدعي الذهبيّ الفم. ترك الكثير من المواعظ، وهذه التي ننقلها هي الموعظة التاسعة عشر في شرح إنجيل القدّيس متّى.

 

وهكذا أنتم صلّوا

أبانا الذي في السماوات

أنظروا كيف يرفع أوّلاً العقول فيذكّرنا بكلّ النعم التي اقتبلناها من الله. فمن يعلّمنا أن ندعو الله "أبانا"؟ يدلّ بهذه الكلمة على النجاة من العذابات الأبديّة، على تبرير النفوس وتقديس أبناء الله وفدائهم وتبنّيهم، على ميراث مجده الذي وعدنا به. ويدلّ على مشاركتنا لابنه الوحيد وعلى حلول روحه القدّوس.

إن لم ينل كلّ هذه الخيرات، لا يمكنه بالحقيقة أن يدعو الله "أباه". هناك اعتباران قويّان يجتذباننا إلى الله: جلالة من ندعوه وعظمة العطايا الذي نلناها. فحين نقول: "الله الذي في السماوات" فنحن لا نحدّه ولا نحصره. ولكنّنا نرفع عن الأرض روح الذي يصلّي ونربطه بالسماء.

ويعلّمنا هذا الكلام أيضًا أن نرفع صلواتنا معًا من أجل كلّ إخوتنا. هو لا يقول: أبي "الذي في السماء" بل "أبانا" لكي تكون صلاتنا من أجل كلّ جسد الكنيسة، ولكي لا ينظر أحد إلى فائدته الخاصّة بل إلى فائدة الجميع. وهو بذلك يرذل كلّ بغض وعداوة، ويردع الكبرياء ويطرد الحسد، ويدخل في النفوس المحبّة التي هي أمّ إلهيّة لكلّ الخيرات. ويدمّر كلّ لا مساواة وكلّ اختلاف في الوضع والحالة ويساوي بطريقة عجيبة بين الفقير والغنيّ، بين العبد والأمير، وكلّ هذا لأنّنا متّحدون كلّنا في أهمّ الخيرات وأكثرها ضرورة، عنيتُ بها خيرات الخلاص.

بماذا تسيء إلينا دنائة مولدنا حسب الجسد إذا وحّدتنا كلّنا ولادة ثانية ولم تعطِ لأحد أن يكون أفضل من الآخر؟ فلا الغنيّ أفضل من الفقير، ولا السيّد أفضل من الخادم، ولا القاضي أفضل من الفرد، ولا الملك أفضل من الجنديّ. لا يتميّز الفيلسوف عن الأمّيّ، والعالم عن البسيط والجاهل. الله يجعلنا كلّنا متساوين في النبل لأنّه يريدنا كلّنا أن ندعوه أبانا.

إذًا، بعد أن أظهر لتلاميذه نبل عطيّة الله وعظمتها، والمساواة التي يجب أن تسود بينهم، والمحبّة التي توحّد بين بعضهم البعض، وبعد أن رفعهم عن الأرض ليربطهم بالسماء، إليك ما أمرهم أن يسألوا.

لا شكّ في أنّ أولى كلمات هذه الصلاة كانت كافية لتعلّمهم كلّ هذا. فمن الطبيعيّ أنّ الذي يدعو الله "أباه" وأبًا مشتركًا للجميع، يعيش بحيث يكون أهلاً لصفة سامية وتوافق حياته عظمة هذه العطيّة. ولكنّ يسوع المسيح لم يتوقّف هنا، بل زاد:

 

ليتقدّس اسمك

إنّها صلاة تليق بإنسان جاء يدعو الله أباه أن لا يهمّه شيء مثل مجد هذا الآب وأن يحتقر كلّ سائر الأشياء لقاء هذا المجد. فلفظة "يتقدّس" تعني يتمجّد. لله مجده الذي هو كامل دائمًا ولا متناه دائمًا، ويدوم هو هو إلى الأبد. ومع ذلك فهو يأمر من يصلّي أن يكرمه بقداسة حياته. هذا ما يقوله في هذه الكلمات: "ليضئ نوركم أمام الناس فيروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماء" (مت 5: 15).

حين يسبّح السرافيم الله فهم لا يقولون إلاّ هذه الكلمات: "قدّوس، قدّوس، قدّوس". لهذا إنّ عبارة "ليتقدّس" تعني ليتمجّد. نحن نقول لله: "تنازل ونظّم حياتنا ونقّها بحيث يرانا جميع الناس فيمجّدونك". هذا هو كمال المسيحيّ في أن يكون بلا عيب في كلّ أعماله، بحيث إنّ الذين يرونه يقدّمون لله المجد اللائق به.

 

ليأتِ ملكوتك

هذه هي أيضًا علامة صلاة ابن الله الحقيقيّ: هو لا يتعلّق بالأشياء المنظورة ولا يوقّر خيرات هذا الدهر، بل هو يشتاق دومًا إلى أبيه ويرغب في الخيرات الآتية. هذه هي صفة ضمير صالح ونفس محرّرة من الأرض. وهذا ما كان بولس يتمنّاه دومًا. وهذا ما جعله يقول: "لقد نلنا باكورة الروح ونحن نئنّ ونتأوّه في داخلنا منتظرين التبنّي الإلهيّ أي افتداء جسدنا وخلاصه" (روم 8: 23). فالذي يحترق بهذه الرغبة لا يستكبر بما يقدّمه هذا العالم من امتيازات ولا يتراخى بسبب الشرور، بل يبدو وكأنّه في السماء فلم يعد خاضعًا لهذه الشرور ولا لهذه الخيرات.

 

لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.

هناك تتابع عجيب في هذه الكلمات. إنّ يسوع يأمرنا بأن نرغب في الخيرات العتيدة وأن نتوق دومًا إلى السماء ولكنّه يريدنا ونحن ننتظر هذا المستقبل أن نقتدي على هذه الأرض بحياة الملائكة في السماء. قال لنا: عليكم أن ترغبوا في السماء وفي الخيرات التي أهيّئها لكم هناك. ولكنّني آمركم أن تجعلوا من الأرض سماء، وأن تعيشوا وتتكلّموا وتتصرّفوا كما لو كنتم في السماء. هذه هي النعمة التي تطلبونها منّي. فمع أنّكم على الأرض، يجب عليكم أن تحاولوا العيش مثل هذه القوّات السماويّة، لأنّكم تستطيعون في الوقت عينه أن تكونوا هنا وتعيشوا مثلها. وهذا ما تدلّ عليه كلمات يسوع المسيح. كما أنّ الملائكة في السماء يطيعون دومًا بحرّيّة وحرارة، كما أنّ الملائكة ليسوا متقلّبين يطيعون في هذه الحالة ولا يطيعون في حالة أخرى، بل يخضعون دومًا ويظلّون خاضعين خضوعًا كاملاً لأنّهم أقوياء في الفضيلة ليتمّوا أوامر الله (مز 103: 20)، أعطنا هذه النعمة، نحن البشر، بأن لا نعمل إرادتك جزئيًّا بل نتمّها كاملة في كلّ شيء.

واعتبروا كيف أنّ يسوع المسيح يعلّمنا أن نكون متواضعين فيرينا أن فضيلتنا لا تتعلّق فقط بعملنا، بل بنعمة الله. فيأمر هنا أيضًا كلّ مؤمن يصلّي أن يصلّي بصورة عامّة من أجل الأرض كلّها. فهو لا يقول: لتكن مشيئتك فيّ أو فينا، بل: على كلّ الأرض. وهكذا يزول الضلال وتملك الحقيقة، تدمّر الرذيلة وتزهر الفضيلة، ولا تكون الأرض مختلفة عن السماء. فإن أطاع العالم الله هكذا، مع اختلاف سكّان السماء عن سكّان الأرض، تصبح الأرض سماء ويصير البشر ملائكة لأنّهم يعيشون كالملائكة.

 

أعطنا اليوم خبزنا اليوميّ

قال: لتكن مشئتك على الأرض كما في السماء. وبما أنّه يحدّث أناسًا خاضعين لجسد ضعيف ومرتبطين بضرورة متنوّعة وعاجزين عن التنعّم بلا انفعاليّة الملائكة، أرادنا أن نتمّم مشيئة الله بطريقة كاملة كالملائكة. ولكنّه تنازل، في الوقت عينه، إلى ضعف طبيعتنا قال: أفرض عليكم فضيلة ملائكتي لا عدم انفعاليّتهم. فطبيعتكم سريعة العطب وهي تحتاج بالضرورة إلى طعام يقوتها.

ولكن لاحظوا كيف يفرض نظرة روحيّة على ما يتعلّق بالجسد. هو لا يأمرنا بأن نطلب منه الغنى والملذّات والثياب الفاخرة وما أشبه، بل أن نطلب فقط الخبز والخبز الذي نحتاج إليه في اليوم الذي نعيش فيه دون أن نقلق للغد. قال: "أعطنا خبزنا اليوميّ. ولم يكتفِ بذلك فزاد أيضًا: أعطنا اليوم لينزع من تفكيرنا الاهتمام والارتباك باليوم الآتي. لماذا تهتمّون بيوم لستم متأكّدين أنّكم سترونه. قال: "لا تهتمّوا للغد. يريدنا أن تكون أوساطنا مشدودة للسفر، أن نكون مستعدّين من أجل الانطلاقة نحو السماء، فلا نترك للجسد إلاّ ما تفرضه الضرورة.

غير أنّ المسيحيّ لا يعصم من الخطيئة بالمعموديّة. هنا يبيّن يسوع لنا عن حنانه فيفرض علينا هذه الصلاة التي بها ندعو رحمة الله ونسأله غفران خطايانا.

 

أعفنا من ديوننا كما نحن نعفي

تأمّلوا إلى أيّ حدّ يصل حبّ الله للبشر. إنّه يعتقد أنّ الذين يغيظونه يستحقّون الغفران، بعد أن ينجوا من شرور عديدة وينالوا نعمًا لا تحصى. إنّ هذه الصلاة وضعت للمؤمنين كما تدلّ على ذلك عادة الكنيسة والكلمة الأولى. فهل يقدر شخص غير معمّد أن يدعو الله "أباه"؟ فإن كانت هذه الصلاة للخطأة وإن طلبوا من الله غفران خطاياهم، فمن الواضح أنّ الله لا يرفض لنا رداء التوبة حتّى بعد العماد. فلو لم يرد أن يقنعنا بهذه الحقيقة، لما كان فرض علينا هذه الصلاة. تحدّث عن الخطايا، وأمرنا أن نسأل الغفران لها، وعلّمنا وسيلة الحصول على هذا الغفران بطريقة سهلة تقوم بأن نغفر ليُغفر لنا. من الواضح أنّه يبيّن لنا أنّ الخطايا تمحى بعد المعموديّة. وإذ أراد أن يقنعنا بهذا أمرنا أن نصلّي بهذه الطريقة. وهكذا يجعلنا نتذكّر خطايانا فيلهمنا عواطف توبة. وإذ يأمرنا أن نغفر للآخرين يمحو من فكرنا ذكر إساءاتنا. وإذ يعدنا أن يغفر لنا ذنوبنا ينعش فينا الرجاء. وإذ يجعلنا نتشبّه بوداعته ورحمته التي لا توصف رفعنا إلى قمّة الحكمة.

ولكن هناك أمر عجيب نلاحظه: بما أنّه وضع في كلّ من هذه الطلبات كلّ الكمال المسيحيّ، حصر فيها أيضًا واجب مغفرة الإساءات. فملخّص الفضيلة كلّها هو في هذا الكلام: "ليتقدّس اسمك"، أو "لتكن مشيئتك على الأرض كما هي في السماء" أو في هذه النعمة التي يعطينا بأن ندعو الله "أبانا". نستطيع القول إنّ كلّ هذه الفضائل تتضمن أيضًا ضرورة نسيان الإساءات التي أصابتنا من إخوتنا. ولكنّه لا يكتفي بهذه التوصية المستترة. أراد أن يدلّ على أنّ هذه الوصيّة تهمّه فجعلها جزءًا واضحًا من الصلاة التي فرضها علينا. وحين أنهاها لم يكرّر شيئًا آخر إلاّ هذا فأكّد لنا: "إن لم نغفر للناس الخطايا التي اقترفوها ضدّنا، فالآب السماويّ لا يغفر لنا خطايانا".

وهكذا يربط الله أبديّتنا بنا ويجعلنا أسياد الحكم الذي سيعلنه يومًا. هو لا يريد، فهما فقدتم عقلكم، أن تحتجّوا على دينونة الله. أرادكم، وأنتم خاطئون، أن تكونوا أسياد الحكم عليكم. كما تدينون، أنا أدينكم، وإذا غفرتم لإنسان مثلكم أعدكم بأن أغفر لكم. ومع هذا وضع الله في الميزان شيئين غير متساويين. فأنتم تغفرون لأنّكم تحتاجون إلى أن يغفر لكم. ولكنّ الله رحم دون أن يحتاج إلى شيء. أنتم تغفرون كخدم لمن هو مثلكم والله يغفر كسيّد لعبده. أنتم ترحمون لأنّكم مثقلون بالخطايا. والله يرحم وهو القداسة بالذات الذي لا يعرف الخطيئة.

ويعطينا هنا برهانًا على رحمته. كان باستطاعته أن يغفر خطاياكم بلا شرط، ولكنّه لم يفعل إلاّ بمقدار غفرانكم ليولّد فيكم المناسبة لتمارسوا الوداعة والمحبّة. يعطيكم الظرف لتطفئوا غضبكم وتخنقوا في قلبكم كلّ ما هو شراسة لا إنسانيّة. ويعلّمكم أن تتّحدوا اتّحادًا وثيقَا بإخوتكم الذين يشكّلون معكم جسدًا واحدًا.

بعد هذا، بأي عذر تغطّون أنفسكم؟ هل ستقولون إنّ أخاكم أساء إليكم بدون سبب. هذا ما يفترض، لأنّكم تؤمرون بأن تغفروا له. فلو كان ما فعله عدلاً لما كانت هناك خطيئة. إذًا نحن أمام ظلم والرب يحرّضكم على أن تغفروا له كما تطلبون من الله أن يغفر لكم خطايا مماثلة أو أكبر من خطيئة القريب. ولكن قبل أن يمنحكم الغفران ينعم عليكم بأن تطلبوه ويعلّمكم بأن تكونوا ودعاء ومحبّين لإخوتكم. بالإضافة إلى ذلك يعدكم بمكافأة عظمى مؤكّدًا لكم أنّه لن يحاسبكم عن أيّ من خطاياكم.

أيّ عذاب نستحقّ بعد أن وضع الله خلاصنا في يدنا، إذا كنّا نخون أنفسنا ونهلك بإرادتنا. كيف نجرؤ أن نطلب من الله أن يكون هادئًا رحومًا تجاهنا حين نكون قساة تجاه نفوسنا في شيء يتعلّق بنا.

 

ولا تدخلنا التجربة ولكن نجّنا من الشرّير

إن ما يرينا حقارتنا ويخفّف من اعتدادنا بأنفسنا هو هذه الكلمات التي تعلّمنا أن لا نهرب من الحرب، بل أن نرتمي فيها. هكذا يكثر مجدنا إن نحن انتصرنا ويلقى العار الشيطان حين يُقهر. حين نُجبر على الحرب، يجب أن نقوم بها بعزم وثبات، وإذا لم ندعَ إلى الحرب يجب أن نبقى هائدين وننتظر ساعة القتال بتواضع وشجاعة. نجّنا من الشرّ، نجّنا من الشرير وهو الروح المخادع. يحرّضنا الربّ لنضمر له عداوة لا مصالحة فيها. يسمّيه يسوع المسيح "الشرّير" بطريقة مطلقة لأنّه يمثّل الشرّ بأكبر درجاته. نحن لم نسئ إليه، وهو مع ذلك لا ينفكّ يصلينا الحرب. ولهذا لا يجعلنا الربّ نقول: نجّنا من الأشرار بل نجّنا من الشرّير لئلاّ يمتلئ قلبنا مرارة من إخوتنا في الشرور التي تصيبنا، بل نجعل حقدنا ضدّ روح الشرّ الذي هو سبب كلّ الشرور ومبدأها.

وحرّضنا الربّ بهذا الشكل على الحرب فذكّرنا بهذا العدوّ ودعانا إلى أن نهرب من الفتور والكسل. وشجّعنا الآن وقوّى قلوبنا مبيّنًا لنا من هو الملك الذي نخدمه. يرينا أنّه وحده أقوى من الجميع: لأنّ لك الملك والقوّة والمجد. فإذا كان المُلك لله فيجب أن لا نخاف شيئًا لأنّه لا يقدر أحد أن يقاومه ويستولي على سلطانه الساميّ. وحين يقول: لك الملك، يرينا أنّ هذا العدوّ الذي يهاجمنا خاضع له، وأنّه إن أصلانا الحرب، فلأنّ الربّ سمح له بذلك. إنّه عبد من عبيد الله وإن يكن محكومًا عليه ومرذولاً، ومهما كان غيظه قويًّا فهو لن يتجرّأ أن يهاجم إنسانًا إن لم يعطَ له سلطان من قبل الله.

أجل، لا يجرؤ أن يهاجم إنسانًا، بل هو لم يتجرّأ أن يدخل في الخنازير قبل أن يسمح له بذلك يسوع المسيح. ولم يتجرّأ أن يمسّ بقر أيّوب الرجل القدّيس وغنمه، إلاّ بعد أن أعطاه الله السلطان.

إن كنتم ألف مرّة أضعف ممّا أنتم، فإن كنتم أبرارًا عليكم أن تثقوا بالله، لأنّ لكم مثل هذا الملك العظيم الذي يستطيع أن يفعل بكم ما يشاء.

 

لأنّ لك المجد في كلّ الدهور. آمين

إن الله لا ينجّيكم فقط من الشرور، بل يقدر أيضًا أن يعطيكم المجد. وبما أنّ لا حدّ لقدرته، فمجده لا يوصف، وكلاهما يمتدّان إلى جيل فجيل. وأنتم ترون كم يعرض علينا من الأشياء ليحثّنا على الجهاد ويلهمنا الثبات والثقة.

ويبيّن لنا، كما قلت لكم، أنّه لا يريد أن يتذكّر الإساءات وأنّه لا يحبّ شيئًا مثل الوداعة والاعتدال، استعدّ هذه الكلمات بعد هذه الصلاة وحرّضنا مهدّدًا إيّانا بالعقاب إن لم نمارس هذه الوداعة، واعدًا إيّانا بالمكافأة إن نحن أطعناه.

فإن كنتم تغفرون للناس يغفر لكم أبوكم السماويّ أيضًا. وإن كنتم لا تغفرون، فلا يغفر لكم أبوكم. هو يتكلّم عن "أب"، عن "أب سماويّ" لكي يخجلنا. فإن كان لنا مثل هذا الأب فكيف نلبس القساوة والشراسة كالحيوانات، وإذا كنّا مدعوّين إلى السماء فكيف تكون لنا أفكار دنيئة وأرضيّة. ولا يكفي أن نكون أولاد الله بالنعمة التي منحنا إيّاها، بل يجب أيضًا أن نكونه بأعمالنا. ولا شيء يجعلنا شبيهين بالله مثل الوداعة والمحبّة اللتين نبديهما لإخوتنا.