الاهتداء

 

نقرأ في الإنجيل، في بشارة يوحنا، إصحاح 3 (يوحنا 3: 1–15) أنه يجب علينا أن نولد من جديد من الماء والروح. ولا يمكن فهم هذا بطريقة بشرية كما حاول نيقوديموس فهمه. فالولادة الثانية لغز وسِرّ إلهي ومعجزة. إلّا أننا لو آمنا بأن يسوع مرسل من الله الآب، وبقوة الروح القدس، يمكن للرب أن يهبنا ولادة ثانية. ويتوقف الأمر كله على الإيمان.

 

عندما يقرر المرء أن يتبع يسوع المسيح، لا يمكن أن يكون ذلك لمجرد سنة أو سنتين؛ بل يجب أن يكون لكل الأوقات. فقال يسوع: «ما مِنْ أحدٍ يَضَعُ يدَهُ على المِحراثِ ويَلتَفِتُ إلى الوَراءِ، يَصلُحُ لِمَلكوتِ اللهِ.» (لوقا 9: 62) فإذا بقينا أوفياء له، فسوف يطهّرنا وينعم علينا بالوحدة مع الله وبعضنا مع بعض، ويهبنا الحياة الأبدية أيضا.

يجب على أولئك الذين يريدون أن يتبعوا يسوع، أن لا يكتفوا بفتح قلوبهم له ويقولون: «تعال إلى قلبي وطهّرني»، بل يجب أن يكونوا أيضا على استعداد للقول: «أنا على استعداد لفعل أي شيء تسألني إياه.» ويقول يسوع: «تَعالَوا إليَّ يا جميعَ المُتعَبينَ والرَّازحينَ تَحتَ أثقالِكُم.» (متى 11: 28) فلو أحببت أن تذهب إليه – وتسمح له بالدخول إلى قلبك – وجب عليك أيضا أن تكون على استعداد للسماح له بتسيير حياتك والتخلّي عن إرادتك البشرية الذاتية.

 

تطالبنا عملية التلمذة للمسيح، بأن نطرح عنا كل شيء، بما في ذلك كل ما نحسبه إيجابيا في أنفسنا. فقد كان الرسول بولس على استعداد لترك الشريعة اليهودية. لذلك يجب علينا بالمثل أن نتخلى عن الصورة الناصعة عن أنفسنا، وعن استقامتنا وإحساننا البشري، ونعتبرها كلها لا شيء في سبيل يسوع المسيح.

 

يجب أن يضعنا طريق المسيح الجادّ أمام الرهان. فلا يريد المسيح مجرد كسب أعداد من الناس بل قلوب مُكرَّسة. وهو لا يعدنا أيضا بتقديم ضمانات حياتية لتأمين الأمور الاقتصادية أو غيرها، لأنه يبحث عن أولئك الذين يريدون تسليم أنفسهم لله ولإخوتهم في الكنيسة، من دون فرض أي تحفظات، ومن دون كسب أي شيء لأنفسهم مقابل ذلك.

 

إنّ قرار اِتِّباع المسيح يجب أن يكون قرارا وجدانيّا وشخصيّا، ولكن لا يمكنه أبدا أن يعني – كما ذكر أحدهم لي ذات مرة: «إنه علاقة محصورة بيني وبين يسوع.» بل يجب أن يقودنا إلى الآخرين أيضا. فيجب أن يكون اِتِّباع المسيح له ارتباط مع الإخوة والأخوات في الكنيسة دائما. لهذا يجمع يسوع بين الوصيتين التاليتين: «أحِبَّ الرَّبَّ إلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وبِكُلِّ نفسِكَ، وبكُلٌ عَقلِكَ.» وَ «أحِبَّ قَريبَكَ مِثلَما تُحبُّ نفسَكَ.» (متى 22: 37–39) فلا يمكن الفصل بين هاتين الوصيتين. ورغم أن المرء

يجب أن يعيش التجربة الدينية الشخصية في كيانه الداخلي، ولكن ينبغي أن لا تكون تجربة انفرادية منعزلة أو أنانية.

 

ينبغي أن يتضَّح جوهر الإيمان المسيحي لنا. فقد يقبل المرء بتعاليم الكتاب المقدس كلها، دون حصول أي لقاء شخصي مع يسوع نفسه، فلن يكون لذلك أي قيمة. كما أنّ الاقتناع القوي بالإيمان المسيحي لا يفيد هو الآخر، إذا لم يكن الشخص قد أحسّ في أعماقه بيسوع، واختبر شخصه وكيانه وطبيعته. فلابد وأن تتواجه كل نفس بصورة شخصيّة مع يسوع نفسه، لكي تؤمن به حقا.

 

إذا استوعبنا في قلوبنا حقيقة أن يسوع قد مات من أجلنا، فسوف تغيّرنا هذه الحقيقة كليّا: وسوف تعني انبثاق ثورة في حياتنا؛ وتصنع شيئا جديدا مِنّا، نتيجة تقويض الأنا الآثمة الموجودة في ذواتنا، لكي لا نبقى عبيدا لها.

 

إنّ جزءا مما يختبره الإنسان عندما يهتدي اهتداء حقيقيا، هو أن يرضى بتحمل الآلام مع المسيح المتألم. ولا أؤمن أن الاهتداء الحقيقي ممكن دون هذا.

 

تعني التلمذة للمسيح تكريسا كاملا. إذ تطلب تكريس كل شيء في سبيل قضية المحبة – القلب كله والفكر كله والحياة كلها، بما في ذلك وقت الإنسان وطاقاته وممتلكاته. أما الإيمان المسيحي الفاتر فهو أسوأ من عدمه.

 

يقول يسوع: «فَمِنَ الثَّمَرِ، تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ.» (متى 12: 33)؛ أي بمعنى أننا سوف ندرك فيما إذا كان الشخص شخصا مُرائيا أو صادقا من خلال ثمار حياته. «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِإِرَادَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.» (متى 7: 21) فالعمل بإرادة الله يعني حمل ثمار التوبة. ويقول يسوع أيضا: «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ

بِثَمَرٍ أَكْثَرَ.» (يوحنا 15: 1–2) فنرى هنا أنه لا يمكننا ببساطة أن نهتدي ونتعمّد وننال «الخلاص»، ومن ثم نعيش منذ تلك اللحظة دون خطر التعرُّض للتجربة وإغواء إبليس. فلو أردنا أن نحمل ثمرا جيدا، وجب علينا أن نتوب ونرضى بتطهيرنا مرارا وتكرارا.

ليس بمقدور الغصن أن يأتي بثمر من ذاته – فيجب أن يكون متصلا بالكرمة. (يوحنا 15: 4) وهكذا لا يستطيع أحد مِنّا أن يأتي بثمر دون علاقة شخصية مع يسوع المسيح. ودون هذه العلاقة سوف نموت داخليا ولا نحمل أي ثمر. وإذا لم نحمل ثمرا، فسوف يجري نزعنا من الكرمة وطرحنا في النار وحرقنا. (يوحنا 15: 6) فهذا هو التحدي الكبير: البقاء في الكرمة – البقاء مع يسوع المسيح.