الإيمان

 

من هو الله، وكيف يمكن أن نجده؟ إنّ أحد الأجوبة على هذا السؤال، هو أن شيئا من نور الله موجود سلفا في أعماق كل قلب من قلوبنا. ولا نحسّ به إلّا في بعض الأحيان، عندما يهيج في صدورنا اشتياق إلى الخير أو العدل أو الوفاء أو العلاقات الشريفة. ولو تحوّل هذا الاشتياق إلى إيمان، فسوف نؤمن بالله.

قال المسيحيون الأوائل، لو طلب الناس الله فسوف يجدونه ويؤمنون به، لأنه موجود في كل مكان. فليس هناك حدود لا يمكن تخطيها، أو عوائق لا يمكن التغلب عليها، لكي نجد الله ونؤمن به. فانظر إلى نيقوديموس، الذي لم يصدق في البداية أنه يمكن أن يتغير في شيخوخته، ولكنه آمن بعد ذلك رغم شيخوخته. (يوحنا 3: 1–15) ولا يحقّ لنا أن نعذر أنفسنا على عدم حصولنا على الإيمان. فلو طرقنا الباب، سوف يُفتَح لنا.

إنّ الذي يؤمن بأن الله يجيء إلى كل من يطلبه، فإنّ الله يجيء إلى قلبه فعلا، ولكن يجب علينا أن نبحث عنه وننتظره لكي يأتينا. أما لو عشنا حياة فاترة، فلن يحصل ذلك. فيجب علينا أن نطلبه أولا؛ وفي هذه الحالة فقط نجده ونؤمن به.

 

إنها معجزة الإيمان، عندما يؤمن الناس بيسوع، ويدركون أنه المسيح. ونرى هذا يحدث في الإنجيل، في بشارة يوحنا، إصحاح 4، عدد 42، عندما يجيب السامريون على المرأة التي التقت بيسوع عند البئر: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ.» (يوحنا 4: 42) فكم أتمنى أن يكون هذا الإيمان حيّا هنا والآن في كنيستنا، وبين الكثيرين من الذين يتعطشون إلى شيء جديد!

كان يسوع في نظر السامريين مجرد رجل عادي – جائع وتعبان وعطشان. فلم يكن لأي شخص عادي أن يرى فيه أدنى أثر لهويته الحقيقية. فلو فشل أحدهم في التعرّف عليه في الحال، فهل يحقّ لنا أن نلومه؟ لأننا لو التقينا بشخص غريب تماما، فلن نعتبره على الفور بأنه مُخَلِّص العالم.

إنّ مظهر يسوع لم يُوحِ على الإطلاق، بأنه مُخَلِّص العالم: فقد كان رجلا متواضعا، وترعرع في مدينة صغيرة، ودخل في صراع مع الزعماء الدينيين، ومات ميتة مخزية. لذلك، عندما يؤمن أي إنسان به، فذلك معجزة حقا. فحينما يصبح بإمكاننا أن نقول مثل السامريين: «هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ،» (يوحنا 4: 42) فمعناه أن قلوبنا مفتوحة ومليئة بالنور.

 

يبدو أن غُصْنا جديدا أخضر من الإيمان الحيّ آخذٌ في النمو في قلبك. فاحرُسْه، ولا تستسلم للجسد، أو للنفس، أو لأي شكل من أشكال الخطيئة. وأثبِتْ لنفسك، وللذين من حولك، ولله بأن هذا هو فصل جديد في حياتك.

 

إنّ الإيمان والضمير الصالح متشابكان كليّا أحدهما مع الآخر. فلو لم نستمع لضمائرنا، فسوف نفقد إيماننا. ولو فقدنا الإيمان،

فسوف نفقد إمكانية التحلّي بضمير حيّ وطاهر. لذلك يقول الرسول بولس في الإنجيل: إنّ ضمائر أولئك الذين لا يؤمنون نجسة. (تيطس 1: 15) وهي نتيجة حتمية، لأنه بدون إيمان ليس لدى الضمير ما يتمسك به.

 

اِلتقيت مرة ببعض الناس الذين كانوا ينتقدون إكرامنا ليسوع المسيح، وقالوا بأنه إكرام «زائد عن اللزوم.» وكنا نتحدث عن أحد أقوال يسوع، فسألني أحدهم: «أتؤمن بهذا لأنه مجرد كلام يسوع، أم لأنه حقّ؟» فأجبته بأني أؤمن بهذا القول لكلا السببين: لأنه كلام يسوع ولأنه حقّ. إلّا أنني كنت أشعر دائما بأنه كان ينبغي أن أقول له أكثر من ذلك؛ فكان ينبغي أن أرضى بأن أكون أحمق في نظر الناس وأقول: «أؤمن بكلام يسوع حتى لو لم أفهمه، وذلك لأن يسوع قاله.» فقد ارتعب هؤلاء الناس، من أن هناك شخصا له إيمان طفولي بيسوع المسيح بهذا الشكل.

 

إنّ كل مَن لا يشعر باضطراب جراء العمل المخجل للآلام التي كابدها المسيح، والإذلال الكامل الذي مرّ به، هو جاهل لمعنى الإيمان به.

 

يقول الكتاب المقدس: «لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرْسِلِ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ الْعَالَمُ بِهِ.» (يوحنا 3: 16–17) ولكنه يقول أيضا إنّ العالم سيُدان بسبب عدم إيمانه. فينبغي أن يغمرنا معنى هذه العبارة: «هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ»؛ عندئذ سوف نرى فظاعة عدم الإيمان به. ويجب أن نسأل الله أن يوقظنا من جديد على إيمان ومعتقد عميقين أكثر من قبل – وأن يوقظنا على إيمان يحلّ جميع المشاكل الشخصية، وجميع مشاكل الحياة المجتمعية، وفي نهاية المطاف جميع مشاكل العالم كله.

 قال بطرس ليسوع: إنه كان على استعداد للاستشهاد في سبيله، ولكنه مع ذلك أنكره ثلاث مرات. (لوقا 22: 31–33) فلا يحقّ لأي واحد مِنّا أن يقول بأنه ستكون لديه قوة على التحمُّل. فهذا غير ممكن إلا بفضل قوة الله. فهو وحده القادر على أن يعطينا القوة ويعيننا.

 

عندما يشعر الناس بأنهم وحيدون وحزينون وغير واثقين بأنفسهم، غالبا ما يرجع السبب في ذلك، إلى أنهم لا يؤمنون إيمانا عميقا كافيا بأن الله يفهمهم فهما تاما. وكتب بولس الرسول: لو كنا نحب محبة كاملة، سوف نفهم كما يفهمنا الله بصورة كاملة. (1 كورنثوس 13: 12) ثم إنّ كلمات يوحنا الرسول مهمة جدا أيضا، إذ قال: «نَحْنُ نُحِبُّ، لأَنَّ اللهَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً.» (1 يوحنا 4: 19) فهذا ما يجب أن يدخل في قلوبنا الصغيرة، وهذا ما يجب أن نتمسك به: محبة القلب الإلهي الكبير الذي يفهمنا فهما كاملا، فهي تنعم علينا بالاطمئنان الروحي.

 

نعيش في زمن يعيش العالم فيه بأسره في حال هيجان واضطراب، ويمكننا أن نتوقع وقوع المزيد من الأحداث المخيفة، وبصورة أفظع مما شهدناه سابقا، ولكن ليس لدينا غير أمل واحد، وشيء واحد نتمسك به في كل الظروف، ألا وهو: يسوع المسيح وملكوته. إذ يبقى المسيح مُخَلِّصنا الوحيد في الحياة والموت، وفي الفرح والدينونة.

 

إنّ التعاليم الباطلة والخطيرة منتشرة على نطاق واسع بين الناس، وكذلك بين الذين يسمون أنفسهم مسيحيين، مثلما كان الرسول بولس يحذرنا منها. (2 تيموثاوس 3: 1–9) لذلك، دعونا نبقى بسيطين وطفوليين في إيماننا بابن الله وابن الإنسان، ودعونا نبني حياتنا – حياة المحبة الأخوية – على صخرة هذا الإيمان.

 

لماذا يوجد الكثير من غير المؤمنين اليوم؟ أعتقد أن هناك أسباب عديدة لذلك. فالبعض راضٍ بما يجري؛ فتراهم فخورين بأنهم

يعيشون في زمن ثقافة وحضارة عظيمتين، ولكنهم في الوقت نفسه لا يبصرون معاناة البشرية والخليقة كلها. فقد غابت عنهم رؤية الله.

ويئس البعض الآخر من أحوال الدنيا البائسة. فيرون الظلم وانتهاك الحقوق وغياب العدل الذي تفرزه رذيلة حب المال وعبادته، ويتألمون مع المظلومين. إلّا أنهم ينسون بتعاطفهم هذا نقطة مهمة جدا، ألا وهي: ذنوب البشر – الذنوب التي يجب علينا كلنا أن نتحملها بما في ذلك هم شخصيّا. ولو صادف أن رأوا ذَنْباً مُعَيّناً، فلا يرونه إلّا عند فئة معينة أو عند دولة معينة، وليس عند جميع الناس. ويرون الخليقة دون الخالق. وهؤلاء أيضا غابت عنهم رؤية الله.

أما البعض الآخر فيرى الخطيئة، والذنوب، وضعف البشر، ولكنهم بلا قلب عطوف وتسامح مع المظلومين، فلا يتألمون لحالهم. فلا يسمعون صراخ الخليقة كلها، فقد غابت عنهم رؤية الله. فليس لديهم إيمان حقيقي، أو أن إيمانهم لأنفسهم فقط وليس للبشرية المتألمة.

لا يمكننا الإيمان بالله إلا بعد أن نجده أولا. وعندما نؤمن بالله، سوف تتوسع آفاقنا، ونبدأ في رؤية حاجات الإنسان وآلامه من وجهة نظر الله. وسوف نؤمن بأن الله قادر على التغلب على هذه المعاناة. ويجب أن يدرك الناس أن الله يحب العالم حتى في عصرنا الحالي. وفي خضم كل الأشياء الشريرة التي تحدث في العالم، التي ستجلب علينا الدينونة وعلى ما يسمى بالحضارة المتمدِّنة، يحتاج الناس إلى أن يسمعوا بأن الله ما يزال يحبهم ويحب خليقته. فإنّ رسالة الإيمان هي رسالة محبة.

 

الشّكّ  لن يكون بإمكانك أبدا إثبات – ولو لنفسك – أن يسوع موجود وحيّ. (عبرانيين 11: 1 وَ 6) فيجب أن يكون الإيمان اختبارا روحيّا. ولو حاولتَ إثبات ما تؤمن به فكريّا، فسوف تقف جهودك هذه حجر عثرة أمام هذا الاختبار الروحي. وأنا شخصيّا لست قادرا على إثبات أن يسوع حيّ – فليس لدي أي شيء غير إيماني الحيّ. لقد شكك الرسول توما في قيامة

يسوع من بين الأموات في بداية الأمر؛ فقال: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَرَى أَثَرَ الْمَسَامِيرِ فِي يَدَيْهِ، وَأَضَعُ إِصْبِعِي فِي مَكَانِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعُ يَدِي فِي جَنْبِهِ، فَلاَ أُومِنُ!» (يوحنا 20: 25) وعندما ظهر يسوع على التلاميذ رغم أن الأبواب كانت مغلقة، رآه توما بأم عينيه ورأى جروحه وآمن قائلا: «رَبِّي وإلهي!» غير أن يسوع قال: «هَنيئًا لِمَنْ آمَنَ وما رأى.» (يوحنا 20: 29)

 

إنّ التشكيك في محبة الله وقربه إلينا، يؤدي إلى هلاك الشخص الذي سبق وأن سلّم حياته لله. وإنّ إدراك الإنسان للشر الذي في داخله أمر صالح، ولكن علينا أن لا نشك أبدا في رحمة الله الواسعة، حتى لو كانت عند تأديبه لنا. فالشك يؤدي إلى عذاب مبرح، يجعل الإنسان يحسّ بأنه يعيش في الجحيم. فنحن بحاجة ماسة إلى أن يقودنا الله باستمرار إلى تعميق إيماننا بصورة متجددة.

 

إنّ كل من يظن بأن خطيئته أكبر من أن يسامحه الله عليها – وكل من يشك في قدرة يسوع على مساعدته – يأسِرُ نفسه للشيطان، ويشكك في نصرة الصليب، ويعيق الروح القدس عن دخول قلبه. فيجب طرح هذا الشك ورفضه. ويقول الإنجيل بخصوص ذلك، إنّ يسوع يحمل خطايا العالم كله، وإنّ «مَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ.» (متى 7: 8)

إنّ المسيح الحيّ، مات على الصليب لكي يصالح كل شيء مع الله. وهذه المصالحة خارج نطاق فهمنا البشري. إلّا أن ما نعرفه على وجه اليقين، أن هذه المصالحة ممكنة لكل واحد مِنّا، وأننا مدعوون إلى التوبة للحصول عليها.

 

 إنّ العلاج الوحيد لعذابك الروحي هو الإيمان بالله. وقد يبدو هذا الأمر نظريا، ولكن الإيمان هو حقا الثغرة الوحيدة التي يمكن للنور الإلهي اقتحام حياتك من خلالها. فتأمّل الموعظة على الجبل، حيث يعلِّم يسوع تلاميذه الصلاة، ويقول: «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ

إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.» (متى 6: 6) فافعل ذلك، وآمن بأن الله يسمعك. عندئذ، يمكنك الحصول على نعمة الله بكل تأكيد. فهناك الخلاص من الشرّ لو آمنت.

 

 يحذرنا يسوع من القلق، الذي أساسه عدم الثقة بالله الآب. (لوقا 13: 22-26) (يوحنا 14: 1) فأنصحك بأن تتحرّر من القلق والاكتئاب؛ وليهدأ قلبك وليطمئن، وليكن لديك ببساطة ثقة بالله وبيسوع المسيح.

أنت تكتب لي بأن الأشياء الصغيرة هي التي تزرع الشكّ في صدرك دائما. فلا تسمح لهذا بأن يحدث. فيريد الله أن يرينا أشياء عظيمة – فالله موجود منذ البداية ومعه الكلمة – المسيح. فقد خُلِق به كل شيء. فتأمّل في عظمة خليقة الله وأبَدِيَّته.

 

أريد تشجيع كل شخص تخور عزيمته، جراء محاولاته الفاشلة في اِتِّباع المسيح. فنحن جميعا ليس بمقدورنا أن نتبعه بجهودنا البشرية؛ فجميعنا عاجزون على حدّ سواء في هذا المضمار. ويرجع ذلك إلى أن تكريس أنفسنا له ليس كاملا. فلا يمكن للمسيح العمل فينا إلا عندما نقوم بتفريغ أنفسنا تماما، وتسليم كل شيء لله. وما دمنا نعمل متباهيين بجهودنا الذاتية، فسوف نفشل. فإنّ الله يرينا فشلنا الذريع مرارا وتكرارا ووقوفنا حجر عثرة في طريقه في كل مرة نعتمد على جهودنا الذاتية، ككنيسة وأفراد. فلا تعتمد التلمذة للمسيح على جهودنا البشرية؛ إنها إفساح المجال لله لكي يحيا فينا.