أوغسطينُس (+ 430)

 

كان أوغسطينُس معلّم الخطابة في ميلانو فسحره كلام القدّيس أمبروسيوس أسقف المدينة. اقتبل العماد سنة 387 وتخلّى عن العالم ومباهجه واعتزل يعيش في أرض أفريقيا. فذهب إليه الشعب واختاره أسقفًا على هيبّونة بعد موت الأسقف فاليريوس.

كان أوغسطينُس أعظم آباء الكنيسة اللاتينيّة وقد ترك التآليف العديدة، أهمّها: الاعترافات، مدينة الله، في الثالوث... وها نحن نقدّم شرحه لعظة الجبل وننقل شرحه للصلاة الربّيّة.

 

حان الوقت لنعرف صلاة يفرضها علينا ذلك الذي به نتعلّم كيف نطلب ومنه نحصل على ما نطلب.

قال: إذن، هكذا أنتم تصلّون: أبانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء. أعطنا اليوم خبزنا اليوميّ، واعفُ عن ديوننا كما نعفو نحن عمّن أساء إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرّير.

فكلّ مرّة نصلّي يجب أن نسترضي ذلك الذي نتوجّه إليه ثمّ نعرض موضوع طلبتنا. ونحن نسترضي من نصلّي إليه حين نمدحه، وهذا المديح يكون في بداية الصلاة. ولهذا أمرنا الربّ بكلّ بساطة أن نقول:

أبانا الذي في السماوات

أمور عديدة قيلت في مديح الله. فمن يقرأ الكتب المقدّسة يجدها في كلّ مكان وأشكال متنوّعة. إلاّ أنّنا لا نرى أنّ شعب إسرائيل أمر بأن يقول: "أبانا" أو أن يصلّي إلى الله الآب. أعطي فكرة إله هو سيّد يحكم على عبيد أي على أناس يعيشون بحسب الجسد. وتكلّم عن الوقت الذي كانوا فيه يتسلّمون فرائض الشريعة ويؤمرون بحفظها. فالأنبياء يبيّنون أنّ ربّنا يمكن أن يكون أباهم لو لم يبتعدوا عن وصاياه. إليك مثلاً هذا المقطع: "ولدت بنين وربّيتهم فتمرّدوا عليّ". وهذا الآخر: "قلت إنّكم آلهة وإنّكم كلّكم أبناء العليّ". وذاك المقطع: "إن كنت أنا سيّدكم فأين مخافتكم منّي؟ وإن كنت أباكم فأين إكرامكم لي؟" وهناك مقاطع أخرى عديدة تندّد باليهود الأشرار لأنّهم لم يريدوا أن يكونوا أبناء الله.

غير أنّنا نضع جانبًا النصوص التي تنطبق انطباقًا بنويًّا على الشعب المسيحيّ العتيد الذي سيكون الله أباه حسب هذه الأقوال الإنجيليّة: "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله". ومن جهته قال بولس الرسول: "ما زال الوارث ولدًا فهو لا يختلف عن الخادم". ثمّ يذكّرنا "أنّنا قبلنا روح التنبّي الذي فيه نصرخ أبًّا، أيّها الآب".

وبما أنّ دعوتنا للميراث الأبديّ، ولنكون وارثين مع المسيح ونصير أبناء بالتبنّي، ليست ثمرة استحقاقاتنا بل نتيجة نعمة الله، فنحن نشير إلى هذه النعمة منذ بداية الصلاة فنقول:

أبانا

إنّ هذا الاسم يحرّك فينا الحبّ، ولا أعزّ من الآب على قلب الأولاد، ويحرّك فينا الحرارة في الصلاة لأنّنا نقول أبانا. ويحرّك فينا رجاء بأن ننال ما سنطلبه، لأنّ الله يهبنا، قبل أن نطلب، اندفاعًا كبيرًا والسماح بأن نقول له: أبانا.

هل سيرفض صلاة أولاده حين سمح لهم مسبقًا أن يكونوا أبناءه؟ وأخيرًا أي اهتمام تنعش هذه الكلمة (أبانا) في القلب لكي نكون أهلاً لمثل هذا الآب العظيم؟ فإن سمح أمير مسنّ لرجل من الشعب أن يدعوه أباه، فلا شكّ في أنّ هذا الرجل سيرتعد ويكاد لا يجرؤ حين يفكّر بضعة مولده وفقره وحالته الحقيرة. فكم بالحريّ يخاف الإنسان أن يدعو الله أباه لا سيّما إذا كانت نفسه ملطّخة بالخطيئة، وإذا كان سلوكه من السوء بحيث يحسّ الله بالنفور الذي يشعر به الأمير أمام أثمال الفقير؟ على كلّ حال، إنّ هذا الغنيّ يحتقر في الشحّاذ وضعًا قد يسقط فيه بسبب سرعة عطب أمور هذا العالم، ولكن الله لن يكون له سلوك سيّئ.

فالشكر لرحمة هذا الإله الذي يفرض علينا أن يكون أبانا، وهذا ما نحصل عليه بدون اتّفاق، بل بنتيجة الإرادة الصالحة. وها نحن ننصح الأغنياء وأمراء هذا العصر الذين صاروا مسيحيّين أن لا يتشامخوا على الفقراء وأصحاب الحالات الوضيعة، لأنّهم يقولون مع الآخرين: أبانا. إنّهم لا يستطيعون أن يقولوا هذه الكلمة بحقّ وتقوى إذا لم يقرّوا إنّهم إخوة لسائر البشر.

 

الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك

ليأخذ الشعب الجديد المدعو إلى الميراث الأبديّ صوت العهد الجديد وليقل: أبانا الذي في السماوات، أي الذي في القدّيسين وفي الأبرار. فالله لا ينحصر في مكان. والسماوات هي بلا شكّ أسمى أجساد هذا الكون، ولكنّها أجساد ولا يمكن إلاّ أن تكون في مكان ما.

وإذا تخيّلنا أنّ الله يقيم فيها كما في مكان هو أسمى ما في هذا العالم، وجب علينا القول إنّ العصافير أرفع قدرًا منّا: إنّهم يعيشون قرب الله. ولكن لم يكتب أنّ يقيم الرفيعي الشأن أو الذين يقيمون على الجبال، بل: إنّ الله يقيم مع أصحاب القلوب التائبة، والتوبة صفة من صفات المتواضع. وكما نعطي الخاطئ اسم الأرض فنقول له: "أنت تراب وإلى التراب تعود"، كذلك نسمّي البار السماء. فنحن نقول للأبرار: هيكل الله مقدّس وأنتم هذا الهيكل. إذًا، إن كان الله يقيم في هيكله، وإن كان القدّيسون هذا الهيكل نستطيع أن نفسّر "الذي في السماوات" بعبارة "الذي في القدّيسين". وهذه المقابلة صحيحة بحيث نستطيع أن نقول إنّ هناك مسافة روحيّة بين الأبرار والخطأة كما هناك مسافة ماديّة بين السماء والأرض.

ولكي نعبّر عن هذه الفكرة حين نصلّي، نلتفت إلى المشرق، من حيث تنطلق السماء. هذا لا يعني أنّ الله يسكن فيها بعد أن يترك سائر أقسام الكون، وهو الحاضر في كلّ موضع، لا حضورًا مكانيًّا بل بقدرة عظمته: ولكنّ هذا الكلام يشبه العقل ليلتفت إلى الطبيعة الأكمل أي إلى الله لأنّ جسده الذي هو أرضيّ يتوجّه نحو أكمل الأجساد، يتوجّه إلى السماء.

ويليق بنموّ الديانة بل يفيدها أن يكون للجميع، صغارًا وكبارًا، فكرة صحيحة عن الله، لهذا وجب علينا أن نتحمّل الذين سحروا بالجمالات المنظورة فما استطاعوا أن يتصوّروا شيئًا لا جسديًّا وحسبوا أنّ السماء هي بالضرورة أعظم من الأرض فظنّوا أنّ الله الذين كوّنوا عنه فكرة مادّيّة، يسكن في السماء، لا على الأرض. فحين يعرفون يومًا أنّ النفس ستفوق يومًا السماء كرامة، يطلبون الربّ في النفس لا في الجسد، ولو كان هذا الجسد سماويًّا. وحين يعرفون المسافة التي تفصل الأبرار عن الخطأة، وهم الذين لم يتجرّأوا في أفكارهم الجسدانيّة أن يجعلوا مسكن الله على الأرض بل في السماء، وحين يستنيرون بإيمانهم وعقلهم، يطلبونه في نفوس الأبرار لا في نفوس الخطأة.

إذًا نحن بحقّ نفهم هذه الكلمات (أبانا الذي في السماوات) عن قلب الأبرار حيث يقيم الله كما في هيكله. من هنا، فالذي يصلّي يرغب في أن يرى الذي يدعوه يقيم فيه، وفي هذا الطموح النبيل يكون أمينًا للبرّ. وهذه هي الهديّة الفضلى التي تجعل الله يثبت في النفس.

ولنرَ الآن ماذا يجب أن نطلب. لقد رأينا من هو الذي ندعوه وأين يقيم. وإليك أولى كلّ الطلبات: ليتقدّس اسمك. هذا لا يعني أنّ اسم الله ليس بقدّوس. ولكنّنا نطلب أن يرى الناس قداسته، أي يعرف الناس الله بحيث لا يعتبرون شيئًا أقدس منه، شيئًا يجب أن نخاف إغاظته. ولأنّه كتب: الرب معروف في اليهوديّة، اسمه عظيم في إسرائيل، فيجب أن لا نؤمن أنّ الله أقلّ عظمة هنا وأكثر عظمة هناك. بل إنّ اسم الله عظيم حيث نتلفّظ بالإكرام اللازم لعظمته وبهائه. وهكذا فاسمه مقدّس حيث ندعوه بتقوى ونخاف أن نغيظه. وهذا ما يحدث اليوم حين ينشر الإنجيل في الأمم المختلفة فيجعل اسم الله الواحد مكرّمًا بواسطة ابنه.

 

ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك

الطلبة الثانية: ليأتِ ملكوتك

يعلّمنا الربّ نفسه أنّ يوم الدينونة يأتي حين يُكرز بالإنجيل في كلّ الأمم. وهذا يعني تقديس اسم الله. والكلمات "ليأت ملكوتك" لا تعني أنّ الله لا يملك الآن، بل إنّها تعني: ليأتِ على الأرض. نقول هذا وكأنّ الله لا يملك على الأرض وكأنّه لم يملك منذ خلق العالم. إذن، إنّ هذه الكلمة "ليأت" تعني: ليظهر على البشر. فالنور، وإن حاضرًا، هو غير موجود بالنسبة إلى العميان والذين يغلقون أعينهم. هذا ما نقوله عن ملكوت الله. فهو، وإن دائمًا على الأرض، غائب عن الذين يجهلونه. والحال، لن يعود ممكنًا أن يجهل أحد ملكوت الله حين يأتي ابنه الوحيد من السماء لا بطريقة روحيّة وحسب، بل بطريقة منظورة وبشكل بشريّ، ليدين الأحياء والأموات.

بعد هذه الدينونة، أي بعد أن يتمّ فصل الصالحين عن الأشرار يسكن الله في الأبرار بحيث لن يعودوا يحتاجون إلى أن يعلّمهم أحد، بل سيعلّم الله كلّهم كما كتب (أش 54: 18؛ يو 6: 45).

ثمّ تكمل الحياة السعيدة في القدّيسين إلى الأبد. فهم سيكونون قدّيسين وسعداء جدًّا كملائكة السماء، سينيرهم الله وحده. سيكونون حكماء وسعداء حسب ما وعد الربّ به أحبّاءه، قال: في القيامة سيكونون مثل الملائكة في السماء (مت 22: 30).

لهذا تبعت هذه العبارة (ليأتِ ملكوتك) تلك: لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء. أي لتتمّ إرادتك في الملائكة الذين في السماء بحيث يرتبطون بك وينعمون معك دون أن يؤثّر ضلال على حكمتهم أو يعكّر شقاءٌ سعادتهم. فلتتمّ إرادتك أيضًا في قدّيسيك الذين على الأرض. جسدهم صنع من الأرض وسيؤخذ من الأرض ليتحوّل ويصبح أهلاً لأن يسكن السماء. هذا أيضًا هو معنى هتاف الملائكة: المجد لله في أعلى السماء والسلام على الأرض للناس ذوي الإرادة الصالحة. هم يطلبون أن تسبق إرادة الله إرادتنا الصالحة التي تجيب إلى النداء فتتمّ كلّها فينا كما في ملائكة السماء بحيث لا تعكّر شدّةٌ سعادتَنا التي هي السلام.

وإنّ هذه العبارة "لتكن مشيئتك" تفهم أيضًا في هذا المعنى الآتي: ليطع الناس وصاياك على الأرض كما في السماء، أي عند البشر كما عند الملائكة، فمن أتمّ إرادة الله أطاعه: "طعامي أن أصنع إرادة من أرسلني". وفي مكان آخر: "ما جئت لأصنع مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني". وفي موضع ثالث: "هؤلاء هم أمي وإخوتي. من يصنع إرادة الله هو أخي وأمّي وأختي". إذًا تفعل حقًّا إرادة الله في الذين يتمّون إرادة الله، لا لأنّهم يصنعون حتّى يرضى الله بل لأنّهم يصنعون ما يريد أي يتصرّفون حسب مشيئته.

وهناك أيضًا معنى آخر: لتكن مشيئتك في الأرض كما في السماء أي لدى الخطأة كما لدى القدّيسين والأبرار. وهذا نفهمه بطريقتين: أو إنّنا نصلّي من أجل أعدائنا، وهل نقدر أن نعتبر بشكل آخر هؤلاء الذين ينتشر الاسم المسيحيّ ضدّهم؟ بحيث إنّ هذه الكلمات (لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء) تعني: ليصنع إرادتك الخطأة كالأبرار وليعودوا إليك. أو تعني العبارة (لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء)، ليعامل كلّ واحد حسب استحقاقاته. وهذا ما يحصل في الدينونة الأخيرة حين يكافأ الأبرار ويحكم على الخاطئين، حين تفصل الحملان عن الكباش.

وهناك تفسير غير بعيد عن العقل وهو يتوافق كلّيًّا مع إيماننا ورجائنا هو أنّ نفهم بالسماء والأرض الروح والجسد. حين يقول الرسول: أطيع بالروح شريعة الله وبالجسد شريعة الخطيئة، نرى إرادة الله تتمّ في الروح أي في النفس. ولكن حين يبتلع الموت في الظفر حين يلبس هذا الجسد المائت الخلود، ما يحصل في قيامة الجسد، إذ يتمّ التحوّل الموعود به للأبرار حسب تعليم الرسول نفسه، هو أنّ إرادة الله تتمّ على الأرض كما في السماء. وهذا يعني: كما أنّ الروح لن يقاوم الله بل يطيعه ويصنع إرادته، هكذا لن يقاوم الروح (أو النفس) التي تحسّ بثقل ضعف الجسد وتنجرّ إلى العادات الجسدانيّة. حينئذٍ يكون السلام الكامل في الحياة الأبديّة بحيث لا نريد الخير فقط بل نصنعه أيضًا.

ويقول لنا الرسول: فالآن تسكن الإرادة فيّ ولكنّي لا أقدر أن أتمّ الخير. وذلك بما أنّ إرادة الله لا تتمّ بعد على الأرض كما في السماء أي في الجسد كما في الروح. غير أنّ إرادة الله تصنع في شقائنا حين نتألّم بالجسد ما يجب علينا أن نتألّمه بسبب حالتنا المائتة التي حلّت بطبيعتنا بسبب الخطيئة. ولكن يجب أن تطلب أيضًا أن تصنع هذه الإرادة على الأرض كما في السماء، أي: كما أنّ قلبنا يسرّ في الشريعة بحسب الإنسان الباطنيّ، هكذا بتحوّل جسدنا لن يضع أيّ جزء من هذا الجسد حاجزًا بالآلام أو الملذّات الأرضيّة.

ويمكننا أيضًا أن نترجم هذه الكلمات دون أن نسيء إلى الحقيقة: لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء، على الشكل التالي: في الكنيسة كما في ربّنا يسوع المسيح. في المرأة التي خطبت له كما في العريس الذي أتمّ إرادة الآب. فالسماء والأرض تعتبران عروسين لأنّ الأرض تجد خصبها من السماء.

 

والطلبة الرابعة هي:

أعطنا اليوم خبزنا اليوميّ

الخبز اليوميّ يعني هنا كلّ ما هو ضروريّ لحاجات هذه الحياة. وقد زاد ربّنا: أعطنا اليوم حسب الأمر الذي رسمه في موضع آخر: لا تفكّر في الغد. ويعني أيضًا: سرّ جسد المسيح الذي نتناوله كلّ يوم، أو الطعام الروحيّ الذي قال عنه الربّ نفسه: "إعملوا، لا للطعام الفاني". وقال: "أنا أيضًا خبز الحياة الذي نزل من السماء". ولن يمكننا أن نتساءل: أيّ من هذه المعاني الثلاثة أكثر قبوليّة؟ قد ندهش أن نكون مجبرين على الصلاة للحصول على ما هو ضروريّ لحياة الجسد. كالمأكل والملبس مثلاً، حين يقول لنا ربّنا: لا تهتمّوا أبدًا بما تأكلون ولا بما تلبسون. ولكن أنقدر أن لا نهتمّ بما نطلب حين يجب أن يتسمّر انتباه فكرنا في الصلاة على موضوع الطلب. لهذا يرتبط ما قاله المخلّص عن الغرفة التي تغلق أبوابها. وهذه الكلمات أيضًا: أطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه، وكلّ هذه الأشياء تعطى لكم زيادة. لا شكّ في أنّ الربّ لم يقل: أطلبوا أوّلاً ملكوت الله ثمّ فتّشوا فيما بعد عن هذا، بل: كلّ هذه الأشياء تعطى لكم زيادة ولكنّي لا أفهم كيف نقول أن لا يبحث أحد عمّا يطلبه من الربّ بكلّ اهتمام.

أمّا سرّ جسد ربّنا: أنا لا أتطرّق إلى اعتراض شرقيّين عديدين لا يشاركون كلّ يوم في مائدة الربّ مع أنّنا نسمّيه الطعام اليوميّ. ولكي يلزموا الصمت ولا يدافعوا عن رأيهم مستندين إلى السلطة الكنسيّة وعذرهم أنّهم لا يفعلون هذا دون شكوك، يقاوم رؤساء الكنائس ويعدّوهم من العصّاة، كلّ هذا يبيّن أنّ معنى هذه العبارة "الخبز اليوميّ" هو غير ما نعرفه. وإلاّ فالذين لا يتقبّلون الجسد كلّ يوم يعتبرون مذنبين ذنبًا عظيمًا. ولئلاّ نثير الجدل في ذلك لنقل إنّ كلّ من يفكّر يرى بوضوح أنّ الربّ أعطانا بشكل صلاة لا نستطيع دون أن نغيظه أن نزيد عليها أو ننقص منها.

وإذا كان الأمر هكذا، فمن يجسر أن يؤكّد أنّه يجب أن لا تتلى الصلاة الربّيّة إلاّ مرة واحدة؟ أو إنّه إن وجب أن نتلوها مرّتين أو ثلاثة يكون هذا حتّى الساعة التي فيها نشارك في جسد الربّ وليس في ما تبقّى من النهار؟ حينئذٍ لن نستطيع أن نقول: أعطنا اليوم ما قد نلناه سابقًا، وإلاّ أجبرنا على تقبّل هذا السرّ في نهاية النهار.

إذن، لن يبقى لنا إلاّ أن نفهم بالخبز اليوم الطعام الروحيّ أي الفرائض الدينيّة التي يجب أن نتأمّلها ونتمّمها كلّ يوم. ويشير الربّ إليها حين يقول: "إعملوا من أجل الطعام الذي لا يفنى". وهذا الطعام يسمّى يوميًّا الآن، ما دامت هذه الحياة المائتة بتسلسل الليالي والنهارات. وفي الواقع ما زال شعور النفس يذهب مرّة إلى فوق ومرّة إلى تحت، أي مرّة إلى الأمور الروحيّة ومرّة إلى الميول اللحميّة، وما زال الكائن مرّة شبعان ومرّة يحاصره الجوع، فهو يحتاج إلى خبز يوميّ ليهدّئ جوعه ويستعيد قواه المنحطّة وهكذا، كما دام جسدنا في هذه الحياة أي قبل تحوّله يستعيد بالطعام القوى التي أنفقها، هكذا تحتاج نفسنا أن تستعيد بالطعام الوصايا بعد أن أحسّ بالضعف بسبب الحبّ الزمنيّ الذي يبعدها عن الله. ونحن نقول: أعطنا اليوم، خلال كلّ الزمن الذي نقدر أن نسمّيه اليوم أي خلال هذه الحياة المائتة. لأنّه بعد هذه الحياة يشبعنا الطعام الروحيّ إبّان الأبديّة بحيث لن نقدر أن نسمّيه طعام كلّ يوم. وهذا صحيح لأنّه لم يعد من وجود لتحرّك الزمن الذي يجعل الأيّام تلي الأيّام ويتيح لنا أن نقول "كلّ يوم".

إذن، يجب أن نفهم عبارة "أعطنا اليوم" مثل كلمات المزمور: "اليوم إذا سمعتم صوته"، وذلك حسب تفسير الرسول في الرسالة إلى العبرانيّين: خلال ما يسمّى اليوم.

ولكن إن أراد أحد أن يفهم هذه الطلبة عن الطعام الضروريّ للجسد أو عن سرّ جسد الربّ، عليه أن يقبل في الوقت عينه بالمعاني الثلاثة. أي إنّنا نطلب في الوقت عينه خبزنا اليوميّ، ما هو ضروريّ لجسدنا، والسرّ المنظور واللامنظور لكلمة الله.

 

وتأتي الطلبة الخامسة:

واترك لنا ديوننا كما نحن نترك

من الواضح أنّ الديون تعني هنا الخطايا. وهذا ما نفهمه من قول الربّ نفسه: لن تخرج من هنا حتّى تدفع آخر فلس. وأيضًا لأنّه يسمّي مدينين الذين أخبروه عن موتهم في دمار البرج والذين مزج هيرودس دماءهم بدماء ذبائحهم. قال: لا نظنّهم مدينين أكثر من غيرهم، أي أكثر خطيئة من الآخرين وزاد: "الحقّ أقول لكم: إن لم تتوبوا تهلكوا جميعكم بالشكل عينه". إذن، لسنا أمام أمر بأن نترك للمديونين دين مال بل أن نغفر لمن أذنب إلينا.

ووصيّة ترك دين ماليّ ترتبط بالحريّ بما قيل أعلاه: "فمن أراد أن يقاضيك ليأخذ منك ثوبك فخلّ له رداءك أيضًا". ولن نترك الدين لكلّ من استدان مالاً بل من لا يريد أن يردّ المال ويستعدّ للذهاب إلى المحكمة. فقد قال الرسول: يجب على خادم الله أن لا يخاصم. إذًا نترك دين المال لمن لا يريد أن يدفعه لا بإرادته ولا بطلب منّا. فهو يرفض أن يدفع لسببين: أو لأنّ لا مال له، أو لأنّه بخيل ويطمع في مال القريب. وفي كلتا الحالتين نحن أمام فقر، فقر بالخيرات هنا، فقر بالإرادة هناك.

فمن ترك لهذا المديون قد ترك لفقير وقام بعمل مسيحيّ منطلقًا من هذه القاعدة الثابتة: استعد أن تخسر ما يتوجّب لك. ولكن إن استعملنا كلّ طرق الاعتدال والوداعة لنستردّ ما لنا، ليس من أجل الفائدة، بل لنصلح إنسانًا له ما يرد ولا يرد، لا نخطأ فحسب، بل نقدّم خدمة جلّى. فإنّنا بهذا نمنع الإنسان من أن يخسر الإيمان حين يحاول أن يضع يده على خيرات القريب، وهذه خسارة عظيمة جدًّا.

من هنا نستنتج أنّ هذه الكلمات "أترك ديوننا" لا تعني المال بل كلّ الذنوب التي يقترفها القريب تجاهنا حتّى في قضايا المال. فمن رفض أن يعيد إليك المال المتوجّب عليه وهو يقدر، فهذا يسيء إليك. وإن لم تعفُ له عن إساءته لا تستطيع أن تقول: أعفُ عنّا كما نحن نعفو. أمّا إذا غفرت فأنت تفهم أنّ هذه الصلاة تفرض واجب غفران الذنوب حتّى في قضايا المال. ونستطيع أيضًا أن نزيد. فحين نقول: أترك لنا ديوننا كما نحن نترك، نحن متيقّنون أنّنا نتجاوز هذه القاعدة حين نرفض أن نغفر لمن يسألنا حين نسأل نحن الغفران من أب كلّيّ الصلاح. ولكنّ الوصيّة التي تفرض علينا أن نصلّي من أجل أعدائنا لا تنطبق على الذين يسألوننا المغفرة، فهم لم يعودوا أعداءنا. وإنّه لمن المستحيل أن نقول إنّنا نصلّي من أجل الذين لا نغفر لهم. إذًا، يجب أن نقول إنّه من الضروريّ أن نغفر كلّ الإساءات التي اقترفت ضدّنا إذا أردنا أن يغفر لنا الآب الإساءات التي اقترفناها ضدّه. أمّا الانتقام فقد تحدّثنا عنه مطوّلاً في السابق.

 

وإليك الطلبة السادسة

لا تدخلنا في تجربة

هناك نصوص تقول: لا تقدنا. فالمعنى هو هو والكلمتان تترجمان الكلمة اليونانيّة.

يقول كثيرون حين يتلون الصلاة: لا تسمح بأن ندخل في تجربة ليفسّروا بصورة أوضح معنى الكلمة "أدخل". فالله نفسه لا يدخلنا في التجربة بل يسمح بسقوط من نزع عنه عونه عن مقصد حفيّ ولكي يعاقبه. ومرّات هناك أسباب ظاهرة تجعل الإنسان أهلاً لأن يترك فيسقط في التجربة. ولكنّ السقوط في التجربة غير التعرّض للتجربة.

فمن دون تجربة لا يقدر إنسان أن يختبر لا لنفسه كما كتب: من لم يجرَّب فماذا يعرف؟ ولا للقريب حسب كلمة الرسول: "والمحنة التي امتحنتم بها بسبب جسدي، لم تحتقروها". فإن كان القدّيس بولس عرف أنّ الغلاطيّين تقوّوا وثبّتوا فهذا يعني أنّ المضايقات التي أحسّوا بها في الجسد لم تطفئ فيهم المحبّة. ولكنّ الله الذي يعلم كلّ شيء قبل حصوله، يعرفنا حتّى قبل التجربة.

أمّا العبارة: الربّ يجرّبكم ليعرف إذا كنتم تحبّونه. نحن نفسّر "ليعرف" بمعنى ليجعلكم تعرفون. فنحن نقول: نهار سعيد لنعني نهارًا يجعلنا سعداء، وبرد كسول لنعني بردًا يجعلنا كسالى. وكم من عبارات من هذا النوع أو التي أدخلتها العادة أو استعملتها لغة الملافنة أو ردّدتها الكتب المقدّسة.

وهذا ما لا يفهمه الهراطقة أعداء العهد القديم حين يظنّون أنّ هذه الكلمات "الربّ إلهكم يجرّبكم" تنسب إلى الجمل. فكأنّ الإنجيل لا يقول لنا عن الربّ نفسه: قال هذا ليجرّبه لأنّه كان عالمًا بما سيعمل. فإن كان الربّ يعرف قلب من يجرّبه، فما الذي أراد أن يرى حين جرّبه؟ لا شكّ من أجل الذي يمتحنه ليعرف نفسه ويشجب قنوطه الخاصّ حين يرى الشعب قد شبع من خبز عجائبيّ بعد أن ظنّ أن ليس له ما يأكل.

إذًا، نحن لا نطلب هنا أن لا نمتحن بتجربة بل أن لا نسقط في تجربة. وهذا كرجل وجب عليه أن يمرّ في النور. هو لا يطلب أن لا تلمسه النار بل أن لا تحرقه. فالنار تمتحن آنيّة الفخاريّ وضيق الأبرار.

جرّب يوسف بالزنى ولكنّه لم يسقط. وجرّبت سوسن ولكنّه لم تدخل إلى التجربة ولم تنجرّ في التجربة. وهكذا نقول عن أشخاص عديدين أكانوا رجالاً أم نساء مثل أيّوب بصورة خاصّة.

وإذ يحاول هؤلاء الهراطقة، أعداء العهد القديم أن يهزأوا بأمانة هذا البار للربّ إلهه، فهم يشدّدون بصورة خاصّة على هذه النقطة وهي أنّ الشيطان طلب السماح لكي يجرّب أيوب. فيسألون الجهال، هؤلاء الناس الذين يجهلون هذه الأمور: كيف استطاع الشيطان أن يكلّم الله؟ هم لا يرون ولا يستطيعون أن يروا، لهذا تعميهم الخرافات وروح المجادلة. هم لا يرون أنّ الله لا جسم له يحتلّ موضعًا في المكان بحيث يكون هنا لا هناك، أن يكون قسم منه هنا وقسم منه هناك. ولكنّه حاضر في كلّ مكان بمهابته دون انقسام في أجزائه، حاضر حضورًا كاملاً في كلّ مكان.

فإن أخذوا في المعنى الحرفيّ ما قيل: السماء هي عرشي والأرض موطئ قدمي، وهو مقطع يثبّته ربّنا نفسه حين يقول: "لا تحلفوا بالسماء لأنّها عرش الله ولا بالأرض لأنّها موطئ قدميه". فما الذي يدهشنا إن كان الشيطان على الأرض ووجد نفسه عند قدمي الله وكلّمه؟ متى يستطيعون أن يفهموا أنّه لا توجد نفس، مهما كانت شرّيرة إلاّ ويكلّمها الله بصوت الضمير شرط أن تكون قادرة على الإدراك.

فمن الذي دوّن الشريعة الطبيعيّة في قلب الإنسان إن لم يكن الله. والرسول يتكلّم عن هذه الشريعة حين يقول: "إنّ الوثنيّين الذين لا شريعة لهم، حين يصنعون بالطبيعة ما هو حسب الشريعة (إذ ليس لهم شريعة، فهم لنفسهم شريعة) يبيّنون هكذا عمل الشريعة المكتوبة في قلوبهم. ضميرهم يشهد لهم وأفكارهم تتّهمهم وتدافع عنهم يوم يدين الله خفايا البشر" (روم 2: 14-16).

فالنفس العاقلة ولو أعمتها الشهوة، حين تفكّر وتقدّم الحجج، نحن لا ننسب إليها ما هو حقيقيّ في استقرائها، بل ننظر إليها على ضوء الحقيقة التي تنيرها بشكل ضعيف وبقدر يناسب مكانيّتها. فهل نعجب إن كانت نفس الشيطان الشرّيرة التي أضلّتها الشهوة، قد تعلّمت بصوت الله أي بصوت الحقيقة كلّ ما فكّرته حقيقة في هذا الرجل البار حين أرادت أن تجرّبه. ولكن ما هو حطأ في حكمها ننسبه إلى الشهوة نفسها التي أعطت الشيطان اسم الثلاّب.

وإنّ الله يستعمل عادة الخليقة الجسديّة والمنظورة ليكّلم الأبرار والأشرار، لأنّه سيّد ومدبّر كلّ شيء وهو ينظّم كلّ شيء بمقدار عادل. كما إنّه استخدم الملائكة الذين ظهروا أمام البشر، والأنبياء الذين اهتمّوا بأن يقولوا: "هذا ما يقول الربّ". فكيف ندهش بعد هذا إن قيل إنّ الله كلّم الشيطان لا بصوت الضمير بل بواسطة خليقة تكيّفت وهذا الهدف؟

ولا نتخيّل أنّ ما فعله الله هو تعبير عن احترام الله للشيطان أو أنّه كلّم الشيطان ليكافأه على أعماله. لقد كلّم الله جوهرًا ملائكيًّا وإن كان مجنونًا وطمّاعًا كما يكلّم نفسًا بشريّة طمّاعة ومجنونة. ليقل لنا خصومنا كيف كلّم ذاك الغنيّ الذي أراد أن يوبّخه على بخله البليد حين قال له: "يا جاهل، في هذه الليلة تؤخذ منك نفسك، وهذا الذي جمعته لمن يكون" (لو 12: 20)؟

من المؤكّد أنّ الربّ قال هذا في الإنجيل الذي يجب أن يخضع له الهراطقة، شاؤوا أم أبوا. فإن صدموا حين رأوا الشيطان يطلب من الربّ السماح لكي يجرّب البار، لن أتعب نفسي لكي أشرح الواقع، ولكنّي أسألهم ليعلنوا لي: لماذا قال الربّ نفسه لتلاميذه في الإنجيل: "ها أنّ الشيطان طلب أن يغربلكم كالحنطة". ثمّ قال لبطرس: "وأنا صلّيت لئلاّ يضعف إيمانك". فإن شرحوا هذه الأقوال يقدّمون لنفوسهم الحلّ الذي يسألونني. وإن لم يصلوا إلى الهدف فلا يتجرّأوا ويندّدوا في كتاب آخر ما وجدوه بدون صعوبة في الإنجيل.

إذًا يجرّب الشيطان لا بفعل قدرته الخاصّة بل بسماح من الله الذي يريد أن يعاقب البشر على خطيئتهم أو يمتحننهم أو يمرّنهم في إطار الرحمة. ومن المهمّ أن نميّز طبيعة التجربة. فالتجربة التي فيها باع يوضاس الربّ ليست تلك التي سقط فيها بطرس فأنكر معلّمه بجبانة.

ويبدو لي أنّ هناك أيضًا تجارب بشريّة. مثلاً: حين يفشل أحد الناس في مشروع رغم نواياه الحسنة، أو حين يغضب على أحد وهو راغب في أن يصلحه، ولكنّه يذهب في غضبه أبعد من الحدود الموضوعة لصبر المسيحيّين. عن هذا قال الرسول: لا تأتكم إلا تلك المرتبطة بالبشريّة وزاد: "الله أمين وهو لا يرضى أن تجرّبوا فوق طاقتكم، ولكنّه يجعلكم تفيدون من التجربة لتستطيعوا المثابرة والثبات". لهذا يرينا أنّنا لن نطلب أن نعفى من التجربة، بل أن لا نسقط فيها. والحال أنّنا نسقط إذا كانت التجارب من النوع الذي لا يُحتمل. ولكن بما أنّ هذه التجارب الخطرة التي يكون السقوط فيها قاتلاً، تتأصّل في الازدهار الماديّ أو في الشدّة، فالذي لا يجتذبه سحر الازدهار لا يسقط تحت ضربات الشدّة.

 

الطلبة السابعة والأخيرة:

لكن نجّنا من الشرّ.

لا نطلب فقط أن نحفظ من الشرّ الذي ليس فينا، وهذا موضوع الطلبة السادسة، بل أن ننجو من الشرّ الذي سقطنا فيه. بعد هذا لن نرهب شيئًا ولا نخاف تجربة. ولكنّنا لا نقدر أن نرجو أن يكون الأمر هكذا ما دمنا في هذه الحياة ما دمنا نتحمّل طبعنا المائت حيث جعلنا كذب الحيّة.

ولكن علينا أن ننتظر أن يحصل هذا يومًا، وهذا هو الرجاء الذي لا يرى حسب كلام الرسول: "فالرجاء الذي لا يرى ليس برجاء. غير أنّ عبيد الله الأمناء لا ييأسون من الحصول على الحكمة التي تعطى في هذه الحياة وتقوم بأن نتجنّب ونعشق بكلّ قوّة المحبّة ما هو موضوع طموحنا، كما يقول الوحي عينه. وهكذا، حين يعرّي الموت الإنسان من ثقل الموت، فهو يتنعّم في وقته وبدون حدّ بسعادة كملت في هذه الحياة، وتاقت إلى امتلاكها كلّ تمنّياتنا وجهوداتنا منذ هذا العالم.

 

الطلبات الثلاث الأولى والأربع الأخيرة

ولكن يجب أن ندرس ونبيّن بعناية الفرق بين هذه الطلبات السبع. إنّ حياتنا الحاضرة تسير في الزمن بحيث نرجو منها السعادة الأبديّة، وإنّ أمور الأبد تسمو كرامة على أمور الزمن، وإن لم نصل إليها إلاّ عبر الأشياء الزمنيّة. فموضوع الطلبات الثلاث الأولى يدوم في الأبد كلّه وإن بدأت في هذه الحياة العابرة، لأنّ تقديس اسم الله بدأ في مجيء الربّ الوضيع. وحلول ملكه حين ينزل في مجده يكون لا بعد الأزمنة ولكن في نهاية الأزمنة. وتتميم إرادته على الأرض كما في السماء أعنينا بالسماء والأرض الأبرار والخطأة أو الروح والجسد أو المسيح والكنيسة أو كلّ هذا معًا، يتمّ بكمال سعادتنا وبالتالي بنهاية الأزمنة.

فتقديس اسم الله يكون أبديًّا، ولن يكون لملكه نهاية، ونوعد بسعادة أبديّة في قلب غبطة كاملة. إذًا تثبت هذه المواضيع الثلاثة كاملة ومتّحدة في الحياة التي وعدنا بها.

أمّا الطلبات الأربع الباقية، فهي على ما يبدو لي، ترتبط بحياة الزمن. الطلبة الأولى هي: أعطنا اليوم خبزنا اليوميّ. إذ نقول الحبز اليوميّ، سواء كان الطعام الروحيّ أو الجوهر المادّيّ، فهذا يعني الزمن الذي يسمّيه المخلّص "اليوم". هذا لا يعني أنّ الطعام الروحيّ ليس أبديًّا، ولكنّ الطعام الذي نسمّيه يوميًّا يعطى للنفس بالأسفار المقدّسة أو بالكلمة أو بأيّ علامة حسّيّة أخرى. وكلّ هذا سيزول حين يصيرون كلّهم معلَّمين من الله ويشاركون، لا بحركات الجسد بل بالعقل المحض، في نور الحقيقة الذي لا يعبّر عنه والذي نستقيه من منابعها.

ونحن نستعمل كلمة خبز لا كلمة شراب لأنّ الخبز يكسر ويمضغ ويهضم كطعام، كما أنّ الكتب المقدّسة تفتح لتأمّلنا من أجل غذاء النفس. أمّا الشراب المهيّأ سابقًا فيمرّ في الجسد ويحافظ على طبعه. وهكذا تكون الحقيقة هنا الخبز الذي يسمّى يوميًّا. أمّا في الحياة الأخرى فلن يكون سوى شراب نستقيه من الحقيقة النقيّة والمنظورة التي لا نقاش فيها، وليس فيها ضجّة الكلمات، ولا تحتاج إلى أن تكسر وتمضغ. وعلى هذه الأرض تغفر ذنوبنا ونعفو نحن عن ذنوب الآخرين نحونا. هذا هو موضوع الطلبة الثانية من الطلبات الأربع الأخيرة، لأنّه لن يبقى في العالم الآخر مغفرة نطلبها لأنّه لن يعود هناك ذنوب. وتقلق التجارب هذه الحياة العابرة، ولن يوجد تجارب حين تتمّ هذه الكلمة. تخفيها في سرّ وجهك. وأخيرًا نجد الشرّ الذي نطلب أن نتخلّص منه، وهذا الخلاص يتمّ في هذه الحياة التي جعلتها العدالة الإلهيّة مائتة بسبب ذنوبنا فنجّتنا رحمته.

 

عطايا الروح القدس السبع، طلبات الأبانا السبعة، التطويبات السبع

العدد سبعة الذي نجده في هذه الطلبات يتوافق، على ما يبدو لي، مع العدد سبعة الذي به بدأت كلّ هذه العظة. فإن كانت مخافة الله تمنح السعادة للفقراء بالروح لأنّ ملكوت الله لهم، فلنطلب أن يتقدّس اسم الله في البشر بمخافة بريئة تدوم إلى جيل الأجيال.

والتقوى تسعد الذين يتحلّون بقلب وديع لأنّ يمتلكون الأرض ميراثًا. لنطلب إذن، ليأتي ملكوت الله فينا لنصير ودعاء ولا نقاوم صوته، وليأتي من السماء إلى الأرض بمجيء الربّ المجيد. حينئذٍ نسرّ ونغتبط حين يقول: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ بداية العالم". وقال النبيّ: "تغتبط نفسي بالربّ"، فأصحاب القلوب الوديعة يسمعونني ويشاركونني في غبطتي. كالمعرفة تمنح السعادة للذين يبكون. فلنطلب أيضًا أن تتمّ إرادة الله على الأرض كما في السماء لأنّه حين يخضع الجسد (وهو كالأرض) للروح (وهو كالسماء) في سلام تامّ وكامل لن نبكي بعد. فما يجعلنا نبكي على هذه الأرض هو هذا الصراع الداخليّ الذي يدفعنا إلى القول: أرى في أعضائي شريعة أخرى تحارب شريعة روحي. ثمّ نعبر عن حزننا بهذا الصراخ الأليم: "أيّ إنسان شقيّ أنا؟ من ينجّيني من جسد الموت هذا؟"

والقوّة تسعد الجياع والعطاش إلى البرّ لأنّهم سيُشبعون. نصلّي ليعطى لنا اليوم خبزنا اليوميّ الذي يقيتنا ويقوّينا لنصل إلى الشبع الكامل.

والمشورة تسعد الرحماء لأنّهما ينالون الرحمة. نترك كلّ دين للمديونين ونصلّي لكي يعفى عن ديوننا.

والفكر يسعد أصحاب القلوب النقيّة لأنّهم يعاينون الله. نصلّي لئلاّ ندخل في تجربة ويكون لنا قلبان فنلاحق الخيرات الزمنيّة والرضيّة بدل أن نطلب الخير المحض ونعيد إليه كلّ أعمالنا. فالتجارب التي تأتي ممّا يراه الناس تعبًا وكارثة تؤثّر علينا بالأشياء التي تفتننا والتي يحسبها الناس صالحة وسعيدة.

والحكمة تسعد المسالمين لأنّهم يدعون أبناء الله. نصلّي لننجو من الشرّ لأنّ هذه النجاة تجعلنا أحرارًا أي أبناء الله بحيث نصرخ بروح البنوّة: "أبّا، أيّها الآب" (روم 8: 15؛ غل 4: 6).

ونلاحظ خاصّة، أنّه بين عبارات الصلاة السبع هذه التي فرضها الربّ علينا، هناك واحدة اهتمّ بأن يلفت انتباهنا إليها بصورة رئيسيّة: هي تلك التي تشير إلى غفران الخطايا والتي بها يريد أن يجعلنا رحومين، وهذا هو السبيل الوحيد لكي ننجو من الشرور. فسائر الطلبات لا تتضمّن معاهدة مع الربّ. فنحن نقول له: إغفر لنا كما نحن نغفر. فإن لم نمارس هذا الشرط كانت صلاتنا كلّها عقيمة والبرهان هو أنّ المخلّص نفسه قال: "إن غفرتم للناس زلاّتهم، غفر لكم الآب الذي في السماء خطاياكم. ولكن إن كنتم لا تغفرون للبشر، فأبوكم لا يغفر لكم خطاياكم" (مت 6: 14-15).