جان كاسيان (+ 430)

 

ولد جان كاسيان في فلسطين، على ما يبدو. وتربّى على الحياة الروحيّة في دير من أديرة بيت لحم. ولمّا بحث عن حياة أكثر كمالاً، مضى إلى رهبان مصر. وهناك جمع باهتمام نصائح المتوحّدين، وأقوالهم المأثورة، فكان له كنز من التعليم الروحيّ حمله من الصحراء إلى عالم الغرب. رسمه يوحنّا الذهبيّ الفم شماسًا، في القسطنطينيّة. ثمّ رُسم كاهنًا في رومة. وسوف يكون في مرسيليا، سنة 415، حيث يؤسّس ديرًا شهيرًا على اسم القدّيس فكتور (= منصور). وهكذا كان من المروّجين الكبار للحياة الرهبانيّة في الغرب.

 

1- أبانا الذي في السماوات

إنّ مختلف طرق الصلاة تليها حالةٌ رفيعة ومتسامية صاعدة. هي نظرة إلى الله وحده، وهو نار الحبّ العظيمة. والنفس تذوب فيه، وتلج عمق ودِّه المقدّس. وهي تتحاور مع الله، كما مع أبيها الخاصّ، حوار القرابة، في حنان من الورع الخاصّ.

ذاك هو واجب علينا بأن نتوق إلى هذه الحالة. فنصّ صلاة الربّ نفسه يعلّمنا هذا فيقول: "أبانا". نحن نقرُّ بفمنا أنّ الله وسيّد الكون هو أبونا. وهذا يعني إعلان إيمان بأنّنا دُعينا من حالة العبوديّة إلى حالة الأبناء الذين تبنّاهم الله.

ونضيف: "الذي في السماوات". فزمن حياتنا (على الأرض) ما هو إلاّ زمن منفى. وهذه الأرض أرض غريبة تفصلنا عن أبينا. فلا شيء في سلوكنا يجعلنا غيرَ أهل لهذا الاعتراف الذي فيه قلنا إنّنا أبناء ويحرمنا من كرامة مثل هذا التبنّي، مثل أبناء انحطّوا من ميراثهم بحيث نلقى غضب الله وقساوة عدالته.

 

2- ليتقدّس اسمك

بعد أن وصلنا إلى هذه الكرامة، كرامة أبناء الله، نشتعل حالاً بالحنان الذي هو في قلب جميع الأبناء الصالحين. وإذ لا نعود نفكّر في مصالحنا، لا نغار إلاّ على مجد أبينا. فنقول له: "ليتقدّس اسمك". فندلّ بذلك على أنّ مجده هو رغبتنا كلّها وفرحنا كلّه على مثال من قال: "من يتكلّم عن نفسه يطلب مجده الخاصّ. ولكن من يطلب مجدَ ذاك الذي أرسلني، هو في الحقّ وليس فيه ظلم" (يو 7: 18).

إمتلأ بولس، ذاك الإناء المختار، من هذه العواطف، فراح يتمنّى أن يكون محرومًا ومفصولاً عن المسيح، من أجل اهتداء إخوته وخلاص شعبه. وتمنّى أيضًا ميخا أن يكون كاذبًا، ويصير غاربًا عن إلهامات الروح القدس، شرط أن ينجو شعبه من عذابات وكوارث أنبأنا بها في أقواله: "يا ليت الروح لم يكن فيّ، ولم تكن كلماتي إلاّ كذبًا". ولا أقول شيئًا عن هذه الحركة الحلوة لدى المشترع (موسى): إذا وجب أن يهلك إخوته، فهو لا يرفض أن يموت معهم. قال: "يا ربّ، هذا الشعب اقترف خطيئة كبيرة، ولكنّي أتضرّع إليك: اغفر له ذنبه، وإلاّ فامحُني من الكتاب الذي كتبتَ" (خر 32: 31-32).

هذه الكلمات "ليتقدّس اسمك" يمكن أن نفهمها أيضًا في معنى يقول إنّ الله يتقدّس بكمالنا. وإذ نقول له: "ليتقدّس اسمك"، فكأنّنا نقول له بلفظ آخر: "أيّها الآب، إجعلنا هكذا بحيث نستحقّ أن نعرفك ونفهم عظمة قداستك. أو أقلّه، أن تسطع هذه القداسة في حياتنا الروحيّة"! هذا ما يتمّ فينا حين "يرى الناس أعمالنا الصالحة فيمجّدون أبانا الذي في السماوات" (مت 5: 16).

 

3- ليأتِ ملكوتك

في الطلبة الثانية، تعبّر النفس عن تمنٍّ بأن ترى سريعًا ملكوت أبيها. قد تشير هنا أوّلاً إلى ملكوت يدشّنه المسيح كلّ يوم في نفس القدّيسين. هذا ما يحصل عندما يُطرد إبليس من قلبنا مع الرذائل المفسدة، ويُزال سلطانه. فيدخل الله فينا كالسيّد، وتنتشر في الوقت عينه رائحةُ فضائلنا الصالحة. يُغلَب الزنى فتملك العفّة في نفسنا. نتجاوز الغضب فيكون الهدوء. تداسُ العجرفة بالأرجل، فيملك التواضع.

وقد تشير هذه الطلبة ثانيًا إلى ما وُعدنا به من تحدَّد مسبقًا لجميع الكمّال بشكل عام، ولجميع أبناء الله. حينئذٍ يقول لهم المسيح: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوتَ المعدّ لكم قبل خلق العالم". وتجعل النفس عينيها محدّقتين، بحرارة، إلى هذا الهدف السعيد، المليء بالرغبة والانتظار. فتهتف: "ليأتِ ملكوتك". هي تعرف حسنًا، وضميرُها يشهد لها أنّها ستقاسمه هذا الملكوت حينما يظهر. تجاه هذا، لا يتجرّأ خاطئ أن يتفوَّه بهذه الكلمات أو أن يتمنَّى مثل هذا التمنّي: فرؤية المحكمة بغيضة لمن علم أنّه لن يكون غار ولا إكليل يجازي استحقاقاته، حين يأتي الديّان، بل إنّ عقابًا سريعًا سوف يصيبه.

 

4- لتكن مشيئتك

وهذه هي طلبة الأبناء الثالثة: "لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء". نحن نتمنّى أن تستحقّ الأرض أن تتساوى مع السماء. إلى هذا الحدّ ترتفع صلاتنا. أن نقول: "لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء" يعني أنّنا نطلب أن يكون البشر شبيهين بالملائكة. وكما أنّ هؤلاء الأرواح الطوباويّين يعملون في السماء مشيئة الله، كذلك البشر كلّهم يتمّون مشيئة الله، لا مشيئتهم.

وإليك أيضًا صلاة يستطيع وحده أن يتلوه من عمق قلبه من يؤمن أنّ الله يهيّئ كلّ شيء، في هذا العالم، لخيرنا وفرحنا وسعادتنا، وأنّه يسهر بعناية كبيرة، على خلاص محبّيه وخيرهم، أكثر ممّا نفعل نحن.

ونستطيع أيضًا أن نفهم هذه الطلبة في معنى يقول إنّ مشيئة الله هي خلاص الجميع، بحسب القول المعروف لدى القدّيس بولس: "الله يريد أن يخلص جميع الناس ويأتوا إلى معرفة الحقّ". وتحدّث أشعيا النبيّ عن هذه المشيئة الإلهيّة عينها، حين قال هو يتحدّث باسم الله الآب: "مشيئتي تتمُّ كلّها". إذن، حين نقول "لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء" نكون وكأنّنا نقول بألفاظ أخرى الصلاة التالية: "أيّها الآب، ليكن الذين في السماء مثل جميع الذين على الأرض، فيخلصوا بمعرفة اسمك"!

 

5- أعطنا خبزنا اليوميّ

ونضيف: "أعطنا اليوم خبزنا الفوجوهريّ". وبحسب إنجيليّ آخر: "خبزنا اليوميّ". الصفة الأولى تعني النبل والسموّ، وطابع جوهره الذي يسمو على كلّ جوهر، بحيث يتجاوز جميع الخلائق بعظمة جوهره وقداسته. واللفظ الثاني يعبّر عن الاستعمال والمنفعة: فلفظ "يوميّ" يبيّن أنّنا لا نقدر أن نعيش يومًا واحدًا من حياتنا الروحيّة، من دون هذا الخبز. ويبيّن لفظ "اليوميّ" أنّه يجب أن نغتذي منه كلّ يوم، بحيث لا يكفي أن نكون تقبّلناه البارحة إن لم يُعطَ لنا اليوم أيضًا.

لتكن حاجتنا اليوميّة هذه تنبيهًا لنا بأن نتلو في كلّ وقت هذه الصلاة فما من يوم إلاّ ونحتاج فيه بأن نأكل هذا الخبز اليوميّ لنقوّي فينا قلب الإنسان الباطنيّ.

"واليوم" يُفهم أيضًا عن الحياة الحاضرة. فما دُمنا في هذا العالم، أعطنا هذا الخبز. نحن نعرف أنّك تعطيه أيضًا في العالم الآتي للذين استحقّوه. ولكنّنا نطلب منك أن تمنحنا إيّاه منذ اليوم، لأنّ الذي لم يتقبّله في هذه الحياة، لا يقدر أن يشارك فيه في الأخرى.

 

6- إغفر لنا ذنوبنا

"إغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر للذين أذنبوا إلينا".

يا لرحمة الله التي لا تُوصَف! ما أعطانا هنا فقط نموذج صلاة. ما رتّب لنا فقط نظام حياة به نستطيع أن نكون مرضيّين في عينيه. وما نبّهنا فقط إلى عبارة علّمنا إيّاها أن نتلوها عادة في صلاتنا، بحيث يقتلع حقًّا جذور الغضب والحزن. فهذا لا يكفي. بل هو يعطينا فرحة في الصلاة فيها، ويقدّم لنا سهولة لكي تحرّكه لكي يتلوا علينا حكمًا شفوقًا، رحيمًا. لقد أعطانا في شكل من الأشكال السلطة التي بها نخفّف الحكم علينا، وأن ندفعه إلى الغفران على مثال رحمتنا حين نقول له: "إغفر لنا كما نحن نغفر".

يتقوّى المؤمن بهذه الصلاة فيطلب بثقة مغفرة، بعد أن يكون تساهل مع من له عليهم دين. أقول: لمن له عليهم دين، لا للذين للربّ عليهم دين. فنحن نلاحظ عند الكثيرين عادة مشينة: فالإغاظة لله، مهما كانت فظيعة، تملأنا وداعة وشفقة. ولكن أن تعلّق الأمرُ بنا، فنحن نطلب التكفير بقساوة لا ترحم، ولو كان الذنب بسيطًا. بعد هذا، فمن لم يغفر من عمق قلبه ذنوب أخيه، لمن يحصل بهذه الصلاة إلاّ على الحكم، لا على الرأفة. فهو يطلب حكمًا أقسى حين يقول: "إغفر لي كما أنا غفرتُ". فإن عُومِل كما يطلب، فماذا سيكون له سوى أن يتمثّل الله به فيكون بلا رحمة في غضبه ويعاقبه بحكم لا شفقة فيه؟ أنريدُ أن ندان بالرحمة، لنكن رحماء تجاه الذين أساؤوا إلينا. فالله يغفر لنا بقدر ما نغفر للذين أساؤوا إلينا، مهما كان شرّهم.

أمام هذه الفكرة يرتجف الكثيرون. وحين يتلو الشعب، في الكنيسة، بصوت واحد "أبانا الذي في السماوات"، فهم يتركون هذه الكلمات تمرّ ولا يقولونها لئلاّ يحكموا على أنفسهم بأفواههم، بدلاً من أن يعتذروا. لا يدركون أنّ هذه ذرائع باطلة يحاولون عبثًا أن يغطّوا بها نفوسهم في نظر الديّان السامي، الذي أراد أن يبيّن مسبقًا للذين يصلّون، الطريقة التي بها يدينهم. بما أنّه لا يريد أن نجده قاسيًا وبلا رحمة، رسم لنا قاعدة أحكامه، بحيث ندين إخوتنا الذين أساؤوا إلينا. كما نرغب في أن يديننا هو. "دينونة بلا رحمة تنتظر ذاك الذي لم يمارس الرحمة" (يع 2" 13).

 

7- لا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرّير

والطلبة التالية: "لا تدخلنا في تجربة". هي تطرح سؤالاً صعبًا. إذا صلّينا إلى الله بأن لا يسمح أن نجرَّب، أي برهان نعطيه عن ثباتنا؟ فقد كُتب: "الإنسان الذي لم يجرّب، لم يمتحَن". وأيضًا: "هنيئًا للإنسان الذي تحمّل التجربة". إذن، ليس هذا هو معنى هذا القول: "لا تدخلنا في تجربة". كما أنّ هذا القول لا يعني: "لا تسمح بأن نجرَّب يومًا". بل لا تسمح بأن نُقهَر حين نجرَّب. جُرِّب أيّوب، ولكنّه ما أُدخِل في التجربة، لأنّه ما اتّهم الكلمة الإلهيّة. هو ما دخل في درب الكفر والتجديف، حيث أراد المجرّب أن يجرّه. وإبراهيم جُرِّب، ويوسف جُرِّب. وكلاهما ما أدخلا في تجربة، لأنّ كليهما لم يوافقا المجرِّب.

والطلبة الأخيرة: "لكن نجّنا من الشرّير". أي لا تسمح أن يجرِّبنا الشرّير فوق طاقتنا. ولكن "مع التجربة، أعدَّ لنا الوسيلة لكي ننتصر عليها، لكي نقدر على احتمالها".

تلك هي عبارة الصلاة القصيرة التي أعطانا ديّاننا لنستعطفه. نحن لا نطلب الغنى. ولا كلام عن الكرامات. ولا طلب قوّة وجبروت. لا ذكر للصحّة ولا للحياة الزمنيّة. فالذي صنع الأبديّة، لا يريد أن نطلب منه ما هو ثانٍ، دنيء، ويعبر مع الزمن. حينئذٍ نغيظ إغاظة خطيرة سخاءه وكرمه، إن نحن أهملنا هذه الطلبات التي فيها كلّ شيء يتكلّم عن الأبديّة، لنطلب منه ما هو عابر وزائل. فدناءة النفس هذه في الصلاة، تستجلب غضب ديّاننا ولا تحوز على رضاه.

يبدو أنّ صلاة الأبانا هذه تشتمل ملء الكمال كلّه، لأنّ الربّ نفسه هو الذي أعطانا فيها المثال والوصيّة. وهي ترفع عاليًا أولئك الذين يقتربون منها، إلى تلك الحالة السامية التي تحدّثنا عنها من قبل، إلى تلك الصلاة الناريّة التي لا يعرفها الكثيرون عن خبرة، والتي لا توصَف. فهي تتجاوز كلّ عاطفة بشريّة. لا حاجة بعد لرنّة صوت ولا تحركة لسان ولا لكلام يُقال. فالنفس التي غطست في نور علويّ، لا تستعمل بعد لغة البشر التي هي دومًا عاجزة. ففيها موج طالع من كلّ المودّات المقدّسة معًا: ينبوع فيّاض، منه تتفجَّر الصلاة في كلّ جهة وتنطلق إلى الله بشكل لا يوصَف. وهي تقول أمورًا كثيرة في لحظة قصيرة بحيث لا تستطيع أن تعبِّر عنها بسهولة، ولا أن تستعيدها في الذاكرة حين ترجع إلى ذاتها.

ورسم ربّنا أيضًا بشكل تضرّعه، رسمة هذه الحالة حين مضى إلى عزلة الجبل، أو في صلاة نزاعه الصامتة حيث تصبّب عرقُ الدم، بمثال لا يمكن الاقتداء به في حرارة متّقدة.