العظة 67

 

نحن لا نكثر الكلام

نختم آذانكم أيّها الإخوة الأعزّاء لبلاغ الإيمان. فاسمعوا الآن نموذج الصلاة التي علّمها الربّ.

علّمنا يسوع أن نصلّي بكلمات قليلة. وهو الذي يريد أن يستجيب طلباتنا ولا يتأخّر. ثمّ، ماذا لا يُعطي للذين يسألونه، بعد أن أعطى ذاته للذين لم يسألونه؟ وأيّ تأخّر يحمل إلى جوابه، وهو الذي يسبق رغبات السائلين فيملي عليهم عبارات صلواتهم؟

ما ستسمعون اليوم هو ما جعل الملائكة يندهشون، والسماوات تتعجّب، والأرض ترتاع، والبشريّ الضعيف (من لحم ودم) يعجز عن الفهم، والأذن لا تقدر على السماع، والعقل لا يسعه الإدراك، والخليقة كلّها فوق ما تحتمل. وأنا نفسي لا أجسر أن أتلفّظ، ومع ذلك لا أقدر أن أسكت. فليعطنا الله النعمة: أنتم تسمعون وأنا أتكلّم.

أي سرّ نكرم أكثر؟ أن يكون الله أعطى ذاته للأرض، أو أن يعطيكم السماء؟ أن يدخل الله في شركة مع البشريّ، أو أن يدخلكم ويشرككم في اللاهوت؟ أن يأخذ الموت أو أن يأخذكم من الموت؟ أن يُولَد في عبوديّتنا أو أن يلدكم أبناءً؟ أن يكون احتمل فقركم أو أن يجعلكم وارثين له، وارثين لله مع ابنه الوحيد؟ وبعبارة واحدة، ما هو جدير بإعجاب كريم، هو أنّ الأرض انتقلت إلى السماء، وتحوَّل الإنسانُ باللاهوت. ونال وضعُ العبوديّة حقوق السيادة. ومع أنّ كلّ ذلك كان موضوع مخافة مقدّسة. فالسؤال لا يطرح إلاّ على مستعبَد، لا على سيّد. لهذا، يا أولادي الصغار، لنقترب من هذا الموضع الذي إليه تدعونا المحبّة، يجتذبنا الحبّ، ينادينا الحنان، ليعترف قلبُنا بالله أبًا. وليعلنه صوتنا، وليكرّره لسانُنا، وليدْعُه الروح كما هو، بحيث إنّ كلّ ما فينا يجيب على النعمة، لا على المخافة. لأنّ ذاك الذي تحوّل من أجلنا، من ديّان إلى أب، يريد أن نحبّه لا أن نرتعب منه.

 

أبانا الذي في السماوات

حين نقول هذا الكلام، لا نتصوّر أنّ الله ليس على الأرض، ولا نظنّ أنّه مسجون موضع واحد وهو الذي يضمّ كلّ شيء. بل نفهم أنّنا من نسل سماويّ لأنّ أبانا يُقيم في السماوات. وهو يحيينا حياة مقدّسة بحيث تتوافق حياتُنا مع حياة الآب القدّوس فمن لم تغطّه ظلمات الرذائل اللحميّة، بل يشعّ بالفضائل الإلهيّة، هذا من يدلّ على نفسه أنّه ابن الله.

 

ليتقدّس اسمك

والاسم أيضًا يُعلن من أيّ نسل نحن. إذن، نطلب أن يقدَّس فينا اسمُ ذاك الذي هو القدّوس في ذاته وبذاته. فاسم الله يتمجَّد بطريقة عيشنا، أو يجدَّف عليه بأعمالنا الشرّيرة. اسمعوا الرسول يقول لنا: "اسم الله يجدّف عليه بسببكم، وسط الأمم" (روم 2: 23).

 

ليأتِ ملكوتك

في أي وقت لم يكن الله ملكًا؟ لذلك نطلب من الذي يملك دومًا بكيانه، أن يملك أيضًا فينا، بحيث نستطيع نحن أيضًا أن نملك فيه. ملك الشيطانُ والخطيئة والموت. وأمسكنا الموت طويلاً في الأسر. إذن، نصلّي لكيما، بملكوت الله، يهلك الشيطان، وتُمحى الخطيئة، ويموت الموت، ويُؤسَر الأسرُ، لكي نملك، أحرارًا، في الحياة الأبديّة.

 

لتكن مشيئتك

هو حقًّا ملكوت الله حين تكون مشيئة الله وحدها، السيّدة في السماوات وعلى الأرض. حين يكون الله في جميع البشر، الروحَ والحياة والعمل والملك والكلّ، حسب ما يقول الرسول: "ليكون الله كلاًّ في الكلّ" (1 كور 15: 28).

 

أعطنا خبزنا

ذاك الذي أعطى ذاته لنا كأبٍ، الذي تبنّانا كأبناء، الذي جعلنا وارثي خيراته، الذي جعلنا نبلاء بنبله، الذي أشركنا في مجده وفي ملكوته، هذا الإله وافقنا بأن نطلب أيضًا الخبز اليوميّ، ففي ملكوت الله، ووسط الخيرات الإلهيّة، ماذا يطلب العوزُ البشريّ؟ هذا الأب الصالح، والسخيّ، والمحبّ، ألا يعطي الخبز لأبنائه إلاّ إذا طلبوا منه؟ وما معنى هذا القول: "لا تهتمّوا لما تأكلون ولما تشربون ولما تلبسون" (مت 25: 31). ويأمرنا بأن نطلب ما يمنعنا من أن نفكّر فيه. ولكنّ الربّ يحثّنا على أن نطلب خبز السماء، كأبناء السماء. لهذا قال: "أنا هو الخبز النازلُ من السماء" (يو 6: 51). فهو نفسه الخبز الذي زرع في مريم العذراء، ونما في اللحم (والدم) وعُجن في الآلام، وطُبخ في القبر، وحُفظ في الكنيسة، وحُمل على المذابح، وهو يعطي كلّ يوم للمؤمنين، طعامًا سماويًّا.

 

إغفر لنا ذنوبنا

أيّها الإنسان، إن كنا من جهة، لا تقدر أن نكون بلا خطيئة، وإن أردت من جهة ثانية، أن تُغفَر دومًا خطاياك، فاغفر أنت أيضًا: إغفر بقدر ما تريد أن يُغفر لك. وبما أنّك تريد أن يُترك لك دينُك كلّه. فاترك أنت أيضًا كلّ الدين. إفهم أيّها الإنسان. فحين تغفر للآخرين تستجلب عليك الرحمة.

 

لا تدخلنا في تجربة

بما أنّ حياة الإنسان في هذا العالم هي تجربة كما يقول أيّوب (7: 1)، لنصلِّ إذن لكي لا يتركنا الله فنستعمل استعمالاً حريّة الاختيار عندنا، بل يردّ عنا في كلّ أعمالنا، برحمته الأبويّة، ويحفظنا في طريق الحياة بلجام سياسته السماويّة،

 

لكن نجّنا من الشرّ

من أيّ شرّ؟ من الشيطان، بلا شكّ. فمنه كلُّ شرّ. نطلب أن ننجو من الشرّ لأنّ الذي لا يمتنع عن الشرّ، لا يقدر أن ينعم بالخير. وإن كان الذين لم يُولدوا بعد بالمعموديّة، والذين يرقدون بعد في الحشا الأموميّ، يطلبون خبزًا ويصلّون من أجل مجيء الملكوت، فلماذا نشكّ في أنّ ذاك الذي هو، منذ الأزل، ابن الله، يقيم في سرّ الله أبيه؟ إن كانت الكنيسة تلد (الأبناء)، فلا نبحث بعدُ عن شرح بشريّ، بل نحن أمام سرّ سماويّ. أن يكون ابن الله في الله أبيه، أمرٌ لا يُناقش العقل البشريّ كيف يكون، لأنّ اللاهوت لا يقاس بقياس الإنسان. أيّها الإنسان سمعتَ أبا المسيح. فآمن بهذا التعليم بسبب لاهوته. سمعتَ أباك، فآمن بهذا التعليم، بالنعمة. المسيح كان له دومًا أن يكون الابن. وأعطاك أنت صفة الابن هذا منذ أمدٍ قريب. فاعلم أنّك ابن لئلاّ تجمل أنّك أيضًا عبد. فاعرف أنّك أُعدت إلى شبه المسيح لكي تقرّ دومًا أنّك خاضع للمسيح.