العظة 68

 

الكنيسة تحبل وتلد

وضعُ الحواس والرباطات الأرضيّة، ومضمون حياة موحلة. مستعدّة دومًا لأن تنزلق في الموت، منهكة بالعمل، محرَقة بالأحزان، خاضعة بالطبيعة للفساد والعودة إلى التراب، كلّ هذا لا يسعه أن يفهم ولا أن يرتفع إلى التقدير الصحيح لما يجب أن نعلنه اليوم. لا نجرأ أن نبعده كما نخاف أن نصدّقه. فعطوبة الإنسان لا تقدر أن تكتشف كيف استحقّ مثل هذه المسخ الكبير، عطايا الله، مثل هذه الوفرة للخيرات الموعود بها، مثل هذا التوزيع السخيّ للهدايا. لا شكّ، كما أظنّ، أنّ النبيّ حبقوق رأى كلّ هذا في مشاهداته. حين زعزعته مثل هذه الرعدة وحرّكته هزّة كبيرة على أثر ما سمع. قال: "يا ربّ، سمعتُ وحيك فتمسكتني الرعدة" (حب 3: 2)، تطلّعت إلى أعمالك فتحيّرت".

إرتعد من الوحي، لا لأنّه سمع الله، وهو من كان النبيّ العظيم، بل لأنّه اكتشف، وهو الخادم، أنّ ربّه التفت إليه، نسمعه يكشف له عن ذاته على أنّه أب. ما جاء خوفه من مشاهدة تناسق الأشياء في هذا العالم، وقد تحقّق انطلاقًا من مواد متفرّقة. ولكن من اعتبارات حول هذا الحبّ العظيم الذي توجّه إليه، فهزّه زلزال إعجاب ورعدة جلال.

قال لله: "شاهدتُ أعمالك فارتعدت". اكتشف بدهشة أنّه ابن تبنّاه الله ساعة فقد ثقة العبوديّة نفسها. ولكي تعلموا أنّ اللاهوت يبثّ فينا اليوم ويشعر عاطفة هذه الصلاة، انظروا النبيّ الذي امتلأ جرأةً سماويّة، فوجد نفسه ناجيًا، في شكل من الأشكال، من مخافته بأن يتقبّل هذه العطيّة. فأضاف: "تحفّظتُ فارتعدت أمعائي لصوت الصلاة من شفتيّ" (حب 3: 16).

بعد أن اختبر وفرة العطايا الإلهيّة، احتفظ لئلاّ يجد نفسه، كما في الماضي في الفردوس المفقود، عدوًّا، خصمًا، لصًّا. يجب أن يصبح حارس نفسه، أكثر تنبّهًا وسهرًا. وبعد أن اختبر خسارة مثل هذا الخير، يحمي بعناية كنزه السماويّ في آنية من خزف.

"إرتعدت أمعائي". دلّ النبيّ بهذا اللفظ على عمق قلبه. فكما أنّ الإمعاء تغتذي بالأطعمة وتمتلئ، كذلك القلبُ بالعواطف.

"إرتعدت أمعائي لصوت الصلاة من شفتيّ". إن كان عقلُ القلب يلد الصوت، وقد وهب الكلمة للشفاه، فلماذا ارتعد النبيّ أمام تمنّياته ورغباته على أنّه أصل ما يستعدّ ليناله؟ لأنّه تكلّم، لا بحدس قلبه، بل حرّكه الروح الإلهيّ. لنسمع بولس يقول لنا: "أرسل الله في قلوبنا روح ابنه الذي يهتف فينا أبّا، أيّها الآب" (غل 4: 6).

حين ولج هذا الوحي قلب حبقوق الحميم، اندهش لأنّه استحقّ مثل هذه النعمة فابتهج عمقُ كيانه. فأضاف بحقّ: "أمسكت الرعدةُ أعضائي" لأنّ جسمه اضطرب وقال: "فارقتني قوّتي". لماذا فارقته؟ لأنّ ذاك الإنسان الذي رُفع بالنعمة، كان منطرحًا في الوقت عينه، ويودّ أن يتهرّب بسبب طبيعته البشريّة السابقة، وما كانت قوّة الأرض تكفي لتُسند قوّة السماء.

في الماضي اشتعل جبل سيناء حين نزل الربّ عليه لكي يُعطي شريعته. فماذا لا يفعل اللحم (والدم) حين ينزل الله فيه ليُغدق عليه نعمته؟ جاء الآب لأنّ الإنسان ما كان يحتمل إلهه، ولا العبدُ ربّه. وجاء أيضًا لأنّه أمين في أقواله: "إفتح قلبك فأملأه. إفتح قلبك للربّ، يملأه بمثل هذه الصلاة، بمثل هذه الصرخة:

 

أبانا الذي في السماوات

أين هم الذين يتحدّون وعد الله؟ ها هو إعلان الإيمان يجد أجره في الوقت عينه: ما إن اعترفت أنّ الله أبو ابنه الوحيد، تبنّاك الله الآب كابنه، وارثًا للسماء، أنت الذي اعتُبرت منفيًّا من الفردوس ومقيمًا على الأرض. لهذا، تستطيع الآن أن تهتف: "أبانا الذي في السماوات".

في الماضي كان لك أبٌ أعادك إلى التراب، سجنك في حبس، جرّك إلى جهنّم. فالذي بحسب طبعه، يطلب الله الآب السماويّ، عليه أن يجهل الأرض، والحبّ اللحميّ، وأن لا يرغب بتراب هذا العالم، ولا يعطي للرذيلة منفذًا إليه. والذي بحسب إيمانه، يعرف أنّه ابن الله، يجب أن يتجاوب بأعماله، بحياته، بخلقه، مع كرامة هذه الوراثة لئلاّ ينحدر مرّة أخرى إلى مستوى الأرض، بحيث يسيء إلى مثل هذا الأب العظيم.

 

ليتقدّس اسمك

إن كان اسمَ المسيح أعطى النظر للعميان، الاندفاع للعرج، الصحّة للمتألّمين بكلّ أنواع الأمراض، الحياة للموتى، إن كان يقدّس الخليقة كلّها وأنت أيضًا، فيا أيّها الإنسان، باسم ما تطلب قداسةَ هذا الاسم وتلحّ؟ (الجواب: دُعيتَ مسيحيًّا بالمسيح، لهذا تتوسّل إلى الله بأن يثبّت باستحقاقات لاحقة امتياز اسمك.

 

ليأتِ ملكوتك

أمر (الربّ) بأن نُصدر هذا التمنّي، فرض هذه الأمنية، وانتظر منّا هذه الرغبة، وهو ذاك الذي يضمّ في سلطانه مجيء ملكوته. أمين هو الجنديّ المتعطّش لحضور الله، الذي ينادي الملكوت ويتمنّى، أن يرغب بانتصاره بشغف. ولكن في هذه الطلبة، أنت تصلّي لكي يقوم هذا الملكوت فيك، يا من كنتَ في الماضي حصن إبليس، فساء عليك الموت وخضعت طويلاً لسلطان الجحيم. لنصلّ إذن، يا إخوتي الأعزّاء، لكي يملك المسيح دومًا في جنديّته، ولكي ينتصر دومًا هذا الجنديّ في ملكه.

 

لتكن مشيئتك

طوبى لهذا اليوم الذي يضمّ مشيئات الأرض إلى مشيئات السماء، فيجعلها على مستوى واحد، بحيث تكون مشيئة واحدة وحيدة في جواهر لا متساوية. هنا يكمن السلام الأكيد، والتوافق اللامتزعزع، والنعمة المستمرّة، حين تصبح العائلة المتنوّعة بطبعها واحدةً بالإرادة، وترتبط بتوافق العواطف، بسياسة سيّد واحد.

 

أعطنا خبزنا

بعد النظر إلى هذا الملكوت السماويّ، من يستطيع بعدُ أن يطلب خبزًا للزمن الحاضر؟ ولكنّ الله يريد أن يرانا نطلب إنعاشنا اليوميّ من هذا الخبز الذي يُقيم، على مدى الأيّام، في سرّ جسده، لكي نبلغ به إلى يوم لا مساء له وإلى مائدة المسيح بالذات. وهكذا نشبع في العلى من ملء ما بدأنا نتذوّقه على الأرض.

 

أترك لنا ديوننا

من يطلب هذه الطلبة ولا يترك الديون، تتّهمه كلمات فمه. ومن صلّى لكي يُعطى له ويُترك بقدر ما هو يُعطي ويترك، يدعو الله إلى تفاهم حبّي، وإلى عهد، إذا استطعنا أن نقول مثل هذا الكلام. كلُّ واحد يفرض أن يُعطى له بقدر ما هو أعطى الآخر ولا تُترك فقط ديون المال، يا إخوتي، بل ديون كلّ الدعاوى والذنوب والجرائم. وبكلمة، كلّ ما يستطيع الإنسانُ أن يقترف. إذن، إغفر أيّ شيء قد يكون آخر اقترفه تجاهك. فالمؤمن يطلب الغفران عن خطاياه، لأنّه يغفر للمذنب بطيبة خاطر.

 

ولا تدخلنا في تجربة

ألف مرّة، لا مرّة واحدة، يُفرَض علينا إخوتي، وبألف شكل وشكل، أن تطلب هذه الطلبة لئلاّ تتجاوز عطوبتنا قدر الجرأة الثمينة وتعتبر نفسها، بخفّة، دون أن تقدِّر بدقّة قواها. وهكذا تسقط في الجهاد بعدم فطنتها. فيُغاظ الله ويُسلم إلى التجربة أولئك الذين تركهم.

 

بل نجّنا من الشرّير

حين نطلب من الربّ أن ينجّينا من الشرّ، فهذا يعني فكرة صحيحة ومتواضعة عن نفوسنا، وأن لا نستسلم إلى اعتدادنا بخلاص نلناه بقوانا وحدها. أوسموا عليكم إشارة الصليب. وافهموا، يا أولادي الصغار، أيّ مجد للكاملين وأيّة قوّة للأقوياء حين تظهر مثلُ هذه القوّة الكبيرة في الحبل نفسه، وهذا الجلال العظيم في الولادة. فالموعوظ (إنسان يستعدّ للعماد) لم يُولَد بعد بالمعموديّة. ومنذ الآن يدعو أباه، ويطلب القداسة، ويتوق إلى الملكوت. ويعطى شرائع للأرض، ويوحِّد مشيئات الأرض ومشيئات السماء، ويطلب حصّته من الطعام قبل أن يقوم بأعمال مفيدة. قال: "أعطنا خبزنا اليوميّ". طوباكم لأنّكم بدأتم بالانتصار قبل أن تحاربوا، بالغلبة قبل أن تحيوا بالذهاب إلى أمراء الآب قبل أن تتغذّوا من الثديّ الأموميّ، بالهجوم على داعي القطيع قبل أن ترضعوا اللبن، بإعلان صرخة الظفر بالصوت العالي قبل أن تُسمعوا صرخات الطفولة في المهد. حقّ، كما يقول الرسول "الضعف بحسب الله أقوى من البشر" (1كور 2: 25). ولكن من يستطيع أن يفهم سرَّ مثل هذا الحبل؟ الكنيسة التي هي عذراء وأمّ، تلد كلّ يوم أبناء في العالم كلّه، ولا تتركهم يتعبون وراءها، بل تجعلهم يسبقونها كبواكير من أجل المجد الأبديّ.