العظة 69

 

أراد أن يعلّمنا الصلاة

 

أتظنّ أنّ قلبًا مائتًا يستطيع أن يفهم اتّساع حبّ الربّ لنا؟ أتظنّ أنّ عقلنا المنهك بثقل الجسد اللحميّ، يستطيع أن يُدرك ويحسّ، كما يجب، بحنان الله تجاهنا؟ فكلّ شعاع الكواكب، المضيء والمنير والساطع، كلّ عبير الزهور على الأرض، كلّ طعم الثمار، كلّ فرح الخوف من الحيّة، كلُّ هذا خُلق حبًّا بنا وأخضع لنا كالعبد. ولكن مهما كانت هذه الحسنات عظيمة، فهي تظلّ علامة صغيرة عن حبّ الله لنا. فرئاسات السماوات، وقوّات الجوّ، وسلطان السماء، وخدمات الملائكة، كلّ هذا يجاهد من أجلنا بدون تعب من أجل حمايتنا. ومع ذلك، كلّ هذه التنازلات تبقى كلا شيء. وأدنى دنوًّا كثيرًا من حياة الله الحميمة التي يدفعنا إيماننا لأن نعلنها، بل هي بعيدة جدًّا بُعد الخليقة عن خالقها.

والله الذي لا يستطيع إنسان أن يشاهد وجهه، والذي لا يلجه النظر، الذي لا يُدركه إدراك بشريّ فيبقى بعيدًا عن متناول كلّ عقل. هو الذي وحيه نفسه لا يقدر أن يعرّفنا ملء المعرفة المرّات العديدة والوجهات المتنوّعة التي بها قدّم نفسه إلى أنظار البشر. أنظروا إلى أيّة شركة، إلى حياة حميميّة استسلم وإلى أين تصل به المساومة تجاه الطبيعة البشريّة.

تنازل فجعل نوحًا مشاركًا في قصده، ونبّهه أنّ الطوفان قريب لتكفير خطايا العالم. وحبس في الزرع الصغير الموجود في السفينة (الفُلك) الخليقة كلّها الذي هو حارسها.

وحين قدّم الله نفسه لإبراهيم كضيف مدعوٍّ إلى الطعام، دخل بكلّ لطفه، وما رفض ما قُدِّم له من طعام. وأكل كجائع ومنهك، أطعمةً حُملت إليه، وكأنّه يحتاج إلى قوت وهو الله، وقبل بكلّ بساطة مائدة البشر. مثل هذا اللطف أزهت الأعضاء اليابسة لدى الشيخ (إبراهيم) وأعادت الحياة إلى حشا انطفأ لدى امرأة عجوز وعاقر. وهكذا نهضت الطبيعة المدفونة في جثمان حيّ، فأعلنت خالقها وولدت، مع أنّ الزمان عبَر، أولادًا عديدين بواسطة رجل واحد بيّن له إيمانه على أنّه أساس الجميع.

وإذ أراد إله النار أن يظهر نفسه لموسى، حصر نفسه في علّيقة، وتحاور مع عبده عمّا يجب أن يُفعَل. كشف عن نفسه بمعجزات مختلفة في مصر، ودلّ على ذاته بحسب مسرّة عبده: سام العقوبات أو أوقفها. وفي البحر، بيّن بتعاطف المياه المنفتحة ما هي قدرته وما هي عظمة العطيّة التي منحها للإنسان: فحين تراجع الماء من أمام الأبرار فجفّف مجراه وكوّن جذرًا بمائه "المجلّد"، ظهر العون الذي أعطي للذين سيحرَّرون. وكذلك حين هجم البحر نفسه بكلّ قوّة طبعه، من أجل الظفر والانتصار على العدد الذي تجاوزت قساوتُه كلَّ حدّ.

ثمّ أقام الله في خيام بني إسرائيل، بحميميّة عجيبة مع شعبه. فضرب بالصاعقة أممًا عديدة، وجرّحهم بالبرد أو رماهم أرضًا بصوت البوق وحده في شعبه، حسب الظروف، وهكذا قاد الله، بدون حرب ولا جروح، إلى النصر، جيوشًا سار هو ذاته أمامها.

وتنبّه إلى تمنّياتهم. ووافق على طلبات كلِّ واحد منهم. ثمّ أجاب على تساؤلاتهم وكشف الأسرار الخفيّة، وأعلمهم بالمستقبل قبل الوقت، وجعلهم يجدون الأرض التي بحثوا عنها، ومنحهم ملكًا وأغدق عليهم خيرات، ورتّب قياس المطر، وأعطى الخصب للأرض، وزيّن الإثمار الزواجيّ بالكرامة وبكثرة الأولاد. ولكنّه رأى أنّ كلّ هذا قليل إن لم يظهر حبّه لنا، لا بعطاء حسناته فقط، بل باحتمال الصعوبات معنا أيضًا.

ولهذا، وبعد كلِّ هذه العطايا، دخل هو مثل فقير إلى هذا العالم الذي يخصّه. فنام في سرير مثل طفل، وتضرّع وسأل وتوسّل بصراخ الطفولة بحيث تُظهر له الحنان الذي أظهره هو لك. هو أبو الجميع: لجأ إلى أبوّتك، عاش مثل خادمك، وهو مَن كلُّ ارتفاع أدنى منه. خاف وهو من تخافه الكائنات المرعبة. هرب وهو من إليه تلجأ الخليقة كلّها. كان ضيفًا في بيوت الخطأة، وهو ديّان السماوات، اغتذى بالخبز وهو من يغذّي جميع الخلائق. وماذا بعد؟ سيّد الكون وملك الدهور جُعل في السلاسل. ذاك الذي هو أساس الأرض، وقف في المحكمة. ذاك الذي يمنح الغفران للبشر، أمين. ذاك الذي يتفحّص القلوب سُحق. ذاك الذي يعطي الحياة ويستردّها، نال عقاب الموت. هو قيامة الجميع، دُفن بحيث يحسّ العقل البشريّ الضيق والفهم البليد، بفضل موته، بحنان الله. فالحسنات العديدة التي ذكرتُ ما جعلت الإنسان يفهم ولا يشعر.

ذاك الذي منحنا الوجود وأعطانا الحياة، أراد أيضًا أن يعلّمنا الصلاة. أراد أن يمنحنا جميع طلباتنا فأراد أن نتوسَّل إليه بصلاته الخاصّة.

 

أبانا الذي في السماوات

أيّها الإنسان، بصوتك يجعلك المسيح اليوم، مشاركًا له في وراثة الله أبيه الذي تبنّاك ابنَه، لأنّه يقول: "أبانا". وما هو نتيجة حنانه أراده أن يكون أيضًا نتيجة قدرته بحسب ما قيل: "والناس الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا به أبناء الله" (يو 1: 12). ومع ذلك، أمرنا بأن ندعو الله هكذا لتبرز كرامة ذاك الذي أعطى هذا السلطان، دون أن يكون تهوُّر من جهة من نال هذه الامتياز.

 

الذي في السماوات

هذا لا يعني أنّه ليس أيضًا على الأرض. ولكن حين نعطي الآب صفة "السماويّ" ندلّ على أنّنا نريد أن نتوجّه إلى الطبيعة السماويّة فنتّخذها من جديد، منذ الآن. لهذا يجب أن تتجاوب حياتنا مع هذا النبل العظيم لئلاّ تنحطّ، بطريقة حياتنا الأرضيّة. فتخلّى عن عوائد منحتنا إيّاها طبيعتنا السماويّة وأعطتنا إيّاها بشكل مجّانيّ.

 

ليتقدّس اسمك

هذا لا يعني أنّك تقدِّس بصلاتك، هذا الاسمَ الذي يقدِّسك أنت. ولكن بما أنّك دعيتَ "مسيحيًّا" باسم المسيح، يجب أن تطلب أن يتقدَّس هذا الاسم بأعمالك ويكرَّم فيك. وبما أنّ صيت الفضائل يتجاوب فقط مع مجد الاسم، هكذا صار من يسيء التصرّف يعود على هذا الاسم عينه للعار، بحسب ما يقول الرسول: "اسمُ الله يجدَّف عليه بسببكم وسط الأمم". لا شكّ، يا أولادي، في أنّ الوثنيّ يهاجم الاسم المسيحيّ حين يرى المسيحيّ يعيش بطريقة تختلف عمّا يعترف به وعن الاسم الذي دُعيَ به.

 

ليأتِ ملكوتك

هذا لا يعني أنّ الله يصل إليه ملكوتٌ يمتلكه منذ الأزل. بل أنت تطلب أن يأتي فيك هذا الملكوت الذي ينقصك، وأن تتقبّل ما وعدك به الربّ في حبّه حين قال: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم" (مت 25: 34). قال المسيح: "تعالوا أيّها المباركين". وما قال: "نأتي". وقال: "رثوا" وما قال: نرث.

لا يتعجّب إنسانٌ بأن يستطيع أن يدعوه "أبًا"، قبل أن يُولَد، لأنّه إن ابتهج يوحنّا قبل أن يُولد، وإن صارع يعقوبُ أخاه في الحشا الأموميّ، فالفطنة تتيح لنا أن نقدّر ما تستطيع الطبيعة الإلهيّة أمام قدرة الحبل البشريّ الذي تمّ بيد الله.