العظة 70

 

العبد يدعو سيّده أبًا

 

كلُّ كلمات الله وأعماله التي وصلت إلينا، هي لنا المائتين، مواضيع إعجاب ودهشة ومخافة، بل تحمل الرعب لسكّان السماء. ومع ذلك، لا شيء يمكنه أن يدهش السماء، ويروّع الأرض، ويُرعب الخليقة كلّها، أكثر ممّا سوف تسمعون اليوم من فمي. فالعبد يتجرّأ فيدعو سيّده "أبًا". والمتّهم يسمّي ديّانه كذلك والوضع البشريّ يعتبر نفسه وارث اللاهوت. ولكنّنا نتجاسر ونتكلّم هكذا لأنّ لا افتراض خطأ لدى المنادي ساعة تأمره السلطة بأن يفتح فمه. فالله أرادنا اليوم أن نتكلّم هكذا، وهو الذي علّما أن نصغي بهذه الطريقة. وأيّ دهش أن يكون كرّس البشر ليكونوا في مصاف أبناء الله، حين أعطى هو نفسُه ذاته للإنسان وهيّأهُ لهذه البنوّة. حينئذٍ رفع جدًّا إلى اللاهوت طبيعة البشر (اللحم) فأنزل اللاهوت إلى طبيعة الإنسان. سمح للإنسان أن يكون وارثًا معه في خيرات السماء حين جعل نفسه مشاركًا في طبيعة الأرض. فما الذي يرفضه للإنسان على مستوى الحبّ والعطاء، وهو الذي أخذ كلّ ما هو من الإنسان حتّى الخطيئة والموت؟ وكيف لا يشرك الإنسان في سعادته، وهو الذي صار مشاركًا في آلام الإنسان؟ فيا إنسانًا أحبّك الله هكذا، إرجع إليه، وكرِّس نفسك كلّها لمجد ذاك الذي سلّم نفسه كلّها للعار من أجلك. أُدعُ بثقةٍ أباك الذي تختبره وتشعر به وتفهمه كذلك بتجلّيات حبِّه الكبيرة.

 

أبانا

لا يندهش إنسان إن هو استطاع أن يدعوَ أباه قبل أن يُولَد. فالكائنات الذين سيلدون، هم لله وكأنّهم وُلدوا الآن، لأنّ الأحداث الآتية هي منذ الآن قد تمّت. قال سفر الجامعة (3: 15): ما حدث سبق وتحقّق. هنا نفهم أنّ يوحنّا عرف خالقه، وهو في حشا أمّه. وقفز مثل رسول أرسل لأمّه، ساعة لم يكن بعد واعيًا لحياته الخاصّة. وأن يصارع يعقوب، كما يقول الكتاب المقدّس، قبل أن يُولد وينتصر قبل أن يحيا. وأن يكرِّس منذ الآن لله، ساعة لا يخصّون بعد أنفسهم، ولكن اختيروا قبل إنشاء العالم.

 

الذي في السماوات

لا تستنتج أنّه ليس على الأرض كذلك. إلاّ أنّ هذا القول جاء هنا ليعرّفك وضعك السماويّ الذي خرج من هذا الأصل. وإن أعلنتَ أنّك ابن الله، عليك أن تحيا كابن الله لكي تستطيع بأعمالك وحياتك وجميع فضائلك، أن تتجاوب مع أبٍ مثل هذا.

 

ليتقدّس اسمك

أنت الذي دُعيتَ بالمسيح مسيحيًّا، تطلب أن يتقدّس فيك امتيازَ مثل هذا الاسم. فحين يكون اسم الله مقدّسًا بك وفيك، يكون هو فينا ويتقدّس بأعمالنا، أو يجدَّف عليه وسط الأمم.

 

ليأتِ ملكوتك

قال المسيح نفسه: "ملكوت الله هو في وسطكم" (لو 17: 21). فإن كان منذ الآن بيننا، فلماذا نطلب أن يأتي؟ والجواب: هو في الإيمان، في الرجاء وفي الانتظار. ونحن نصلّي لكي يأتي في الحقيقة. ليأتِ لأجلنا، لا في هذا الملكوت الذي يشارك فيه المسيحُ أباه والذي يحسبه يملك فيه، بل ليأتِ من أجلنا نحن: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ أساسات العالم" (مت 25: 34).

إذن نقول "ليأتِ ملكوتك" لكي يملك الله فينا بحيث يتوقّف الموت والخطيئة عن ممارسة سلطتهما علينا. قال القدّيس بولس (روم 5: 14): "ساد الموت منذ آدم إلى موسى". وفي موضع آخر "لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت" (روم 6: 12).

 

لتكن مشيئتك

الآن، على الأرض، تتمّ أعمالٌ عديدة حسب مشيئة إبليس: شرّ العالم، رغبة اللحم والدم. أمّا في السماء فلا شيء يتمّ خارجًا عن مشيئة الله: إذن، نطلب أن يُرمى إبليس في الهلاك، أن يتجدّد العالم، أن يتحوّل جسدُنا، أن يُعدَم سلطانُ الموت، وتُلغى سيادة الخطيئة. وهكذا لن يكون في السماء وعلى الأرض، لن يكون لله وللبشر، سوى مشيئة واحدة وحيدة، مشيئة الله.

 

أعطنا خبزنا

بعد أن طلبنا ملكوت السماء، لا نُؤمَر بأن نطلب خبز الأرض. فالربّ نفسه منعنا حين قال: "لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون أو تشربون" (مت 6: 25). ولكن، بما أنّه هو نفسه الخبز النازل من السماء، تطلب بإلحاح أن تتقبّل اليوم، أي في الزمن الحاضر، هذا الخبز الذي نغتذي به كلّ الأيّام، أي بدون نهاية، في الأبد. هذا الخبز هو الذي يأتي من وليمة المذبح المقدّس لتثبيت جسدنا ونفسنا.

 

واترك لنا ديوننا

حين تتكلّم هكذا، أيّها الإنسان، تعطي لنفسك طريقة الغفران ومداه، لأنّك تطلب من الربّ أن يُترك لك بقدر ما تترك لأخيك الذي هو عبد مثلك. فاغفر غفرانًا تامًّا للذي أغاظك إذا أردتَ أنت أن لا يكون عليك دينٌ لسيّدك بعد ذنوبك. أعطِ لنفسك التسامح في شخصٍ آخر إذا أردت أن تتجنّب الحكم الذي ينتقم.

 

ولا تدخلنا في تجربة

كتب يع 1: 13: "الله لا يجرّب أحدًا" في المعنى الحصريّ للكلمة، بل يقال إنّه يجرّب حين يترك في شباك التجربة أولئك الذين يمضون إليها ويعاندون. هكذا ارتمى آدم في فخاخ المجرِّب حين ترك وصايا خالقه. والكلمة القائلة "نجّنا من الشرّ" تدلّ على ذاك الذي يُدخل الإنسانَ في التجربة.

فبإبليس الذي هو أساس كلِّ الشرّ وأصله. إبليس الذي كان سماويًّا بطبيعة لم يعُدْ الآن سوى روح مليء بالشرّ، أقدم من العالم، معتاد الإساءة كلّ العادة، بعد أن صار معلّمًا في فنّ إثخاننا بالجروح. وهذا إلى حدّ لم يَعُدْ يُدعى "الشرّير"، بل "الشرّ". منه يصدر كلّ ما يحمل علامة صنع الشرّ.

لهذا فالإنسان المقيَّد بسلاسل اللحم والدم، لا يستطيع أن يخلص بقواه وحدها. فيجب أن نطلب من الله أن ينجّينا من إبليس وهو الذي أعطى الأرض المسحَ كمنتصر على إبليس. ليهتف الإنسان، ليصرخ إلى الله، وليطلق هذه الطلبة: "نجّنا من الشرّ". وهكذا نتحرّر بنصر المسيح وحده، من قبضة الشرّ هذه.

 

أبانا الذي في السماوات

ذاك الذي يجب أن ترفع الصلاة له، قد منحك في كلمات قصيرة قدر الممكن، مواضيع صلاتك، غرض طلبتك، قاعدة توسّلك: هكذا تستطيع أن تعي ما تطلب، (تفهم تضرّعك، وتحصر طلبتك في حدودٍ صحيحة، وتقتني في هذا التعليم القصير جدًّا، مهارة واسعة في فنّ الصلاة. وفي الوقت عينه، تكتشف برهان الحبّ الذي قاد ملكك لكي يقوم في شخصه بواسطة المحامي بحيث أملى عليك كلمات الطلبة التي يستعدّ أن يستجيبها.

وزال كلّ شكّ. بل أعطيتَ ثقة الربح حين يقرأ ذاك الذي نتوسّل إليه، النصّ الذي تفوّه به في عبارة الصلاة الموجّهة إليه. فلا خوف حيث يرغبُ الابنُ أن ينال من أبيه خيورًا مقدّسة يكون لها الحبّ وسيطًا.