العظة 71

 

الحبّ يدعو الآب لكي يعطي

 

ذاك الذي أعطاكم كلمة الإيمان، أيّها الإخوة الأعزّاء، علّمكم أيضًا الصلاة. فأوجز في كلمات قليلة كلَّ تعبير طلبتكم. فحين يصلّي الابن لأبيه، فلا ينهك نفسه في ثرثرة وكثرة كلام، فكا أنّ الضرورة تفرض على الطفل أن يطلب، الحبّ يدعو أباه لكي يعطيه. إذن، الأب السخيّ طوعًا يدعونا لا أن نصلّي إليه أوّلاً، بل يدلّنا لماذا يجب أن نصلّي بحيث يجد الابنُ وسيلة بها يُرضيه حين يعرّف بطلباته المحقّة، بدلاً من التغرّب عن رضى الربّ بطلبات بليدة.

اسمحوا أباكم، وفي إيمانكم اعتبروا نفوسكم منذ الآن أبناء لتستطيعوا بدون تأخير أن تنالوا ما ستطلبون. اليوم يتبيّن لكم قدرة الإيمان، إمكانيّة الاعتقاد، الثمن الكبير لإعلان الإيمان. والاعتراف المثلّث بالثالوث ينتزعكم من عبوديّة الأرض ليرفعكم إلى نسل أولاد السماء. والإيمان الذي أعلن الله أبًا، يطلب اليوم أن نسمّيه أباكم. فالصوت الذي اعترف بالابن على أنّه الله، قد تبنّاكم كأبناء الله. والاعتقاد الذي طالب أيضًا باللاهوت للروح القدس، قد حوّلكم من جوهر بشريّ مائت إلى جوهر تنعشه حياةُ الروح. فأيّ مطالب يتجرّأ أن يحسّ بنفسه أهلاً لمثل هذا الحبّ.

تنازل الله الآب فجعل البشر وارثين له. والله الابن لا يستهين بأن يكون عبيده الصغار وارثين معه. والله الروح القدس يرفع البشر إلى المشاركة في اللاهوت. لقد صارت السماء مُلك سكان الأرض، والمحكوم عليهم في الجحيم ينالون سلطة قضاء في السماء. هذا ما يقوله الرسول: "أما تعرفون أنّنا ندين الملائكة" (1 كور 6: 3). فادعوا الله أباكم، أنتم أيضًا أيّها الموعوظون الذين لم يُولدوا بعد بالمعموديّة. آمنوا أنّكم تُعتَبرون منذ الآن أبناء، واجتهدوا في أن تحيوا حياة سماويّة، أن تحيوا حياة تليق بالله، أن تدلّوا بكلّ مظهر، على صفتكم كمشاركين في اللاهوت. والآب السماويّ يُغني بعطاياه الإلهيّة أولاده الذين يتجاوبون مع متطلّبات نبله. والذين ينحطّون يرسلهم إلى العبوديّة قصاصًا لهم.

 

أبانا الذي في السماوات

حين نعي أنّ وضعنا كعبيد يجعلنا نختبئ تحت الأرض، وأنّ وضعنا الأرضيّ يتحوّل إلى غبار لولا أنّ سلطة الآب نفسه وروح ابنه تدفعنا لأن نطلق هذه الصيحة. فقد قال الرسول: "أرسل الله في قلوبنا روح ابنه الذي يصرخ أبّا أيّها الآب" (روم 8:15).

يتعب عقلنا، يتلاشى جسدنا تجاه الحقيقة الإلهيّة لو لم يكن الله نفسه الذي أمرنا بأن نقترب منها، لا يوصل إلى الهدف ما أمرَ به. فمتى تجرّأ ضعفُ الإنسان المائت أن يدعو الله أباه، إلاّ حين حرّكت قوّة العلاء حياته الحميمة؟

ما الذي يجمعك بالأرض، يا إنسانًا تعترف أنّك خرجب من نسل سماويّ؟ فبيّن في منزلك الأرضيّ ما هي الحياة بحسب السماء. فإن حصل أن دخلتْ فيك فكرة بشريّة (لحميّة) صغيرة أو كبيرة، فهي في الوقت عينه لطخة بها تنجِّس السماء وتجديف على أسرتك التي في العلاء.

 

ليتقدّس اسمك

نحن نطلب إلى الله أن يقدّس اسمه، لأنّه بقداسته يخلّص الخليقة كلّها ويقدّسها. أيّها الإخوة، الموضوع موضوع الاسم الذي تكشفه القوّات السماويّة، والذي تستقبله الكائنات المريعة في موقف العبيد. الموضوع موضوع الاسم الذي يمنح الخلاص للعالم الضائع. ولكنّنا نطلب أن يتقدّس اسم الله هذا فينا، بحياتنا. فإن عشنا حسنًا تبارك اسم الله. وإن عشنا سيّئًا، يجدَّف على اسم الله حسب كلام الرسول: "اسم الله يجدَّف عليه بسببكم بين الأمم". إذن نصلّي لنستحقّ أن يكون فينا من القداسة بقدر ما اسمُ إلهنا قدّوس.

 

ليأتِ ملكوتك

نصلّي لكي يأتي ملكوت المسيح، وكأنّه لم يأتِ إلى أيّامنا والآن. إذًا، فما معنى "ملكوت الله فيكم"؟ (لو 17: 21). هو حقًّا فينا بالإيمان. ولكنّنا نتوسّل لكي يأتي في الواقع. أيّها الإخوة، إبليس يبلبل نظام العالم بكلّ أنواع الشرور، ويستعمل للغشّ ألف حيلة وحيلة. يقلب رأسًا على عقب أفكار البشر وخلقيّاتهم، ويحمل الخراب بالأصنام، ويهجم بانتهاك الأقداس، ويكذب بالتنجيم، ويغشّ بالعرافة، ويخاتل بعلامات مزعومة. ويهزأ من البشر بواسطة الكواكب، ويسيطر على العقول بالمشاهد والعروض، ويحاصرها بالرذائ، ويجرح بالخطايا، ويتلف بالجرائم، ويرمي إلى الأرض باليأس. وحين يفعل كلّ هذا يؤخّر مُلك المسيح ويبعده عنّا. إذن نصلّي لكي يأتي زمن فيه ينتصر العالمُ كلّه وتسود الخليقة كلّها لمجد المسيح وحده، بعد أن يُرمى خارجًا فاعلُ هذه الشرور العظيمة. ونصلّي لكي تكون مشيئة الله وحدها سائدة على الأرض كما في السماء، كما تتمنّاه الطلبة التالية ولكي تكون الأرض لنا سماء. وتكون حياتنا الله، وزمننا الأبديّة، وموطننا الراحة الأبديّة، ووضعنا الأوّل يعود إلى البراءة، وكرامتنا تكون الخلود، ومجدنا العفّة. وفي النهاية أن يكون الله الكلّ لنا. وأضاف الربّ:

 

أعطنا خبزنا

وأُمرنا بأن نطلب الخبز اليوميّ بعد أن صلّينا لكي تتجلّى أبوّة الله، وقداسة اسمه، وملكوت السماوات. ومع ذلك، فالمسيح لا يستسلم للنسيان. هو لا يجعلنا نتلفّظ بطلبات تعارض وصاياه. فهو من قال: "لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون أو تشربون" (مت 6: 25). فهو نفسه "الخبز النازل من السماء" الذي صار طحينًا بمطحنة الشريعة والنعمة، وحُطِّم بألم الصليب، وخمِّر بسرَّ حبّه العظيم. انتزع من القبر عجينه الحفيف فطُبخ في نار لاهوته. وهو بذاته أذاب أتون الجحيم بطبخه. كلّ يوم يُحمَل إلى مائدة الكنيسة كطعام سماويّ. ويكسَر لغفران الخطايا. ويُطعم ويغذّي للحياة الأبديّة أولئك الذين يأكلونه. لهذا نطلب أن يُعطى لنا هذا الخبزُ كلَّ يوم إلى أن نذوقه في فرح اليوم الذي لا يغيب.

 

أترك لنا ديوننا

أيّها الإنسان، فيك يقيم سلطان الغفران والحقّ بأن تمارس الرحمة. تكوّنت كعاملٍ لوفاء دينك الخاصّ. ولكن عبثًا تطلب المغفرة إذا ما تنازلت ومنحتها لآخر. أيّها الإنسان، صرت مقياس الرحمة التي تنالها. فبقدر ما ترغب في الرحمة لك، يجب عليم أن تعطي.

 

ولا تدخلنا في تجربة

التجربة، إخوتي، هي صنم مخيِّب يخفي الغنى تحت حجاب المضادّات والعكس بالعكس. فهي التي تقود الحبل البشريّ إلى السقوط في فخاخ مخفيّة. إذن نصلّي لئلاّ نسقط مدفوعين بالخطيئة، في فخاخ تحفرها التجارب. يُقال إنّ الله يُدخلنا في تجربة حين يترك حالهم المسرعين إلى الجريمة.

 

لكن نجّنا من الشرّ

يدلّ هنا على العامل الخبيث في هذا الشرّ، أي إبليس. إذن، نطلب أن ننجو مرّة واحدة من كلّ الشرور وننجو من مسبِّبها معًا.

 

أبانا الذي في السماوات

لا يدهش إنسان، وإن دُعي ابنًا، بأنّه ما زال في حالة العبوديّة. فإن كان اختير اليوم للبنوّة الإلهيّة، إلاّ أنّه ما وصل بعد إليها. يجب أن نعرف أنّنا أمام أمل، لا أمام حصول على الواقع. ولنسمع الرسول يقول: "نحن خلّصنا بالرجاء". وإن رأينا موضوعَ رجائنا، فلن يكون بعدُ رجاء. اليوم هو يوم التبنّي. اليوم هو يوم الوعد. فاسمع وآمن وانتظر وسلّم نفسك إلى دائنك الذي يسلّم ذاته للدائن، أي أنت. انتظر بعض الوقت إلى أن يجيء وهو الذي احتمل تأخّراتك زمنًا طويلاً. أعطه الوقت لكي يفي بمواعيده بعد أن ترك لك دينك كلّه. ولماذا تملّ من ممارسة الرجاء ساعة يعيش به ويقوم بالإيمان، الجنسُ البشريّ كلّه؟

لا يقوم الفلاّح بمجهود كبير ليزرع، لو لم يكن يأمل بثمرة تعبه في وقته. والمسافر لا يواجه أعقاب سفر طويل، لو لم يكن يفكّر بأنّه يصل إلى مقصده. والبحّار لا يستسلم لنزوات الأمواج لو لم يكن يرجو أن يعوّض بأرباح آتية، صعوبات الملاحة. والجنديّ لا يقضي شبابه كلّه في الأخطار، لو لم يكن يطمح في شيخوخته إلى الكرامات السامية. والابن لا يتحمّل الفترة التي فيها يخضع للسلطة الأبويّة، لو لم يكن يأمل بأن يصير، يومًا، وارثَ خيرات أبيه.

وهكذا أنت. إن كنتَ تحسب أنّك ابن الله، إفعل كما يقول النبيّ: "انتظر الربّ، وتصرّف برجولة وليتقوَّ قلبك" (مز 27: 14). وانتظر لتنال ميرات الله جزاء إيمان انتظارك وقوّة صبرك. واسمع الرسولَ يقول لنا: "نحن أبناء الله ووضعُنا المقبل لم يظهر بعد. ولكنّنا نعلم أنّنا نكون شبيهين به حين يأتي زمن تجلّيه" (1 يو 3: 2). وأيضًا: "حياتُنا مخفيّة مع المسيح في الله، وحين يظهر المسيحُ حياتنا، تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 4).

أيّها الإخوة، طوباهم أبناء الله لأنّهم يمتلكون ميراث كلّ شيء، ومن مقام أبيهم العالي، لن يعرفوا أوجاع العالم الحاضر.