العظة 72

 

ما رأت عين ولا سمعت أذن

 

ما أستعدّ أن أقوله لكم مع رعدة كبيرة، وما ستسمعونه أنتم بإجلال. بل الاسم الذي تتفوّهون به بمخافة مماثلة، هو أيضًا للملائكة موضوع دهشة. للقوّات سبب رعب. لأعالي السماوات عظمة لا تُفهم. الشمس لا تستطيع أن ترى هذا الواقع، والأرض لا تحتمله، والخليقة كلّها لا تفهمه. أنّه علاقة ممكنة بين هذا وقلبنا البشريّ، وفكرنا الضيّق، وعاطفتنا المحدودة، وصوتنا الضاجّ، ثرثرتنا التي يُحكم عليها سريعًا فيصمت لساننا. حين رأى بولس ذلك بشكل لا تراه عينُ الإنسان، جلاه دون أن يكشفه فقال: "ما رأت عين، ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب إنسان ما أعدّه الله لمحبّيه" (1 كور 2: 9).

حين بدأ أشعيا ينال وحيًا. شكّ بأنّه يقدر أن يفهم ويُقنع أناسًا يستطيعون أن يرتفعوا إلى هذا المستوى. لذلك قال: "يا ربّ، من آمن بوحينا" (أش 53: 1).

وإرميا حين بدأ ينقل كلمة الله، ما استطاع أن يتحمّل ولادة هذه الاتّصالات العلويّة فصرخ: "أمعائي، أمعائي تتوجّع، وعمقُ قلبي يضطرب" (إر 4). وأخيرًا شرح حبقوق وضعه بنفخة الروح الإلهيّ فقال: "تنبّهت فارتعشت أمعائي لصوت صلاة شفتيّ، ودخل الخوف في عظامي وفارقتني قوّتي عنّي" (حب 3: 16). فمع أنّ قوّة الله رفعته، إلاّ أنّه أحسّ أنّ قوّته فارقته.

ويطول بنا الكلام إن واصلناه حول سرّ هذه المخافة، فعدّدنا الأمثلة التي يقدّمها القدّيسون. والوقت لا يسمح لي بأن أبقى مدّة طويلة في هذا الرعب. ثمّ إنّ اندفاع الولادة السماويّة للذين سيولَدون، لا تسمح لي بأن أتأخّر. إذن أقول لكم، وأدعوكم بقوّة كلامي، وأنبّهكم بإرشاد متنبّه إلى حاجاتكم أنتم الذين ما زلتم في الحشا الأموميّ: قبل أن تروا أمَّكم، أدعوا أباكم، قبل أن تذوقوا حنان الأمومة، اندفعوا مسرعين إلى ملكوت أبيكم. قبل أن تتعلّقوا بثدي أمّكم، تعالوا أوّلاً وخذوا خبز أبيكم. فلا تطلب الحاجة إلى أمّكم وضرورات عمركم، شيئًا، بل لتجاوب كلّ شيء فيكم مع الآب الإلهيّ والسماويّ، ويُسرع نحو خالق حياتكم.

 

أبانا الذي في السماوات

وإليكم أخيرًا ما خفتُ أن أقوله، ما ارتجفتُ أن أتفوّه به، ما لا يسمح الوضع الأرضيّ لأحد أن يستشفّه، سواء كان من السماء أو من الأرض. مثل هذا التبادل بين السماء والأرض، بين البشر والله، لا يمكن أن يحصل فجأة. إلاّ إذا صار الله إنسانًا وجعل الإنسان إلهًا. إذا صار الربّ عبدًا والعبدُ ابنًا، بحيث لن يكون، بشكل لا يُوصَف، سوى علاقة واحدة أبديّة بين اللاهوت والناسوت. وفي الحقيقة، تنازل اللاهوت تجاهنا هو من العظمة بحيث إنّ الخليقة لا تستطيع أن تعرف ما يجب أن تعجب منه أوّلاً: الله الذي انحدر إلى عبوديّتنا، أو هو رفعنا إلى كرامة لاهوته. من هنا يأتي السببُ، أيّها الإنسان، ليرشدك إرشاد إلهيًّا ذاك الذي اشتعل حبًّا لأجلك. وهو يبرهن عن ذلك حين يتبنّاك كابنه بحسب كلماتك عينها، وأنت بعدُ في الحشا الأموميّ، وتريد لا أن تكون فقط حرًّا، بل أن تُولد حرًّا، فتحرّر الطبيعة نفسها خوفًا من أن ولادتك بحسب العبوديّة القديمة، تنجّسك بوصمة أو خطأ.

ما أسعدكم أنتم، يا من أعطي لكم أن تسودوا قبل أن تولَدوا، أن تملكوا قبل أن تحيوا، أن تصلوا إلى مجد الله الآب قبل أن تعرفوا سلالة وضاعتكم. فالكنيسة، الأمُّ السعيدو، تستقبلكم كما أنتم، وتندهش لأنّها ولدت هكذا وهي في البتوليّة، مثل هذا العدد الكبير من الأولاد.

في الماضي، صوِّرت هذه الولادة بأشكال عديدة. فيعقوب انتصر حين تقاتل مع أخيه في حشا أمّه. والتوأمان اللذان تصرعا في حشا تامار لمعرفة من يكون له كرامة البكر، أخّرا ساعة ولادتهما. ولكنّهما فضّلا الانتصار قبل أن يريا النور. ويوحنّا (المعمدان) قفز قبل الوقت وأسرع إلى لقاء خالته قبل أن يخرج من حشا أمّه. وإن كان أولادُ البشر هؤلاء قد قاتلوا من أجل الله قبل أن يُولدوا من والديهم ويعيشوا في العالم، فلماذا ندهش حين تعترف الأصول الإلهيّة في الكنيسة ونسل الله بالذات، وهي بعد في الحشا، بما فيها من إلهيّ.

نحن في منتهى الدهشة حين نرى المسيح، في حضن الله أبيه، ينادي أمّه ويدعوها بهذا الاسم على الأرض. كما ندهش حين نرى إنسانًا ينادي الله أباه من حشا أمّه ويعترف به على أنّه مقيمٌ في السماوات.

"أبانا الذي في السماوات". إلى أيّة درجة رفعتك النعمة فجأة، أيّها الإنسان؟ إلى أين اختطفتك الطبيعةُ الإلهيّة؟ فأنت بعد في اللحم (والدم) وعلى الأرض، لا تعود تعرفهما فتقول: أبانا الذي في السماوات. فالذي يعلن نفسه ويحسب أنّه ابن مثل هذا الأب، فليتجاوب بحياته مع نبله، وليقتدي بأخلاق أبيه، ويعرّف بعقليّته وأعماله ما ناله في طبيعته السماويّة.

 

ليتقدّس اسمك

نحن نُدعى باسم ذاك الذي بدأنا ننتمي إليه في العائلة. لهذا نطلب أن تبقى فينا القداسة والكرامة وامتياز هذا الاسم الذي رفعه جدًّا أبونا المتعالي.

 

ليأتِ ملكوتك

لا نطلب هذا لله الذي ما أعوزه الملك، والذي هو نفسه الملكوت، ويضمّ في ذاته كلَّ سلطة الملك. ولكنّ ذاك الذي يريد أن يرانا واصلين إلى مجد الملكوت الذي وعدنا به، يعلّمنا أن نطلبه بكلّ تمنّياتنا، ونتعرّف إليه بكلّ كياننا. أيّة وقاحة يبرهن عنها ذاك الذي يشكّ بسلالته؟ وأيّ جهل لا يبنيه ذاك الذي يحزن ويتّهم ويلهث حين يتوق إلى الخير الموعود فيسير نحو الملكوت؟

 

لتكن مشيئتك

 

لتكن على الأرض كما في السماء. فالسماء هي منذ الآن هنا. وروح الله الوحيد يرتّب قلوب الجميع: كلّهم في المسيح، والمسيح فيهم كلّهم، حين يذوق الجميع مشيئة الله وحده ويتمّونها، حين يكونون كلّهم واحدًا وتتكوّه الوحدة من الجميع، حين يعيش روح الله وحده في الجميع.

 

أعطنا خبزنا

كما قيل في المزمور: "مبارك الله اليوم وكلّ يوم". هكذا يقال أيضًا: "أعطنا اليوم خبزنا كلّ يوم". نقول اليوميّ لنقول الأبديّ. فهذا الخبز الأبديّ هو ذاك النازل من السماء. أنا الخبز النازل من السماء". فهو منذ الآن خبز السعادة الكاملة. اليوم، أي في الزمن الحاضر، نبدأ منذ الآن أن نحيا من هذا الخبز الذي سنشبع منه في الأبديّة، أي على مدّ أيّام حياتنا الآتية.

 

واترك ديوننا

ينبوع الغفران ينبع من قلب التوسّل ويعود إلى الغفران. فكلّ هذا الحبّ الفائض يصبّ على الآخر فينال من الرحمة لذاته بقدر ما يُعطي أخاه.

فالإنسان الرحيم قويّ في صراعه مع الله في ميدان الحبّ، لأنّه يرغب أن يُعطى له بقدر ما أعطى هو، وأن يُغفر له بقدر ما هو غفر. أيّها الإنسان، ليسُدْ الغفران دومًا في قلبك إن شئت أن لا تخاف الاتّهامات.

 

ولا تدخلنا في تجربة

نحتاج هنا إلى شرح. لأنّه يجب أن نعلم أنّ التجربة خادمة مرّة تدخل الشيطان. فما دمنا مسجونين في هذا الجسد المعطوب، يجب علينا أن نصلّي لئلاّ تجد التجربة فينا بابًا مفتوحًا، فيكون المدخلُ مغلقًا في وجه الشيطان.

 

لكن نجّنا من الشرّ

لينجِّنا هذا الربّ عينه، من الشرّ، وليقُدْنا إلهنا في كلّ خير، هو الذي يحيا ويملك الآن ودومًا وفي دهور الأدهار. آمين