الرسائل السبع

 

أقحم الكاتب الرسائل السبع (ف 2- 3) بين خبرين يوردان رؤيتين (1: 9- 20 و 4: 1ي). طابعها طابع تعليمي، وهدفها قريب من هدف الكتابات النبوية: مواجهة الحالة الحاضرة. أما الأسلوب فهو أسلوب الرسائل في هذا الشرق القديم (إر 29: 4- 28). بعد أن تذكر الرسالة الجهة واسم المرسل، تشير إلى إيمان الكنيسة وتدعوها إلى التوبة مهدّدة إياها بالعقاب. وفي النهاية تأتي المواعيد.
ماذا يقول المشيح للكنائس؟ كيف يبدو تصّرفه تجاهها؟ هذا ما ندرسه فيما بعد. أما الآن فنلقي نظرة إجمالية على النصوص عينها فنكتشف وضع هذه الكنائس التي توجّهت إليها الرسائل.

1- الأسلوب واللغة
إذا توقّفنا عند الأسلوب واللغة، رأينا أن الذي كتبها هو الذي كتب سائر رؤ. كما نفهم أنها ألِّفت لتكوّن مجموعة تامة. ليست رسائل منعزلة جُمعت فيما بعد، بل كانت واحدة منذ البداية. توجّهت كل رسالة إلى كنيسة خاصة، إلى أفسس، سميرنة... ولكنها تعني في الواقع مجمل الكنائس. وهذا ما تدلّ عليه نهاية كل رسالة: "إسمعوا ما يقول الروح للكنائس" (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). وفي 2: 23، يدعو يوحنا جميع الكنائس لكي تستنتج درساً من العقاب الذي أصاب إيزابيل النبية الكذّابة في تياتيرة: "فتعرف الكنائس كلّها أني أفحص الأكباد والقلوب".
دوّنت هذه الرسائل كامتداد للرؤية في ف 1. فالعبارة التي تبدأ كل رسالة تستعيد صفة من صفات المسيح ذُكرت في ف 1. واختار الكاتب لقباً من ألقاب المسيح يرتبط مع مضمون الرسالة. ق 2: 1 (يمسك المنائر) و 2: 5 ب (أخذت منارتك)؛ ق 2: 8 ب (الذي مات وعاد إلى الحياة) و 2: 10 ب (كن أميناً حتى الموت وأنا أعطيك إكليل الحياة)؛ ق 2: 12 ب (السيف المسنون الحدّين) و 2: 16 ب (أقاتلهم بالسيف الذي في فمي). وهكذا نرفض قول القائلين بأن المقدّمات زيدت فيما بعد لتتوافق مجموعة الرسائل مع السياق الذي وُضعت فيه.
ألّفت هذه الرسائل بعد سائر رؤ. فالعبارات النهائية تتضمّن صوراً لا تتّضح إلاّ على ضوء التوسيعات اللاحقة في رؤ. مثلاً، شجرة الحياة في 2: 7. نفهمها على ضوء22: 2، 14 (شجرة حياة تؤتي غلة كل شهر. عطاؤها لا ينقطع). مثلاً، الموت الثاني في 2: 11 نفهمه على ضوء21: 8 (البحيرة المتقدة بالنار والكبريت). مثلاً، الاسم الجديد في 2: 17 نفهمه على ضوء 19: 12 (له اسم مكتوب). مثلاً، أورشليم السماوية في 3: 12 و 21: 2 ...
إذن، كان أمام الكاتب ف 4- 22 حين دوّن الرسائل. هكذا كان أمامه التصميم الذي أشرنا إليه حين تحدّثنا عن 1: 19: ما سيكون فيما بعد (1: 1؛ 22: 6). زاد في 1: 19 "ما يكون الآن" على "ما سيكون بعد ذلك". ثم عاد إلى تصميمه الأول في 4: 1.
إن هذه الرسائل تصيب وضعاً حقيقياً حاضراً في آسية الصغرى. وذلك بالنسبة إلى "ما يكون الآن" (1: 19). ونحن نجد في كل منها عنصراً ثابتاً: أعرف أعمالك. أعرفك أفضل مما تعرف نفسك. هذه الرسائل هي خطبة نبوية تتوجّه إلى كنائس معاصرة. وقد كتبها يوحنا وهو متيقّن أنه يتكلّم باسم المسيح.

2- وضع الكنائس
أ- الوضع العام
ما هو الوضع الذي تشير إليه هذه الرسائل؟ قد نظنّ أن يوحنا يطبّق على جماعات خاصة التعليم العام الذي نجده في ف 4- 22. فالتعليم يؤكّد حضور القائم من الموت ومجيئه القريب، ويحتفل بشكل مسبق بانتصار المسيح على القوى الشيطانية الظاهرة في واقع العالم الروماني ودياناته. وهو يحرّض المسيحيين ليسلكوا سلوك الغالبين دون أن يساوموا مع عدوّ آخرته الفناء. لا شكّ في أن الرسائل تتحدّث عن اضطهادات نادرة ومحليّة. ونجد فيها أيضاً تلميحات إلى مسائل تطرحها الديانات الوثنية وعبادة الامبراطور. ولكن مرمى الرسائل ليس هنا.
إذا أعدنا قراءة الرسائل السبع متسائلين عن الوضع الذي كان السبب في كتابتها، يبدو الجواب واضحاً. فالكاتب يتوجّه إلى كنائس يهدّدها خطر خاص. فالتوبيخات أو التهاني التي تنالها ترتبط بموقفها من هذا الخطر الذي هو الهرطقة. فالتهديد لا يأتي فقط من الخارج، بل من داخل الكنيسة. وتهديد الشيطان يختفي وراء سمات مسيحية في ظاهرها. فالصراع الذي يصوّره ف 4- 22 ليس فقط بين الكنيسة والعالم الوثني. فالمجابهة بين الله والشيطان تتمّ داخل الجماعات نفسها. فالعدوّ ليس فقط لدى "الآخرين". هو فينا نحن. ودينونة المسيح تصيبنا نحن قبل أي شخص آخر.
وهكذا تتوزّع الكنائس في أربع فئات. تلك التي لا تتعامل مع الهرطقة. إنها ضحيتها: سميرنة (2: 9)، فيلادلفية (3: 9). تلك التي كشفت الهرطقة ودحرتها: أفسس (2: 2). تلك التي تقبل بالهرطقة ولا تقاومها: برغامس (2: 14- 15)، تياتيرة (2: 20، 24). تلك التي غرِقت في الهرطقة فصعب عليها التخلّص منها: سارديس (3: 1- 2)، لاودكية (3: 16- 17).


ب- كنائس في الهرطقة
يبدو أنها هرطقة واحدة لا هرطقات عديدة.
تشير النصوص إلى مجموعتين: النقولاويون في أفسس أو برغامس (2: 6، 15). هم قريبون من أصحاب بلعام في برغامس (2: 14) وأصحاب إيزابيل في تياتيرة (2: 20- 22). والمجموعة الثانية تبدو مرتبطة بالعالم اليهودي. إسمهم مجمع الشيطان في سميرنة (2: 9) وفي فيلادلفية (3: 9). والهرطقتان هما من عمل شخص واحد هو الشيطان (2: 9، 13، 24؛ 3: 9).
هذه الإشارات القليلة تجد ما يكمّلها في معلومات تتضمّنها رسائل اغناطيوس الانطاكي، أو ردود قدّمها كتاب في القرن الثاني. فإذا عدنا إلى الملفّ كله وجدنا أننا أمام هرطقة واحدة.
نحن أمام تيار في مسيحية ذلك العصر تتواجد فيه إيرادات من التقاليد اليهودية (ظلَّ للديانة اليهودية وهجُها تجاه المسيحية الفتية) وتأكيدات غنوصية. وهكذا نكون أمام ثنائية غنوصية تفصل فصلاً جذرياً بين الروح والمادة، وتيار متهوّد. هنا نتذكّر في عصرنا بدعة ترتبط بالمسيح عبر كتاب منحول (هو ليس بموجود. وأصحاب الشيعة يكذبون حين يتحدّثون عن وجوده) دوّنه يوحنا في الأرامية. هو إنجيل سلام يسوع المسيح الذيمما يخفيه الفاتيكان إخفاء تاماً عن المسيحيين المساكين!!
ج- غنوصية النقولاويين
هي تعتبر أن لا نفع من الشهادة المسيحية. نحن أمام مسيحيّين سحرتهم الغنوصية، فظنوا، إنطلاقاً من الثنائية التي فيها، أن سلوك الإنسان في هذا الكون المادي ليس بذي بال. ما يهمّ هو الروح والمعرفة. فالعالم المادي هو شرير، وحياتنا على الأرض ليست مهمة للخلاص. في هذه الظروف، كل ما نعمله في هذا العالم الرديء وفي الجسد ليس له تأثير حقيقي. إذن، نستطيع أن نتعامل مع عبادة الأصنام ونأكل من اللحوم المذبوحة للأوثان. كما نستسلم للزنى والفجور (في ظل المعابد الوثنية) أي لعبادة الأوثان كما يقول هوشع، إرميا... (2: 14، 20). لماذا نخاطر بنفوسنا فنتعرّض للسجن والعذابات والموت ساعة لا شيء على الأرض يلزمنا بذلك؟ فالحياة الدينية هي قضية ضميرية خاصة. ولا علاقة لها بالحياة العاطفية والوظيفية والسياسية. فالديانة والحياة هما شيئان متميزان، ولا أثر للديانة في الحياة.
وإذا سرنا في امتداد هذه الهرطقة نصل إلى الإستنتاجات التالية: إذا كان الجسد (اللحم والدم) ليس الموضع الذي فيه يتحقق الخلاص، إذن فالمسيح لم يتجسّد حقاً. ولم يأتِ إلى العالم إلاّ في الظاهر. وموته كان تشبيهاً كاذباً (شبّه به). نكتشف هنا الظاهرية وهي هرطقة حاربها 1 يو 4: 1- 6 (يعترف بيسوع المسيح أنه جاء بالجسد)؛ 2 يو 11 (لا يعترفون بمجيء يسوع بالجسد).
قام يوحنا بقساوة ضد هذه الميول القريبة من الهرطقة. فالعالم ليس مسرحاً تمثّل فيه مهزلة. فعلى الأرض مات المسيح، وعلى الذين يريدون أن يتبعوه أن يلتزموا في أمانة قد تكلّفهم حياتهم. ليس الخلاص فقط في الآخرة. ونحن لا نستطيع أن نعيش كما نشاء على الأرض. هناك سلوك لا يتوافق مع الإيمان.
وتدعونا الرسائل إلى مجابهة المحنة بثبات (2: 3، 10، 13؛ 3: 10)، إلى السير حتى النهاية (2: 26: من غلب وثابر على خدمتي حتى النهاية)، إلى التجرؤ على الاعتراف بالمسيح (3: 5). هناك مخاطرة في الشهادة للمسيح، فهل نحن مستعدّون؟
لا، ليس رؤ كتاب الأحلام والمخيلة والتهرّب من هذا العالم. نحن مدعوون منذ الآن لنختار أن نكون وراء الحمل أو وراء الوحش في هذه المعركة العظمى التي تصوّرها لنا ف 4- 22 في خطوطها الكبرى.
بعد رؤية ابن الإنسان في بهائه المجيد، أدخلتنا هذه الرسائل السبع في العلاقات الحميمهّ التي تربط الكنائس (أو الكنيسة) برئها. هناك خطر الهرطقة الذي يميل بالمسيحيين لكي يعيشوا كالوثنيين. ولكن يسوع يسهر على كنائسه، على كنيسته. إنه الشاهد الأمين والحقيقي. لقد نال من الآب نصراً خلاصياً من أجل البشر. وها هو يحدّث كل كنيسة فيقول لها الكلمة التي تحتاج إليها بشكل نبوءة فيها الدينونة وفيها الوعد بالخلاص.

3- بنية الرسائل
إن هذه الرسائل بُنيت حسب النموذج الواحد.
أ- المضمون العام
تتضمّن كلاماً يوجّهه المسيح المجيد إلى كنيسة محلّية. نجد هنا عنواناً واحداً: إلى ملاك كنيسة... كتب. ثمّ، تقديم المسيح بعبارة ثابتة: "هذا ما يقول" (نجد العبارة نفسها في أقوال الأنبياء: هذا ما يقول الرب. هذا يعني أن يسوع هو الرب).
وتأتي الصفات مختلفة مع كل رسالة، وقد أخذت من رؤية إبن الإنسان في 1: 9- 20 أو من المطلع في 1: 4- 8 (الذي له الأرواح السبعة، الشاهد الأمين الحقيقي). يستعيد النص تقريباً الرؤية كلها عبارة عبارة. والصفة المختارة ترتبط بمضمون الرسالة بشكل واضح: المنارة (رسالة 1)، الموت والحياة (رسالة 2)، السبق (رسالة 3)، الذي يفتح (رسالة 6). وقد ترتبط بشكل خفي. في 2: 18 (رسالة 4)، العينان اللتان. مثل شعلة ملتهبة تقابلان ذاك الذي يفحص الأكباد والقلوب (2: 23). والقدمان الشبيهتان بالنحاس تشيران إلى سلطة المسيح الذي يدوسها برجليه (2: 26). وهكذا نكتشف ما هو المسيح القائم من الموت وما الذي يعمله من أجل كنيسته. إنه يمسك بيده هذه الكنائس (علامة الاهتمام) ويسير بينها (علامة دوره الفاعل).
ب- فحص ضمير
ويتفحّص يسوع أعمال هذه الكنائس. نحن أمام فحص ضمير فيه السلبي والإيجابي. ونقرأ فعل "أعرف"، فيدلّ على علم تام، ناجز، إجمالي. أما الأفعال فهي في الحاضر. ويرد تحريض على التوبة أو الثبات، على الارتداد أو الأمانة. كانت الأفعال في الحاضر، فصارت في الأمر: "تب". يرد في الرسائل 1، 3، 5، 7، ويغيب في رسالتين (2، 6). ويتكرّر ثلاث مرّات في الرسالة 4 التي هي قلب الرسائل السبع. "كن أميناً" في رسالة 2. "أثبت" في رسالة 4، 6. وفي النهاية، نظرة إلى المستقبل (مع أفعال في صيغة المضارع). هناك تهديد بالعقاب (رسالة 1، 3، 4، 5، 7). وهناك وغد بمكافأة المنتصر (في كل الرسائل). النصر أكيد ونهائي. أما العقاب فمشروط (إن كنت) إلاّ إذا كنا أمام هراطقة (رسالة 3) أو أشخاص يرفضون التوبة (رسالة 4).
هذه النظرة إلى المستقبل ترتبط بمجيء المسيح (ما عدا رسالة 2) بما فيه من تهديد أو تعزية. هو مجيء مقلق في رسالة 1، 3، 5: "إن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ". وهو يحمل العذوبة في رسالة 4، 6: "سأجيء في القريب العاجل". وانتظرنا في رسالة 7 أن يكون المجيء مريعاً (أتقيأك) للخاطىء، فإذا هو وديع متواضع: "ها أنا واقف على الباب أدقّ". 
تستعمل الرسائل لفظة "الغالب" (المنتصر). ونجد توسيعاً لها في رسالة 4: الغالب هو الذي يحفظ أعمالي إلى المنتهى (2: 26). لسنا أمام محارب منعزل. بل ذاك الذي يسلك كما سلك المسيح. إذا كان هناك من غالب، فالمسيح قد سبق له ونال الغلبة. نقرأ في 3: 21: "كما غلبت أنا فجلست على عرش أبي" (رج 2: 28). هنا نذكر 5: 5: "هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا". ويو 16: 33.: "تعرفون الضيق في العالم. لكن تقوّوا أنا غلبت العالم".
ج- العطايا
وتأتي العطايا التي يقاسمها الغالب مع المسيح. إنها أمور سماوية ونهائية، وهي تنتمي إلى العالم الجديد كما يصوّره القسم الثاني ولا سيّما ف 20- 22. هكذا تظهر وحدة رؤ متماسكة. ونكتشف أن الصور المثالية عن أورشليم السماوية، تقابل حياة الكنائس اليومية واحتفالاتها الليتورجية.
- في رسالة 1: يأكل من شجرة الحياة في فردوس الله. طُرد الإنسان من الفردوس، فأبعد عن شجرة الحياة. وانتظر اليهود أن يعيدهم المسيح إلى جنة عدن. هذا ما سيفعله يسوع بالنسبة إلى الغالب. رج 22: 2.
في رسالة 2: لا يؤذيه الموت الثاني. أي الموت الأخير والنهائي. وهو يعارض موت الجسد. رج 20: 6، 14؛ 21: 8.
- في رسالة 3: أعطيه من المن الخفي وحصاة بيضاء منقوشاً فيها اسم جديد. يشير المن إلى الافخارستيا التي هي طعام إسكاتولوجي وبداية حياة السماء. والاسم الجديد نلناه في المعمودية بانتظار كتاب الحياة بعد أن ننال إكليل الشهادة. والحصاة تدل على العهد مع المسيح فيتعرّف إلينا باسمه المكتوب على جباهنا. والحصاة البيضاء تدلّ على الغلبة والمجد. رج 14: 1؛ 16:13؛ 12:19.
- في رسالة 4: أعطيه سلطاناً على الأمم (رسالة 7). أعطيه كوكب الصبح. رج 22: 16. هو سيكون مع المسيح، فيدين الأمم (الوثنية) كما يدين أسباط إسرائيل الاثني عشر. ونجمة الصبح هي المسيح.
- في رسالة 5: يلبس ثوباً أبيض (رج 6: 11؛ 7: 9، 14؛ 22: 14). أشهد له عند أبي وملائكته في الدينونة (مت 10: 32؛ لو 12: 8). الثياب البيضاء هي علامة الانتصار المرتبطة بالمعمودية، علامة المشاركة في حياة المسيح القائم من الموت.
- في رسالة 6: عمود في هيكل إلهي. أنقش فيه اسم إلهي (7: 3؛ 22: 4). إسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء من عند إلهي (21: 2). وأنقش أسمي الجديد (رسالة 3). لقد نالت فيلادلفية من المواعيد ما لم تنله سواها من الكنائس.
- في رسالة 7: يجلسن معي على عرشي (5: 10؛ 20: 4، 6؛ مت 19: 28؛ لو 22: 30؛ 1 كور 6: 2).
د- النهاية
وتنتهي كل رسالة لإرسال إحتفالي: من له أذنان، فليسمع ما يقول الروح للكنائس. هنا نقدم ملاحظتين. الأولى: إذا أردنا أن نفهم النصّ نعمل الفكر أو بالأحرى ننتظر إستنارة الروح. في بداية الرسالة كلّمنا المسيح. وفي النهاية، كانت كلمة الروح إمتداداً لكلمته. يتكلّم يسوع فيُدعى كل واحد ليأخذ لنفسه هذه الكلمة، ليتخذ قراراً بالنسبة إلى هذه الكلمة. الملاحظة الثانية: تتوجّه الرسالة إلى كنيسة، ولكن على الكنائس أن تسمعها. ما يقال لكنيسة ما، يهمّ سائر الكنائس، يهمّ الكنيسة قاطبة. 

خاتمة
إمتلأ يوحنا من الاحتفال بالافخارستيا يوم الأحد، فأحسّ في أعماقه بالحاجة إلى أن يكتب إلى جماعات يعرفها كل المعرفة ويقاسمها آلامها ومخاوفها. هو يحدّثها شخصياً في خطبته. ولكنه في الواقع يريد أن يوصل إليها كلام يسوع المسيح. إنه النبي. والنبي هو الذي يرى الأمور بعين الله، يتكلّم باسم الله، يهيّىء الطريق من أجل تدخّل الله. هكذا أراد أن يفعل صاحب رؤ قبل أن يترك الإيمان بيسوع يضعف في قلوب المسيحيين الذين يعرفون الاضطهاد والموت.
يسوع المسيح الذي يتحدّث عنه يوحنا هو إبن الانسان الذي عرفته الأناجيل، الذي تألّم ومات وتمجّد. هو الكاهن والملك. إنه يشارك الله في أزليته وديمومته، كما يلج كل شيء بنظره، وهو يحمل كلماته القوية القاطعة. من وسط كنائس موزّعة في آسية الصغرى، وبالتالي في الامبراطورية الرومانية، جاء صوته يحمل العزاء والفرح مذكراً المؤمنين بأنه غلب الموت وبأننا سنغلبه بعونه إذا شئنا. هذه الكنائس هي حاضرة منذ الآن في السماء بواسطة شخصه.
كما يشعّ النور من السراج، ينبع التعليم من الكنيسة. والكنائس هيئ سرج ولا نور خارجاً عنها. الكنائس تحمل نور الكلمة. إنها النور الذي هو امتداد لنور المسيح. هناك كنائس عديدة موزّعة جغرافياً في الكون كلّه، وكل منها تحمل حصتها في النور. ولكنها كلّها واحدة لأنها كلّها في يد القائم من الموت. إن تألمت واحدة، تألّمت معها سائر الكنائس. وإن تمجّدت واحدة فرحت سائر الكنائس. فبتضامنها تشعّ وجه المسيح الواحد الذي وعدها بأن يكون معها حتى نهاية العالم.
وبانتظار ذلك، سيوجّه يوحنا رسائل إلى سبع كنائس محدّدة. لنستمع إلى ما يقوله الروح لهذه الكنائس، لكنائسنا المشتتة في العابر العريض وفي العالم أجمع