الله الآب في رسائل القديس يوحنا

 

في إنجيل يوحنّا، يدعو يسوع الله »الآب« أو »أبي«. هذا لا يعني أنَّ الإنجيل الرابع، قد أحلَّ »الآب« »محلَّ الله«. فهو يميِّز بين التسميتين تمييزًا واضحًا، وهو لا يستعمل اسم الآب إلاّ حين يورد كلمات المسيح أو حين يتأمَّل في علاقة الابن بالله. بالنسبة إلى إنجيل يوحنّا، الله آب لأنَّ الابن كشفه لنا بهذه الصورة. وتجاه ذلك، الآب الذي تجلّى في يسوع هو الله. تحدَّث لوقا عن الآب الذي هو الله. أمّا يوحنّا فتحدَّث عن الله الذي هو أب. لهذا تختفي من »الآب« اليوحنّاويّ كلُّ السمات البشريَّة مثل الصلاح والرحمة والعناية لتحلَّ محلَّها مدلولات لاهوتيّة. الآب هو ما يدلُّ على الله في الوحي المسيحيّ. وهذا الآب هو الإله الواحد الحقّ (يو 17: 3)، وخالق السماء والأرض (يو 1: 3)، هذا ما يقوله إنجيل يوحنّا. فهل هذا ما نجده في رسائل القدّيس يوحنّا؟ إذا أردنا جوابًا على ذلك، نعود إلى النصوص، فنقرأها ونستنتج الغنى الذي تزخر به فيما يخصُّ الله الآب.

 

1- بالمسيح نشترك مع الآب والابن

»الحياة ظهرت. وقد رأيناها، ونشهد لها. ونبشِّركم بهذه الحياة الأبديّة التي كانت لدى الآب وظهرت لنا. إنَّ ما رأيناه وسمعناه به نبشِّركم أنتم أيضًا، لتكون لكم، أنتم أيضًا، شركة معنا. وشركتنا نحن، إنَّما هي مع الآب ومع يسوع المسيح ابنه« (1يو 1: 2-3).

نحن هنا أمام جملة طويلة تنتهي مع فعل »نبشِّركم«. ما هو موضوع هذه البشارة؟ ما سمعناه، ما رأيناه، ما لمسته أيدينا. مَنْ يبشِّر؟ »نحن«. كاتب الرسالة وإن كان لم يُذكر. ومَن الذي يتسلَّم البشارة؟ »أنتم«. أي المؤمنون في هذه الكنائس التي يكتب إلها الرسول. ما هو مرمى هذه البشارة؟ الشركة أو الاتِّحاد، وملء الفرح.

ويؤكِّد الكاتب على الشهادة: رأينا. ويعلن: نشهد، نبشِّر. هي الحياة والحياة الأبديّة التي أُعطيت لنا من لدن الآب. هذه الحياة ما هي إلاّ يسوع المسيح الذي قال عنه إنجيل يوحنّا: »فيه كانت الحياة، وحياته كانت نور الناس« (يو 1: 4). كانوا يقولون: الله الحيّ، لم تعد الكلمة اسمًا، ولم تعد الحياة لفظة مجرَّدة لا ترتبط بالمحسوس، صارت الحياة شخصًا حيٌّا هو يسوع. وها قد ظهرت لنا، بل الله الآب هو الذي كشفها لنا. أرسلها إلينا لأنَّه أحبَّ العالم.

لقد سمع كاتب الرسالة وقرَّاؤها الإنجيل الواحد. هم يشاركون في حياة الآب. يقاسمون الآب مجده، كما يقاسمون الابن. وإذا تذكَّرنا أنَّ الروح القدس هو المحبّة التي تجمع الآب بالابن، نفهم عمل الروح في خلق عيلة الله حول الآب والابن من جميع المؤمنين الذين قبلوه فصاروا أبناء الله (يو 1: 12).

 

2- بين العالم والآب

»يا أولادي الصغار... إن خطئ أحد فلنا لدى الآب شفيع... كتبت إليكم لأنَّكم تعرفون الآب... لأنَّ كلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرّير. إن أحبَّ أحد العالم فليست فيه محبُّة الآب. لأنَّ كلَّ ما في العالم... ليس من الآب بل من العالم. والعالم يزول وشهوته أيضًا. أمّا من يعمل بمشيئة الله فإنَّه يثبت إلى الأبد« (1يو 2: 1، 14-17).

إن كان الإنجيل قدَّم تعليمًا عن أبوَّة الله، فالرسالة تقدِّم الطريقة العمليّة لعيش المؤمن في شركة مع الآب. ونجد هنا دعوة مثلَّثة: الابتعاد عن الخطيئة، التسلُّح بالقوَّة في الحرب ضدَّ الشرّير، ضدَّ الشيطان، عدم محبّة العالم. وتأتي الأسباب: لنا شفيع لدى الآب، وحياته كفَّارة عن خطايانا، والمؤمنون أقوياء لأنَّ كلمة الله ثابتة فيهم، ولماذا التعلُّق بالعالم وهو يزول. يبدو أنَّ الفكرة التي نجدها في الإنجيل عن العالم ووجهه الشرّير ليست بارزة هنا. ولكن يبقى علينا أن نختار بين الآب والخطيئة، بين معرفة الله والتعلُّق به وبين الشرّير، بين الله والعالم. وفي هذه العبارة الأخيرة نتذكَّر كلام الربِّ يسوع: »لا تقدرون أن تعبدوا ربَّين الله والمال«.

هذا العالم أراد الله أن يخلِّصه ولهذا أرسل إليه إبنه. ولكنَّ المسيح انتقل من هذا العالم إلى الآب (يو 13: 1). فيبقى على المؤمن أن يعيش هذا الانتقال. أي أن لا يُسحَر بالعالم. فالعالم زائل والله وحده ثابت. أمّا الموقف المعارض للتعلُّق بالعالم فهو العمل بمشيئة الله، بمشيئة الآب. هناك أعمال محدَّدة نعيشها في حياتنا اليوميّة. ولكن يجب علينا أيضًا أن نرتفع إلى المستوى اللاهوتيّ: فالعالم لا يتطلَّع إلى الله، بل إلى نفسه. يعتبر نفسه الغاية والنهاية. لهذا، فهو يقدر أن يصير عالمًا ضدَّ الله، عالمًا يرفض أن يعرف الله، على ما قال إنجيل يوحنّا عن يسوع: »كان في العالم، وبه كان العالم، ولكنَّ العالم لم يعرفه« (1: 10). هكذا نكون أبناء الآب، حين تدفعنا رغبة قلبنا نحو مشيئة الله، نحو محبَّة الآب، نحو الحياة الأبديّة، لا نحو الشهوة التي ينادي بها العالم، شهوة الجسد وشهوة العين وصلف الغنى.

 

3- الابن يدلُّنا على الآب

»مَنِ الكذَّاب إلاّ الذي ينكر أنَّ يسوع هو المسيح؟ ذاك هو الانتيكرست (المناوئ للمسيح) المنكر الآب والابن. كلُّ من ينكر الابن، ليس له الآب. من يعترف بالإبن فله الآب أيضًا. أمّا أنتم، فليثبت فيكم ما سمعتموه من البدء. فإن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء، تثبتون أنتم أيضًا في الابن وفي الآب« (1يو 2: 22-24).

الموضوع هنا هو الأنتيكرست أو المناوئ للمسيح. أو كما يقول النصّ: المسيح الدجّال. هو يكذب ويجعل نفسه »مسيحًا« تجاه يسوع المسيح. لسنا هنا أمام شخص فرد، بل أمام جماعة، بل أمام تيّار يُنكر الابن، ويُعلن أنَّه يتعلَّق بالآب. ولكنَّنا عرفنا الآب بالإبن. فإن أنكرنا الابن أنكرنا الآب أيضًا. قد يكون اهتمام الكاتب أن يفحم الخصم. ولكنَّه قبل كلِّ شيء يريد أن يُعلِّم قرَّاءه بالخطر الذي يتربَّص بهم، ويتربَّص بنا نحن أيضًا حين نحسب يسوع إنسانًا من الناس، حين نقول إنَّ يسوع ليس المسيح وبالتالي ليس إبن الله. فكيف نستطيع أن نعرف الآب إن رفضنا أن نسمع الابن، إن أنكرنا الابن!

هذا يعني أنَّ الجماعات التي ارتبطت بيوحنّا، أخذت تنقسم على مستوى العقيدة. إنَّ الله لم يأتِ إلينا في شخص يسوع المسيح، إبن الآب. بل هو تظاهر أنَّه جاء، بل تظاهر أنَّه كان يأكل معنا ويشرب ويسير في طرقاتنا، بل تظاهر أنَّه صُلب ومات من أجلنا. والنتيجة: ماذا نستطيع بعد أن نعرف عن الآب والحياة الأبديّة التي قدِّمها لنا؟ لا شيء. لقد صار إيماننا باطلاً، وصرنا أشقى جميع الناس حين ننسى أنَّ يسوع هو المسيح، حين ننسى أنَّ إبن الله تجسَّد فقال لنا: »من رآني فقد رأى الآب«.

محطّات ثلاث في الرسالة الأولى إلى يوحنّا، تصل بنا إلى الأساس الذي نبني عليه حياتنا. إذا كان يسوع هو الابن، فنحن معه أبناء. عند ذاك نستطيع أن نسير في النور، أن نسلك في البرّ، أن تكون لنا الحياة الأبديّة. فلماذا لا نعمل لنكون في خطِّ هذه البنوَّة، لكي نثبت في محبَّة الآب، لنعمل مشيئة الله؟