أبوّة الله في رسائل القديس بولس

 

كشف لنا يسوع في إعلانه للبشارة، في صلاته وتصرُّفاته، الوجه الحقيقيّ لله، وأدخلنا في علاقة حميمة مع ذلك الذي سمّاه أباه. وقد صار إنسانًا لكي نصبح أبناء الله بالنعمة كما كان هو بالطبيعة، لكي نصبح أبناء الآب السماويّ.

هذا ما يتوسَّع فيه القدّيس بولس وهو ابن التقليد، الذي سلَّم الكنائس التي أسَّسها، ما تسلَّمه من الكنائس التي عاش فيها بدايات حياته المسيحيّة. فالله الذي يحدِّثنا عنه هو الآب. والمسيح هو ابن الله. والمؤمنون هم أبناء مع الابن بعد أن تبنّاهم الله.

 

1- الله، أبو ربِّنا يسوع المسيح

حين يتحدَّث الرسول عن العلاقة القائمة بين الله ويسوع، فهو يستعمل العبارة التالية: »الله أبو ربِّنا يسوع المسيح« (روم 15: 6؛ 2كور 1: 3). ونقرأ في أف 1: 17: »يؤتيكم إله ربِّنا يسوع المسيح، إله المحبَّة، روح الكلمة«. أن يكون يسوع هو ابن الله، وأن يكون الآب في أصل عمل الخلاص كلِّه، ذاك هو قلب التعليم البولسيّ. ونتذكَّر أنَّ لفظة »الآب« و»الابن« تُستعملان عادة في إطار حدَث القيامة، لا عند بولس وحسب، بل في التقليد المسيحيّ الأوَّل (أع 13: 23، 33). فنحن نقرأ في روم 1: 1-4: »الله الذي سبق فوُعد به على ألسنة أنبيائه في الكتب المقدَّسة، عن ابنه المولود بحسب الجسد، المقام بحسب روح القداسة، في قدرة إبن الله بقيامته من بين الأموات، يسوع المسيح ربِّنا«. ونقرأ في غل 1: 1: »من بولس الذي هو رسول... يسوع المسيح والله الآب، الذي أنهضه من بين الأموات«.

إنَّ بنوّة يسوع هي في شكل من الأشكال، نتيجة قيامته وتمجيده. والله يكشف عن نفسه أبًا حين يقيم يسوع من بين الأموات، ويجعله ربٌّا على العالم كلِّه. ولقب الابن المعطى ليسوع هو لقب ملكيّ على مثال لقب الآب »إله المجد«. حين قام يسوع المسيح من بين الأموات، شارك في مجد الآب ووُلد إلى حياة جديدة.

أمّا نصُّ الرسالة إلى رومة الذي أوردناه فهو اعتراف إيمان قديم، سبق بولسَ الرسول. وهو يتضمَّن تأكيدين متوازيين ومتكاملين: يسوع المسيح الذي خرج من ذريَّة داود (كإنسان)، الذي أقيم كإبن الله بقيامته من بين الأموات. وهكذا تبرز مسيحانيّة يسوع الأرضيّة من جهة، ومن جهة ثانية، مسيحانيَّته السامية كإبن الله. لاشكَّ في أنَّ يسوع هو الابن منذ الأزل، ولكنَّ الرسل لم يكتشفوا هذه البنوَّة إلاَّ على ضوء القيامة. هنا نتذكَّر ما تقوله الرسالة إلى العبرانيَّين: »هذا الابن هو ضياء مجده، وصورة جوهره وضابط كلّ شيء بكلمة قدرته« (1: 3). والرسالة إلى كولسِّي: »هو صورة الله غير المنظور وبكر كلِّ خليقة« (1: 15). والرسالة الأولى إلى كورنتوس: »نحن لنا إله واحد، الآب، الذي منه كلُّ شيء ونحن إليه. وربٍّ واحد يسوع المسيح، الذي به كلُّ شيء ونحن به« (8: 6). كلُّ هذا يدعونا إلى القول: إن كنّا ندعو الله الآب، فهو أبو الابن الوحيد (غل 4: 4)، وأبو ربِّنا يسوع المسيح في إطار تاريخ الخلاص.

 

2- أبو يسوع المسيح وأبونا

عندما ندعو الله »أبانا« أو نرفع إليه صلواتنا بهذا الاسم، نكون في خطِّ الجماعات المسيحيّة الأولى التي تعبِّر بهذا الشكل عن إيمانها وحياتها. ولكنَّ اكتشاف هذه الأبوَّة الإلهيّة جاءت متدرِّجة: انطلق المسيحيّون من اتِّحادهم بالمسيح. فأدركوا أنَّ أبا ربِّنا يسوع المسيح هو أبوهم »هم«. الله أبونا، »نحن«، لأنَّه أبو ربِّنا يسوع المسيح.

منذ الرسائل الأولى، يدعو بولس الله أبا ربِّنا يسوع المسيح وأبانا. وتأتي التسمية بجانب الأخرى في بداية الرسالة كما في صلاة الشكر التي تلي التحيّة الأولى. فالرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي تتوجَّه إلى الكنيسة التي هي »في الله الآب« (1: 1). ويتابع الرسول: »نشكر الله من أجلكم... متذكِّرين بلا انقطاع، أمام وجه إلهنا وأبينا، عمل إيمانكم« (1: 3). ونقرأ في 2تس 2: 16: »وربِّنا يسوع المسيح، والله أبوه الذي أحبَّنا...«. وفي غل 1: 3: »لكم النعمة والسلام من الله الآب ومن الربِّ يسوع المسيح«. وقد نستطيع أن نقرأ وهذا أفضل: »من الله الذي هو أبو الربِّ يسوع المسيح«.

بحسب هذا التفسير نقف في خطِّ 2كور 1: 2-3: »نعمة لكم وسلام من الله أبينا، والربّ يسوع المسيح.. تبارك الله، أبو ربِّنا يسوع المسيح، أبو المراحم، وإله كلِّ تعزية«. هذا ما نقرأه أيضًا في الرسالة إلى أفسس (1: 2-3). ففي يسوع المسيح وبه، نحن أبناء الآب الواحد على مثال ما في روم 8: 29: »الذين سبق فعرفهم سبق أيضًا فحدَّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه، فيكون هكذا بكرًا ما بين إخوة كثيرين«.

 

3- صلاة المسيحيّ تتوجَّه إلى الآب

إذا أردنا أن نحدِّد موقع الصلاة المسيحيّة في اللاهوت البولسيّ، نربطها بسرِّ الخلاص كلِّه. هذا ما يفعله الرسول حين يشدِّد على مبادرة الآب، على وساطة الابن، على عمل الروح. فإن كان المسيحيّون يستعيدون في أفواهم الكلمات التي قالها يسوع في صلاته (أبانا الذي في السماوات)، فلأنَّ الله الآب أرسل ابنه لكي يخلِّصنا ويجعل منّا أبناءه، ولأنَّه أعطانا روحه الذي به ندعو الله »أبّا، أيُّها الآب«.

هذا ما يقوله مطلع الرسالة إلى أفسس (1: 3-14)، الذي يُوجز كلَّ مخطَّط الخلاص كما أراده الآب، ويشدِّد بشكل خاصّ على الاختيار الذي ينعم به المؤمنون. »تبارك الله أبو ربِّنا يسوع المسيح. باركنا كلَّ بركة روحيَّة في السماوات في المسيح، فاختارنا فيه قبل تأسيس العالم... لأن نكون له أبناء بيسوع المسيح«.

بسبب هذه الأبوَّة نستطيع نحن أن ندعو الله أبانا. ومبادرة هذه البنوَّة التي نلناها بنعمة مجّانيّة، هي عمل الله الآب الذي يجعل منّا أبناءه في يسوع، الابن الحبيب. في هذا يقول الرسول: »إنَّ الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح، هو أمين« (1كور 1: 9). أجل، لم نكن نستحقّ هذه البنوَّة. إنَّها ثمرة سخاء الربّ الذي »برهن على محبَّته لنا بأنَّ المسيح مات عنّا ونحن بعد خطأة« (روم 5: 8).

كلُّ هذا نكتشفه بشكل أشمل في غل 4: 4-7: »حين تمَّ ملء الزمن، أرسل الله إبنه، مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين هم تحت الناموس، وننال التبنّي. والدليل على أنَّكم أبناء، كون الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه، ليصرخ فيها: أبّا، أيُّها الآب. فأنت إذن، لست بعد عبدًا، بل أنت ابن. وإن كنت ابنًا فأنت أيضًا وارث بنعمة الله«.

لا يشدِّد هذا النصّ فقط على مبادرة الآب، بل يبرز أيضًا وساطة المسيح في علاقتنا مع الآب، وعمل الروح في قلوب المؤمنين. وهكذا يدلُّ على الطريقة التي بها تغرز حياتنا الروحيّة جذورها في سرِّ الله بالذات. أجل، حين جاء الوقت المحدَّد، الوقت الذي حدَّده الآب من أجل التجسُّد، أرسل ابنه. ثمَّ أرسل الروح ليجعل منّا أبناءه.

أرسل الله ابنه ليحقِّق عمل خلاصه. أرسله فأخذ بشريّته من بشرِّيتنا. هو »الوسيط الوحيد بين الله والبشر، والمسيح يسوع، الذي بذل نفسه فداءً عن الجميع« (1تم 2: 5-6). هو يعمل عمل الخلاص، ويحمل إلينا موهبة البنوَّة. لسنا أمام بنوَّة على المستوى القانونيّ (كما يتبنّى إنسان ولدًا)، بل أمام علاقة جديدة تتسجَّل في عمق كياننا وتجعلنا شبيهين بابن الله.

وبعد أن يصوِّر الرسول عمل الابن، يصوِّر عمل الروح فينا. هو يصلِّي فينا ويقول: »أبّا«. أمّا في روم 8: 15، فالرسول يقول إنّنا نحن نصلّي في الروح وندعو الله »أبّا«. وهكذا نكون أمام عبارتين متكاملتين تصوِّران في الوقت عينه الدورَ الأساسيّ للروح الذي يضمُّ صلاتنا، بل يضمُّنا إلى صلاة الابن، ودورَنا الشخصيّ في التعبير عن هذه الصلاة. الروح يصلّي ونحن نصلِّي. وهكذا تكون المشاركة حميمة جدٌّا بين الروح القدس وروحنا، بحيث نعتبر هذه الصرخة »أبّا« صرخة الروح وصرختنا. صلاة الروح لا تنفصل عن صلاتنا. بل هي صلاتنا. وهكذا نصلّي إلى الله الآب صلاة يسوع، فندلُّ على أنّنا نشاركه في بنوَّته. بالإبن وفي الروح، ندعو الله: »أبّا« أيُّها الآب. يا »أبانا الذي في السماوات«.