انتظار الخلاص وتحقيقه في يسوع

 

منذ البداية، وعت الكنيسة أنَّها جماعة الخلاص. هي أوَّل مَن ينعم بهذا الخلاص. وهي موضوع هذا الخلاص. كانت تيّارات عديدة في العالم اليهوديّ تنتظر مسيحًا يعيش على الأرض، وسلطة دينيّة شبيهة بسلطة موسى في البرّيّة. أمّا الجماعة الرسوليّة فاعترفت بالمسيح المجيد على أنَّه مخلِّصها من السماء. جاء من الآب إلى العالم. وهو سيترك العالم لكي يعود إلى الآب. وننطلق في كلامنا من شعب الله الأول، قبل أن نصل إلى الكنيسة الرسولية.

 

1- انتظار الخلاص في العهد القديم

ما يميِّز العهد القديم هو تدبير الخلاص، هو تاريخ خلاص يجد في المسيح تمامه ومفتاحه. تاريخ خلاص نشارك فيه نحن أيضًا، لأنَّ هذا التاريخ هو واحد، يبدأ مع إبراهيم ويجد ذروته في يسوع، لأنَّه عمل الله المخلِّص.

 

أ- لقب المخلِّص

في العهد القديم كما في العهد الجديد، لقب المخلِّص خاصٌّ بالله دون سواه. وفي هذا الخلاص تَبرز مبادرةُ العليّ كما نجدها في عدد من النصوص. مثلاً، هتف موسى أمام الشعب الذي يستعدُّ لعبور بحر القصب ومستنقعات ما يسمّى البحيرات المرَّة: »الربُّ سوف يخلِّصنا في هذا اليوم« (خر 14: 13). ويقول يوناتان بن شاول، أوَّل ملك في إسرائيل: »لا شيء يمنع الربَّ من أن يخلِّصنا، سواء أكان عددنا كبيرًا أم قليلاً« (1صم 14: 6).

وخلال المنفى، وبعد دمار المدينة المقدَّسة وحرق الهيكل وموت الملك وضياع كلِّ شيء، يستطيع النبيّ أن يعلن بصوت ملؤه الثقة: »يد الربِّ لا تقصر عن الخلاص« (أش 9: 1). وفي صيغة إيجابيّة، الخلاص في متناول يده وهو يعطيه متى شاء. ونسمع صرخة الإيمان عينها في بعض المزامير: »الملك لا يخلص بكثرة جيشه، ولا ينقذ الجبّارَ عظيمُ قوَّته« (33: 16). »إلى الله العليِّ أصرخ... يرسل من السماء ويخلِّصني... يرسل رحمته وحقَّه« (57: 3-4).

 

ب- نشاط الله الخلاصيّ

الله هو المخلِّص، فحمل عدد من الشعب أسماء تدلُّ على هذا الخلاص. فيشوع يعني: الربُّ هو الخلاص. وأشعيا: الربُّ يخلِّص. وهناك هوشع: هو خلَّص، الربُّ خلَّص.

أمّا نشاط الله الخلاصيُّ فيدلُّ عليه الكتاب بلفظة »الصدق« التي فسَّرها بولس »رحمة وأمانة«. ولكنَّها في الأصل ترتدي القدرة والعزَّة. يقول مز 31: 2: »ببرِّك، بصدقك خلِّصني«. فالربُّ هو إله الأعمال العظيمة، وهو يتدخَّل منتصرًا في التاريخ، فيحدِّد له وجهته. أمّا الخبرة الأساسيّة في شعب إسرائيل، فهي حدث الخروج والعبور الذي هو بداية العهد: أنشدته مريم، أخت موسى، فقالت: »الربُّ عزَّتي وتسبيحي، جاء فخلَّصني. أمدحه فهو إلهي، إله آبائي تعالى« (خر 15: 2).

تكلَّمت مريم باسم شعبها كلِّه، فأشارت إلى هذا العهد الذي تمَّ في التاريخ، في حركة انفصال واقتلاع من العبوديّة، في مناخ من التحرُّر والفداء الذي كوَّن شعب الله الذي بدا كشعب ولده الله. نسمع مثلاً في تث 9: 26، في صلاة موسى: »أيُّها السيِّد الربّ، لا تهلك شعبك الذين أخذتهم وافتديتهم بعظمتك وأخرجتهم من مصر بيدك القديرة«. افتداهم لا لأنَّهم شعب كثير فيظنّون أنَّهم نجوا بقوَّتهم. افتداهم مع أنَّهم شعب قليل »لمحبَّته ومحافظته على اليمين التي حلفها للآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب«. كم نحن قريبون من إنجيل يسوع حيث نقرأ: »لا تخف أيُّها القطيع الصغير. فقد سُرَّ أبوكم أن يعطيكم الملكوت«.

 

ج- خبرة أساسيّة

إلى هذه الخبرة خبرة الخلاص الأولى، سيعود الشعب مرارًا، ولاسيّما في وقت الشدَّة والضيق. كان الشعب في العبوديّة فحرَّره الربّ من ظلم الفرعون، وهو عمل مهمٌّ بالنسبة إلى كلِّ شعب من شعوب الأرض. هكذا وجد مؤمنو أميركا اللاتينيّة في سفر الخروج، هذه الخبرة الخلاصيّة الأولى في التاريخ المقدَّس، حافزًا يدفعهم إلى الجهاد والمقاومة من أجل غدٍ أفضل لهم ولأولادهم. وهذا ما كان فهمه شعب إسرائيل في أرض المنفى التي سمّاها حز 20: 7 »أرض النجاسة«، أرض عبادة الأوثان، لا أرض عبادة الله الواحد.

ولهذا نقول إنَّ الله حرَّر شعبه أيضًا من ذاته. فهذا الشعب الذي خرج من أرض مصر، وعبر »البحر الأحمر« كأنَّه على اليابسة، ما زال يحنُّ إلى طعام مصر، ما زال يحنُّ إلى حياة العبوديّة مع ما في هذه الحياة من ذلٍّ وضياع للشخصيّة. كانوا يتذمَّرون مرارًا على موسى فيقولون:

»في أرض مصر، كنّا نجلس عند قدور اللحم، ونأكل من الطعام حتّى نشبع« (خر 16: 3). وحين عطشوا: »ماذا نشرب«؟ ففي مصر هناك نهر النيل. هل صار الإنسان مادَّة فحسب؟ هل يحيا الإنسان بالخبز فقط؟ أم أنَّ كلمة الله هي نور وحياة. هنا نتذكَّر معجزة تكثير الأرغفة في إنجيل مرقس. فمع أنَّ الشعب كان منهارًا من التعب ومن الجوع، لم يبدأ يسوع بتكثير الأرغفة، بل علَّمه ثمَّ أطعمه. كلمة الله هي الغذاء الأوَّل وهي تخلق منا أناسًا مخلَّصين. كانوا »غنمًا لا راعي له«، فصاروا جماعة المخلَّصين، الجماعة الكاملة المستعدَّة للسير على خطى يسوع.

تلك هي الخبرة التي عرفها شعب الله في العهد القديم. خبرة الخلاص. غير أنَّ هذا الخلاص يبقى موضوع انتظار. فالخطيئة هي هنا وهي تبعدنا عن الربّ. لهذا انتظر الشعب ذلك المخلِّص. فقال له أشعيا: يا ليتك تشقُّ وتنزل. وسيأتي العهد الجديد فيرينا في شخص يسوع ذلك الذي يجمع في شخصه انتظارين اثنين: انتظار شخص يرسله الله على سحاب السماء فيحمل إلى الأرض خلاص الله. وانتظار »ملك« من نسل داود يعمل باسم الله وحسب قلب الله، فيعيد قلب الشعب إلى الربِّ الإله. هذا ما كانه يسوع. هو ابن الله والآتي من السماء. جاء إلى العالم، وعاد إلى الآب. وهو ابن الإنسان الذي صار أخانا نحن الخطأة، فمات من أجلنا ومن أجل خلاصنا وقُبر، ولكنَّه قام في اليوم الثالث لكي يمنحنا ملء الخلاص، وملء الغلبة على الشرِّ والموت والخطيئة. لهذا سمِّي الفادي، سمِّي يسوع، »لأنَّه يخلِّص شعبه من خطاياهم«.

 

2- يسوع المخلص في الكنيسة الرسولية

بعد كلام عن العهد القديم، ننفتح على يسوع المسيح.

 

أ- ميزة هذا الخلاص

هناك واقعان عرفتهما الحياة الدينيّة في الجماعة الأولى. الأوَّل، مجيء »الأزمنة الأخيرة«. تمَّ الخلاص الذي انتظره الشعب القديم أجيالاً أجيالاً. والثاني، ارتباط عميق بين الخلاص والإيمان بيسوع الذي هو الربُّ المخلِّص. وهكذا كان قانون الإيمان بما فيه من قول: من أجلنا ومن أجل خلاصنا، تألَّم ومات وقبر وقام في اليوم الثالث.

أجل، الإيمان بيسوع المسيح هو الأساس والقاعدة في الاعتقاد بخلاصٍ قد تمَّ. من أجل هذا بدأ يسوع رسالته: تمَّ الزمان وجاء ملكوت الله. والله يملك حقٌّا حين يصل الخلاص إلى جميع البشر. وهذا الإيمان المستند إلى حدث الفصح والقيامة هو الذي يفسِّر واقعًا تعيشه الكنيسة. ليس الخلاص موضوع انتظار وحسب. إنَّه منذ الآن واقع تحياه في الحياة اليوميّة. سبق له وتحقَّق في موت يسوع وقيامته، وهو يتحقَّق كلَّ يوم في الكنيسة ككلّ، في جميع الكنائس، وفي المؤمنين.

2- تعابير هذا الخلاص

أين نجد تعابير هذا الإيمان بالمسيح الربّ وارتباط هذا الإيمان بالخلاص؟ هنا نعود إلى عبارات الفقاهة والتعليم، إلى الصلوات التي عرفتها الكنيسة الأولى. نقرأ في 1بط 1: 3: »تبارك الله الذي ولدَنا ثانية بقيامة يسوع من بين الأموات«. وفي 2: 9: »أن تشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب«، نور الخلاص. صرتم شعب الله وحصَّته التي له.

ولكنَّنا نتوقَّف بشكل خاصّ عند رسائل القدِّيس بولس: حديثه عن العشاء الأخير مع »العهد الجديد بدمي« (1كور 11: 25). قانون إيمان كنيسة كورنتوس: »المسيح مات من أجل خطايانا، على ما في الكتب، وأنَّه قبر وأنَّه قام في اليوم الثالث« (15: 3-5). ونقرأ في 2كور 8: 9: »تعرفون نعمة ربِّنا يسوع المسيح كيف أنَّه هو الغنيّ افتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره«. كما نستطيع أن نقرأ نشيد الإيمان الموجَّه إلى كنيسة رومة من كنيسة كورنتوس عن يسوع »المولود بحسب الجسد« والقائم من الموت (روم 1: 3-4). ولا ننسى نشيدًا للمسيح في فيلبّي حول ذلك الذي كان صورة الله فاتَّخذ صورة العبد، وصار طائعًا حتّى الموت على الصليب (2: 6-11).

أمّا أوَّل إعلان شفهيٍّ لهذا الخلاص فنجده في سفر الأعمال. فبعد العنصرة، أطلق بطرس باسم الرسل خطبة شدَّد فيها على موت يسوع وقيامته وأنهاها بهذه العبارة: »ليعلم جميع بيت إسرائيل أنَّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، ربٌّا ومسيحًا« (2: 36). وإذ قال لهم: »تخلَّصوا من هذا الجيل المعوجّ«، اعتمَدوا فانضمّوا إلى الكنيسة. تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة الخلاص. وبعد شفاء المخلَّع، قال بطرس: »يرتدُّ كلُّ واحد منكم عن شروره« (3: 26). من أجل هذا أقام الله فتاه وأرسله كي يبارككم. وزاد: »ما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص« (4: 12). هذا المسيح »رفعه الله بيمينه، رئيسًا ومخلِّصًا، ليعطي إسرائيل الجديد التوبة ومغفرة الخطايا« (5: 32).

3- الجواب على هذا الخلاص

قدَّمت الكنيسة هذا الخلاص باسم يسوع، فكيف تقبَّله الناس؟ حين نقرأ الأناجيل، نفهم أنَّ اليهود لم يقبلوا بيسوع كالمسيح والمخلِّص. فيوحنّا يقول في بداية إنجيله: »أتى إلى خاصَّته، وخاصَّته لم تقبله« (يو 1: 11). ومتّى حدَّثنا عن المجوس الوثنيّين الذين جاؤوا يعبدون يسوع. أمّا »رؤساء الكهنة وكتبه الشعب« (2: 4)، فعرفوا أين يُولد المسيح، ولكنَّهم لم يتحرَّكوا. وسيكون هيرودس ممثِّلهم حين »يطلب الصبيّ لكي يهلكه« (2: 13). وحين يرسل يسوع تلاميذه، نسمع كلامه في مرقس: »أيُّ موضع لا يقبلونكم فيه، ولا يسمعون لكم، فاخرجوا منه« (6: 11). ولكنَّ يوحنّا سيقول: »أمّا الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله« (1: 12). آمنوا باسمه فنالوا الخلاص، لا لأنَّهم من هذا الشعب أو ذاك، بل »لأنَّ الله قادر أن يخرج من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم« (مت 3: 9).

أمّا سفر الأعمال فيقدِّم لنا موقف القبول لهذا الخلاص المقدَّم وموقف الرفض بعد عظة العنصرة. يقول النصّ: »فلمّا سمعوا هذا الكلام، انصرعت قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع أيُّها الرجال الإخوة؟«. فجاء الجواب: »توبوا« (2: 37-38). ذاك أيضًا كان نداء يسوع في بداية رسالته. فالتوبة وتبديل الحياة، بل تبديل العقليّة كلِّها، هي البداية في مسيرة الخلاص التي يقدِّمها الله لنا. وإلاّ نكون قساة القلوب، ونقع في خطيئة يسمّيها الإنجيل: »التجديف على الروح القدس« ورفض كلِّ نور يأتينا من الله كي نعود إليه.

وخطب بطرس في سامعيه بعد شفاء المقعد، فآمنوا (4: 4) واعتمدوا وصارت الجماعة خمسة آلاف. صارت جماعة كاملة تشارك الرسل تعليمهم وصلواتهم وكسر الخبز معهم (2: 42). ولكنَّ هناك أناسًا رفضوا. فضَّلوا أن يسمعوا صوت الناس لا صوت الله. أرادوا أن يحاربوا الله (5: 39). وبما أنَّهم لا يستطيعون أن »يقتلوه«، أرادوا أن يقتلوا الرسل (5: 33). وسوف يلاحقون بولس من مدينة إلى مدينة، فيأتي يوم يقول فيهم: »يمنعوننا من أن نكلِّم الأمم ليخلصوا« (1تس 2: 16). ما أرادوا أن يدخلوا إلى الملكوت، ومنعوا الناس من الدخول، كما قال يسوع في كلامه على الكتبة والفرّيسيين.

 

خاتمة

تلك ومضات سريعة حول مفهوم الخلاص في العهد القديم، وفي الكنيسة الأولى. يسوع هو الربُّ والمخلِّص كما أعلن الملائكة للرعاة. فأسرعوا لينظروا إلى هذا المخلِّص. وقال بطرس للسامعين الأوَّلين بأنَّ الله أقام يسوع ذلك المخلِّص. فلم يبقَ عليهم إلاّ أن يذهبوا إليه. ولا يبقى علينا إلاّ أن نفهم أنَّه المخلِّص الوحيد، أنَّه الوسيط الوحيد بين الله والناس« (1تم 2: 5). ولا يبقى علينا إلاّ أن نعمل مع بولس الرسول لكي يحصل جميع الناس »على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع المجد الأبديّ« (2تم 2: 10). الخلاص لنا وللذين يرسلنا الله إليهم. ندعوهم إلى التوبة والعودة إلى الله من أجل تجديدٍ روحيٍّ يترك آثاره في المجتمع الذي نعيش فيه.