سرّ التجسّد في تراث الكنائس الشرقية

 

نودّ في هذه النظرة السريعة أن نتعرّف إلى تراثنا. نبدأ مع الموارنة والبطريرك اسطفان الدويهي، ونعود إلى أتناز، أسقف الاسكندرية، ثم إلى افرام ممثل العالم السرياني، وإلى غرغوريوس ابن العبري. ونُنهي جولتنا مع العالم الارمني والعالم القبطي ونبدأ مع البطريرك الدويهي(1).

 

1- تجسَّد الله فعطف على البشر

تميَّز يسوع بمسحته عن كلِّ من سبقه. مُسحوا بالزيت المقدَّس. أمّا هو فمُسح باللاهوت. هو إبن الله وابن مريم. لا أخ له على مستوى اللاهوت، ولا أخ له على مستوى الناسوت. هو وحيد الآب ووحيد العذراء مريم. ولكنَّه صار بكرًا لإخوة كثيرين.

إنَّ الله، تقدَّس اسمه، عندما تعطَّف بالرحمة على جنس البشر الذين خلقهم على صورته، شاء أن يجدِّد خلقهم وينقذهم من الهاوية التي سقطوا فيها بفسادهم وأن يتأهَّل بهم إبنه الوحيد ويلبس جسدًا من طبيعتهم، فاختار منهم مريم بنت يواكيم، وأرسل إليها إلى الناصرة رئيس جند الملائكة، فبادرها بالبشارة قائلاً: »السلام عليك يا ممتلئة نعمة الربُّ معك، مباركة أنت في النساء«.

وفي حال الإذعان وقبول الكلام، حلَّ فيها ابن الله، وتجسَّد منها بالقدرة القاهرة. فإنَّ الله جلَّت قدرته منذ البدء، خلق البرايا من العدم، ومن التراب خلق آدم، ومن ضلعه خلق حوّاء...

أمّا مريم سيِّدةُ النساء، فشرَّفها الله على قدس الأقداس، وفضَّلها على مركبة الكاروبيم، لأنَّ هذه قد حلَّ بها اللاهوت بالمجد والشبه. أمّا في بطن مريم فبالطبع والحقّ، لأنَّ جسد الربِّ وروحه قد انغرسا بأقنوم إبن الله، وكمل بهما السرُّ الذي يفوق الوصف، والآية التي من قديم وعد بها شعب إسرائيل قائلاً على لسان أشعيا النبيّ: »ها إنَّ العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل«. وقال لها الملاك: »إنَّ المولودَ منك قدّوس، وابن العليّ يُدعى. فسمّيَ عمانوئيل الذي تأويله الله معنا«. أو كما قال يوحنّا الناطق باللاهوت: »الكلمة صار جسدًا وحلَّ فينا«. ودُعيَ مسيحًا لأنَّ ناسوته اندهن باللاهوت، كما سبق فأخبر عنه أبوه داود قائلاً: »مسحك الله بدهن البهجة أفضل من شركائك«.

مُسح الأنبياء بروح القدس، والكهنة بدهن الطيب، أمّا السيِّد المسيح فدُهن وتقدَّس باللاهوت الذي اتَّحد معه بأقنوم واحد وسُمِّي يسوع أي المخلِّص...

سُمِّي ابن الله وابن مريم، لأنَّه في الطبع الإلهيّ وُلد من الآب قبل كلِّ الدهور، ثمَّ وُلد من العذراء بالجسد. ويُدعى ابن الإنسان وابن داود، لأنَّه لبس جسدنا ليخلِّصنا، وصار كواحد منّا، ومخرجُ أمِّه من قبيلة داود ومن نسله. ويُسمّى بكر الآب وبكر مريم، لأنَّ لا الآب في الألوهيّة، ولا مريم في البشريّة وَلد ابنًا آخر قبله أو بعده. وصار أبًا لكثيرين بالنعمة(2).

2- الكلمة انتصر على الموت ووهب اللافساد

والنص الثاني أخذناه من اثناز، أسقف الاسكندرية(3):

أخذ جسدنا أوَّلاً لكي يكون مثلنا. وأخذ جسدنا ثانيًا ليستطيع بموته أن يفتدينا من الموت. فكلمة الله لا يمكن أن يموت ولكنَّه اتَّخذ جسدًا يموت. وهكذا ألبس البشر اللافساد حسب ما وعد به في قيامته.

الكلمة اللاجسديّ واللافاسد واللامادّيّ، جاء إلى مناطقنا، وإن لم يكن بعيدًا عنها في ما سبق (أع 17: 27). فهو لم يترك أيَّ جزء من الخليقة فارغًا منه (من حضوره). بل ملأ كلَّ شيء في كلِّ شيء، هو الذي يقيم لدى أبيه. ولكنَّه صار حاضرًا حين تنازل لكي يعيننا بمحبَّته لنا وبظهوره. وإذ رأى الجنس العاقل يهلك، والموت يسود عليه بسبب الفساد... إذ رأى شرَّ البشر تجاوز الحدَّ فلم يعد يحتمل... أشفق على جنسنا... وما قبل أن يسود الموت علينا، لئلاّ يهلك ما وُجد في البدء ولا يكون عمل أبيه من أجل البشر عديمَ الفائدة. أخذ جسدًا لا يختلف عن جسدنا. ما أراد فقط أن يظهر في الخارج... بل أخذ جسدنا. وما اكتفى أن يأخذه، بل (أخذه) من عذراء، لا دنس فيها ولا عيب، ولم تعرف رجلاً. أخذ جسدًا نقيٌّا وغريبًا كلَّ الغربة عن كلِّ اتِّحاد بشريّ.

بما أنَّه القدير وصانع الكون، بنى في العذراء لنفسه جسدًا كأنَّه هيكل، واتَّخذه لذاته كأنَّه أداة لكي يعرِّف نفسه ويقيم فيه. وإذ أخذ مثل هذا الجسد من أجسادنا، سلَّمه إلى الموت لأجل جميع البشر، لأنَّهم جميعًا خضعوا لفساد الموت. وقدَّمه إلى الآب في فعل حبِّه للبشر. وهكذا، إذ يموتون كلُّهم فيه (روم 6: 8)، تُلغى الشريعة التي تصيب فساد البشر. ثمَّ يعيد من جديد إلى اللافساد البشر الذين مالوا إلى الفساد، ويحييهم بفعل موته. وبالجسد الذي صار جسده وبنعمة القيامة، يزيل الموت بعيدًا عنهم (ويُحرقه) كالقشِّ في النار.

فهمَ الكلمة أنَّ فساد البشر لا يزول إلاَّ بالموت. وبما أنَّه يستحيل على الكلمة الذي لا يموت والذي هو إبن الآب أن يموت، لهذا أخذ لنفسه جسدًا يستطيع أن يموت، وإذ يشارك هذا الجسد في الكلمة الذي هو فوق كلِّ شيء، يصبح جديرًا بأن يموت عن الجميع... وإذ اتَّحد إبن الله (وهو اللافساد) مع البشر بجسد يشبه جسدهم، ألبسهم اللافساد حسب وعد القيامة(4).

 

3- في هذا اليوم(5)

وقال افرام، شماس الرها ونصيبين:

في هذا اليوم أبهج الربُّ الملوك والكهنة والأنبياء، لأنَّ كلماتهم تمَّت وتحقَّقت. اليوم وضعت العذراء في بيت لحم، عمانوئيل. فالكلمة التي قالها أشعيا تحقَّقت اليوم. في هذا الموضع وُلد من يحصي الشعوب في كتابه. والمزمور الذي أنشده داود تمَّ اليوم. وتمَّت اليوم كلمة تلفَّظ بها ميخا: يخرج راعٍ من أفراته، وعصاه تقود النفوس. يطلع كوكب خارج من يعقوب، ويقوم رئيس في إسرائيل. فالنبوءة التي تلفَّظ بها بلعام وجدت لها اليوم تفسيرًا.

النور اللامنظور انحدر، والجمال تجلّى عبر جسد. فالنجم الساطع الذي تحدَّث عنه زكريّا، شعَّ اليوم في بيت لحم. نور ملوكيّ تجلَّى في أفراته، مدينة الملوك. والمبارَكة التي بارك بها يعقوب، بلغت اليوم ملأها. حملت شجرة الحياة الرجاء للمائتين. وحكمُ سليمان الخفيّ نال اليوم تفسيره. اليوم وُلد لنا ولد وسمِّي باسم عجيب. يا للعجب! تراءى الله مثل طفل. نبت مثل فرع في أرض عطشى. وما قيل بشكل خفيٍّ، صار لنا اليوم جليٌّا. في هذا اليوم، يوم الغفران، لا ننتقم. في هذا اليوم، يوم الفرح، لا نوزِّع أحزاننا. في يوم الوداعة لا نمارس العنف. في يوم السلامة، لا نغضب. في هذا اليوم الذي فيه جاء الله إلى الخطأة، لا يتكبَّر البارُّ في قلبه على الخطأة. في هذا اليوم الذي فيه صار الغنيُّ فقيرًا، ليسمح الغنيُّ للفقير بأن يشاركه في مائدته.

هو يوم يُفتح فيه باب الصلاة أمام صلواتنا. اليوم تبدَّل سيِّد الطبائع ولم تتبدَّل طبيعته. اليوم غطس اللاهوت في الناسوت. لتفرح البشريّة باللاهوت الذي غطس فيه(6).

 

جسد المسيح

وكلّمنا إبن العبري(7) عن التجسّد في »منارة الأقداس«. قال:

الأوَّل: نقول. إن كان جسدُ ربِّنا لم يُخلق، فمن الضروريّ أن يكون خُلق منذ الأزل أو أن لا يكون خُلق. فالفقرة الأولى لا تثبت. هو ابتدأ مع مريم. والثانية لا تثبت أيضًا. وإلاَّ بطل التدبير الخلاصيّ كلُّه. وبما أنَّ قولنا إنَّه غير مخلوق ينتج عن مثل هذين المحالين، فليس الجسد لامخلوقًا.

الثاني: نقول. إن لم يكن جسد ربِّنا يسوع المسيح مشابهًا لنا، فصار في الاتِّحاد إلى طبيعة الكلمة، فهذا يفترض شيئين: إمَّا أنَّه كان لاجسديٌّا، ولامنظورًا مثل الكلمة، وإمّا أعيد إلى العدم والفراغ. والشيئان هما من المحال. فينتج عن ذلك أنَّ جسد ربِّنا مشابه لنا (في الجوهر).

الثالث: نقول. إن كان جسد الله إلهًا بالطبيعة، يكون إلهًا بالطبيعة من إله بالطبيعة، وهذا محال. ولكن، إن لم يكن جسد الله إلهًا بالطبيعة، يكون إلهًا بالنعمة. فإذا كان هذا يسرُّك، لماذا تندِّد بنسطور وأنت تقرُّ بآرائه؟ نجيب: الله هو الله بالطبيعة. الجسد هو الجسد بالطبيعة، بدون تبديل، بسبب الاتِّحاد. نقول: طبيعة واحدة (أي أقنوم واحد كما نقول) في الإله المتجسِّد.

الرابع: نقول. إذا كان الكلمة والجسد طبيعة واحدة على مستوى المزج والتبدُّل، لا طبيعة (شخص واحد) من اثنتين (طبيعتين)، نكون بالضرورة أمام أمرين: أو أنَّ الكلمة كان جسديٌّا قبل التجسُّد. أو أنَّ الجسد هو لاجسديّ مثل الكلمة. وهذا محال.

الخامس: نقول. إذا كان جسد ربِّنا لا يتألَّم ولا يموت قبل القيامة كما صار بعد القيامة، فهذا يعني أنَّه لم يمُت. فكيف يقيم الموتى ذاك الذي لم يمُت؟ وإذا كان المسيح لم يمت ولم يقم، فتبشيرنا باطل، كما قال بولس (1كور 15: 17)(8)

يسوع إبن الآب الوحيد

وفي العالم الارمني، نتعرّف إلى نرسيس سنورهالي(9). قال:

مع وجود عدد من أطبّاء النفس، لم يُشفَ الضعف البشريّ. كانوا من طبيعة ضعيفة، فما استطاعوا أن يشفوها. فتجاه آلام الجراح القويّة، نحتاج إلى أدوية أقوى. وُضعت على الجسد الضعيف فما كان في وسعها أن تشفيه. حتّى شربت طبيعتُنا العليلة دواء الحياة السماويّ، ورذلت الطبعَ المرَّ عائدة إلى حياتها الأولى. بروحك الإلهيّ أوَّلاً تقدَّست نفس العذراء القدِّيسة، وغطَّتها قدرةُ أبيك السماويّ بظلالها. ثمَّ نزلتَ، يا ابن الآب الوحيد، حرٌّا إلى أحشائها، صرت جسدًا حقيقيٌّا. إلهًا وإنسانًا، والاثنان واحد.

وُلدتَ بجسدنا البشريّ، أنت الذي وُلدت في البدء بشكل لاجسديّ. نزعت بقمطك آلام الإنسان الأوَّل بعد أن تغطّى بالأوراق (تين). أنت الكلمة (في مذود) الذي حُرم من الكلام ليكون طعام الذي مُنح الكلام. أنت النور الذي دلَّ عليه نور النجم. وبفضل هذا النجم عبدَك المجوس. نزلت أجواقُ الملائكة إلى المغارة وخدمتك في ميلادك المقدَّس. نبَّهوا الرعاة وأعلنوا لهم البشرى. وأنشدوا: المجد في أعلى السماوات.

وحسب عهد الآباء المقدَّس، تقبَّلتَ الختان في اليوم الثامن لكي تختتن (تنتزع الغشاء) قلب الإنسان غير المختون (لا يفهم). أنت أيُّها المشترع، دخلت بحسب الشريعة إلى الهيكل، لتقدَّم هناك. وأنت يا قديم الأيّام، حضنك الشيخُ (سمعان) طفلاً في ذراعيه المقدَّستين. وأنا الذي بالخطيئة وُلدت في الإثم، ولدتني من جديد في الينبوع المقدَّس. تجرَّبتُ بكذب الشرّير، وغرقتُ من جديد في حمأة الآثام. فنجِّني مرّة ثانية بميلادك، وقدِّمني إلى الآب السماويّ بتشفُّعات أمِّ الله وسمعان الشيخ.

وحين تمَّت لك الثلاثون سنة، عمرُ نموِّ جسدك، عمَّدك القدِّيس المولود من العاقر، وشهد لك الآب والروح القدس. ما كنت تحتاج إلى تنقية، يا من تمنحنا الكلمة النقيّة. ولكنَّك أردت أن تغسل خطيئة آدم في مياه الأردنّ. فاغسلْ أيضًا خطايا نفسي، حمأة خطاياي السوداء، كما فعلتَ في الماضي في الينبوع المقدَّس(10).

 

ما هو التجسُّد

وندخل في اللاهوت القبطيّ مع متّى المسكين(11). قال:

إنَّ ميلاد المسيح من العذراء القدّيسة مريم، يُعتبر من جهة اللاهوت تجسُّدًا. بمعنى أنَّ المسيح المولود، بالرغم من كونه إنسانًا ذا جسد طبيعيّ ونفس طبيعيّة، له وجودٌ إلهيٌ شخصيّ سابق لميلاده.

ويوحنّا الرسول في مطلع إنجيله يوضح هذه الحقيقة بأسلوب لاهوتيّ قاطع. فهو يعلن أنَّ المسيح كلمة الله الابن الأزليّ، وكلمة الله. كان العامل الإلهيّ للخلق الذي خلق الله بواسطته كلَّ شيء، والذي كان قبل الخليقة كلِّها قائمًا مع الله منذ البدء ككلمته التي لا تفارقه. وكلمة الله هو إبن الله. المسيح المتجسِّد من العذراء مريم هو كلمة الله، الابن الأزليّ الخالق القائم مع الله منذ البدء.

وعقيدة التجسُّد تعتبر الأساسَ اللاهوتيّ الذي يقوم عليه كلُّ الإيمان بالمسيح، وبأعماله الخلاصيّة من موت وقيامة وصعود إلى السماء. فعلى أساس التجسُّد، يكون الموت الذي ماته المسيح قد ماته الجسد فقط. أمّا بصفته كلمة الله الأزليّ، فهو باقٍ كما هو منذ الأزل، حيٌّا لم يمت، قائمًا مع الله. وبذلك يكون الموت الذي ماته ليس عن نفسه لأنَّه هو الحياة وكان قادرًا أن لا يموت قطّ. لذلك صار موته محسوبًا كعقاب تحمَّله تكفيرًا عن آخرين ومصالحة لهم مع الآب.

كذلك على أساس التجسُّد. تكون القيامةُ التي قامها المسيح بالجسد، عبارة عن قوَّة حياة جديدة بعد الموت أدخلها على الطبيعة البشريّة التي أخذها منّا. أمّا بصفته كلمة الله الأزليّ فهو قائم وحيٌّ من الأزل وإلى الأبد. فالموت لم يكن له عليه سلطان البتّة.

كذلك على أساس التجسُّد يكون الصعود...

إذن فعقيدة تجسُّد كلمة الله هي أساس الإيمان بالمسيح وأساس فهم قيمة حياته وأعماله وموته وقيامته وصعوده. لذلك يعتبرها يوحنّا المحكّ الوحيد الذي يكشف الإيمان الصحيح من الإيمان المزيَّف(12).