الروح القدس في كتابات يوحنا

 

حين نتحدَّث عن الروح القدس في كتابات يوحنّا، نتوقَّف بشكل خاصٍّ عند الإنجيل الرابع، ولكنّنا لا ننسى الرسالة الأولى التي تدعونا للتعرُّف إلى الروح الذي أُعطينا. وننهي هذه الإطلالة بنظرة سريعة إلى سفر الرؤيا حيث الروح يتكلَّم في البداية في الكنائس، وفي النهاية يرافق العروس لكي ينادي الحمل: »تعالَ أيُّها الربُّ يسوع«.

 

1- الولادة من الروح

نجد في الإنجيل الرابع عددًا من النصوص المتعلِّقة بالروح القدس، وهي تتوزَّع في مجموعتين. في المجموعة الأولى نقرأ إعلان عطيّة الروح في علاقتها مع المعموديّة أو في رمز الماء. وفي المجموعة الثانية، نتعرَّف في خطبة الوداع (ف 14-16) إلى البارقليط. قال يوحنّا المعمدان شاهدًا: »رأيتُ الروح ينزل من السماء ويستقرُّ عليه (أي يسوع). وما كنت أعرفه. لكنَّ الذي أرسلني لأعمِّدَ بالماء قال لي: ''الذي ترى الروح ينزل ويستقرُّ عليه هو الذي سيعمِّد بالروح القدس« (1: 32-33). وفي عيد المظالِّ قال يسوع: »إن عطش أحد فليجئ إليَّ ليشرب، ومَن آمن بي، كما قال الكتاب، تفيض من صدره أنهار ماء حيّ«. وتابع الانجيل: »وعنى بكلامه الروح الذي سيناله المؤمنون به، فما كان الروح أُعطي بعد حتّى الآن، لأنَّ يسوع ما تمجَّد بعد« (7: 37-39).

ونتوقَّف في هذه المجموعة الأولى عند حوار يسوع مع نيقوديمس (3: 3-8). نحن هنا في إعلان الحياة مع نيقوديم والسامريّة. مضى نيقوديمس وما علَّمنا ردَّة الفعل الحميمة عنده. أمّا السامريّة فاهتدت إلى الله وصارت مرسَلة في قريتها. أمام نيقوديمس نجد خطبة حول الوحي الذي جاء يسوع يحمله، تقطعه مرَّتين الأداة »كيف«. في آ4: »كيف يولد الإنسان وهو كبير في السنّ«؟ وفي آ9: »كيف يكون هذا؟«

ماذا نجد في خطبة يسوع هذه؟ ولادة جديدة بفعل الروح. إرتفاع ابن الإنسان. نترك الفكرة الثانية التي تقابل بين »رأى الملكوت« و»دخل إلى الملكوت«، ونشدِّد على قرار الإنسان الذي يلتزم في طريق التوبة والعودة إلى الله. ونتوقَّف عند الفكرة الأولى التي تُبرز دور الروح في هذه الولادة الثاينة (بعد الأولى، حسب الجسد)، في هذه الولادة من علُ (بعد تلك التي أخذناها من الأرض).

تحدَّث يسوع عن رؤية ملكوت الله والولادة الثانية، فقال له نيقوديمس: كيف؟ فأجاب يسوع مشيرًا إلى أنَّ هذه الولادة العلويّة تحصل بفعل الماء والروح. لا نستطيع أن نستغني عن الماء لنتوقَّف فقط عند الروح، وإن لم يعد يُذكر الماء في خطبة يسوع هذه. فالماء يترافق مع الروح كما في تي 3: 5: »خلَّصنا الله بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس«. »وهذا الروح أفاضه علينا وافرًا بيسوع المسيح مخلِّصنا«. يشير النصّ هنا إلى المعموديّة، وإلى عمل الروح الذي يجعل منّا أبناء الله، بواسطة المياه التي تصبح بقوَّته حشًا جديدًا يلد البنين الروحانيّين.

والجديد في تدخُّل الروح يشير إليه التعارض بين الجسد (أو اللحم والدم، أي ما في الإنسان من ضعف) والروح. فالوظيفة الأساسيّة للروح تقوم بأن تقود المؤمن إلى الحقّ. أمّا »الجسد« فيمثِّل الإنسان في طبيعته البشريّة. هو لا يستطيع في ذاته أن يحكم على الأمور. وإن حكم ظلَّ سجين معايير وضعها أمامه فانغلق على وحي الله. هنا نفهم المقابلة بين آ2 حيث قال نيقوديمس: »نحن نعرف«، وبين آ10 حيث قال له يسوع: »أنت لا تعرف«. فإذا أراد الإنسان أن يصير ابن الله، عليه أن يتخلّى عن يقين الجسد وما فيه من ظواهر، وينفتح على صوت الروح. عند ذاك يصبح المؤمن الذي وُلد من فوق، أن يتوجَّه نحو ملكوت الله بعد أن حملته نسمةُ الروح القدس.

وهكذا دلَّ 3: 3-8 الذي هو قلب الحوار مع نيقوديمس، على الدور الخلاَّق الذي يلعبه الروح في المعموديّة. كما قدَّم الحياة المسيحيَّة كلَّها على أنَّها مسيرة نحو الملكوت بفعل الروح. وهذا يتمُّ لأنَّ ابن الإنسان المرفوع على الصليب سيمنح روحه لجميع الذين يؤمنون به (7: 39). فلا يبقى لهم إلاّ الانفتاح لينالوا هذا الروح لا في لحظة عابرة، بل كرفيق في حياتهم كلِّها. وهذا ما يوجِّهنا إلى الكلام عن البارقليط الذي يسير بنا إلى الحقِّ كلِّه.

 

2- مواعيد البارقليط

قال يسوع في خطبة الوداع: »وسأطلب من الآب أن يعطيكم بارقليطًا آخر يبقى معكم إلى الأبد، روح الحقِّ الذي لا يقدر العالم أن يقبله« (14: 16-17). وقال: »البارقليط، الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، هو يعلِّمكم كلَّ شيء ويذكِّركم بكلِّ ما قلته لكم« (14: 26).

ما معنى لفظة »بارقليط«؟ المحامي. ذاك الذي يتدخَّل من أجل آخر. هو يتوسَّط من أجل ضعيف ومحتاج، كما يكون المتشفِّع. وإذا عدنا إلى العهد القديم، نرى أنَّ الفعل يرتبط بتحريض يحمله الأنبياء، بتشجيع نأخذه من الكتب المقدَّسة (روم 15: 4). مثلاً، نقرأ في أش 40: 1: »عزّوا، عزّوا شعبي«. لسنا أمام تعزية على مستوى العاطفة، بل أمام تحريض قويٍّ يدعونا إلى أن نؤمن ببشرى الخلاص وأن نسير في طريق تقودنا إلى أورشليم. من أجل هذا، حين نقول إنَّ البارقليط يعني المعزّي فيجب أن نزيد المشجِّع، ذاك الذي يدفعنا إلى الأمام من أجل الإنجيل على طرقات العالم.

قدَّم الإنجيل الرابع البارقليط على أنَّه روح الحقّ. عملهُ هو امتداد لعمل يسوع على الأرض. »هو يعلِّمكم وهو يذكِّركم« (14: 26). ذاك هو دوره في حياة الكنيسة. دور التعليم والتذكير. هو يقودنا إلى الحقِّ كلِّه (16: 13). هو يشهد ويدعونا إلى الشهادة فيوبِّخ، أو بالأحرى، يُفحم العالم على الخطيئة والبرِّ والدينونة. يلعب دور القاضي والديّان. ظنَّ العالم حين حكم على يسوع أنَّه كان على حقّ، وكأنَّ يسوع، لا سمح الله، كان »كاذبًا«. تدخَّل الروح فدفع التلاميذ للشهادة. تدخَّل فقلب الموازين كلَّها. دلَّ على أنَّ المسيح مُجِّد فأظهر خطيئة العالم والحكم على »سيِّد العالم« أي إبليس.

خطيئةُ العالم تقوم بأنَّهم لم يؤمنوا بيسوع. هذا ما يدلُّ عليه الروح فيدعو إلى الإيمان الذي يعني في إنجيل يوحنّا العودة إلى التوبة. خطيئة العالم تقوم بأنَّهم اعتقدوا يسوع مضلِلاً. سيبيِّن الروح الحقيقة كلَّها. وعلى مستوى الدينونة، يسوع بريء وهو لا يُدان. ولكنَّ سيِّد هذا العالم يُدان ويُحكم عليه. هذا ما يقوم به الروح من أجل المسيح في إطار الشهادة التي يشهدها هو ويدعونا إلى أن نحملها بدورنا.

ومع التعليم الذي يحمله الروح، هناك التذكُّر. لا تذكُّر أحداث ماضية وحسب، بل تفهُّمٌ رفيعٌ يرتبط بتمجيد الابن. فبعد القيامة استطاع التلاميذ أن يدركوا المعنى التامّ لكلام يسوع ولأحداث حياته. مثلاً، حين طرد الباعة من الهيكل، سينتظر التلاميذ القيامة ليفهموا أنَّه كان يتكلَّم عن جسده (2: 22). والوعد بالمياه الحيّة (7: 39) سيُفهَم على ضوء تمجيد يسوع. وكذلك الدخول إلى أورشليم (12: 16): »ما فهم التلاميذ في ذلك الوقت معنى هذا كلِّه. ولكنَّهم تذكَّروا، بعدما تمجَّد يسوع، أنَّ هذه الآية وردت لتخبر عنه«. فالتذكُّر الذي ينيره الروح القدس، روح الحقّ، يربط في حزمة واحدة الوعد الذي يحمله العهد القديم، وزمن يسوع، وآنيّة هذا الزمن لحياة الكنيسة.

وأخيرًا هناك الشهادة التي هي عمل الروح. فالشاهد ليس »مسجِّلة«، ليس آلة تعيد بالضبط ما سمعتْ بشكل حرفيّ. الشاهد هو شخص يلتزم في خدمة الحقِّ ويفسِّر التفسير الصحيح ما سمعه ورآه. مَنْ يساعده على القيام بهذا الدور العظيم؟ الروح القدس. مثلاً، عند الصليب طُعن يسوع »بحربة في جنبه، فخرج منه دم وماء. والذي رأى شهد، وشهادته صحيحة، وهو يعرف أنَّه يقول الحقَّ لتؤمنوا« (19: 34-35). وستدلُّ رسالة يوحنّا الأولى على يسوع الذي جاء بماء ودم. ومَنْ يشهد بذلك؟ »الروح الذي يشهد، لأنَّ الروح هو الحقّ« (1يو 5: 6).

 

3- الروح الذي أُعطي لنا

وهكذا نصل إلى رسالة يوحنّا الأولى التي هي امتداد للإنجيل الرابع وتوضيح لبعض تعابيره التي لم تفهمها الجماعة: »إذا زعمنا أنّنا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا وما كان الحقُّ فينا. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا...« (1: 8-9). هذه الرسالة هي دعوة للاستماع إلى الروح. فنحن لا نستطيع أن نفهم الإنجيل كما نشاء. ولا نستطيع أن نعيش الإنجيل كما يروق لنا. قد تسحرنا كلمات خدَّاعة تشبه ما في الإنجيل. مَنْ يعلِّمنا الفهم الحقيقيّ والعيش الحقيقيّ والتمييز؟ الروح القدس. ويكون عمل المسؤولين في الجماعات امتدادًا لعمله في التذكير بالكلمة التي تسلَّموها وتعلَّموها منذ البدء. هم يهتمُّون بأن يكتشفوا على مستوى الكنيسة ما تعني الحياة بحسب الروح الذي أُعطي لنا.

في رسالة يوحنّا الأولى إشارات قليلة إلى الروح، أمّا نحن فنقرأ 3: 24-4: 6، فنكتشف فيه: تمييز الأرواح، الاعتراف بالمسيح في عبارة إيمانيّة، والتعرُّف إلى الحياة في روح المحبَّة بحسب الله.

هناك روح وروح. فمن أيِّ روح نحن؟ أمامنا الأنبياء الكذبة الذين يجب أن نميِّزهم: كيف نعرفهم؟ مَن يعترف بأنَّ يسوع جاء في الجسد هو من الله. ومَن لا يعترف ليس من الله. وهكذا يعمل الروح عمله ليساعد المؤمن على الولوج في شخص يسوع المسيح: ذاك الذي صار بشرًا وسكن فينا. ذاك الذي تمجَّد بقيامته من بين الأموات. تلك هي الأمانة المطلوبة منّا ومن كنائسنا.

فتعليم الإنجيل والاعتراف بالمسيح ليسا متروكَين لنزوات كلِّ واحد منّا. فهناك قاعدة الإيمان التي لا تقبل بكلِّ »اعترافات« الإيمان التي يعلنها هذا أو ذاك. فالاعتراف بالمسيح الذي جاء في الجسد هو الأساس الذي لا يُستغنى عنه. فبدونه ليس من إيمان مسيحيّ. ولكن ماذا يعني أن نعترف بالمسيح الذي جاء في الجسد؟ كيف نتعرَّف إلى عمل روح الحقّ؟ قد نعتبر أنَّنا على مستوى الكلام واللفظ الرنّان. لا، فالتعلُّق بالمسيح هو أبعد من عدد من العبارات. لا تكون محبَّتنا بالقول والكلام، بل بالعمل والحقّ. ونعلن تعلُّقَنا بالله لا بالعالم. فالعالم هو الرفض واللاإيمان. كما نعلن انفصالنا »عنهم«، عن الأنبياء الكذبة. وحين نسمع تعليم الكنيسة نعرف الله. نكون من الله.

أجل، المسيحيّون هم من الله. ذاك هو تأكيد أساسيّ. فالمسيح انتصر انتصارًا نهائيٌّا (4: 4). وروح الله أُعطي لنا (3: 24-4: 13). ولكنّ الانتماء إلى الله لم يتمَّ بعد. فيحب أن نعرف الروح. هذا يعني التزامًا يوافق الروح الذي نلناه. ويعني بشكل ملموس أنَّ حبَّ المسيح هو فينا، وهو يدعونا إلى أن نحبَّ الله ينبوع كلِّ حبّ، وأن نحبَّ الإخوة، لأنَّ محبَّتنا لهم تدلُّ على أنَّ محبَّتنا لله صادقة ولا غشَّ فيها.

 

خاتمة

وننهي هذه الإطلالة على الإنجيل الرابع والرسالة الأولى إلى يوحنا مع ما يقوله الروح إلى الكنائس في سفر الرؤيا. هذا الروح المسبَّع العطايا يُرسل التعليمَ إلى الجماعات الكنسيّة: حين تقرأ الكتب المقدَّسة تكتشف التنبيه والتحذير، كما تكتشف المواعيد التي تدفعها إلى العمل. ثمَّ إنَّ الروح هو روح المسيح الحيّ. والمسيح ما زال بروحه يتوجَّه بعد القيامة إلى المؤمنين والجماعات. فإن ساروا على هدي هذا الروح، وسمعوا التعليم، استحقُّوا الإكليل، وأصعدوا في النهاية صلاة تستطيع أن تنشدها كلُّ جماعة من جماعاتنا: »يقول الروح والعروس: تعال. مَنْ سمع فليقل: تعال. آمين، تعال أيُّها الربُّ يسوع« (رؤ 22: 17-20).