روح الانسان روح الله

 

الروح كلمة متعدِّدة المعاني، وإن هي تميَّزت في العربيّة بين الروح والريح، فهي في العبريّة لفظة واحدة تعني من جهة الريح والنسمة، وتعني من جهة ثانية الروح الذي يعمل في الإنسان، كما تعني روح الله.

 

1- روح الإنسان

حين نقرأ إنجيل يوحنّا في حوار يسوع مع نيقوديمس، يقول الربُّ لذاك المعلِّم الذي جاءه ليلاً: الريح تهبُّ حيث تشاء. أنت تعرف صوتها ولكنَّك لا تعرف من أين جاءت ولا إلى أين تذهب. هكذا كلُّ مولود من الروح. أجل، في الريح سرّ: تكون عنيفة فتدمِّر البيوت وتقتلع الأشجار. وتكون نسيمًا عليلاً. تكون حارّة فتجفُّ الأرض، تكون رطبة فتحمل غيومًا يرافقها الماء الذي ينعش الإنسان ويعيد الحياة على الأرض.

والريح نسمة في قلب الإنسان. وضعها الله فيه فصار روحًا حيّة. وحين يأخذها منه يفقد الانسان الحياة. هذا ما يقوله مزمور 104: ترسل روحك فيخلقون وتجدِّد وجه الأرض.

هذا الروح في الإنسان لا يقف عند مستوى التنفُّس، بل يصل إلى أعماق النفس والعواطف والشعور. فكأنّي به جزء من جسم الإنسان. يخاف الإنسان فيتبلبل روحه، كما حدث لفرعون حين جاءته تلك الأحلام (تك 41: 8). يغضب فيبدو غضبه كالريح التي تعصف (قض 8: 3). يفرح فتنتعش روحه (تك 45: 27)، يحزن فتذهب روحه منه.

ذاك هو الروح. إنَّه تعبير عن الوجدان البشريّ وهو ملتصق التصاقًا كبيرًا بروح الله، بحيث لا نستطيع بعض المرّات أن نميِّز ما هو للإنسان وما هو لله. والأمر واضح حين نقرأ رسالة بولس الأولى إلى كورنتوس، فلا نعود نميِّز معنى لفظة »بنفما« اليونانيّة. أهي تدلُّ على روح الإنسان أم على روح الله في الإنسان؟

هذا الروح هو قوَّة تدخل قلب الإنسان بحيث يحسُّ أنَّ آخرَ يحمله. يكون روح خير، وفي النهاية روح الله. ويكون روح شرٍّ وفساد. روح حسد كذلك الذي حلَّ في شاول الملك، فحاول أن يقتل داود أكثر من مرَّة، أو روح غيرة، أو روح بغض جعل التباعد واضحًا بين أبيملك وأهل شكيم (قض 9: 23). وما نلاحظه في هذا النصّ وغيره، هو أنَّ الكتاب يجعل الله أصل كلِّ روح فينا، سواء كان روح الشرّ أو روح الخير. لاشكَّ في أنّنا هنا أمام نظرة لاهوتيّة تعتبر أنَّ الله يسيِّر التاريخ ويوجِّه الأشخاص في كلِّ أمورهم. ولكن لا ننسَ ونحن نقرأ هذه النصوص، أنَّ الكاتب يتوقَّف عند الله الذي يوجِّه كلَّ شيء لخير الذين يحبُّونه. أمّا الشرُّ بما فيه من حسد وبغض وضغينة وحقد، فهو من عمل الإنسان.

ولكن سيكون تحوُّل حتّى في العهد القديم، يجعل الشرَّ الذي في قلب الإنسان نتيجة عمل روح الشرِّ الذي هو الشيطان. والأمر واضح في خبر داود الذي يريد أن يحصي شعبه، مع أنَّه لا يحقُّ له ذلك. فالله وحده هو الملك في إسرائيل وهو وحده يعرف شعبه. أمّا داود فهو قائم مقام الله. فكيف يتعدَّى على صلاحيّات الله؟ قال سفر صموئيل الثاني إنَّ الربَّ أغوى داود ليُحصي الشعب. أمّا سفر الأخبار الأوَّل فنسب هذه الغواية إلى الشيطان »الذي أثار داود أن يحصي إسرائيل« (21: 1).

في الواقع، قال يسوع إنَّ الشرَّ لا يأتي من خارج الإنسان، بل من داخله. »ما يخرج من الإنسان هو الذي يدنِّس الإنسان« (مر 7: 15). والله حين يعمل فينا، فهو يعمل من الداخل بواسطة روحه. وهكذا نصل إلى دور روح الله في حياة شعبه وفي حياة الأفراد.

2- روح الله

لم يظهر روح الله في العهد القديم كشخص حيٍّ كما في العهد الجديد، حيث هو روح الآب والابن، حيث يُسجد له مع الآب والابن. بل هو قوَّة إلهيّة تحوِّل الشخص البشريّ فتجعله قادرًا على القيام بأعمال خارقة. والإنسان يعمل هذه الأعمال لا من أجل ذاته، بل ليخلِّص شعبه، لكي يثبِّتهم في دعوتهم، ليذكِّرهم بعهدهم مع الله، ليردَّهم إلى الله إن هم حادوا عنه بخطاياهم وخياناتهم. هذا الروح الذي يأتي من الله، يكرِّس الشعب لله ويقدِّسه لأنَّه شعب خاصٌّ بالربّ. هو يعمل وهو يوحي. وهذا العمل وهذا الوحي ينكشفان في ثلاثة خطوط: خطِّ الخلاص مع الله المسيح المنتظر. خطّ الكلمة والشهادة في إطار العمل النبويّ. خطّ التكريس والخدمة الذي يوضح دعوة شعب الله وكلِّ فرد في إطار الأرض المقدَّسة، بل في إطار العالم كلِّه.

 

أ- خط الخلاص

في الخطِّ الأوَّل نجد القضاة والملوك. القضاة ليسوا فقط أولئك الذين يعملون في المحاكم، بل هم الذين يهتمُّون بأمور الناس ولاسيّما في الشدَّة والضيق. هم يحملون الخلاص. هذا ما فعله جدعون حين حارب المديانيّين. ويفتاح حين نجّى شعبه من ضيق العمّونيّين... من يدعو هؤلاء القضاة؟ روح الله. من يحرِّكهم ويُدخلهم إلى العمل؟ روح الله. إنَّ الروح، كما يقول النصّ »ينقضُّ« على الإنسان كالنسر على فريسته (قض 14: 6). يمسكه. وقبل أن يرسله، »يلبسه« وكأنَّه سلاح بيده (قض 6: 34). هي صور خارجيّة لعمل الروح الداخليّ الذي يمنح »القاضي« شخصيّة جديدة فتقوم بالرسالة الموكولة إليها. وهكذا يتابع الروح عمل التحرير الذي بدأ مع زمن الخروج وسوف يتواصل. لا من أجل تحرير جسديّ فقط، بل من أجل تحرير روحيّ. فالمؤمن لا يخاف فقط ممَّن يقتل الجسد، بل ممَّن يُهلك النفس والجسد في جهنَّم.

عمل القضاةُ في خلاص الشعب في وقت محدَّد. تنتهي مهمَّتهم فيعودون إلى أعمالهم العاديّة. أمّا الملوك فيُمسَحون بالزيت ويكرَّسون، فيجعلهم الله مُلكه، ويطبعهم الروح بطابع لا يمَّحى، ويُلبسهم مهابة قدسيّة بحيث لا يحقُّ لأحد أن يرفع يده على الملك الذي هو »مسيح الربّ« (1صم 1: 10؛ 13: 16)، الذي هو ممثِّل الربّ.

في هذا المجال يتوسَّع النبيّ أشعيا في الكلام عن عمل الروح في هؤلاء الملوك. فيقول: »يستقرُّ عليه روح الربّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح العلم والتقوى« (أش 11: 2). وحين ينال الملك ملء الروح، يستطيع أن يعيش في مخافة الربّ. يتعلَّم أن يحكم لا بحسب سماع أذنيه، والحاشية تُسمعه ما يريد أن يسمع، وتعطيه صورة خاطئة عن الوضع في البلاد. يتعلَّم أن يقضي للمساكين بالعدل، وبائسي الأرض بالإنصاف. في هذا الخطّ نتطلَّع إلى أبعد من ملك مُسح بالزيت المقدَّس فصار »الملك المسيح«، بل نتطلَّع إلى ذاك الذي يستشفُّه النبيّ في البعيد والذي نرى فيه شخص يسوع المسيح الذي هو ملك وإن لم تكن مملكته من هذا العالم. قال أشعيا باسم هذا المسيح: »روح السيِّد الربّ عليّ: مسحني (بالزيت المقدَّس) لأبشِّر المساكين، وأرسلني لأجبر المنكسري القلوب. أرسلني من أجل المسبيّين، من أجل المأسورين، من أجل النائحين والباكين«، بعد الدمار الجسديّ والروحيّ الذي حلَّ بهم (أش 61: 1-4).

 

ب- خطّ الكلمة والشهادة

ذاك هو عمل الروح في القضاة والأنبياء من أجل خلاص الشعب. والروح يعمل في الأنبياء الذين يحملون الكلمة ويؤدّون الشهادة. بعد عبور البحر الأحمر، أنشدت مريم أخت موسى: »سبّحوا الربَّ العظيم المجيد« (مز 15: 20). وخلال مسيرة البرّيّة، حلَّ روح الربِّ على الشيوخ السبعين الذين يهتمُّون بأمور الشعب، فأخذوا يتنبَّأون، أي يتكلَّمون باسم الله. يُظهرون أسرار الله في قلب كلِّ إنسان. بل تمنّى موسى أن يجعل الربُّ روحَه على شعبه كلِّه فقال: »ليت جميعَ أمَّة الربّ أنبياء« (عد 11: 25-29).

هذا الروح دفع النبيّ عاموس لأن يتنبَّأ (3: 8). روى أنه كان يعمل في الحقول والمراعي، ولكنَّ الربَّ أخذه وأرسله: »انطلق وتنبَّأ« (7: 14). هذا الروح هو الذي »خدع« إرميا، أخذه بالحيلة، فما استطاع أن يفلت. هذا الروح هو نار محرقة حُبست في عظامه، فلا يستطيع أن يقاومها (إر 20: 7-9). هو لا يريد أن يتكلَّم ومع ذلك فهو يتكلَّم. فالروح حمَّل الأنبياء كلام الله، فهل يستطيعون أن لا ينادوا به (زك 7: 12)؟

 

ج- خطّ التكريس والخدمة

ولا يعمل الروح فقط على مستوى القضاة والملوك. ولا يعمل فقط على مستوى الأنبياء، بل يعمل في كلِّ شعب الله، في كلِّ جماعاته، فيكون المؤمنون »أنبياء يجعل الربُّ روحَه عليهم« (عد 11: 29). أجل أفيض الروح على الشعب كلِّه كما المطر على الأرض العطشى. فوُلدت الحياة. قال أشعيا: »يفاض علينا الروح من العلاء، فتصير الصحراء جنَّة مثمرة« (32: 15). وفي 44: 3، قال الربّ: »أفيض المياه على الظمآن والسيول على الأرض اليابسة (لا يصل إليها المطر من زمان بعيد). أفيض روحي على ذرِّيَّتك، وبركتي على نسلك«. وأنشد حزقيال لهذا الشعب الذي صار قريبًا من الموت بعد أن عرف دمار الجسد والصحّة في المنفى، ودمار الروح من خلال اليأس الذي سيطر على الناس فاعتبروا نفوسهم عظامًا يابسة لا تنفع شيئًا (ف 37). لهؤلاء قال حز 36: 25-26: »أرشُّ عليكم ماءً طاهرًا (كما في معموديّة)، فتطهَّرون. من جميع نجاستكم أطهِّركم ومن جميع أصنامكم. أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا. أنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبًا من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في رسومي وتحفظون أحكامي وتعملون بها«.

هكذا يحرِّك الروح الشعب من أجل حياة تسير في خطِّ الأمانة لله والعمل بوصاياه. مثل هذه الحياة لا يمكن إلاّ أن تكون شهادة. وجميع المؤمنين مدعوّون إليها، لأنَّهم جميعهم أنبياء كما قال عنهم المجمع الفاتيكانيّ الثاني. وهذا الكلام إنّما هو صدى لما قاله النبيّ يوئيل: »أفيض روحي على كلِّ البشر، فيتنبَّأ (يتكلَّمون باسم الربّ) بنوكم وبناتكم، ويرى شبّانكم رؤى (أي يظهر الربُّ لهم ويكلِّمهم في أعماقهم)، ويحلم شيوخكم أحلامًا (فالربُّ يتكلَّم في صمت الله وسرِّه) وعلى عبيدي وإمائي (لا فرق بين عبد وحرّ، بين رجل وامرأة) أفيض روحي في تلك الأيّام« (يوء 3: 1-2).

خاتمة

ذاك هو روح الإنسان الذي هو عطيّة للإنسان ترفعه فوق عالم الحيوان. الحيوان جسد ونفس بمعنى أنَّه جسد فيه حياة وإحساس ونموّ وجوع وعطش. أمّا الإنسان فجسد ونفس وروح كما يقول بولس الرسول. فروح الإنسان هو »قبس« من روح الله. فالروح الذي فينا هو امتداد لروح الله الذي هو في العالم. ظهر عمله منذ البدء حين حلّ على المياه (تك 1: 2) فأخرج منها كلَّ حي. وروح الله هذا يعطينا حرِّيّة لننمو وننمِّي الآخرين وننمِّي العالم. ومع ذلك فعمله السرّيّ يبقى حاضرًا كالمطر على الأرض، لا يعود إلاّ وهو يحمل ثمارًا (أش 55: 10-11). مع هذا الروح تجاوب القضاة والملوك والأنبياء، بل تجاوب شعب الله كلُّه في عمل الخلاص، في حمل كلمة وشهادة، في خدمة تؤدّيها جماعة مكرَّسة من أجل تقديس العالم. فأين نحن من هذه المسيرة؟ ويا ليتنا نفتح قلوبنا فيحلُّ الروح فينا وبنا يصنع، كما قال يوئيل النبيّ، »عجائب في السماء وعلى الأرض« (3: 3).