سفر الأعمال كتاب الروح القدس

 

حين نقرأ العهد القديم، نكتشف وجه الله، أي ذاك القدير، في أكثر من اسم. هو الذي هو، هو العليّ والقدير والرحيم. إله الجبال ولاسيّما سيناء وأورشليم مع التلّة المقدَّسة »صيون« أي المصونة، يعمل بروحه منذ بداية الخلق، كما بكلمته. قال فكان كلُّ شيء. قال: ليكن نور فكان نور. وحضرت معه حكمتهُ التي بدت شخصًا حيٌّا تعينه في عمل الخلق وترافق الشعب لكي يبقى أمينًا لإلهه. سوف يرى العهد الجديد صورًا بعيدة عن الآب والابن والروح القدس. ولكن يبقى التشديد بارزًا على الله الواحد.

غير أنّنا نعرف مع يسوع عن الآب الذي ندعوه أبانا. أرسل ابنه إلى العالم لكي لا يهلك أحد، بل تكون له الحياة الأبديّة. والابن بدوره أرسل الروح من لدن الآب، بحيث إنَّ الخلاص هو عمل الثالوث، والتدبير الذي فيه يدبِّر الله تاريخ البشر، هو عمل الآب والابن والروح القدُّوس. قيل في وقت من الأوقات، العهد القديم هو كتاب الآب. الإنجيل هو كتاب الابن. أعمال الرسل هو كتاب الروح. نستطيع أن نقبل بهذا القول بشكل جزئيّ على أنَّ الآب هو مصدر كلِّ وجود. عمل بالإبن فأتمّ بالروح.

في هذا الإطار نودُّ أن نقرأ سفر الأعمال. يمكن أن نعطيه عنوانًا أوَّلاً: مسيرة الكلمة (الإنجيل) من أورشليم إلى رومة. وقيل: هو دفاع عن بولس تجاه الذين أرادوا أن يوقفوا مسيرة الكنيسة نحو الوثنيّين... أمّا نحن فنقرأ عمل الروح الذي يقود الكنيسة من الشرق إلى الغرب، من أورشليم والسامرة إلى أنطاكية ورومة؛ من العالم اليهوديّ إلى العالم الوثنيّ، من شعب واحد إلى جميع شعوب الأرض.

 

1- من الشرق إلى الغرب

بحسب إنجيل لوقا، لا تنطلق الرسالة والتلاميذ يكونون وحدهم. قال لهم يسوع: »سأرسل إليكم ما وعدَ به أبي. فأقيموا في أورشليم إلى أن تحلَّ عليكم القوّة من العلى« (لو 24: 49). نعم يجب أن ينتظروا الروح القدس. وهذا ما فعلوا بعد أن باركهم يسوع (آ50-51)، فلبثوا عشرة أيّام في »الصلاة، بقلب واحد مع بعض النساء ومريم أمّ يسوع وإخوته« (أع 1: 14).

وحلَّ الروح يوم العنصرة، يوم الاجتماع المفرح. »كانوا مجتمعين كلُّهم«. الروح روح الجماعة قبل أن يكون روح كلِّ واحد منّا. ونكون معًا. وإذا تفرَّقنا، عمل الروح لكي يجمعنا »فنلتقي بقلب واحد« (2: 66). جاء الروح من السماء. هو روح الآب والابن. قال عنه يوحنّا: انبثق من الآب. صدر عن الآب. وأرسله الابن. هو الحبّ الجامع بين الآب والابن. هو روح وهو ريح. واللفظة واحدة في اللغات القديمة. الريح هواء. لا نراها. ولكن حين تصبح ريحًا عاصفة، نرى أثرها حين تمرّ فتقتلع كلَّ شيء في طريقها. حتّى الأشخاص كما حصل لإيليّا وهو في الصحراء مع أليشاع.

كان التلاميذ في الداخل. الأبواب مغلقة، مقفلة. لا يدخل إليهم أحد، سوى المسيح بعد القيامة. ولكن لماذا هذا الخوف؟ لماذا هذا الانغلاق؟ جاء الروح. جاءت الريح العاصفة، فطارت الأبواب والنوافذ. وصار الرسل »معرَّضين« للخارج بدون حماية بشريّة. ولكن أيحتاجون بعدُ إلى حماية والروح حلَّ عليهم، نزل على كلِّ واحد منهم؟ صوَّروه في الإيقونات بشكل »لسان كأنَّه من نار« (2: 3). فمن يجرؤ أن يقترب من هذه النار المحرقة؟

يوم الخمسين نال التلاميذ الروح. عرفوه »لأنَّه يقيم معهم، يكون فيهم« (يو 14: 17). هذا يعني أنّهم انفصلوا عن العالم بما فيه من رفض للإنجيل. فهذا العالم، عالم الكذب، لا يقدر أن يعرف »روح الحقّ«. وعد يسوع التلاميذ بأنه لا يتركهم يتامى، بل يرسل إليهم الروح، فقال: »صدِّقوني، من الخير لكم أن أذهب. وإن كنتُ لا أذهب لا يجيئكم البارقليط، المعزّي. أمّا إذا ذهبتُ فأرسله إليكم« (يو 16: 7).

هذا الروح أشعل التلاميذ، فصار كلامُهم كلامَ الربّ، وخطابهم امتدادًا لخطاب يسوع. وكذلك أعمالهم وحياتهم كلُّها. عملوا المعجزات مثل يسوع. ومضوا إلى الموت على مثال يسوع. بطرسُ وُضع في السجن فبدا كالمسيح في قبره. قام المسيح ومثله »قام« بطرس »وذهب إلى مكان آخر« (12: 17). وصعود بولس إلى أورشليم بدا مثل صعود يسوع في محطّات ثلاث.

حلّ الروح فتبدَّل التلاميذ بحيث حسبهم الحاضرون »سكارى« (2: 13). نعم. سكروا لا من خمر بشريّة، بل من خمر روحيّة. الروح فعل فيهم، وبدأ بطرس حالاً في عمل البشارة: »أيّها اليهود، ويا جميع القائمين في أورشليم. أصغوا إلى كلامي« (آ14). ما بقي بطرس في أورشليم. ولا سائر الرسل. وروى التقليد أنَّهم مضوا فوصلوا »إلى أقاصي الأرض« (1: 8)، شهودًا للربّ (أش 43: 10). وسمعوا نشيد أشعيا: »ما أجمل على الجبال، أقدام المبشِّرين المنادين على مسامعنا بالسلام، الحاملين بشارة الخير والخلاص« (52: 7). انطلقوا من الشرق فوصلوا إلى الغرب. كيف كان هذا؟

هنا نقرأ أع 2: 9-11:

9 نحن من برتية وماداي وعيلام وما بين النهرين

واليهوديّة

وكبادوكية وبنطس وآسية

10 وفريجية وبمفيلية

رومانيّون مقيمون هنا

11 وكريتيُّون وعرب

يهود ودخلاء،

نسمعهم يتكلَّمون بلغاتنا

على أعمال الله العظيمة.

في قراءة حرفيّة، نعتبر أنَّ الذين أتوا إلى العيد من اليهود، جاؤوا من كلِّ هذه الأماكن، البعيدة منها والقريبة لينالوا السلام والشفاء (أش 57: 19). ولكن لماذا جُعلت »اليهوديّة« بعاصمتها أورشليم مع هذه البلدان؟ إذًا، نحن نقرأ هذه الآيات على ضوء تاريخ الكنيسة كما دوَّنه لوقا سنة 85 ب.م. قام بالأبحاث اللازمة، على ما قال في بداية إنجيله (1: 3: تتبَّعت كلَّ شيء من أصوله بتدقيق)، فرأى مسيحيّين منتشرين في الشرق وفي الغرب. اليونان في كريت حيث كان تيطس أسقفًا بعد موت الرسول (تي 1: 5). والعرب الذين أقاموا في حوران من أعمال سورية وصولاً إلى الأردنّ جنوبًا، باتِّجاه الشرق وشبه الجزيرة العربيّة. إلى هناك مضى بولس بعد اهتدائه وهو على طريق دمشق. وقضى مع المؤمنين ثلاث سنوات يتعرَّف إلى المسيح (غل 1: 17-18).

ووصلت البشارة إلى الرومان الذين كانوا في حوض البحر المتوسِّط. وفي النهاية إلى رومة حيث وصل بولس مقيَّدًا من أجل المسيح، ولكن دون أن يتوقَّف عن حمل الإنجيل وهو في سجنه. قال عنه سفر الأعمال: »وأقام بولس سنتين كاملتين... يرحِّب بكلِّ من يأتي إليه، فيبشِّر بملكوت الله، معلنًا بكلِّ جرأة وحرّيّة، تعليمه في الربِّ يسوع« (28: 30-31). وما اقتصرت البشارة على اليهود، بل وصلت إلى الدخلاء، إلى أولئك الوثنيّين الذين دخلوا إلى عالم الكتاب المقدَّس، سواء خُتنوا أو رفضوا الختان. يكفي أنَّهم عرفوا مخافة الربّ (2: 11؛ 13: 43). في هذا قال أش 41: 5: »رأت الجزر (البعيدة، سواحل البحر) ما عملتُ، فخافت خوفًا شديدًا. وارتعدت الأرض بكاملها، فاقتربت وأقبلتْ إليّ«.

هذا ما فعلت الشعوب بالنسبة إلى الإنجيل بعد أن وصل الرسل إليها. البرتيّون يرتبطون بالفرات حيث أقاموا بعد أن أتوا من أسية الوسطى. وماداي شاركت الفرس في احتلال بابل. عيلام هي المنطقة العالية، هضاب إيران الحاليّة. وتجد امتدادها في بلاد الرافدين، بين دجلة والفرات. وبعد وقفة في اليهوديّة من حيث انطلقت البشارة، بدفع من الروح القدس، توجَّهت إلى نواحي تركيّا الحاليّة، فوصلت إلى البحر الأسود والبنطس الذي هو جسر يربط أوروبّا بآسية، موطن هيرودس وأكيلا أحد مترجمي العهد القديم، كما إلى البحر المتوسّط مع مقاطعة آسية بعاصمتها أفسس. ثمّ راح الإنجيل إلى مصر فوصل إلى ليبية التي كانت توجز في ذلك الزمان قسمًا من أفريقيا الشماليّة، مع قيرين (قيروان تونس) التي ضمَّت جماعة يهوديّة كبيرة.

ونطرح السؤال: ما الذي جعل الرسالة تنتشر بهذه السرعة؟ جواب واحد. الروح القدس. أعطى روحًا جديدًا لهؤلاء الذين اعتُبروا أميّين، الذين كانوا صيّادي سمك ومن الطبقات المتوسِّطة التي لم تخرج من فلسطين. وما توقَّف هذا الروح اليوم في بلدان تطلب المسيح، سواء في أفريقيا أو آسية. نذكر مثلاً السودان وما يجاوره من بلدان. وفي آسية، نذكر بشكل خاصّ كوريا الجنوبيّة. ثمّ الصين بالرغم من الصعوبات التي يلاقيها الإنجيل. الروح هو هنا. من الشرق إلى الغرب. ومن الشمال إلى الجنوب. يجب أن تعمّ البشارة الأرض كلَّها، وحينئذٍ يكون الانتهاء (مت 24: 14).

 

2- من أورشليم والسامرة، إلى أنطاكية ورومة

بدأت الكنيسة في أورشليم. هناك ألقى بطرس عظته الأولى، فاعتمد في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس (2: 11). وفي مرحلة ثانية، اعتمد ألفان. فصار المؤمنون هناك خمسة آلاف. ظنَّ بعضهم أنَّ العدد توقَّف هنا وما زاد. ربّما بسبب الصعوبات. ولكن هل من صعوبة في وجه الروح الذي هو ريح عاصفة؟ سفر الأعمال يقول لنا: »وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يزداد كثيرًا في أورشليم. واستجاب للإيمان كثير من الكهنة« (6: 7). أمّا الرقم 5000، فهو يدلّ على الجماعة المسيحيّة التي تحلَّقت حول يسوع وأكلت معه الخبز وشبعت وتركت للآتين بعدها ما يكفيهم (مر 6: 42-44).

في أورشليم تجذَّرت الكنيسة. هناك أنهى يسوع رسالته العلنيّة على الأرض. هناك تألَّم وصُلب، ومات وقام. فقد قال لهم الربّ كيف يبدأون. لا مع الوثنيّين. ستصلهم البشارة في حينها وإن كانوا بعيدين. ولا مع السامريّين الذين تركوا أورشليم وجعلوا جبل جرزيم تجاه جبل صهيون مع الهيكل (مت 10: 4). فالخلاص ينطلق من اليهود (يو 4: 22) ومعهم يبدأ. ويواصل يسوع كلامه: »إذهبوا إلى الخراف الضالّة من بني إسرائيل« (مت 10: 6).

وعمل الرسل في أورشليم. وتمثَّلوا في شخص بطرس ويوحنّا. يقول أع 2: 14: »فوقف بطرس مع التلاميذ الأحد عشر. ورفع صوته وقال«. وماذا قال؟ تحدَّث عن فيض الروح على جميع الناس، لا على فئة من الفئات: البنون والبنات، الشبّان والشيوخ، العبيد والأحرار، الرجال والنساء (آ17-18). كلُّهم يتنبَّأون. كلُّهم يتكلَّمون باسم الربّ. من هنا تعلَّم بولس أن لا رجل ولا امرأة، لا عبد ولا حرّ، لا يهوديّ ولا يونانيّ، لا يونانيّ ولا بربريّ، »أنتم كلُّكم واحد في المسيح« (غل 3: 8).

وفي أورشليم عرفت الكنيسة الصعوبات والاضطهادات. فصلّت مز 2: 1-2 »بوحي من الروح القدس« (4: 25) الذي علَّمها كيف تطبِّقه على المسيح. »نعم، تحالف في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس وبنو إسرائيل والغرباء على فتاك القدّوس يسوع الذي جعلتَه مسيحًا« (آ27). وما أن انتهوا من الصلاة حتّى »اهتزَّ المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأوا كلُّهم من الروح القدس. فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة« (آ33). الروح خلقهم من جديد، وإذ خلقهم أعطاهم القوّة والشجاعة، فما عادوا يعرفون الخوف. بل لا يهابون السلطات وما تحمله من مضايقات. كيف بدا ذلك؟ »جلدوهم وأمروهم أن لا يتكلَّموا باسم يسوع وأطلقوهم« (5: 40). هل بكوا حالهم وتأسَّفوا لما حصل لهم؟ هل ندبوا حظَّهم لأنَّهم خسروا مالهم ومراكزهم؟ كلاّ. بل خرجوا »من المجلس فرحين، لأنّ الله وجدهم أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع« (آ14). شرفكبير أن يكونوا مثل يسوع الذي قال: بما أنَّهم اضطهدوني فسوف يضطهدونكم (يو 15: 20).

* * *

تجذَّرت الكنيسة في أورشليم وكادت تبقى هناك لولا عمل الروح فيها. بدأ التفسُّخ من الداخل. عنصر يونانيّ وعنصر عبرانيّ داخل الجماعة المسيحيّة الآتية من اليهود. هل نهمل العنصر اليونانيّ؟ كلاَّ ثمّ كلاَّ. فنؤمِّن له »رسلاً« يفهمون لغته وحضارته، ويوصلون إليه الإنجيل في قلب محيطه وعاداته. لهذا اختاروا السبعة. هم »خدّام« (شمامسة في المعنى الإنجيليّ، لا أولئك الذين يستعدّون لكي يصيروا كهنة) للعنصر اليونانيّ، كما كان الرسل للعنصر اليهوديّ. هذا ما قاله بولس لبطرس الرسول: »نتوجَّه نحن إلى الأمم وهم (بطرس، يعقوب، جماعة أورشليم) إلى اليهود« (غل 2: 9).

كان السبعة تجاه الاثني عشر. وأوَّلهم إسطفانس الذي قيل فيه: »رجل ممتلئ من الإيمان ومن الروح القدس«. هذا يعني خطّة جديدة وانطلاقة خارج أورشليم. كان الرسل يراعون الهيكل، ويشاركون إخوتهم اليهود في الصلاة (2: 46، 3: 1). أمّا إسطفانس فكان قاسيًا في كلامه عن الهيكل. »الله لا يسكن بيوتًا صنعتها الأيدي« (7: 48). واحتقر اليهود السامريّين (يو 4: 9)، أمّا فيلبّس فمضى إلى السامرة، دون أن يستأذن كنيسة أورشليم. »أصغت الجموع بقلب واحد إلى أقوال فيلبّس« (8: 6) الذي »بشِّرهم بكلام الله« (آ4). حينئذ انطلق بطرس ويوحنّا باسم كنيسة أورشليم. ولمّا وضعا الأيدي على هؤلاء المعتمدين الجدد »نالوا الروح القدس« (آ17). وبان عملُ الروح في السامرة، فرآه »سمعان الساحر« (آ18).

وهكذا امتدَّت الكنيسة في محطّة ثانية إلى السامرة. وكان قد سبقهم يسوع إلى هناك على ما نقرأ في إنجيل يوحنّا. جاء التلاميذ إليه بعد أن اشتروا طعامًا. قال لهم: »أما تقولون: بعد أربعة أشهر يجيء الحصاد« (يو 4: 35). وتابع يسوع: »أنا أرسلتكم لتحصدوا حقلاً ما تعبتم فيه. غيركم (= يسوع) تعب، وأنت تجنون ثمار تعبه« (آ38) وهكذا اعترف السامريّون بأنَّ المسيح »بالحقيقة هو ابن الله« (آ42).

* * *

هو الروح استفاد من موت إسطفانس. فأجبر الكنيسة على الخروج من أورشليم وحمْل البشارة، فوصلت إلى السامرة. ولكنَّها ما توقَّفت هناك، لأنَّ الروح ريح لا تهدأ. لهذا وصلت إلى أنطاكية. وما يلفت النظر هو أنَّ الروح لم يستعمل لمثل هذه الانطلاقة، الرسل الاثني عشر مع أنَّهم عاشوا ثلاث سنوات مع يسوع. ولا استعمل السبعة الذين اختارهم الرسل اختيارًا مباشرًا. بل اختار أناسًا عاديّين شتّتهم الاضطهاد« (11: 19). وأخذوا »يبشِّرون بكلام الله«. فبعد أن عرفوا المسيح، ما استطاعوا أن يسكتوا عمّا رأوا وسمعوا (4: 20).

بدأوا فحدَّثوا اليهود. حدّثوا الذين عرفوا شريعة موسى. وانطلقوا منها لكي يصلوا إلى المسيح. وهكذا بقيت الرسالة محصورة في »شيعة« اعتُبرت يهوديّة. مثل الفرّيسيّين والصادوقيّين. هناك حاجز لا يمكن عبوره. كيف يستطيع اليهوديّ أن يتحدَّث مع الوثنيّ ويأكل معه؟ »هم غرباء عن عهود الله ووعده، لا رجاء لهم ولا إله في هذا العالم« (أف 2: 12). كادت الكنيسة تنسى أنَّ المسيح »هدم الحاجز« (آ14). فما عاد هناك بعيدون وقريبون. كلُّهم »صاروا قريبين بدم المسيح« (آ13).

ودفع الروح مؤمنين من قبرص وقيرين »فأخذوا يخاطبون الناطقين باللغة اليونانيّة أيضًا، ويبشِّرونهم بالربّ يسوع. وكانت يد الربِّ معهم. فآمن منهم كثيرون واهتدوا إلى الربّ« (أع 11: 20-21). طار النظام، ضاع الترتيب. أين الختان والانتماء إلى الشعب الأوّل؟ ماذا يفعل هؤلاء، وهل استأذنوا السلطة ليفعلوا ما فعلوا؟ أين أنتِ يا كنيسة أورشليم لا تفعلين شيئًا؟ أين بطرس ويوحنّا؟ ما ذهبا إلى أنطاكية، لأنَّ المحيط ليس محيطهما. بل »أرسلا برنابا« (آ22). هو يهوديّ بإيمانه ويونانيّ بحضارته بعد أن وُلد في قبرص، كما بولس في طرسوس.

كان بإمكان برنابا أن يوقف هذا المدّ، ويعيد هؤلاء »المرسلين« إلى أورشليم، لأنَّهم تجاوزوا الأصول! ولكنَّه لم يفعل. فهو بارّ. صالح. يعرف أين هي مشيئة الله، وكيف يتواصل مشروعه الخلاصيّ. كان بإمكانه أن يبقى »في الليل« مثل نيقوديمس ولا يصير تلميذًا. أما هكذا فعل الشعب اليهوديّ إجمالاً، فما تجرَّأ على تجاوز العهد الأوَّل للوصول إلى العهد الثاني، الأبديّ؟ كلاّ. بل راح بكلّ قوَّته وراء يسوع، فباع حقلاً من حقوله، »وألقاه عند أقدام الرسل« (4: 37).

تجرّد، على ما طلب يسوع من الذين يريدون أن يتبعوه. صار حرٌّا في حمل الرسالة. ثمّ شابه إسطفانس. »امتلأ من الروح القدس والإيمان« (11: 24). العين البشريّة ترى ما يُرى، ولا ترى ما لا يُرى. أمّا الإيمان فهو »تصديق ما لا نراه« (عب 11: 1).

كيف تصرّف برنابا وهو الآتي باسم كنيسة أورشليم والرسل الاثني عشر؟ »رأى نعمة الله. فرح. وشجَّعهم كلّهم على الثبات في الربّ بكلّ قلوبهم« (أع 11: 23). ما طلب منهم شيئًا. آمِنوا بيسوع. هذا يكفي. هداهم الربّ، فكيف يتدخّل الإنسان بعد. وكلّ هذا كان عمل الروح. هنا نتذكَّر بطرس عند كورنيليوس. أخذ يتكلَّم ويتكلَّم ولا يعرف ماذا يفعل مع شخص لا يزال وثنيٌّا وإن كان من خائفي الله والمؤمنين به. ما انتظر الروحُ أن يحلّ عند قبول العماد، أو وضع الأيدي. قال الكتاب: »وبينما بطرس يتكلَّم، نزل الروح القدس على جميع الذين يسمعون كلامه« (10: 44). أرد أن يبني الجماعة الجديدة. أن يخلقها ويكوِّن القلوب.

انتقلت نقطة الثقل من أورشليم إلى أنطاكية. ولا بدّ من رسول لا يعرف الملل ولا الكلل. وجده برنابا في طرسوس. كان اسمه شاول في العالم اليهوديّ (سألت أمّه الربّ فأعطاها ولدًا). وصار في العالم اليونانيّ: بولس. جاء برنابا ببولس »إلى أنطاكية. فأقاما سنة كاملة يجتمعان إلى جماعة الكنيسة، فعلَّما جمعًا كبيرًا. وفي أنطاكية تسمّى التلاميذ أوَّل مرّة بالمسيحيّين« (11: 26).

وكما انطلق السبعة من العالم الأراميّ والعبريّ إلى الفئة اليونانيّة، فخرجت من إطار ضيِّق في الجليل واليهوديّة، كذلك انطلق السبعة من أنطاكية، ليصلوا إلى آسية الصغرى، أو تركيّا الحاليّة، ثمّ إلى أوروبّا وصولاً إلى رومة حيث استقبل المسيحيّون بولس آتيًا إليهم كأسير المسيح (28: 14-15).

قال أع 13: 1-4: »وكان في كنيسة أنطاكية أنبياء ومعلِّمون. هم برنابا وشمعون... وشاول. وبينما هم يخدمون الربّ ويصومون، قال لهم الروح القدس: ''خصِّصوا لي برنابا وشاول لعمل دعوْتُهما إليه''. فصاموا وصلوا، ثمّ وضعوا أيديهم عليهما وصرفوهما. فأرسلهما الروح القدس، فنزلا إلى سلوكية (مرفأ أنطاكية) ومنها سافرا في البحر إلى قبرص«.

الروح يوجِّه الرسالة، هو الذي اختار. الأوّل برنابا. والأخير شاول، الذي دعا نفسه »السقط« (1كور 15: 8)، كأنَّه أتى في غير وقته، وهو لا يستحقّ حتّى الرسالة بعد أن »اضطهد كنيسة الله« (آ9). قامت الكنيسة بما عليها. صامت، صلّت. وضعت الأيدي من أجل الرسالة. زوَّدت الرسولين بما يحتاجان إليه في الطريق. ولكنَّ الكنيسة ليست هي التي تُرسل في قلب تدبير الله. الروح يرسل. هو القائد الحقيقيّ. والكنيسة تستمع إلى توجيهاته. والمؤمن الحقيقيّ يسمع صوت الله من خلال الأصوات البشريّة. كما يرى فقط يدَ الله تدلُّه إلى أين يمضى، على مثال ما حدث لإبراهيم. وصل إلى حبرون قرب أورشليم. ظروف أوصلته. هذا ما يقول البشر. أمّا الكتاب فيقول: الله دلَّه على الطريق. أراه كيف يتوجَّه.

وهذا ما نقوله عن الرسولين. ولنا مثال على ذلك في ما حصل لبولس وسيلا (16: 6ي). حاولوا أن يميلوا إلى بثينية ويدخلوها »فما سمح لهم روح يسوع«. هو وحده يدبِّر »الهجوم«. وما على الرسول سوى الطاعة. أغلق الروح جميع الأبواب، وما توقَّف الراوي عند السبب البشريّ. وترك بابًا واحدًا مفتوحًا: مقدونية. »تيقّنّا أنَّ الله دعانا إلى التبشير فيها« (آ10). وهكذا رافق الروح الرسالة حتّى رومة، قلب العالم الوثنيّ. ونحن نسمعه بفم نبيّ اسمه أغابّوس: »يقول الروح القدس: صاحب هذا الحزام (= بولس) سيقيِّده اليهود في أورشليم، ويسلِّمونه إلى أيدي الوثنيّين« (21: 11).

 

3- من العالم اليهوديّ إلى العالم الوثنيّ

كان التلاميذ مع يسوع والحزن يلفُّهم لأنَّ يسوع سوف يغادرهم. ماذا يعملون؟ إلى أين يتوجَّهون، قال توما: »يا ربّ، لا نعرف إلى أيت تذهب، فكيف نعرف الطريق؟«. أجاب يسوع: »أنا هو الطريق والحقّ والحياة« (يو 14: 5-6). ولكن لا نعرف ماذا نقول وكيف نتكلَّم. لا تخافوا. لن تكونوا أنتم من يتكلَّم. تُعطون في تلك الساعة ما تقولونه. »الروح القدس يُلهمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوا« (لو 12: 12).

كيف نكلَّم اليهود؟ ننطلق من كتابهم المقدَّس. بقوّة الروح الذي حلَّ يوم العنصرة، انطلق بطرس، فأورد النبيّ يوئيل ثمّ المزامير ليصل إلى هدف كلامه: »فليعلم بنو إسرائيل كلُّهم علم اليقين، أنَّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، ربٌّا ومسيحًا« (2: 36). وإسطفانس ذكرَ الآباء فوصل إلى يوسف الذي باعه إخوته وأورد المزامير وأنهى كلامه عن المسيح: »أرى السماء مفتوحة، وابن الإنسان واقفًا عن يمين الله« (7: 56). وبولس في أنطاكية بسيدية، شدَّد على شخص داود ليصل إلى ابن داود (13: 15-25).

وكيف نكلِّم الوثنيّين؟ لا ننطلق من التوراة التي يعرفها اليهود غيبًا، بل من كتاب آخر هو الطبيعة. الله الواحد هو »خالق الكون وكلّ ما فيه. هو ربّ السماء والأرض« (17: 24). هكذا قال الفلاسفة. ثمّ تحدَّث الرسول عن البشر الذين هم »كلّهم من أصل واحد« (آ26). إذًا، جميع الناس يستطيعون أن يتلمَّسوا الله ويجدوه. »ونحن فيه نحيا ونتحرَّك ونوجَد«. ثمّ »ونحن أبناؤه«. كلام قاله شاعران يونانيّان. والمؤمن بالمسيح يقولهما. وهنا يبدأ الحوار، بعد أن التقى المسيحيّ بغير المسيحيّ في موقع واحد.

من علَّم الرسل هذا الانتقال من عالم ضيِّق يريد أن يفرض على الوثنيّين الاختتان قبل الدخول في الدين الجديد؟ الروح القدس. يكفي أن نذكر ما حصل لبطرس بعد عماد كورنيليوس. هاجمته جماعة أورشليم. خاصمته (11: 2): »كيف دخلتَ إلى قوم غير مختونين وأكلتَ معهم؟« (آ3). اختبأ وراء الروح لكي يدافع عن نفسه. »أمرني الروح أن أذهب معهم بدون تردُّد فذهبت« (آ12). ثمّ واصل كلامه: »فلمّا بدأت أتكلَّم، نزل الروح القدس عليهم مثلما نزل علينا نحن. فتذكَّرت ما قال الربّ: »عمدَّ يوحنّا بالماء، وأمّا أنتم فتتعمَّدون بالروح القدس... فمن أنا لأقاوم الله؟« (آ15-17).

أجل، كان الخروج من العالم اليهوديّ الضيِّق صعبًا على الكنيسة التي احتاجت قوّة علويّة، لتتغلَّب على عادات »المسؤولين« فيها، أو الجماعة الأصوليّة التي لا تريد أن تسمع »ما يقوله الروح للكنائس« (رؤ 2: 7، 11، ..17.). كلُّنا يعرف كيف خاف بطرس من جماعة يعقوب، حين كان اليهود والأمم يأكلون معًا. »انفصل عنهم (= عن غير اليهود) خوفًا من دعاة الختان، وجاراه سائر اليهود في ريائه، حتّى إنَّ برنابا (رفيق بولس في الرسالة) انقاد إلى ريائهم« (غل 2: 12-13). لا شكّ. هم ما كانوا يسيرون بهدي الروح. »مع حقيقة البشارة« (آ14).

والصعوبة الكبرى كانت في »مجمع أورشليم«. فئة تقول للوثنيّين: »لا خلاص لكم إلاّ إذا اختتنتم على شريعة موسى« (15: 1). وفئة ثانية تتحدَّث عن عمل الروح القدس، بدون »فرق بيننا وبينهم« (آ9). وفي النهاية، جاء القرار الرائع الذي يتجاوز مفهوم البشر: »فالروح القدس ونحن« (آ28). الروح هو الذي دفعنا من الداخل. ونحن، مثل الأنبياء، جعلنا تدخّلَه اللامنظور، في كلام منظور. وحُملت الرسالة إلى أنطاكية. »فلمّا قرأوها فرحوا فرحًا كبيرًا« (آ31). ما بقي من قيود للرسالة. لهذا، لم يتأخَّر بولس وبرنابا في أنطاكية، بل قال بولس: »تعال نرجع لنتفقَّد الإخوة في كلِّ مدينة بشَّرنا فيها بكلام الربّ« (آ36). نالوا الحرّيّة من الروح، فما عاد شيء يوقفهم لكي يحملوا الرسالة بحسب وصيّة يسوع قبل صعوده: »تكونون لي شهودًا في أورشليم، واليهوديّة كلِّها، والسامرة، حتّى أقاصي الأرض« (1: 8).

 

الخاتمة

حين مات يسوع على الصليب، يقول يو 19: 30: »حنى رأسه وأسلم الروح«. المعنى الواقعي معروف. ولكنَّ المعنى الروحيّ: سلَّم روحه إلى الكنيسة. أو بالأحرى: سلّم كنيسته إلى عمل الرح، بحيث نقول في »النؤمن«: بالروح القدس... وبكنيسة واحدة. فالروح حاضر في الكنيسة. يقدِّسها، يوحِّدها، يرسلها لكي تجمع البشريّة في واحد. ذاك ما اكتشفناه في أعمال الرسل. لا حدود للرسالة من الشرق إلى الغرب. لا موطن مغلقًا على الإنجيل. كلُّ الشعوب تصل إليها البشارة في لغتها. لغة الروح مفهومة لدى الجميع. ويا ما أحلى البشر جميعًا ينشدون مع الرسل وبدفع من الروح »أعمال الله العظيمة« (2: 11)، وكلّ واحد في لغته. فمتى نقبل مثل المجتمعين في يوم العنصرة، أن يحطِّم هذا الروحُ أبوابنا والنوافذ، ويطلقنا كما أطلق يسوع تلاميذه فيكونون الصوت الصارخ، بحيث »يرى كلُّ بشر خلاص الله« (لو 3: 6).