مواهب الروح من أشعيا النبيّ إلى بولس الرسول.

 

حين نتحدَّث عن الروح القدس، نحسب أنَّه يجب أن نبقى على مستوى العهد الجديد، لأنَّ العهد القديم لم يعرف هذا الروح. مثل هذا الكلام خاطئ. فالروح حاضر منذ بداية الكون حين كان يرفرف على المياه ليُخرج منها كلَّ حياة. وسيكون حاضرًا في النهاية، ساعة تتجلّى السماء الجديدة والأرض الجديدة، يكون مع العروس ليقول ماراناتا، تعال أيُّها الربُّ يسوع. لاشكَّ في أنَّ العهد الجديد وحده علَّمنا أنَّ الروح هو شخص وأقنوم، لأنَّ العهد القديم ما كان يستطيع أن يقبل سرَّ الثالوث، فيعتبر أنَّ وجود شخص أو أقنوم بجانب أقنوم »الآب« يُعدُّ شركًا وتعدُّد آلهة. غير أنَّ العهد القديم أرانا الروح يعمل في القضاة والملوك والأنبياء، بل في كلِّ شعب الله ممّا جعل موسى يهتف: »يا ليت جميع شعب الله أنبياء، يجعل الربُّ روحه عليهم« (عد 11: 29).

أمّا نحن فنتوقَّف هنا عند مواهب الروح على الملك المسيح كما تحدَّث عنها أشعيا، ومواهب الروح في الكنيسة كما توسَّع فيها بولس الرسول.

 

1- يحلُّ عليه روح الربّ

بعد أن يئس الشعب، ويئس معه أشعيا، من ملكٍ يكون بحسب قلب الله، فيقود المساكين والضعفاء إلى السعادة، كان رجاءٌ بأن يحلَّ روح الربِّ على ذلك الآتي فيمنحه روح الحكمة وتبيُّن الأمور، روح المشورة والقوَّة، أو النصح الذي لا يخاف أن يقول الخطيئة ويعمل بها. روح المعرفة ومخافة الربّ. وعاد يشدِّد على هذا الروح الذي يلهم هذا الملكَ الجديد مخافةَ الربّ (أش 11: 2-3). فرأس الحكمة مخافة الربّ.

نحن هنا بلا شكّ في إطار حكميٍّ يقدِّم للناس السعادة التي يحتاجون إليها. ولكنَّ هؤلاء الناس يحتاجون إلى مَنْ يوجِّه حياتهم. لهذا »اختار« الله له ملكًا يقوم بهذه المهمَّة. ولكن هل يستطيع الإنسان أن يفعل وحده؟ كلاّ. هذا ما فهمه سليمان حين قدَّم الذبيحة على جبل جبعون فقال: »هب لعبدك قلبًا فهيمًا ليحكم (يكون الحكمَ، يتحلّى بالحكمة) بين شعبك، ويميِّز بين الخير والشرّ، لأنَّه مَنْ يقدر أن يحكم بين شعبك هذا الكثير« (1مل 3: 9). في الواقع هو يحتاج أن يحلَّ عليه روح الله، وبهذا سيتفوَّق على سائر الملوك، فقيل فيه: لم يكن قبله، ولا قام بعده نظيره.

وسوف يصلّي صاحب كتاب الحكمة: »اخترتَني لشعبك ملكًا... ومعك الحكمة... فأرسلْها إليَّ من عرش مجدك... فأيّ إنسان يعلم مخطَّط الله أو يفطن لإرادة الربّ« (9: 7-13)؟ ومن يعطينا هذه الحكمة التي تعلِّمنا وتفهمنا وترشدنا؟ روح الربّ.

وهذا الروح الواحد الذي حلَّ على داود فصيَّره إنسانًا آخر، تتنوَّع مواهبُه بتنوُّع حاجات الإنسان. وكما أُعطي سليمان الحكمة والفهم، وداود الفطنة والقوَّة، والآباء المعرفة ومخافة الله، ها هو يعطى هذا كلَّه للملك الذي يختاره الربّ، ويمسحه بالزيت المقدَّس. في هذا المعنى نقرأ ما قاله أشعيا أيضًا عن هذا »الملك« المنتظر الذي سيكون بالنسبة إلينا يسوع المسيح، »روح الربِّ عليَّ، لأنَّ الربَّ مسحني لأبشِّر المساكين، وأرسلني لأجبر المنكسري القلوب« (61: 1). أجل، تلك هي عطايا الروح لكلِّ صاحب مسؤوليّة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وكلُّ واحد منّا يحتاج إلى هذه المواهب التي ما زالت حاضرة اليوم وقد جعلها التقليد المسيحيّ سبعًا بعد أن ميَّز بين مخافة الربّ و»تقوى الربّ«. لهذا نقول إنَّ المؤمن ينال ملء مواهب الروح ليقوم برسالته خير قيام، مع العلم أنَّ ما يتوِّج كلَّ هذه الصفات البشريّة التي يمنحها الروح، هو مخافة الربِّ والسير بحسب وصاياه. هكذا يقوم العدل والإنصاف والبرّ التي هي انعكاس لقداسة الله على الأرض.

 

2- المواهب متنوِّعة والروح واحد

نال يسوع الروح الذي حلَّ على »المسيح الملك«، فقال عن نفسه في مجمع الناصرة »اليوم تمَّت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم« (لو 4: 21). وكان قرأ نصَّ أشعيا حول »روح الربِّ الذي مسحني وأرسلني«. في العهد القديم الربُّ هو الذي يمسح ويرسل.

»في إنجيل لوقا« الروح هو الذي يعمل. هذا يعني أنَّه الله، المساوي للآب والابن في الجوهر. ولهذا يقول الإنجيل عن بداية رسالة يسوع العلنيّة: »ورجع يسوع إلى الجليل، وهو ممتلئ من الروح القدس« (لو 4: 14). هذا الروح سيمنحه المسيح لتلاميذه، لكنيسته، كي تعيش منه وتستنير بنوره من أجل بشارة تحملها إلى أقاصي الأرض.

هذا الروح حاضر في الجماعات المسيحيّة التي تأسَّست هنا وهناك. حاضر في جماعة كورنتوس. لاشكَّ في أنَّ المؤمنين في كورنتوس ظنُّوا أنَّ كلَّ عطايا الروح تُختصر في اثنين: النبوءة أو التكلُّم باسم الله في قضيَّة من القضايا، والتكلُّم بألسنة سواء فهم الناس أو لم يفهموا ما نقول. أمّا بولس فأراد في ف 12-14 من الرسالة الأولى إلى كورنتوس، أن يضع الأمور في نصابها في ما يتعلَّق بمواهب الروح القدس.

هناك أوَّلاً مواهب عديدة. فمواهب الروح لا تقتصر على هاتين الموهبتين اللتين صارتا في بعض الأوقات مظهرًا خارجيٌّا وحسب، ووسيلة للتبجُّح الذي به يعتبر المؤمن أنَّه فوق سائر المؤمنين، أنَّه »سوبر مسيحيّ«. وأورد بولس الرسول هذه المواهب: الحكمة، المعرفة، الشفاء... وجعل في آخر السلسلة التكلُّم بالألسنة. فالمبدأ قاله بولس في 1كور12: 7: »كلُّ واحد ينال موهبة يتجلَّى فيها الروح للخير العامّ«. أجل، خير الكنيسة هو موهبة هذه المواهب. ونحن لا نُعطى مواهب من أجل تقدُّمنا الروحيّ الخاصّ وقداستنا. الموهبة تُعطى لخدمة الجماعة. لهذا نكون أمام مترادفات ثلاثة في آ 4-6: مواهب تمنحها النعمة من أجل الخدمة، وهي تعلِّمنا كيف نتصرَّف. وهي ثانيًا، مواهب داخل الجسد الواحد. فيجب أن تتناسق وتتناغم وتتكامل. ليس من موهبة تسيطر على المواهب الأخرى. هل تستطيع العين أن تستغني عن الرِجل أو اليد؟ إذا كان كذلك، يستطيع كلُّ واحد أن يعتبر أنَّه وحده »كنيسة الله« وأنَّه يستطيع أن يستغني عن الآخرين ومواهبهم.

هنا يأخذ الرسول مثَل العين التي هي ثمينة جدٌّا، فيقول »لو كان الجسد كلُّه عينًا، فأين السمع«؟. وفإذا كان الأمر يصل بنا إلى طريق مسدود على مستوى الجسد المادّيّ، فما تُرى يكون على مستوى جسد المسيح الذي ليس عضوًا واحدًا بل أعضاء كثيرة. ويتابع بولس كلامه: »أنتم جسد المسيح، وكلُّ واحد منكم عضو فيه« (12: 27). يبقى علينا أن نتصرَّف كما يتصرَّف العضو في الجسد، ونقوم بالعمل المكلَّفين به، ونتجاوب مع الموهبة التي أُعطيَت لنا. فلماذا التحاسد والتزاحم؟ فإن فعلنا يعني هذا أنَّنا ما صرنا بعد روحيّين. ما صرنا بعد على مستوى الروح. بل ما زلنا على مستوى اللحم والدم، على مستوى المفهوم البشريّ. يا ليت كلَّ واحد يكتشف الموهبة التي أُعطيت له ويجعلها في خدمة الجماعة، فينمو هو وتنمو الجماعة. كما قال بولس: يتألُّم عضو فتتألَّم معه سائرُ الأعضاء، يكرَّم عضو ويمجَّد، فتكرَّم سائر الأعضاء وتمجَّد. تألَّم المسيح فتألَّمنا معه. مُجِّد المسيح فمجِّدنا معه. فلماذا لا يكون تصرُّفنا على مستوى واحد، ونحن أعضاء بعضنا لبعض.

ويشدِّد الرسول ثالثًا على وحدة هذه المواهب. الله واحد، آب وابن وروح قدس. وكذلك تكون المواهب. والروح الذي يمنحها واحد، وهو الذي يوجِّهها مثل »قائد حربيّ«. فالروح الواحد يهب كلام الحكمة والمعرفة، وبه نكتشف قصد الله في ذواتنا وفي جماعتنا. ومنه ننال إيمانًا عميقًا يقول فيه بولس: يستطيع أن ينقل الجبال، أي يزيل كلَّ الصعوبات التي تعترض الرسالة. وتتتابع هذه المواهب التي نالها الرسل والأنبياء والمعلِّمون وصانعو المعجزات والعاملون في الإدارات والمتكلِّمون باللغات. هي تنطلق من الوحدة وتؤول إلى الوحدة. فلقد انقسم الكورنثيُّون أحزابًا حول أبلُّوس الذي نال موهبة الكلام، وحول بولس ذاك »النبيّ« الذي ينادي بحرِّيتنا في المسيح. وحول بطرس ذاك »الرسول« الذي عرف الربَّ معرفة شخصيّة بشريّة حين دعاه على شاطئ بحر الجليل.

هذا الوضع يرفضه بولس ويحيلنا إلى صليب المسيح. ويفهمنا أنَّ كلَّ هذه المواهب إن لم تشرف عليها المحبّة فليست بشيء، فلا تنفع شيئًا. بل إنَّ الإنسان الذي يمتلكها ليس بشيء. أجل، التكلُّم بلغات ينتهي، والنبوءات تزول، أمّا »المحبّة فلا تزول أبدًا«.

 

خاتمة

تلك هي إطلالة على المواهب كما قرأناها عند أشعيا النبيّ وفي رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنتوس. السمة الأولى هي أنَّها تتوجَّه من أجل خير الجماعة. والسمة الثانية هي أنَّها تُعطى لفرد من الأفراد. فالويل له إن احتفظ بها لنفسه أو لم يستثمرها فيكون كالعبد البطّال الذي يُلقى في الظلمة البرَّانيّة. والسمة الثالثة هي أنَّ هذه المواهب تكلِّل بعضها بعضًا في تجانس وتناغم، وإلاَّ كانت دمارًا للجسد وخرابًا. مواهب على مستوى الحكمة من أجل مسؤوليّة نحملها. مواهب تُعطى في الكنيسة. الروح هو الذي يهب كلَّ هذا، لأنَّه حقٌّا مُعطي المواهب ومكمِّل عمل يسوع في العالم.