العماد المسيحي والعماد لدى اليهود

 

قال يسوع لتلاميذه: »تلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس« (مت 28: 19). فالعماد المسيحيّ الذي هو فريد من نوعه بين جميع طقوس العالم، لأنَّه يجعلنا أبناء الله وورثة ملكوته، أبناء الكنيسة ومشاركين ليسوع في حياته، وَجد له جذورًا في العالم اليهوديّ لا على مستوى المعنى، بل على مستوى الممارسة. فميَّز يوحنّا المعمدان كلَّ التمييز بين عماده وبين عماد يسوع: »أنا أعمِّدكم بالماء للتوبة، وأمّا الذي يأتي بعدي (أي المسيح)... فهو يعمِّدكم بالروح القدس« (مت 3: 11).

فما هي هذه الجذور في العالم اليهوديّ؟ نتوقَّف عند ثلاث ظاهرات. الأولى: عماد المرتدّين. الثانية: الاغتسال عند الأسيانيّين. الثالثة: معموديّة للتوبة التي بدأت في القرن الثاني ق.م.، وأعطاها يوحنّا المعمدان دفعًا كبيرًا فأقبلت إليه »أورشليم وكلُّ اليهوديّة، وكلُّ بقعة الأردنّ« (مت 3: 5).

 

1- عماد المرتدِّين

ذكر أدب المعلِّمين الختان كطقس للدخول إلى العالم اليهوديّ، وذكر معه »اغتسال المرتدِّين«. في هذا المجال قال التلمود: »إن قبِل الوصايا يُختَن حالاً. وما إن يُشفى حتى يعمَّد«. يقف بجانبه تلميذان. ويعلِّمانه بعض الفرائض الخفيفة (التي يستطيع أن يحملها)، وبعض الفرائض الثقيلة. وعندما يغطَّس ويُرفع من الماء يصير إسرائيليٌّا بكلِّ معنى الكلمة«.

لماذا هذا العماد؟ لأنَّ الوثنيَّ يُعتبر نجسًا، والأرض التي يقيم بها هي نجسة كما قال عاموس النبيّ (7: 7). لهذا يغتسل ذاك الذي كان عابدَ أوثان، ومارس حياة لاأخلاقيّة، حياة من الفجور والزنى. وسيأتي وقت تُسمّى الآلهة الوثنيّة الشياطين وما تحمله من نجاسة. من أجل هذا، كان يغطَّس طالب الدخول في حوض ماء حتّى الخصر، وفي الوقت عينه يسمع الوصايا التي يُطلب من كلِّ يهوديٍّ أن يعيش بحسبها.

كان العماد اليهوديّ يمارَس بشكل تامٍّ مع المرتدِّين في نهاية القرن الأوَّل المسيحيّ. غير أنَّ معلِّمي التلمود اعتبروا أنَّه يعود إلى زمن الخروج. فابنة فرعون نزلت لتستحمَّ (خر 2: 5) لكي تتنقّى من أصنام أبيها فترتدَّ إلى الإله الواحد.

لاشكَّ في أنَّه كان للماء، دور كبير كرمز إلى الطهارة الداخليّة المطلوبة من الإنسان. ولكنَّ التوراة شدَّدت بالأحرى على الختان من أجل الانتماء إلى شعب الله. وتحدَّث الأنبياء عن ختان القلب الذي هو الارتداد الحقيقيّ الذي لا يقف عند ظاهر الختان كعمل في الجسد. أتُرى هناك تأثير متبادل بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ؟ الأمر ممكن. هذا على المستوى الخارجيّ كما قلنا، لا على المستوى الداخليّ المتعلِّق بمفاعيل العماد المسيحيّ الذي يُشركنا في موت يسوع وقيامته ليمنحنا حياته.

 

2- الاغتسال عند الأسيانيّين

حين نقرأ النصوص التي تحمل إلينا معلومات عن العالم اليهوديّ في القرن الأوَّل، نجد مجموعات دينيّة عديدة تمارس الاغتسال الطقسيّ. فقد أخبرنا المؤرِّخ اليهوديّ يوسيفُس عن الأسيانيّين (كانوا يعيشون قرب البحر الميت) الذين كانوا يغتسلون كلَّ يوم. وأخبرنا أبيفان أسقف سلامين عن أولئك الذين يغتسلون في الماء مرَّة كلَّ يوم لكي يتطهَّروا ويتنقَّوا من كلِّ خطيئة.

لا نتحدَّث هنا عن اغتسالات متعدِّدة لكي يكون الإنسان في حالة من النقاوة الطقوسيّة، كالكاهن الذي يريد أن يقدِّم ذبيحة. بل عن اغتسال يوميّ قبل طعام الغداء، حوالي الساعة الخامسة أي الحادية عشرة. نشير إلى أنَّ مثل هذا الاغتسال كان محفوظًا للمتدرِّجين، لا للمبتدئين. وبعد ذلك يدخلون إلى قاعة الطعام، وكأنَّهم ذاهبون إلى المعبد.

»عماد« الأسيانيّين، والعماد في المعنى الأوَّليّ هو غطس في الماء، كما تقول السريانيّة (ع م د، غطس)، هو سابق لعماد يوحنّا المعمدان. ليس طقس تنشئة ودخولاً في جماعة دينيّة. هو أوَّلاً تنقية طقسيّة على مثال الاغتسال الذي تطلبه الشريعة الموسويّة. غير أنَّ مثال الطهارة الذي جاهر به الأسيانيّون، هؤلاء »الرهبان« العائشون في العزلة على شاطئ البحر الميت، جعلهم يلجأون مرارًا إلى الاغتسال، شأنهم شأن الفرّيسيّين الذين يقول عنهم الإنجيل: »لا يأكلون ما لم يغسلوا أيديهم حتّى المعصم... ولا يأكلون إذا أتوا من السوق، ما لم ينتضحوا بالماء« (مر 7: 3-4). ولكن يبقى الفرق شاسعًا بين عماد الأسيانيّين الذي يتكرَّر مرارًا، وعماد يوحنّا المعمدان الذي يُعطى مرّة واحدة كبداية مسيرة التوبة وعلامة تدلُّ عليها. وكما بدا العماد المسيحيّ بعيدًا عن عماد المرتدِّين، فهو بعيد كلَّ البعد عن عماد الأسيانيّين الذي هو اغتسال يومي قبل طعام الغداء والشغل في الأرض، ودعوة إلى التوبة والارتداد. ليس الغسل بالماء هو الذي يحوِّل الإنسان، بل يجب أن يتنقّى الإنسان لقبول هذا الاغتسال، ينقّي نيَّته لكي يقبل »النعمة« المنقِّية التي ينالها في الماء.

 

3- معموديّة يوحنّا

يقول مر1: 4 (ق. لو 3: 3) إنَّ يوحنّا كان يكرز »بمعموديّة توبة لغفران الخطايا«. هكذا كان وقعُ كلمات يوحنّا وممارسته في قلوب السامعين والشاهدين. وما كان يكتفي بأن يكرز، بل كان يعمِّد. والمؤرِّخ يوسيفُس نفسه يسمّيه: المعمِّد. واستعمل مرقس (6: 14، 24) مرَّتين هذا الاسم في صيغة الفاعل. ونجد نصوصًا عديدة ترينا يوحنّا يعمِّد. نقرأ في مت 3: 6: »ولمّا أبصر يوحنّا كثيرين... يُقبلون إلى معموديَّته، قال لهم...«. كما عمَّد يسوعَ نفسه.

نلاحظ أوَّلاً أنَّ عماد يوحنّا يُعطى مرّة واحدة على مثال العماد المسيحيّ. وهو يرتبط بنهاية الأزمنة، كما هو واضح في متّى: »ها إنَّ الفأس على أصول الشجرة. فكلُّ شجرة لا تثمر ثمرًا جيِّدًا، تُقطَع وتُلقى في النار« (3: 10). ولكن سيّان بين نهاية يتحدَّث عنها المعمدان فتمَّت بمجيء المسيح، ونهاية يحملها العماد المسيحيّ فينطلق من موت المسيح وقيامته بانتظار مجيئه، مع محطّة متوسِّطة تتمثَّل في موت كلِّ واحد منّا. فنحن في المعموديّة نموت في الرمز مع يسوع، ونقوم معه. أمّا موتنا، موت الجسد، فهو موتنا الحقيقيّ الذي بعده ننتظر قيامتنا وحياتنا في المجد مع الربِّ. ذلك ما قال القدّيس بولس في الرسالة إلى أفسس وجعل الفعل في صيغة الماضي: »أحيانا مع المسيح، ومعه أقامنا، ومعه أجلسنا في السماوات« (2: 16).

ونتساءل عن أصل ممارسة لا تجد ما يقاربها في العالم اليهوديّ. فالإنسان يتطهَّر حين يغتسل. أمّا يوحنّا فيعمِّد. وظيفته لم يسبقه إليها أحد. ولكنّنا نفهمها تدخُّلاً خارجيٌّا يشير إلى الغفران. فالخاطئ لا يغفر لنفسه. يوحنّا الذي وعى دوره النبويّ، عرف أنَّه كُلِّف من قبل الله بأن يعلن هذا الغفران برمز الاغتسال المطهِّر. هنا نعود إلى ما كان يسمّى »الفعلة النبويّة«: هو بقدرة الله يحقِّق ما عنه يعلن. هكذا دلَّ هوشع على حبِّ الله لشعبه من خلال حبِّه لامرأته. وهكذا كسر إرميا الجرَّة، أو أخفى حزامه في التراب... فبدا وكأنَّ الله يعمل بيديه. فالله قدير في القول، قدير في العمل، والنبيّ يتقوّى ويفعل بقدرة ربِّه.

 

خاتمة

تلك وجهات من العالم اليهوديّ تلتقي والمعموديّة المسيحيّة. عماد المرتدِّين الذي يدلُّ على صدق نواياهم فيقطعهم قطعًا تامٌّا عن العالم الوثنيّ. عماد الأسيانيّين الذي يقطعهم عن نجاسات العالم لكي يكونوا قدِّيسين أمام الربّ. وعماد يوحنّا المعمدان الذي يدلُّ على توبة الإنسان المستعدّ لاستقبال المسيح الآتي للدينونة. هي وجهات سيأخذ بها العماد المسيحيّ ويرفعها إلى مستوى موت يسوع وقيامته. وكما أنَّ المسيح جاء يكمِّل العهد القديم، كذلك جاء بعماده يكمِّل تطلُّعات العالم اليهوديّ ويصل بها إلى مستوى العهد الجديد، إلى مستوى ما فعله هو من أجلنا. حين مات وقُبر، وقام في اليوم الثالث ليقيمنا معه في حياة جديدة فتح لنا الطريق لننال العماد من يد الكنيسة باسم الآب والابن والروح القدس.