من أفسس إلى تياتيرة

 

هناك كنائس حية رغم هجمات الهرطقة ومحاولات الوثنية، ولكنها كنائس تحمل خميرة الموت المتنامية: كنيسة أفسس، كنيسة برغامس. وهناك كنائس تسير في طريق الموت رغم صيتها الظاهر ورضاها على نفسها. ففيها خميرة حياة تسير إلى الزوال: كنيسة سارديس، كنيسة لاودكية. وهناك كنائس سارت في الطريق الصحيح فصارت شبيهة بالمسيح في موته لتصل إلى قيامته من بين الأموات (فل 3: 10- 11): كنيسة سميرنة. كنيسة فيلادلفية. وني النهاية، كنيسة تياتيرة التي يُشرف عليها الديّان السامي.

1- رسالة إلى كنيسة أفسس (2: 1-7)
سمّيت أفسس في الدرجة الأولى. فهي أهمّ الجماعات المسيحية السبع. إشتهرت هذه المدينة بالفيلسوف هيراكليتس (540- 480 ق. م.) وبهيكل أرطاميس "إحدى عجائب الكون السبع". مارس بولس رسالته في هذه المدينة (أع 18: 19- 21؛ 19: 1- 20: 1). ويقول التقليد إن يوحنا عاش في أفسس. كما تقول 1 تم 1: 3 إن تيموتاوس أقام في أفسس وكأنه "أسقف" المدينة.
كان مرفأ أفسس ملتقى حضارة وثقافة، ونقطة لقاء بين العبادات والتيارات الفكرية الآتية من الغرب والشرق، ومسرحاً فيه تتصادم الإيديولوجيات المتعارضة. وجد بولس نفسه هنا تجاه معتقدات تسود في أفسس: المتشيّعون ليوحنا (أع 19: 3- 4؛ رج 13: 24- 25؛ 18: 24 ي؛ 1 كور 1: 12). وديمتريوس صانع التماثيل الصغيرة (أع 19: 23 ي) وعبّاد أرطاميس العظمى (أع 19: 28 ي).
وإذا تذكّرنا الصراع المعارض ليوحنا (نجد آثاره في يو)، قد نبحث عن مغتصبي لقب "رسول" عند المتشيّعين ليوحنا المعمدان الذين اعتبروا معلّمهم المسيح والمخلّص. والنقولاويون المذكورون في 2: 6 هم بعض هؤلاء الأنبياء الكذبة (2: 14- 15 وكنيسة برغامس). عرف بولس بوضوح صعوبات الجماعة المسيحية في أفسس. وهذا ما يظهر من خطبته إلى الشيوخ: "أعلم أنه بعد ذهابي، سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على القطيع. ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم. فاسهروا إذن" (أع 20: 29- 31؛ رج 1 كور 14: 37-38؛ 2 كور 11: 13-15). وتشير 1 يو 4: 1-6 إلى تكاثر الأنبياء الكذبة. أخيراً، كانت أفسس مركزاً للغنوصيين (1 تم 1: 4-7؛ 4: 1- 3)، وفيها تصدّى يوحنا للهرطوقي قرنتيس كما يقول إيريناوس. 
الذي يمسك بيمينه... إن المسيح. الذي يتوجّه إلى كنيسة أفسس يعلن أنه يمارس سلطانه على مجمل الكنائس. هي كلها في يده. يمسك الكواكب (1: 16)، يمشي بين المنائر (1: 13).
اعرف أعمالك. هي أهل للمديح وأهل للذمّ. ترد العبارة في خمس رسائل (1، 4، 5، 6، 7). وجهدك (تعبك) وصبرك. الجهد يمثل الحياة المسيحية (14: 13) التي هـي التزام يجنّد القوى الحيّة في الإنسان. والصبر (1: 9) ليس فقط قبول المحنة، بل موقف من يتحمّل الإضطهادات والتجارب بشجاعة الإيمان. نلاحظ أنّ الكلمات الأولى التي تصوّر الحياة المسيحية في أولى الكنائس السبع، تتحدّث عن الإلتزام والشجاعة في الطاعة المسيحية. كما تتحدّث عن الصعوبات التي تلاقيها الكنيسة في ممارستها لهذه الأمانة. هي كنيسة "معترفة". نلاحظ: أنت لا تطيق (لا تحتمل) الأشرار. ثم في آ 3، جاهدت (إحتملت) من أجل إسمي. الأشرار هم الرسل الكذبة والمرسلون المتجوّلون الذين لا نستطيع أن نعرف نواياهم (1 تس 5: 19- 22؛ 1 يو 4: 1-3). قد يكونون النقولاويين أنفسهم المذكورين في آ 6. يسمّون نفوسهم رسلاً مرتكزين على العالم اليهودي (2: 9؛ 3: 9). شدّد النصّ على الشجاعة والجهاد، فدلّ على أن المحنة كانت في أن هؤلاء الناس رفضوا أن يخاطروا براحتهم (أو بحياتهم) ليعترفوا لإيمانهم.
عرف أغناطيوس الأنطاكي أن واعظين هراطقة زاروا كنيسة أفسس فرفضت أن تسمع تعليمهم. إنهم يزعمون أنهم رسل، كما سمّت إيزابيل نفسها نبيّة (2: 20)، وفي سميرنة زعم بعضهم أنهم يهود (2: 9). نحن أمام موقف واحد: أناس يرتبطون بالعالم المسيحي المتهوّد ويقدّمون نفوسهم كمرسلين مفوّضين!
إمتحنتَهم. كيف امتحنهم، وكيف عرف نواياهم؟ هذا ما لا يقوله النصّ. ولكن السياق يقدّم لنا بعض المعلومات في هذا المجال: بعد أن هُنئت الجماعة لشجاعتها في التزامها المسيحي (آ 2) يذكر الرسل الكذبة. ثم تذكر الشجاعة في احتمال الآلام من أجل الإيمان. إذن نظن أن المحنة التي تكشف الرسول الحقيقي ليست بعيدة عن هذا الوضع. لاحظ "الملاك" أن هؤلاء يرفضون المخاطرة بأي شيء ليعترفوا بإيمانهم. وهكذا عرف معدنهم. عرفهم أنهم كاذبون.
تركت محبتك الأبد (آ 4). أهذا هو الجواب على الذي أحبّنا (1: 5)؟ قال إر 2: 1: "هذا ما قال الرب: أذكر مودتك في صباك، وحبّك يوم خطبتك. سرتِ ورائي في البرّية". في يو وفي 1 يو، الحب هو جوهر الوحي المسيحي. ووحده حبّ الله للبشر يدلّ على دافع الخلاص الفصحي. هذا الحب الذي كشفه المسيح يحرّك الحب فينا. ما هي نوعيّة حبّنا التي تدفعنا إلى تحدّي الموت (12: 11)؟ تركتَ حبّك الأول، إيمانك الأول. لم يعد تكرّسك تاماً، بل صار إيمانك مقسوماً وأمانتك مزعزعة. بدأت تساوم بعد معاشرتك لهؤلاء "الكاذبين". أجل، إن تأثير المحيط وانقسامات المسيحيين الداخلية أضعفت حماساً عرفته الكنيسة يوم عادت إلى الرب. لقد حلّت ديانة روتينية محلّ زهرات الإيمان الأولى. فالمسيح لا يكتفي بهذا الموقف "الحيادي". والفتور في وقت الإضطهاد هو خطيئة كبيرة.
أذكر (آ 5). بعد اضطهاد داقيوس في القرن الثالث، عاد قبريانس، أسقف قرطاجة إلى هذه الآية يتحدث عن توبة الذين أنكروا إيمانهم. أنكون هنا أمام وضع مماثل؟ الأمر ممكن. أذكر خطيئتك وتب، وعد إلى ما كنت عليه من محبة. فإني آتيك. المسيح هو الآتي (المجيء) في يو ورؤ. نجد هنا وعد القائم من الموت بأن يكون مع أخصائه. كما نجد وعداً اسكاتولوجياً. سنرى إنطلاقاً من ف 22 أن الافخارستيا هي مناسبة مميّزة لإعلان هذا المجيء. وذاك الذي يأتي هو الديّان (هنا) والمخلّص. فمجيء المسيح يعني للكنيسة "غير الأمينة" إعادة نظر في وضعها كشعب الله: فالمنارة (رمز الكنيسة، 1: 20) قد تُزاح من محلّها الذي هو بقرب المسيح. في هذا المجال، لا نستطيع أن ننام على "أمجادنا". غير أنّ نعمة التوبة والإرتداد مقدّمة لنا. كما تقدّم لنا موهبة الحياة الجديدة مشاركة مع المسيح. فهو قبل كل شيء ذاك الذي يأتي إلى البشر.
تمقت أعمال النقولاويين (آ 6). جاء هذا الموقف يخفّف من قساوة العبارة: إن جماعة المسيحيين تستبعد النقولاويين. يبدو أن النقولاويين يرتبطون بالشمّاس نقولا (رج أع 6: 5) الذي كان ناسكاً متزهداً، فلم يحتفظ تلاميذه من مثله إلا بثنائية غنوصية سيدينها المسيح.
من له أذنان (آ 7). إن هذا التحريض الإحتفالي الذي ينهى الرسائل السبع يعني شيئين. الأول: إن فهم الكلام النبوي يفترض إستنارة الإلهام. فالآذان البشرية لا تعرف بطبيعتها أن تستمع إلى صوت الله. الثاني: ما قيل لكنيسة أفسس يُقال أيضاً لسائر الجماعات. والمشاكل التي تعرفها كنيسة واحدة تعرفها أيضاً سائر الكنائس.
من يقاوم بشجاعة وصبر كل هجمات الضلالة، مجدّداً حماسه الأول وسخاءه من أجل المسيح، ينال جزاء الغالبين. وكلمة "غلب" (إنتصر) كلمة محبوبة في رؤ. تستعمل 17 مرة. لسنا أمام غلبة بالقوة والسيف، بل غلبة الكرازة والإستشهاد، غلبة الإحتمال والإيمان. فعلى الجماعة المسيحية المضطهدة أن تتقبّل الغلبة بفشل الموت.
شجرة الحياة أو شجرة الفردوس كما في تك 2: 9. إن فكرة العودة إلى الفردوس الذي سيفتح بابه واسعاً أمام المختارين (بفضل المسيح) تواترت في العالم اليهودي المتأخر. وقيل أن شجرة الحياة تقدّم ثمارها التي مُنعت عنا منذ السقطة. طُرد آدم، وقد "تُعاقب" كنيسة أفسس. وإن عادت، إستعادت شجرة الحياة.
معنى الصورة هو اسكاتولوجي (22: 2، 14، 19). حيث المسيح فهناك الحياة في الزمن الحاضر وفي الأبدية. فمن اتحّد بالمسيح وعاش من الإيمان به، لا يموت أبداً (يو 11: 26؛ رج 5: 25). بسّر المعمودية قد قهر المسيحي الموت (روم 6: 1 ي)، لأن فيه قد بدأت الحياة الأبدية. لا شكّ في أنه يعيش على الأرض، ولكنه منذ الآن في فردوس الله: لقد تحقّق فيه شكل آخر من الوجود بالفداء والإيمان. كل هذا يشكّل تعزية عميقة للجماعات المسيحية التي يترصّدها الموت.

2- رسالة إلى كنيسة سميرنة (إزمير) (2: 8- 11)
سميرنة هي مرفأ يقع شمالي أفسس، وكانت تتوق أن تسيطر على سائر مدن آسية الصغرى. وإذ أراد السكان أن يربحوا ودّ الإمبراطور الروماني، بنوا سنة 26 ب. م. هيكلاً عظيماً إكراماً لإمبراطور طيباريوس، لزوجته ليفي، ولمجلس الشيوخ الروماني. وأقامت في سميرنة أيضاً جماعة يهودية ستلعب دوراً هاماً في الحياة العامة.
وُجد على رأس كنيسة سميرنة (إسمها اليوم إزمير) بوليكربوس (+ 156) تلميذ يوحنا الحبيب. أتُرى الرسالة وُجّهت إليه؟ دوّن أوسابيوس في التاريخ الكنسي خبر استشهاده الذي يعتبر من أقدم "أعمال الشهداء". 
الموضوع الأساسي في هذه الرسالة: الموت والحياة. فالمسيح هو الذي يحيا بعد أن عرف الموت. وحدها الأمانة حتى الموت تحصل لنا على إكليل الحياة. وأخيراً، لا يخاف الغالب من الموت الثاني الذي يتبع الدينونة الأخيرة.
الأول والآخر (آ 8؛ رج 1: 17). الذي كان ميتا. بعد أن تحدّث عن أزلية المسيح وتعاليه، ها هو يقول إن هذا المسيح هو الذي صُلب وقام. فالرب هو حقاً ذاك الذي تألّم على الصليب ومات. غير أن القبر لم يحتفظ به. هل توجّه هذا الكلام إلى مسيحيين يجادلون حول آلام المسيح وقيامته؟ 
أنا عالم بضيقك (الشدة) (آ 9؛ رج 1: 9). هذا ما يعود بنا إلى الإضطهاد. وعالم بفقرك. فقرك ظاهر وهو يقابل الغنى الحقيقي وإن كان خفياً (2 كور 6: 10؛ يع 2: 5؛ رؤ 3: 13). فالجماعة مؤلّفة من صغار القوم الذين لا "إسم" لهم في نظر العالم. ولكن الله يعرف كنوزهم الروحية. مثل هذا "الغنى" يعطي الشهادة والثقة والغلبة حتى على الموت الذي قهره المسيح بصليبه.
من يزعمون أنهم جهود. كانت جدالات حامية بين جماعة المسيحيين الأولين والمجمع اليهودي الذي يسمّي نفسه مفتخراً "مجمع الله" (عد 16: 3). ويبدو أن اليهود افتروا على المسيحيين أمام الرومان، فأشعل افتراؤهم إضطهاداً قصيراً (10 أيام) ضدّ المسيحيين: "عشرة أيام من الضيق".
حين هاجم اليهود المسيحيين، هاجموا نسل إبراهيم الحقيقي، وشعب الله الجديد. نجد هنا فكرة توسّع فيها بولس في رسالته إلى رومة: "فما كل بني إسرائيل هم إسرائيل، ولا كل الذين من نسل إبراهيم هم أبناء إبراهيم" (روم 9: 6- 7). فحين عارض اليهود مخطّط الله، "جهلوا البرّ الذي من الله" (روم 10: 3)، وأخرجوا نفوسهم من كنيسة الله، وجعلوا حياتهم في خدمة مجمع الشيطان. قال لهم يسوع: "أبوكم هو إبليس" (يو 8: 44). وعبارة "مجمع الشيطان" تفهمنا أننا أمام جماعة يهودية متعصّبة حاربت المسيحيين بعنف.
قد يكون من تهاجم الرسالة يهوداً أو مسيحيين تأثّروا بالتيارات اليهودية الباطنية، فما عادوا شعب الله ومجمعه. صاروا شعب الشيطان ومجمع الشيطان.
لا تخف (آ 15)... لا تستطيع أن تكون مسيحياً إن رفضت أن تتبع المسيح في طريق المحنة. لسنا هنا أمام اضطهاد معمّم، بل أمام إجراءات معادية ومحدودة. لهذا تُطلب الأمانة حتى الموت.
عشرة أيام. هذا ما يدلّ على اضطهاد محدود في الزمن. ولكن نجد في عد 14: 22 ان رقم 10 يشير إلى مرار كثيرة. ويبقى أننا أمام اقتداء بما في دا 1: 12، 14: إمتنع العبرانيون من أكل اللحوم النجسة، فاستجاب الله لأمانتهم. إحتملوا بشكل عجائبي محنة هذا الصوم دون أن ينالهم أذى.
كن أميناً (رج 12: 11). فالأمانة حتى النهاية قد تقود إلى الموت على مثال المسيح، الشاهد الأمين (1: 5). فالإكليل ينتظرك. إكليل الغالب، إكليل العريس... والإكليل هو خاصة صورة عن الخلاص. وبما أن اللفظة ترد في إطار عمادي، نربط هذا الإكليل بالعماد. يعطى لنا إكليل رمزي، فيصبح حقيقة وواقعاً حين نعيش الأمانة حتى النهاية.
الغالب (آ 11) (رج 2: 7) ينجو من الموت الثاني (20: 6، 14؛ 21: 8). الموت الأول هو الموت الطبيعي (موت الجسد) الذي ينتظر المعترفين.. مثل هذا الموت لا يخافه المسيحي. فالحياة الحقيقية التي يعطيها المسيح منذ الآن هي أقوى من فناء الجسد: هي الحياة الأبدية والخلاص والمشاركة مع الرب. هي واقع اسكاتولوجي تبرزه الدينونة الأخيرة. الغالب سيحيا إلى الأبد مع المسيح فلا يصيبه هلاك النفس والجسد في جهنّم.

3- رسالة إلى كنيسة برغامس (2: 12- 17)
تقع برغامس شمالي المدن السبع وهي تشرف على وادي كايكوس. زاحمت أفسس مطالبة بالمركز الأول في المنطقة. منذ سنة 29 ق. م، هي عاصمة مقاطعة آسية. وفيها بُنيت المعابد الوثنية التي تشرف على المدينة: مذبح زوش بالرخام الأبيض، معبد اسكولابوس الذي يؤمّه المرضى طلباً للشفاء.
صاحب السيف المسنون (آ 12، 1: 16). ستعود الصورة في آ 16. سيف كلمة الله.
تسكن حيث عرش الشيطان. بشكل عام، تدلّ هذه العبارة على العالم الوثني. وبشكل خاص على اسكولابوس الذي يدلّ على الشيطان عبر رمز الحيّة (تك 3: 1- 5؛ أش 65: 25؛ رؤ 12: 9؛ 20: 2). إذن، اسكولابوس يزاحم يسوع الشافي الحقيقي للمرضى.
تُهنّأ كنيسة برغامس لأنها ظلّت متعلّقة، باسم يسوع وبالإيمان المسيحي مع أن الشيطان تدخّل فنجح في "قتل" أنتيباس. إن هذه المحاولات الشيطانية كانت تهدف إلى جعل المسيحيين يُنكرون إيمانهم مهدّدينهم حتى بالموت. وهكذا صارت برغامس الموضع الذي فيه يملك الشيطان.
ما أنكرت إيمانك. في 3: 8 تهنّأ كنيسة فيلادلفية لأنها رفضت أن تنكر إسم المسيح. الإطار هو هو. الإيمان بيسوع وباسم يسوع. أما أنتيباس فيُقال انه تلميذ يوحنا (شأنه شأن بوليكربوس) وأسقف برغامس. ويروى استشهاده في القرن الخامس: جاء "وحي سماوي" يدعو الشعب الوثني في المدينة إلى المطالبة لإزالة أنتيباس الذي ما عادت الالهة تتحمّل مسيحيته. جُرّ إمام المحاكم فرفض أن ينكر إيمانه، فجُعل داخل ثور من النحاس المحميّ ومات. إستُشهد لأنه أعلن المسيح، وحين مات إتحّد بالرب أعمق اتحّاد.
ولكن (آ 14). إن الكنيسة التي كانت أمينة بوجه التهديدات الخارجية، تقبل أن يكون في وسطها أناس يرفضون مثل هذه الأمانة. 
تعاليم بلعام. عاد الكاتب إلى تفسير لنصّ التوراة (عد 31: 16؛ رج 25: 1- 3) كما قدّمه العالمي اليهودي: إن بلعام نصح بالاق، ملك موآب، بأن يجتذب بني إسرائيل إلى جحود ربّهم فيعرض عليهم الزنى ووليمة من اللحوم المذبوحة للأصنام. عاد الكاتب إلى هذا التفسير وطبّقه على مجموعة من المسيحيين يعلنون الإنفلات الأخلاقي لأنهم لم يفهموا الحرّية الحقّة. لا شركة بين البرّ والإثم. لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين، ولا أن تشتركوا في مائدة الرب ومائدة الشياطين (1 كور 10: 1 2). فكيف يستطيع الواحد أن يكون مسيحياً ويشارك في الوقت عينه في الإحتفالات الوثنية من زنى وكل لحوم إكراماً للأصنام.
عندك من يتبعون (آ 15-16). إختلفت جماعة برغامس عن جماعة أفسس فلم "تحرم" النقولاويين. إذن، خطأ جسيم. تأخّرت الكنيسة عن استبعادهم السريع خوفاً من أن لا يُسمع صوتها. أقاتلهم بسيف فمي. إن تهديد الدينونة (1: 16؛ 2: 12، 16) مسلّط فوق جماعة برغامس حيث المسيحيون منقسمون.
المنّ الخفي (آ 17). حُفظ المنّ في السماء للمختارين، كما تقول التقاليد اليهودية. وسيُعطى لهم كطعام عجائبي (خر 16) في العهد المسيحاني. ثم إن المنّ في المسيحية هو رمز الافخارستيا (1 كور 10: 3 ي؛ يو 6: 48- 58). وهكذا تشير صورة المنّ إلى خبز الافخارستيا. وهكذا فالخيرات الموعود بها في 2: 7 ليست محفوظة لنهاية الأزمنة. إنها توجّهنا إلى أمور حاضرة في حياة المسيحيين: منذ اليوم هم ينالون هذا الطعام الموعود به للأزمنة الأخيرة. فلا نتعجّب من ذلك: فمنذ مجيء المسيح دخل العالم في حقبته الأخيرة. هذا لا يعني أن الرسائل لا تتحدّث عن المستقبل. ولكنها تقول إن هذا المستقبل يتجذّر في حاضر حياة الكنيسة.
حصاة بيضاء. كان الغالب يتسلّم لويحة بيضاء حفر اسمه عليها، فتدلّ على انتصاره. وهناك أيضاً حصاة الدعوة إلى الوليمة (إشارة إلى الوليمة السماوية). المهم اللون الأبيض الذي يدلّ على الواقع الإلهي، على المجد الذي يتبع انتصار المسيح. وترتبط الحصاة البيضاء بالإسم الجديد فتنتمي إلى عالم متجدّد، إلى الخليقة الجديدة.
فيها إسم جديد. هنا نتذكر أش 62: 2: "يسمّونك (يا أورشليم) باسم جديد يعلنه فم الربّ". وفي أش 65: 15 (حسب اليونانية): "يعطى لعبيدي إسم جديد". وهكذا يعطي الله للغالب حياة جديدة، وجوداً جديداً يفترض حباً خاصاً. والإسم هو إسم المسيح (3: 12). هو إسم يحمله المسيح "الفارس" فلا يفهمه الناس. إسمه كلمة الله (19: 13) وملك الملوك وربّ الأرباب (19: 16). وهو وحده يعرف الواقع الحقيقي لألقابه (19: 12). وإن 144.000 يحملون هذا الإسم على جباههم (14: 1؛ رج 22: 4). إذن، ينال الغالب إسماً جديداً يدلّ على انتمائه إلى المسيح، وعلى طابعه كإنسان مجدَّد. ومتى ينال المؤمن هذا الإسم؟ في المعمودية. حينئذ يصبح خليقة جديدة بولادة جديدة هي خبرة نعيشها وسّر نعرفه وحدنا. غير أنّ هذا الإسم الجديد لا يُعطى إلاّ للذين رفضوا كل مساومة، رفضوا أن يعبدوا ربّين.

4- رسالة إلى كنيسة تاتيرة (2: 18- 29)
تياتيرة هي مرفأ هام في الشرق القديم، بين برغامس وسارديس. وإن ليدية، بائعة الأرجوان المذكورة في أع 16: 14 هي من تياتيرة.
عيناه كشعلة لهيب (آ 18). رج 1: 14-15. المتكلّم هو ابن الله (هي المرة الوحيدة يرد فيها هذا اللقب في رؤ). فالمسيح المعلّم يتكلّم بسلطة الله. أما لقب كيريوس (الرب) فيستعمل في النصوص الليتورجية.
ما عندك من محبة (آ 19). تُذكر المحبة في البداية، وهذا ما يجعلنا في جوّ اللاهوت اليوحناوي (1: 5؛ 2: 4). وإيمان (2: 13، 19؛ 13: 10؛ 14: 12) يرافق الصبر. والإيمان يدل على الأمانة والثبات في الحياة المسيحية اليومية. أعمالك الأخيرة أكثر من الأولى. نحن في وضع معاكس لما في 2: 4 حيث تركت الكنيسة محبتها الأولى.
ولكن (آ 20). إن كنيسة تياتيرة تقبل بوجود هراطقة يعلّمون ما يعلّمه النقولاويون. كان النقولاويون في برغامس النسل الروحي لبلعام (2: 14). أما تياتيرة فترتبط بإيزابيل. هي في العهد القديم (1 مل 16: 31- 32؛ 18: 4، 13؛ 21: 25 ي؛ 2 مل 9: 22، 30) زوجة أحاب، ملك إسرائيل (873- 854). هي فينيقية الأصل فارتبط إسمها بعبادة البعل التي نشرتها رغم احتجاجات إيليا وميخا. وإذ يتحدّث عنها يوحنا، فهو يشير إلى نبيّة تضع البلبلة في تياتيرة. إعتبرت نفسها أنها ملهمة فتبعها الناس في هذا الإطار الغنوصى الذي يجمع "المعرفة" إلى انفلات أخلاقي على المستوى الجنسي. هنا نتذكّر أن تياتيرة ستكون مركز المتشيّعين لمونتانوس الذي شهد على إلهام الروح القدس ضدّ كل تقليد أو تعليم كنسي.
أمهلتها (آ 21). هذا يعني أن الحالة دامت طويلاً. وهناك دعوة إلى التوبة. أما الزنى فيدلّ على عبادة الأصنام وما يرافقها من أعمال إباحية. أولاد النبية يقاسمونها عقابها، ونسلها سيزول. هذا يعني أن الهرطقة ضُربت ضربة قاتلة، ودعيت الكنيسة إلى الامانة لكي لثبت خلال وقت الألم ووقت القيامة.
تعرف بيع الكنائس (آ 23). ما يصيب كنيسة هو درس لجميع الكنائس التي تعرف الصعوبات نفسها. إني أفحص الأكباد. يعني عواطف الإنسان وأفكاره. وأعطي كل واحد حسب أعماله. رج 20: 13؛ 22: 22. في العهد القديم، الله هو من يمارس الدينونة (مز 62: 13). وهنا يمارسها يسوع نفسه (رج مت 16: 27). إذن، هو الله.
أما أنتم الآخرون (آ 24). لقد انقسمت الجماعة بالنسبة إلى إيزابيل وتعليمها. ما هي أعماق (أسرار) الشيطان؟ أسرار الهرطقة. يعتبرون أنهم أدركوا الأسرار بمعرفتهم الباطنية، أدركوا أسرار الله، فإذا هم يدركون أسرار الشيطان. وقد يكون هذا الإدراك على مستوى الحياة الأخلاقية بحيث يظنّ "الغنوصيون" أنه يحقّ لهم أن "يتعرّفوا" إلى أعماق الشّر. ولكن المتطلّبة الوحيدة تبقى الحب والإيمان والخدمة والصبر. هذا هو الكنز الحقيقي الذي يملكه المسيحيون في تياتيرة. ليس من أخلاقية أسمى من هذه، وليس من وحي أرفع، وليس من سلاح أفضل ضدّ الشيطان سوى انتظار مجيء المسيح.
من غلب (آ 26). الغالب هو الذي يحفظ أعمال المسيح إلى النهاية. هذا التحديد يضمّ عبارتين يوحناويتين: حفظ الوصايا (12: 17؛ 14: 12). عمل الأعمال (15: 3). هنا نقرأ يو 15: 14: "أنتم أحبائي إذا عملتم بما أوصيكم به". ويو 15: 10: "إذا عملتم بوصاياي تثبتون في محبتي، كما عملت بوصايا أبي وأثبت في محبته". الآب والإبن واحد. والمشاركة تامة بين الإبن والمؤمن. وحين يعيش المؤمن في العالم كما عاش المسيح (ومات)، يغلب، ويثابر حتى النهاية، أي حتى الإستشهاد. أعطيه سلطاناً على الأمم (رج مز 2: 8-9) على مثال المسيح. فما قيل ليسوع يقال للمسيحيين. فالمسيح لا يقاسم أحبّاءه آلامه فقط، بل مجده وسلطانه وذلك منذ الآن. لقد أعلن النبي لهذه الجماعة التي تحاول أن تساوم مع العالم الوثني الذي يحيط بها، أنّ أمانتها تجعلها تنعم بالنبوءة التي قيلت في المسيح. إن شهادة جماعة صغيرة وضعيفة هي انتصار على قوى الشّر في العالم كله. هي انتصار المسيح يؤوّن في حياة المسيحيين.
يرعاهم بعصا من حديد (آ 27). لم نعد أمام عصا الراعي الصالح، بل أمام رمز الدينونة التي لا ترحم. فالإنسان الذي يهرب من يد الله، يعتبر أنه صار "إلهاً". ولكن حلمه ينتهي بألم متزايد في اليقظة، فحين تأتي دينونة الله سيعرف وضعه الحقيقي: إنه رجل حقير وأهل للشفقة.
كوكب الصبح (آ 28). حسب أش 14: 12، يشير كوكب الصبح إلى سقوط ملك بابل، وهناك مقاطع أخرى (دا 12: 3؛ مت 13: 43؛ 2 بط 1: 19) تجعلنا نرى في عطية كوكب الصبح مشاركة في حياة المسيح ومجده. فيسوع يسمّي نفسه "كوكب الصبح" في 22: 16. ففي المسيحي الأمين، بدأ وجه المسيح يشعّ منذ الآن.
من كان أميناً نال كوكب الصبح. هذا ما يحيلنا إلى عد 24: 17 مع النبوءة المسيحية عن كوكب يعقوب. فالمسيح هو النجمة الصباحية التي تعلن النور العظيم والنهائي. إن هذا الوعد يقابل عطية الإسم كما يترافق مع المشاركة في ملك ابن الله وسلطانه كديّان. فالوعود للغالب هي في النهاية مشاركة في كيان المسيح: نحمل إسماً جديداً. نتسلّط على الأمم، نجلس معه على عرشه.

خاتمة
إن الذين يجاهدون وسط التجارب والمحن، سيكون مجيء الديّان لهم منظوراً وملموساً، وكلامه مسموعاً. سيعمل وسط هذه الكنائس ليدعوها إلى الأمانة التي لا مساومة فيها.
إن الذين صاروا عمياناً لا يرون. وضعهم الذي يثير الشفقة، سيكون مجيء المسيح خفياً، مفاجئاً، مؤلماً. سيأتي كاللص. سيقرع الباب.
إنّ الذين دخلوا في سرّ الفصح، في آلام المسيح وقيامته، سيكون مجيئه تعزية وراحة. سيكون المسيح مع كنيسته في ملء حضوره الذي يدوم إلى الأبد.
سيقوله يسوع لكنيسته التي غمرها بخيراته: "يعرفون أني أحببتك" (3: 9). وسيقول لتلك التي تعرف الخطر: "أنا أوبّخ وأؤدّب من أحب" (3: 19). حينئذ نهتف له: "لذلك الذي أحبنا، وحرّرنا بدمه من خطايانا، وجعل منا ملكوتاً وكهنة لله ابيه، المجد والعزة إلى أبد الدهور. آمين" (5:1 ب-6).