آباء الكنيسة والمعموديّة

 

حدَّثتنا الأناجيل عن المعموديّة. قال مرقس في خاتمة تدلُّ على حياة الكنيسة بعد موت الرسل: »فمَن آمن واعتمد يخلص« (16: 16). وجعلَنا متّى في حضرة القائم من الموت الذي أرسل تلاميذه يعمِّدون، فأعطانا صورة عن ممارسة كانت تقوم بها الجماعات المسيحيّة في نهاية القرن الأوَّل. عماد لا باسم المسيح كما في الكنيسة الأولى وكما نرى في كتاب الأعمال (2: 38)، بل باسم الثالوث الأقدس، باسم الآب والابن والروح القدس (مت 28: 19). وحدَّثنا يوحنّا عن ولادة من فوق، من جديد، عن ولادة من الماء والروح (3: 3-5) فكيف تقبَّل التقليد المسيحيّ هذه الممارسة التي تُدخل في الجماعة الأعضاء الجدد؟ هذا ما نعالجه في ثلاث محطّات: الآباء الرسوليّون في القرن الثاني. التعمُّق خلال القرن الثالث في الشرق والغرب. العصر الذهبيّ في القرن الرابع مع كرازة موسَّعة حول العماد.

 

1- الآباء الرسوليّون

نبدأ مع الجماعات المسيحيّة المتهوِّدة، وننتقل إلى يوستين، ابن نابلس في فلسطين، وننتهي مع إيرينه الذي هو تلميذ بوليكربُس تلميذ يوحنّا الحبيب في آسية الصغرى.

أوَّلاً: الجماعات المسيحيّة المتهوِّدة

هي جماعات من المؤمنين انتقلوا من العالم اليهوديّ إلى العالم المسيحيّ، ولكنَّهم حافظوا على عدد من ممارساته. اعبروا أنَّ الكنيسة تحقِّق المواعيد التي أُعطيَت لإسرائيل، فصارت وريثة القيم التي نادت بها التواراة ومارستها الليتورجيّا.

وأوَّل كتاب هو »الديداكيه« أو تعليم الرسل (بداية القرن الثاني). يبدأ القسم الليتورجيّ فيه بحديث عن المعموديّة، وفقاهة حول الطريقين. يذكر الكاتب الماء ويشدِّد على العبارة المستعملة: »صبّ الماء ثلاث مرّات على الرأس باسم الآب والابن والروح القدس«. بالعماد يصبح الإنسان عضوًا في الجماعة المحلِّيَّة، ويُلزم نفسه بأن يتبع طريق الحياة«. وهكذا يظهر المؤمن ويصبح أهلاً للمشاركة في الإفخارستيّا. لا يتحدَّث النصُّ عن غفران الخطايا، ولكنَّ الطقس يتضمَّن مثل هذا الغفران، وإلاّ لما استطاع المؤمن أن يشارك في شعائر العبادة.

ونذكر »موشَّحات سليمان« التي تُخفي وراء نصوصها الشعريّة، فقاهةً عماديّة. صوَّر الكاتب طقوس العماد، وفسَّر رموزه عائدًا إلى المواضيع البيبليّة مثل عبور البحر الأحمر والهيكل والختان. وتكلَّم عن المعموديّة بالغطس، وهي تتضمَّن خلع اللباس ثمَّ ارتداءها. يقول المعمَّد: »حين لبستُ ثوب روحك، نزعتُ عنّي لباس الجلد الذي ارتداه آدم بعد الخطيئة« (تك 3: 21). فالمسيح نزل إليها كي يقهر فيها التنّين، أي الحيّة الأولى كما يقول رؤ 12: 9. والغطس في الماء يشبه نزولاً إلى الجحيم، أي عالم الموتى، ونجاة من الموت الذي هو قناع يلبسه إبليس، وخلاص من مملكة الجحيم.

وتحدَّثت الموشَّحات مرارًا عن الختم الذي يدلُّ على المعموديّة بشكل عامّ، كما يدلُّ على طقس خاصّ فيه يقول الربّ: »جعلت ختمي على وجههم«. أجل، يُختم المعمَّدون الجدد على جباههم فيدلُّون على أنَّهم يخصّون المسيح. فرمزيّة الصليب تُجمل مسيرة المسيح ومسيرة المسيحيّ، فترسم لنا الطريق عبر مياه الموت بفضل الإيمان بالمسيح القائم من الموت. واحتفظت الطقوس السريانيّة واليونانيّة والقبطيّة بطقس فيه يغطِّسون الصليب في المياه لكي يكرِّسوها. وكان المعمَّد يتوَّج كما يتوَّج العريس والعروس اليوم، علامة على الخيرات السماوايّة التي ينعم بها منذ الآن. وأخيرًا يصوَّر العماد في الموشَّحات كعودة إلى الفردوس مع شجرة الحياة وطقس اللبن والعسل اللذين توسَّع فيهما أفرام السريانيّ ولاسيّما في أناشيد الفردوس.

والكتاب الثالث هو »رسالة برنابا« التي تعود أيضًا إلى القرن الثاني. لاشكَّ في أنَّها ليست تعليمًا عن العماد كما هو الأمر بالنسبة إلى الموشَّحات، ولكنَّها تقدِّم توسيعين حول موضوعين مرتبطين بالعماد: الفردوس وأرض الميعاد، الصليب والماء.

العماد يغفر خطايانا ويجدِّدنا، يجعل منّا خليقة جديدة. »فالربُّ إذ يجدِّدنا بغفران الخطايا، يطبعنا بطابعه، بحيث تصير نفسُنا نفس طفل، وكأنَّه خلقنا من جديد. فالكتاب يتكلَّم عنّا حين يقول الله لابنه: لنجعل الإنسان على صورتنا ومثالنا«. وهكذا تبدو المعموديّة خلقًا جديدًا تعيد الإنسان إلى الحالة الأولى في الفردوس.

هو الإنسان يدخل إلى أرض الميعاد، هذا العالم الجديد، حيث يجري اللبن والعسل بحيث يتحوَّل قلب الإنسان، فيصبح هيكلاً لله. وهكذا يرتبط الفردوس بأرض الميعاد حيث يُسرُّ الله أن يقيم في الأفراد كما في الجماعات.

والموضوع الثاني هو الصليب والمياه. إنطلق الكاتب من أش 45: 2 فقدَّم المعموديّة على أنَّها نزول في مياه الموت. وهذه المياه لا تجرف الموعوظ كما فعلت مياه الطوفان، بل تمنحه الخلاص وتثبِّته بواسطة الصليب كما على صخر لا يتزعزع. وبعد النزول، هناك صعود للقاء المسيح في المجد. واستند الكاتب أيضًا إلى الشجرة المزروعة على جانب المياه (كما في مز 1)، فجمع الصليب والماء في صورة واحدة. فالمعمَّدون الذين ينزلون إلى المياه، يحملون ثمارًا في كلٍّ فصول السنة حتّى في فصل الشتاء، هي ثمار الإيمان والمحبّة.

لن نتوقَّف عند »راعي هرماس« إلاّ لكي نشير إلى ما في الغطس العماديِّ من رموز: التاج أو الإكليل. اللباس الأبيض علامة الظفر والنقاوة. والختم الذي هو علامة تُرسم على جبين المعمَّد فيصبح مُلك الله.اشترانا المسيح ودفع الثمن، فلم نعد ملك أنفسنا، بل ملك مَن افتدانا فتسمّينا باسمه وصرنا له.

ثانيًا: يوستينُ وإيرينه

نشير إشارة عابرة إلى أغناطيوس الأنطاكيّ الذي يرى في آلام المسيح انتصارًا على الشيطان. وينسب إلى المياه قوّة مطهِّرة يرمز إليها عماد يسوع. »وُلد وعُمِّد لكي ينقّي الماء بآلامه«. أمّا رسالة كليمان الثانية فتدعو المؤمنين إلى حياة مسيحيّة تتوافق مع المعموديّة. ونتوسَّع في مؤلّفات يوستين.

قدَّم لنا يوستين في دفاعه الأوَّل ممارسة الجماعة المسيحيّة لسرِّ المعموديّة. »إنَّ الذين يؤمنون بحقيقة تعليمنا، يَعدون بأن يعيشوا بحسب هذه الشريعة. عند ذاك نعلِّمهم الصلاة: يطلبون من الله في الصوم غفران الخطايا. ونحن نصلّي معهم ونصوم. وبعد ذلك، نقودهم إلى موضع فيه ماء. وكما وُلدنا نحن، يُولَدون هم بدورهم. حينئذ يُغسَلون بالماء باسم الله الآب وسيِّد كلِّ شيء، ويسوع المسيح مخلِّصنا، والروح القدس. هذا الاغتسال يسمّى استنارة، لأنَّ الذين يتقبَّلون التعليم يمتلئ عقلهم بالنور. والذي اغتُسل يتسنير باسم يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطيّ، وباسم الروح القدس الذي روى بالأنبياء خبر يسوع المسيح كلَّه«.

أوَّل عمل للروح هو غفران الخطايا. وقوَّة هذا السرّ تأتيه من المسيح المصلوب، وهذا الغفران يفترض تحوُّلاً في الحياة وتحوُّلاً في العقليّة، كما يفترض إيمانًا بالمسيح. قال يوستين: »فالذين اعتمدوا بالماء والإيمان والخشب (كما في الطوفان، وهنا خشب الصليب) وندموا على خطاياهم، يُفلتون من دينونة الله الآتية«. ولا يكتفي يوستين بالوجهة السلبيّة للمعموديّة، بل يشير إلى الناحية الإيجابيّة: المعموديّة هي ولادة جديدة واستنارة. وهي خلق جديد تُعيد الخلق الأوَّل إلى نقائه، بل تجعله أجمل ممّا كان.

ويقدِّم لنا إيرينه قاعدة الإيمان في »البرهان الرسوليّ«: هذه القاعدة توصينا بأن نتذكَّر أنّنا تقبَّلنا المعموديّة لغفران الخطايا، باسم الآب، وباسم يسوع المسيح إبن الله المتجسِّد، الذي مات وقام، وفي الروح القدس، روح الله. وأن نتذكَّر أيضًا أنَّ هذا العماد هو ختم الحياة الأبديّة والولادة الجديدة في الله، بحيث لم نعد أولاد بشر مائتين، بل أولاد الله الأزليّ«.

ويعلن إيرينه أنَّ الكنيسة تمتلك الروح. وحين ينال المؤمن الروح في المعموديّة يجد فيه ضيفًا لهذه الحياة ولحياة الأبد. »تلك هي حالة المؤمنين: فيهم يقيم بشكل متواصل الروح القدس الذي أُعطيَ في المعموديّة«. وهذا الروح يبقى فينا شرط أن نحيا في الحقِّ والقداسة، والبرِّ والصبر. والقيامة هي أيضًا عمل هذا الروح، لأنَّ الجسد ينال نفسًا أخرى فيقوم معها بقوَّة الروح القدس ويدخل إلى ملكوت الله.

 

2- التعمُّق في سرِّ العماد

نشهد في القرن الثالث بناء الليتورجيّا العماديّة، وصياغةً للاهوت المعموديّة. فتنظيمُ مسيرة الموعوظين يفترض فقاهة سوف تتوضّح وتصل إلى ملء قامتها مع القرن الرابع. نبدأ مع كليمان، أسقف الإسكندريّة.

 

1) كليمان الإسكندرانيّ

نجد عند كليمان موضوع المعموديّة التي هي قبر ورحْمٌ أموميّ. توجَّه بكلامه إلى مسيحيّين تعمَّدوا: آمنوا فدخلوا في الكنيسة وتربُّوا التربية المسيحيّة. بدأ حربه على الغنوصيّة التي تقسم البشر فئتين: أصحاب الجسد وأصحاب الروح، مسيحيّون من درجة ثانية ومسيحيّون من درجة أولى. أمّا كليمان فلا يرى درجة تسمو على المعموديّة التي تحمل إلى المؤمن كلَّ ما يستطيع أن يتقبَّله: »حين وُلدنا من جديد، تقبَّلنا حالاً ما هو كامل ونلْنا كلّ موضوع انتظارنا. استنرنا أي عرفنا الله. لهذا يستحيل أن يكون ذلك الذي عرف الكامل، ناقصًا«.

ويقول أسقف الأسكندريّة: »تعليم الفقاهة يقود بشكل تدريجيّ إلى الإيمان. والإيمان ينال تعليم الروح ساعة المعموديّة«. وهكذا لا يفترق الإيمان أبدًا عن السرّ. ويتابع كلامه: »تعمَّدنا فاستنرنا. واستنرنا فصرنا أبناء. وصرنا أبناءً فصرنا كاملين. وصرنا كاملين فحصلنا على الخلود على ما قال الكتاب: قلت إنَّكم آلهة وبنو العليّ. وهذا العمل اسمه: الموهبة، الاستنارة والكمال، الاغتسال. اغتسال به نتطهَّر من خطايانا. موهبة بها تُرفع العقوبات التي استحققناها بخطايانا. استنارة بها نتأمَّل في النور البهيّ والمقدَّس، نور الخلاص، بها نشاهد بنظرنا اللاهوت. كمال، لأنّ من عرف الله لا ينقصه شيء. فمن العبث أن نسمّي عطيّةً ناقصة، موهبة إلهيّة. ثمَّ إنَّ التحرُّر من الشرِّ هو مبدأ خلاص«.

 

2) أوريجان

ما صاغ أوريجان لاهوتًا عماديٌّا، ولكنَّه وهو معلِّم الإسكندريّة، هيَّأ عددًا من المرشَّحين للمعموديّة وسلَّم إليهم تعليم الكنيسة. يرى أوريجان أنَّ حياة الموعوظين تتضمَّن عنصرين متكاملين: الارتداد على المستوى الخلقيّ، وعناصر الإيمان الأولى. وهذه العناصر كانت ملخَّصة في مختصر هو قانون الإيمان الذي هو أساس البرنامج الفقاهيّ. أجل، هذا التعليم يهيّئ الموعوظ للمعموديّة التي نعلن بها إيماننا. »إذن، حين نأتي إلى نعمة المعموديّة، كافرين بسائر الآلهة والأرباب، نعترف بآب واحد، بالإبن، بالروح القدس«.

وتكوين المؤمن يترافق مع ارتداده. فشدَّد أوريجان على أنَّ »الأسرار« الوثنيّة لا تتطلَّب أيَّ تحوُّل داخليّ. لهذا نرى معلِّم الإسكندريّة يحرِّض الموعوظين على التوبة فيقول: »أنتم الذين ترغبون في قبول العماد المقدَّس، يجب عليكم أوَّلاً أن تتنقُّوا بالإيمان، يجب عليكم، بسماع كلمة الله، أن تقتلعوا جذورَ الشرور، وتهدِّئوا عاداتكم الجامحة. وهكذا، إذ تلبسون التواضع والوداعة تنالون نعمة الروح القدس«.

وتوسَّع أوريجان في صور العماد التقليديّة التي سبق وأشرنا إليها: العودة إلى الفردوس (قال: الذين ولدهم العماد المقدَّس، يُجعلون في الفردوس أي في الكنيسة، لكي يتمُّوا الأعمال الروحيّة)، الطوفان، عبور البحر الأحمر. ويتوسَّع في هذا الموضوع الأخير لأنَّ تاريخ إسرائيل هو صورة مسبقة عن حياة المؤمنين الروحيّة. »يسمّي بولس هذا، عمادًا تمَّ في موسى في الغمام وفي البحر، لكي تعلَموا أنتم الذين اعتمدتم في المسيح في الماء والروح، أنَّ المصريّين يتبعون خطاكم، وأنَّهم يريدون أن يعودوا بكم إلى عبوديَّتكم القديمة، أي إلى رئاسات هذا العالم، إلى الأرواح الشرِّيرة التي استُعبدتم لها. هم يحاولون أن يدركوكم، ولكنَّكم تنزلون في الماء وتخرجون سالمين. بعد أن غُسلت أوساخ خطاياكم، تُصعَدون كأناس جدد مستعدِّين لأن تنشدوا النشيد الجديد«.

وتوقَّف أوريجان عند اغتسال نعمان في الأردنّ وشفائه من البرص، عند فأس أليشاع التي عامت على سطح الماء. ما توقَّف عند عبور الأردنِّ بقيادة يشوع (الذي هو اسم يسوع)، ثمّ عبور إيليّا قبل صعوده إلى الربِّ بعد موته. والآبار التي حُفرت في البرِّيَّة هي موضوع اللقاء بين العهدين، وفيها تتمُّ أعراس المسيح مع الكنيسة ومع كلِّ عضو من أعضائها. »ففي غسل الماء تتَّحد الكنيسة بالمسيح«.

 

3) ترتليان

هذا في الشرق. وإن انتقلنا إلى الغرب، ولاسيّما أفريقيا الشماليّة، نجد قبريانس والجدال حول عماد الهراطقة، وترتليان والفقاهة العماديّة. غير أنّنا نكتفي بترتليان.

كتب ترتليان مقالة »في العماد« ليدافع عن هذا السرِّ بوجه شيعة غوصيّة تقول بالثنائيّة على ما في المانويّة: بما أنَّ المادَّة شرِّيرة، يجب أن تُرذل. وبما أنَّ الماء مادَّة هي، فيجب أن نرذلها، لأنَّ الإيمان وحده ضروريّ للخلاص. إستلهم ترتليان إيرينه وبيَّن وحدة مخطَّط الخلاص عبر التاريخ، وحدة العالم المادّيّ والعالم الروحيّ، وحدة الخلق والفداء.

شرح ترتليان رمز الماء، وفسَّر طقس العماد، وتوسَّع في الرموز البيبليّة المتعلِّقة بهذا السرّ. ثمَّ عاد إلى المسائل اللاهوتيّة. أمّا العماد فهو ماء وتطهير وإسكاتولوجيّا. إنَّ بساطة الوسائل (الماء) تكشف عن قدرة الله. وإذ أراد أن يبيِّن التقابل بين الخلق والنعمة حلَّل عمل الماء الخلاَّق، وبيَّن العلاقة بين الماء والروح. »إذا كان الله استعمل هذه المادَّة في كلِّ عمله، فهو جعلها خصبة في ما يخصُّ أسراره. وإذا كانت تشرق على الحياة على الأرض، فهي تمنح الحياة أيضًا من أجل السماء«.

وتنال المياه هذه الفاعليّة من الروح الإلهيّ الذي يقيم فيها، منذ البدء، الذي ينعشها ويقدِّسها لكي تقدِّس بدورها. وعمل الروح هذا ينتهي في العماد. فمع الدعوة »ينزل الروح من السماء، ويحلُّ على المياه ويقدِّسها بحضوره. فتأخذ بدورها سلطان التقديس«. في المعموديّة، الماء شفاء وحياة أبديّة وعودة إلى صورة الله الأولى التي خسرناها بالخطيئة.

ويقدِّم لنا ترتليان طقس العماد. بعد أن نكفر بالشيطان، نغطس في الماء... وفي كلِّ غطسة نجيب على سؤال: »هل تؤمن بالله الآب الضابط الكلّ. هل تؤمن بيسوع المسيح إبنه الوحيد. هل تؤمن بالروح القدس، بمغفرة الخطايا، بالحياة الأبديّة بواسطة الكنيسة؟«. ويجيب الطالب على الأسئلة الثلاثة: »أؤمن«.

 

3- العصر الذهبيّ

وهكذا نصل إلى القرن الرابع، إلى العصر الذهبيّ، حيث تنظَّمت الفقاهة العماديَّة، وترتَّب طقسُ العماد بحيث لم يتبدَّل أجيالاً وأجيالاً. وعماد البالغين الذي تعمَّم، مثَّل تبدُّلاً في الحياة وقرارًا بعدم العودة إلى الأخلاق الوثنيّة التي عرفها المؤمن فيما مضى. وكان المرشَّحون يستعدُّون للعماد خلال الصوم، فيلقي عليهم الأسقف تعليمًا مختصرًا عن حقائق الإيمان. وكلُّ هذا ينتهي بقبول سرِّ التنشئة، أي المعموديّة والتثبيت والإفخارسيّتيّا. ولقد بقيت لنا عظات تعليميّة من كيرلّس الأورشليميّ، وتيودور المصيصيّ، ويوحنّا فم الذهب، وأمبرواز أسقف ميلانو، وأوغسطين. وهذه العظات تبيِّن المكانة الهامّة التي احتلَّها تكوينُ المسيحيّين الجدد في حياة الكنيسة. لن نتحدَّث عن هؤلاء الكتّاب، بل نشير إلى الفقاهة العماديّة، إلى الفقاهة الكتابيّة، إلى مواضيع الكرازة العماديّة.

 

1) الفقاهة العماديّة

منذ القرن الثالث أسَّست الكنيسة زمن تهيئة للموعوظين، كان يمتدُّ في رومة على ثلاث سنوات. كان الموعوظ يتعلَّم، كما كان يشارك في ليتورجيّة الكلمة. أمّا التهيئة المباشرة فتستمرُّ خلال الصوم ليتنقّى الإيمان وتتنقّى النفس، أمّا آخر طقس إعداديّ، فهو الكفر بالشيطان الذي نتلوه ونظرنا إلى الغرب، موضوع الظلمة، والاعتراف بالمسيح وأيدينا ممتدَّة إلى الشرق الذي يدلُّ على موضع الفردوس الأوَّل وعلى عودة المسيح في المجد. قال كيرلُّس الأورشليميّ: »حين تكفر بالشيطان، وتقطع كلَّ علاقة معه وتلغي المعاهدة القديمة مع الجحيم، ينفتح كلُّ فردوس الله الذي زرعه الله في الشرق، والذي منه طُرد أبونا لأنَّه عصى الوصيّة. لهذا جعلوك تميل من الغرب إلى الشرق، موضع النور. وجعلوك تقول: ''أنا أؤمن بالآب والابن والروح القدس، وبمعموديّة واحدة للتوبة«.

ويتحدَّث هؤلاء الآباء عن طقوس المعموديّة، عن المسح السابق للعماد والمسح الثاني بالزيت لئلاّ يبرد المعمَّد الخارج من الماء، وهي عادة نجدها في سورية في القرن السابع. عن الثياب البيض التي تقابَل مع الثياب الجلديّة التي لبسها أبوانا الأوَّلان، ومع ثوب البرارة الذي خسره آدم بالخطيئة. وعلى الختم الذي يسمّى سرُّ التثبيت بالمعنى الحصريّ ويفترق عن العماد في الكنيسة اللاتينيّة، ولكنَّه يرافق العماد في الكنائس الشرقيّة.

 

2) الفقاهة الكتابيّة

وتوسَّع التعليم المقدَّم للموعوظين بكلِّ التاريخ المقدَّس منذ خلق العالم حتّى أزمنة الكنيسة الحاليّة. فما تعلَّق بالتفاصيل، بل أبرز محطّات الخلاص الكبرى وتحدَّث عن أعمال الله العظيمة، بل عن أعظمها. والأسرار هي امتداد لعمل الله في الكنيسة.

إنَّ الفقاهة الكتابيّة هي نمطيّة، تيبولوجيّة. تنطلق من أعمال الله في العهد القديم، فترى التواصل بين التدبير الواحد، فترى فيها إعلانًا مسبقًا للأسرار من أجل المدلول الروحيّ للمعموديّة. وكانت تُتلى القراءات بالنظر إلى هذه التيبولوجيّا أو النمطيّة. أمّا الصور البيبليّة حول العماد فتستقي من ينبوعين رئيسيّين: مسيرة سفر الخروج، ومسيرة سفر التكوين. تبدو الأولى مهمَّة برمزيَّتها والثانية بلاهوتها. تنطلق الأولى من رمزيّة نهر الأردنّ الذي هو تكرار للبحر الأحمر وآخر محطّة لشعب الله قبل الدخول إلى أرض الميعاد. وتصوِّر الثانية التي هي خاصَّة بفقاهة أنطاكية، المعموديّةَ في تدبير يربط آدم الأوَّل بآدم الثاني، ونرى فيها عودة إلى الفردوس.

وإليك كيف لخَّص هيلاريون تقليد سفر التكوين الليتورجيّ والفقاهيّ في مقالة في الأسرار: »إنَّ المسيح خلال كلِّ زمن العالم وبواسطة صور حقيقيّة، يلد الكنيسة، يغسلها، يقدِّسها يدعوها، يختارها، يفتديها: في رقاد آدم (ساعة خرجت حوّاء من جنبه)، في طوفان نوح، في برَكة ملكيصادق لإبراهيم (مع الخبز والخمر)، في تبرير إبراهيم (آمن فحسب له ذلك برٌّا). وهكذا منذ خلق العالم تصوَّر ما تمَّ في المسيح«.

واحتفظ الآباء بموضوعين: الفردوس وآدم. فالأزمنة المسيحانيّة تصوِّر كعودة إلى حالة الفردوس، والمخلِّص آدم الجديد. تشدِّد الأناجيل وسفر الرؤيا على الأوَّل. والرسائل البولسيّة على التوازي بين الآدمين، آدم الأوَّل وآدم الثاني الذي هو المسيح. استعادت حياةُ يسوع حياة آدم في الفردوس. وعلى الصيب، كما في رقاد آدم، وُلدت حوّاء الجديدة (الكنيسة) من الجنب المطعون في سرِّ الماء والدم. إنَّ المعموديّة هي العلامة الفاعلة لخلق جديد وعودة إلى الفردوس. أمّا على مستوى سفر الخروج، فالتحرُّر العجائبيّ من مصر، وعبور البحر الأحمر، وعبور الأردنّ، كل هذا صور مميَّزة عن المعموديّة. يقول أوريجان: »حين يُقاد واحد من ظلمة الضلال إلى اكتشاف النور، من حياة الأرض إلى نظام الروح، يبدو وكأنَّه ترك مصر وجاء إلى العزلة، إلى هذا النمط من الحياة الذي فيه يتمرَّس على شرائع الله ويتنشَّأ على كلمات السماء في الصمت والراحة. وبعد أن ينتظم ويتوجَّه، يعبر الأردنّ لكي يصل إلى أرض الوعد، أي يبلغ بنعمة المعموديّة إلى الحياة الإنجيليّة«.

 

3) مواضيع الكرازة العماديّة

بعد الكرازة الخاصّة بالمعمَّدين الجدد، يبدأ الوعظ والتعليم المنهجيّ على مثال ما قال يسوع لتلاميذه بعد القيامة: تلمذوا، عمِّدوا، علِّموا. توسَّع يوحنّا الذهبيّ الفم وأوغسطين بحوار يسوع مع نيقوديمس. وعيَّد الشرق في يوم الدنح والظهور اعتماد يسوع في الأردنّ، وقدَّم آباء الكبادوك مقالاً في المعموديّة يحدِّد موقع هذا السرّ في الحياة المسيحيّة. ورأى غريغوار النزينزيّ أنَّ لسرِّ المعموديَّة أسماء متعدِّدة تكشف حسناته المتعدِّدة. »يُسمّى العطيّة والموهبة والاستحمام والمسح والاستنارة ولباس الخلود ومياه الولادة الجديدة وختم الله«. أمّا نحن فنتوقَّف عند ثلاث كلمات: الاستحمام أو المعموديّة، الاستنارة، الختم.

في المعموديّة يستحمّ الإنسان، يغتسل. ولكن لسنا أماماغتسال سطحيّ نعود إليه يومًا بعد يوم كما كان الأمر في العالم اليهوديّ، بل أمام تجديد تامّ ونهائيّ ينقّي ينبوع حياتنا. وعاد يوحنّا فم الذهب وتيودور المصيصيّ إلى صوَر الموت والدفن مع الغطس وسرّ الفصح، إلى صورة الولادة الجديدة مع عمل الله الفخّاريّ حين خلق آدم.

والاستنارة هي اللفظة المفضَّلة لدى الآباء اليونان. فهي تدلُّ على نور الإنجيل كما قال بولس الرسول (2كور 4: 4-6؛ أف 1: 18؛ 2تم 1: 10) ولاسيّما في النشيد الذي احتفظت به الرسالة إلى أفسس: »استيقظ أيُّها النائم، قم من بين الأموات فيضيء لك المسيح« (5: 14؛ رج عب 6: 4، 10: 32). بدأ الحديث عن المعموديّة كاستنارة من يوستين (هذا الاغتسال يسمّى استنارة) وكليمان الإسكندرانيّ (ذاك الذي وُلد استنار، فتحرَّر من الظلمة وفي الوقت عينه نال النور). وتوسَّع بشكل كبير مع آباء القرن الرابع. فاعتبر غريغوار النزينزيّ أنَّ يوم المعموديّة هو »يوم الأنوار«.

وسُمِّي العماد في القرن الرابع الختم، ختم الروح، وهو اسم يعود إلى الأصول المسيحيّة (2كور 1: 21؛ أف 1: 13-4: 30). إنَّ الختم يُبرز وحدة العمل العماديّ الذي لا يحمل فقط بُعدًا سلبيٌّا (اغتسال، تنقية)، بل بُعدًا إيجابيٌّا هو تحوُّل داخليّ، كما يُشير التبنّي الإلهيّ الذي يختمه الله نفسه.

نجد »ختم الإيمان« عند ترتليان. و»ختم الروح« عند الآباء اليونان. وقال غريغوار النزينزيّ: »هو ختم يحمي ويدلُّ على مُلك الله السامي«. هذا الختم هو علامة الله في المعَّمد، وهي تجدِّد صورةَ الله التي خسرناها في الخطيئة«. في هذا المجال قال يوحنّا الدمشقيّ في خطِّ آباء الكبادوك: »أنتم أيضًا بين هؤلاء المعمَّدين، اتَّحدتم بالمسيح في الطاعة والإيمان بتعليمه، والختم الإيمانيّ الذي هو شبه للمسيح في مشاركة الروح«. وهذه العلامة هي استسلام بين يدي الله وهي تجنُّد في خدمة المسيح. هي تؤثِّر على كياننا كما تؤثِّر على أعمالنا. نتخلّى عن ذاتنا لنجعلها بين يدي الله، ونوظِّف كلَّ ما يعطينا العماد لكي نواجه بإيمان صعوبات الحياة اليوميّة«.

 

خاتمة

تلك لمحات سريعة عمّا قاله الآباء في سرِّ المعموديّة. بدأ الآباء الرسوليّون في القرن الثاني. وتعمَّق الآباء في القرن الثالث في أقوال الكتاب المقدَّس وفي التقليد الذي سبقهم. وكان العصر الذهبيّ مع آباء القرن الرابع الذين ما زلنا ننهل من تعليمهم في ممارسة سرِّ العماد، وفي شرحنا لهذا السرّ الذي به نغتسل فنتطهَّر، نستنير فنعرف أنَّنا نور العالم وأننّا مدعوُّون لحرب النور ضدَّ قوى الظلمة والشرِّ والخطيئة. ونُختَمُ فنعرف أنَّنا مُلك الله والمسيح. يا ليتنا بعد أن نكون درسنا الكتاب المقدَّس ولاسيَّما العهد الجديد، نغوص في ما كتبه الآباء فنعرف كيف أنَّ الكنيسة علَّمت هذا السرَّ على مرِّ العصور، وكيف يجب أن نفهمه اليوم لكي نحمله إلى أولئك الذين نتلمذهم من أجل العماد الذي هو باب سائر الأسرار، باب الدخول إلى الكنيسة وشعب الله.