الافخارستيا وليمة

 

حين اجتمع يسوع مع رسله ليلة آلامه، »أخذ خبزًا وشكر وكسره وناولهم وقال: هذا هو جسدي« (لو22:19). شكر، افخارستاين. من هنا كانت الافخارستيا وليمة الشكر. ومع أنّ هذا الإسم ورد في اليونانيّة، احتفظت به لغاتُ العالم كلّه تقريبا. تحدّث القديس لوقا عن الشكر. والقـــديس بولــس في الرســـالة الأولــى إلــى كورنـتــوس: »أخذ خبــزًا وشــكر وكســره وقــال: هــذا هو جسدي. إنّه لأجلكم« (11:23-24). أمّا الانجيلان الأوّلان، فأبرزا البركة، كما في العالم اليهوديّ. »أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسره وناول تلاميذه وقال: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، (مت 26:26). خذوا كلوا، خذوا اشربوا.

 

وليمة الكلمة

فالافخارستيا وليمة نأكل فيها جسد الربّ ونشرب دمه، لا بشكل حقيقي ملموس وكأنّنا نأكل »لحم« بشر ونشرب »دمهم«، بل في سرّ الأسرار حيث يبقى طعم الخبز ولونه وشكله، وطعم الخمر. ولكن في الإيمان، نتّحد بالربّ اتّحادًا وثيقًا بحسب كلام القدّيس أوغسطين: »إن أكلنا طعامًا تحوّل الطعام إلينا. وإن أكلنا جسد الربّ وشربنا دمه، تحوّلنا نحن إلى جسد الرب«.

هذا ما نسمّيه »المناولة«، لأنّ يسوع »ناول تلاميذه«، جعلهم ينالون أعظم النعم. يقتبلون عطيّة العطايا. فمن يكون جاهلاً إلى هذا الحدّ، ولا يمدّ يده فيأخذ القربان ويضعه على عينيه ثمّ يغمسه في الكأس ويتناول ؟ من يبدو بليدًا إلى هذا الحدّ حين يرى المائدة معدّة، وأيّة مائدة، فينظر إليها من بعيد وكأنّها لا تخصّه ؟ عندئذ يشبه الابنَ الأكبر في الانجيل: العيد في الداخل. الفرح والمرح، أمّا هو »فرفض أن يدخل« (لو 15:28).

يبدو الربّ هنا مِثل الحكمة التي نراها سيّدة غنيّة تريد أن تغنينا. »بَنَت بيتها« هيكل الربّ، الذي هو الصورة البعيدة عن كنائسنا. و»نحتَت أعمدتها السبعة«. هو بناء الربّ على الأرض بجماله وكماله. فلا هيكل مثل هذا الهيكل. »ذبحت ذبائحها ومزجت خمرها، وهيّأت مائدة طعامها«. هي وليمة الولائم. لا ذبيحة واحدة بل الذبائح العديدة استعدادًا لاستقبال أكبر عدد ممكن، بل لاستقبال جميع البشر. لا بخلَ عندها، بل عطاء وعطاء. فمن يعرف أن يستفيد من هذا العطاء ! ففي معجزة تكثير الخبز في البرّية، أكل الآلاف، يعني العدد الكبير جدٌّا، العدد الذي لا يُحصى، وفضُل لا الكثير فقط، بل ملء السلال لتوزّع على الناس في العالم كلّه، بشكل خبز يأكلونه في وليمة الافخارستيا.

 

وليمة من أجلنا

فيسوع ما فكّر فقط بتلاميذه والذين حوله. فقال في صلاته »الكهنوتيّة«، ساعة رسم الكهنة ليعملوا ما عمل هنا، بحيث يذكره المؤمنون إلى أن يجيء، قال للآب السماوي: »لا أصلّي لأجلهم فقط (المجتمعين في العلّية)، بل أصلّي أيضًـا لأجـل الذين قبلوا كلامهم وآمنوا« (يو 17:20). عشاء الربّ هو للمؤمنين. فإن كنتَ لا تؤمن لا تقترب. إن كنت غير مستعدّ، إبقَ بعيدا. لهذا كانت الأبواب تُغلق في بدايات الكنيسة، ولا يبقى حول القربان سوى الذين يتناولون جسد الربّ ودمه.

وحين حوّل يسوع الخمر، أخذ الشيء البسيط البسيط جدًا. بعض الماء. وجعله خمرًا. الماء هو الشراب العادي الذي يُعطى لكلّ عابر سبيل. أمّا الخمر فيقدّم للملوك حين يزورون مدنهم. للعظماء الذين انتصروا، فشعروا بنشوة النصر بانتظار أن يسكروا بالخمر. هذا ما فعل ملكيصادق لإبراهيم بعد أن جاء من حرب الملوك: »وأخرج ملكيصادق، ملك شاليم خبزًا وخمرا« (تك 14:16). تبدّلت الأمور. ليس الملك هو من يستقبل الكاهن، بل الكاهن يستقبل الملك لأنّ الطعام الذي يقدّمه الكاهن، يفوق كلّ طعام تستطيع البشرية أن تقدّمه. الملك يقدّم الطعام الفاني، أمّا الكاهن فالطعام الباقي للحياة الأبديّة.

أعطيَ يسوع خمسَ خبزات فأطعم خمسة آلاف. أعطيَ بعضَ الماء، ففاضت الخوابي خمرا. شرب الجميع. وحتى اليوم ما زلنا نشرب من تلك الخمرة التي ارتبطت بعرس قانا الجليل، بساعة يسوع، ساعة آلامه وموته وقيامته، باليوم الثالث. أتُرى بقي أحدٌ في تلك البرّية لم يأكل ويشبع ؟ يقول الانجيل: »فأكلوا كلّهم حتى شبعوا، ثمّ رفعوا اثنتي عشرة قفّة مملوءة من الكِسَر التي فضلت« (مت 14:20). والكسر ليست »الفتات« كما يظنّ البعض، وكأنّ الربّ يسوع نسينا نحن اليوم، فترك لنا بعض الفتات الذي تساقط على الأرض. الخبز يُكسَر (كما يُقطع عندنا اليوم) ويوضع على المائدة. يُهيّأ للجميع، ولكلّ مدعوّ في عرس المحبّة. هذه الكسر التي فاضت عن الآكلين في تلك البرّية، يجب أن تُجمع، لئلا يضيع منها شيء (يو 6:12). فالغائبون في ذلك الوقت لهم حصّتهم. ولا أحد يُحرم من طعام الربّ. في أي حال، تلك المائدة التي أعِدّت للجميع، لا تزال مُعدّة، ممدودة.

لهذا تقول الحكمة التي هي صورة بعيدة عمّا يتمّ اليوم: »تعال، كُلْ من طعامي، واشربِ الخمرَ التي مزَجْتُ« (أم 5:9). من أجل هذا »العيد«، أرسلت جواريها تنادي من فوق أعالي المدينة: »حيّد إلى هنا يا جاهل« (آ4). من أعوزه الفهم فقط، يمضي ولا يبالي بهذه الدعوة الفريدة. وتتابع الحكمة كلامها: »أتركوا الجهالة فتحيَوا« (آ6).

 

وليمة الملك

جهّالاً كانوا أولئك الذين دعاهم ذاك الملك إلى وليمة أقامها في عرس ابنه. حين نعرف ارتباط الافخارستيا بذبيحة الصليب، نفهم فرح يسوع الذاهب إلى الموت، لأنّ في موته خلاص العالم. الصليب عرس، والافخارستيا وليمة. فيا ليتنا ندخل في إيماننا العميق، فلا نحسب نفوسنا في عمل روتيني يتكرّر كلَّ أحد، إن لم يكن كلَّ يوم. نحن في عرس ابن اللّه. نحن في وليمة اللّه بالذات. مَن غير الجاهل يتهرّب ؟ »فأرسل الملك خدمَه يستدعي المدعويّن إلى الوليمة« (مت 22:3). أجل، نحن مدعوون. لا مرّة ومرّتين، بل مرّات عديدة. فالملك عاد تجاه رفض المدعوين، »فأرسل خدمًا آخرين ليقولوا للمدعوين: أعددتُ وليمتي، وذبحتُ أبقاري وعجولي المسمّنة، وهيّأت كلَّ شيء« (آ 4).

ما اعتاد الناس أن يأكلوا اللحم، إلاّ في الأعياد الكبرى والاحتفالات الملوكيّة، كما فعل سليمان حين دشّن الهيكل. وأعطانا النصّ رقمًا خياليٌّا: 22000 من البقر 120000 من الغنم. ليس سليمان هو من يدعو هؤلاء الناس. بل اللّه الذي أعطى سليمان ما أعطاه. وليس الإنسان هو الذي يدعو الواحد منّا إلى وليمة الربّ، بل اللّه بالذات. فحين يقول الكاهن: »خذوا كلوا هذا هو جسدي«، نحن لا نأكل جسد الكاهن، بل جسد المسيح. فلا فرق بين كاهن وكاهن. والمؤمن لا يفضّل بين كاهن وكاهن بحيث لا يأتي إلى القدّاس الأسبوعي، لأنه لا »يحب« الكاهن. أو يبتعد عن رعيّته، ويمضي إلى كنيسة أخرى حيث »يستهضم« الكاهن، فينسى الرباطات القريبة التي تربطه بمن اعتمدوا مثله في جرن العماد الواحد، وعرفوا الأفراح نفسها والأحزان.

دعاهم الملك إلى عرس ابنه، مرّة ثانية. وماذا كان ردّهم ؟ كانوا بلا تهذيب في كلامهم. »تهاونوا«. أخذوا وقتهم كي يفكّروا. بل تكاسلوا، وقدّموا أعذارًا واهية. لديهم أعمال يجب أن يعملوها في ذلك اليوم. وهي لا تؤجَّل. الفلاّح مضى إلى حقله، والتاجر إلى تجارته. هم يريدون أن يُنهوا أعمالهم. وآخر شيء يهمّهم الحضور إلى وليمة الملك. مثل هؤلاء المدعوّين »غير مستحقّين«. كاد الملك يندَمُ لأنّه هيّأ هذه الوليمة، تكريمًا لأولئك الذين دعاهم. انتظر أن يأتوا فتهاونوا. ما اهتمّوا. ومضوا إلى الحياة اليوميّة العاديّة.

كلّنا مدعوّون ولا عذر لنا

في إنجيل لوقا »اعتذروا كلّهم« (لو 14:18). واحد اشترى حقلاً ولا يقدر أن يراه إلاّ في ذلك اليوم، بل »في ساعة الوليمة«. فأرسل يقول: »أرجو منك أن تعذرني«. وآخر اشترى فدادين بقر. ولا يستطيع أن يجرّبها إلاّ في تلك الساعة. وآخر تزوّج... وآخر مضى إلى العيد، وآخر أطال نومه، وآخر استقبل أصدقاء مؤمنين مثله، ونسي أنّه مدعوّ مثلهم: أما كان باستطاعته أن يدعوهم ليمضوا معه إلى وليمة القدّاس، بدلاً من أن يقضي الوقت معهم ؟ وهل ساعة واحدة، ساعة الوليمة، تُفسد كلّ أعمالنا ومشاريعنا، فنلغيها ونحسبها غير موجودة ؟

في أي حال: »غضب ربّ البيت« (لو 14:21). والغضب يعني العقاب. وماذا يكون العقاب ؟ »لن يذوق عشائي أحد من أولئك المدعوّين« (آ 24). يكونون في الخارج، ساعة الجميع في الداخل. يكونون في الظلمة ساعة الذين ملأوا البيت هم في النور. تلك صورة بعيدة عن جهنّم التي تُدعى الظلمة البرّانيّة. فمن لا يأكل جسد المسيح، لا تكون له حياة في ذاته. يكون في الموت. لا موت الجسد، لأنه يعرف أن يأكل ويشبع دون أن يهتمّ بذاك الفقير الذي هو على بابه، ولأنه يكدّس الغلال، ويوسّع الأهراء فيدلّ على جهله وكأنه عائش إلى الأبد، بينما ستؤخذ نفسه منه في هذه الليلة (لو 12:20).

الجميع مدعوّون. أنتَ، أنا، كل واحد منــّا. من يغيب يؤخذ مكانه. دعا يسوع أوّلاً فئة من الناس قريبة منه. فتهرَّبوا. أراد لهذه الفئة أن تساعده في إرسال الدعوة. تهـاونــــوا. إذن، سيدعو الجميع بنفســـــه. قـــال للخادم: »أخرُج مسرعًا إلى شوارع المدينة وأزقّتها، وأدخل الفقراء والمشوّهين والعرج والعميان إلى هنا« (لو 14:21). ولكن »بقيَت مقاعدُ فارغة« (آ 22). »أخرُج إلى الطرقات والدروب، وألزم الناس بالدخول حتى يمتلئ بيتي« (آ23). ما يريده الربّ هو أن يمتلئ بيته. أن لا يبقى موضعٌ فارغا. هو لا يريد الأغنياء دون الفقراء، ولا أصحاب القصور دون المشرّدين على الطرقات. الجميع يحقّ لهم أن يكونوا في الوليمة. لا يُستبعَد إلاّ ذاك الذي يستبعد نفسه. »فلا يقُل الغريب: يفصلني الربّ! ولا يقل الخصي: أنا شجرة يابسة!« (أش 56:10). رُذلوا من الهيكل، رذلهم موسى وشريعته. ولكنّ الربّ يقبلهم، فيرسل الأبرص لـيقــدّم التقدمـــة المطلوبـــة. ولا يقُـل الخاطئ: »لا حقّ لي في بيت اللّه«. فالربُّ أعلن أنّه »ما جاء لأجل الأبرار، بل من أجل الخطأة«.

 

ما يكون موقفنا

ذاك كان موقف الناس عندنا في القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين. يعتبرون نفوسهم خطأة فلا يجرأون على التقرّب إلى المناولة. لهذا كانوا يقتبلون سرّ التوبة كلّ مرّة يريدون أن يتناولوا. والقدّيسون أنفسهم كانوا »يعترفون« كلّ يوم استعدادًا للمناولة. نتذكّر أنّ لا ارتباط عضويًا بين سرّي التوبة والقربان المقدّس. لكلّ سرٍّ نعمتُه. يمكن أن أتقبّل سرّ التوبة في أي وقت كان. وأتناول في القدّاس مع إخوتي المؤمنين. فالإفخارستيا تفعل أيضًا فعلها في التائب. قال يسوع: هذا »جسدي« لغفران الخطايا. هذا »دمي، دم العهد الذي يُسفك من أجل أناس كثيرين لغفران الخطايا« (مت 26:28). ليست المناولة »جائزة« لمن حافظ على الطهارة. هي دواء لكي ننال الطهارة والقداسة.

ولكن بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، تبدّلت الأمور كلّيًا، ففهمَ المؤمنون أهمّية المناولة. ولهذا نرى الناس كلّهم تقريبًا يأتون إلى المائدة المقدّسة، فيتشكّك الكبــــار بينــنا وحتـــى بعـــض الكهنـــة الذين قـالــوا وهم »مغضبون«: »أما عندكم خبز في البيت«. نحن نفهم ردّة الفعل هذه. لأنّ التبديل في العادات أمر صعب. ونفهم خصوصًا حين نرى الطريقة »الآليّة« التي بها يقترب بعضُهم من المناولة. أو حين نعرف أن هذا الرجل يعيش مع امرأة قريبه، يعيش في الزنى. أو أنه يأكل مال اليتامى والأرامل. فيكتــّف يديه ويغمض عينيه ويأتي بتمهّل تعبيرًا عن »تقواه«.

لا شك. مثلُ هذا الإنسان مائت، فلا يحقّ له أن يأخذ خبز الأحياء. خطيئتُه خطيئة تقود إلى الموت، كما قال يوحنا في رسالته الأولى. »هناك خطايا تؤدّي إلى الموت«. هي التي نسمّيها »الخطيئة المميتة« التي تمنعنا من الاقتراب إلى السرّ. فلا بدّ من العودة إلى اللّه وإلى الجماعة بواسطة سرّ التوبة. وإلاّ زادت خطيئتنا خطيئة. وتابع يوحنا: »هناك من الخطايا ما لا يؤدّي إلى الموت« (1يو 5:16-17). هي التي نسمّيها »خطايا عرضيّة«. هذه لا تمنعنا من المناولة. هي مثل القشّ الذي يُحرقه المسيح حين يدخل إلى قلوبنا، مثل النفاية التي تعلق بالمعدن دون أن تشّوهه. يكون الجسد والدم مثل بوتقة تنقّينا كلّ التنقية. مثلُ هذا الخاطئ لا يحقّ له أن يخاف التناول. بل يعرف أنّه يُشفى من خطاياه »الصغيرة« باقترابه من المسيح الذي هو »نار آكلة«. الذي لا يترك فينا عشبًا ضارا. والمسيح كرّامٌ حقيقي، يشذب فينا الأغصان اليابسة. فيا ليتنا نتركه يفعل، فيصبح كلّ واحد منّا جفنة تعطي الربّ أطيب الثمار.

هذا لا يعني أننا لا نهتمّ بالخطايا العرضيّة، فنحسب أنها لا تؤثّر في عمق حياتنا المسيحيّة: هذا خطأ كبير. قال القدّيس أوغسطين: »لا خوف من نقطة ماء تسقط. فهي لا تبلّلنا. ولكن إن كثرت النقطات صارت نهرًا يمكن أن يجرفنا«. من هنا ممارسة سرّ التوبة كلّ مرّة نحسّ أنّ حبّنا للّه يتقهقر في قلوبنا.

 

الاستعداد اللازم

المشاركة في الوليمة علامة »لياقة« تجاه ذاك الذي يدعونا، وهو لا يفضّل إنسانًا على إنسان بسبب لونه وعلمه وجماله وقباحته... كلّنا مدعوّون. وأوّل المدعوّين المرضى. يأتون قبل الأصحّاء. فمن أجلهم جاء يسوع. ولكن يسوع لا يريد أن يأتي إلى العرس من لا يلبس ثيـاب العرس. عندئذ يكون كلام »الملك« قاسيا. »كيف دخلتَ إلى هنـا، يا صديقي، وأنت لا تلبس ثياب العرس؟« (مت 22:12). هو صديقه. هو صاحبه. لا غريب في العرس بعد أن قرّبهم الملك إليه، دعاهم إلى وليمته. ولكن هذا الملك له شروطه. له متطلّبات. هو لا يحبّ »اللامبالاة« و»الاستلشاق«، بل الوقاحة. ماذا يستطيع المؤمن أن يقول إن وبّخه يسوع الذي يدعونا إلى الوليمة. هنا »سكت الرجل«. ثم »طرحوه خارجا« (آ 13).

ماذا نقول عن شخص يأتي إلى القدّاس وإلى المناولة، وهو على خلاف مع أخيه. أي قربان جاء يقدّم ؟ وأيّة نعمة جاء يأخذ، من لا يحبّ أخاه، ويظنّ أنّه يحبّ أباه ؟ هو كاذب. ولا شيء يغيظ اللّه مثل الكذب والرياء. قال يسوع: »الويل للمرائين« (مت 23:13) ؟ نظلم اليتامى والفقراء. ونأكل حقّ الأرامل ونأتي للتناول. حينئذ يقول لنا أشعيا: »إذا بسطتم أيديكم إلى الصلاة، أحجبُ عينيّ عنكم. وإن أكثرتم من الدعاء، لا استمع لكم. لأنّ أيديكم مملوءة من الدمـاء« (1:15). فمــاذا علينــا أن نعمل ؟ »كفّوا عن الإساءة. تعلّموا الإحسان واطلبوا العدل. أغيثوا المظلوم وأنصفوا اليتيم وحاموا عن الأرملة« (آ 16-17).

في هذا الخطّ نفهم كلام بولس الرسول الذي رفض أن يهنّئ المؤمنين في كورنتوس: »اجتماعكم يضرّ أكثر ممّا ينفع« (1 كور 11:17). فالفرق شاسع بين عشاء الربّ وعشاء كلّ واحد منّا. في بيوتنا نسحق الفقراء. نكدّسهم في الرواق الخارجي، ونجلس مع الأغنياء والوجهاء في صحن الدار. نسحقهم حين نأكل حتى التخمة ونشرب حتى السكر، ساعة يجوع البعض. ما هذا عشاء المحبّة، بل عشاء البغض والتفرقة والانقسام. وهكذا يكون التناول »سببًا للحكم علينا« (آ 34)، لا من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

ويا ليت المؤمن يفهم. يا ليت الغني يرى الفقير عند بابه، وصاحب الصحّة يزور المريض الذي يحتاج إلى حضور، والحُرّ يحرّر العبد الذي عنده، أو أقلّه يعامله معاملة سيّد يعرف أن فوقه سيّدًا في السماء وهو يدين كلّ واحد بحسب أعماله. في جماعة كورنتوس، مرضَ البعضُ: أما حان لهم أن يعودوا إلى نفوسهم ويعوا أنهم بشر كسائر البشر ؟ فلماذا الكبرياء وتمييز النفس عن الآخرين ؟ كلّنا إخوة، ولا سيّد لنا إلاّ يسوع المسيح. مات الجار. متى سأفهم أنني مائت أنا أيضا. أما حان لي أن أتعلّم من ذاك الذي غلّت أرضُه غلاّت كثيرة، فما فكّر كيف يوزّعها، بل كيف يكدّسها. ومن ذاك الذي غرق في خيرات الأرض، وما تذكّر خيرات السماء والأعمال الصالحة إلاّ وهو في الجحيم. ما تعلّم من موسى ومن الأنبياء (لو 16:29). ولا علّمته قيامةُ يسوع. فلبث كما هو وفلسفته: نعيش في العالم مثل أهل العالم. نأكل ونشرب اليوم، لأننا سنموت غدا.

 

الخاتمة

الافخارستيا وليمة يدعونا إليها اللّه. وليمة المحبّة الأخويّة التي ارتبطت في الماضي بالعشاء السرّي. فالمحبّة التي بيننا حين ننتظر بعضنا للاجتماع، تجد ذروتها في محبّة اللّه لنا، إلى غاية الحبّ (يو 13:1). إذا لم تكن فينا المحبّة بعضنا لبعض، فكيف نقترب من سرّ المحبّة ونحن خطأة ؟ وإن كانت حياتنا فاترة، لا بدّ أن يتقيأنا الربّ، كما قال سفر الرؤيا (3:16). هنا يقول لنا بولس: »فليمتحن كلُّ واحد نفسه، ثم يأكل من هذا الخبز ويشرب من هذه الكأس. لأن من أكل وشرب وهو لا يراعي جسـد الربّ، أكل وشــرب الحكم علــى نفسه« (1كور 11:28-29). فإذا امتحنــّا أنفسنا، نقترب بثقة من »عرش النعمة«، نستعدّ للوليمة التي دُعينا إليها بكلّ محبّة قلوبنا. وبعد مائدة الكلمة المفتوحة للجميع، تأتي مائدة الخبز والخمر. نشارك في الأولى بسماع كلام اللّه، وفي الثانية فنأكل من الجسد والدم. هكذا تكون طريقنا سالكة إلى اللّه، وجماعتـنا تسـتحـق المديـح، علـى مثــال أهـل فيلبـي الـذين قال لهم رســولـهم: »لأرى إذا جئتُكم، أو أسمَعَ إذا كنتُ غائبًا أنكم ثابتون بروحٍ واحد، وتجاهدون بقلب واحد في سبيل الايمان بالبشارة« (فل 27:1).