الافخارستيا ذبيحة

 

الافخارستيا وليمة. موضوع أبرزه المجمع الفاتيكاني الثاني فبدّل الكثير من تصرّفات المؤمنين حيال هذا السرّ العظيم. والافخارستيا ذبيحة، موضوعٌ توقّف عنده مجمع ترنتو (إيطاليا) الذي عُقد في القرن السادس عشر في نهاية بحث لاهوتي بدأ منذ القرون الوسطى. هذا ما شدّد عليه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته الأخيرة حول الافخارستيا. ونحن لا نأخذ بوجهة ونترك الأخرى، لأنّ خميس الأسرار مع الوليمة التي هيّأها الربّ لتلاميذه، لا ينفصل عن الجمعة العظيمة حيث تجلّى السرّ. فما كان رمزًا صار حقيقة. والأجيال العديدة التي حاولت العودة إلى اللّه وما استطاعت، تقدر اليوم أن تدخل في ذبيحة يسوع، ترافقه في موته فتصل إلى قيامته.

ثلاث مراحل في كلامنا. في العشاء السرّي. على الصليب انطلاقًا من بستان الزيتون. وأخيرًا في الافخارستيا كذبيحة قدّاس تدعونا لأن نرافق يسوع ونكون معه ذبيحة على ما قال بولس في نهاية حياته: »أمّا أنا فذبيحة يُراق دمُها، وساعةُ رحيلي اقتربت« (2تم 4:6).

 

في العشاء السرّي

العشاء السرّي الذي عاشه يسوع مع تلاميذه، انطلق من عشاء الفصح اليهودي، ليتحوّل إلى سرّ الأسرار، إلى الافخارستيا. وعشاء الفصح يتضمّن ذبْحَ الحمل. يختارونه في اليوم العاشر من الشهر الأول. يجعلونه جانبًا، ليكون للربّ، وفي الرابع عشر يذبحونه. إن كان البيت كبيرًا تجتمع العائلة وحدها. وإلاّ اجتمعت أكثر من أسرة. أمّا يسوع فأسرته من نوع آخر. أمّه، إخوته، أخواته، هم الذين يسمعون كلمة اللّه ويعملون بها. أسرته التلاميذ، وعمله كان في السرّ. أي كُتم عن الجميع. ما عرف به أحد. ثمّ أراد يسوع بذلك أن يُدخلهم في سرّه العميق. فقال في بداية العشاء وقبل غسل الأرجل: »لمّا علم يسوع أن ساعته أتت لينتقل من هذا العالم إلى الآب« (يو 13:1). ذاك هو السرّ العميق الذي يعيشه يسوع الآن. بـدأه منـذ دخولـه إلى العـالـم: »لم تشأ ذبائح ومحرقات. فقلت ها أنا آت لأصنع مشيئتك يا اللّه« (عب 10: 5،7).

أكل التلاميذُ الحملَ الفصحي. ولكنّ يسوع صار لهم الحمل. هو يُذبح الآن. وهذا ما نكتشفه في كلام التأسيس، في الكلام الجوهــري. حين أخــذ الخبــز قال: »هذا هو جسـدي الــذي يُـذل من أجلكم« (لو 22:9). يُعطى. يضحّى به. وفي النهاية يموت، كما قال في يوحنا 13:1: »أحبّ خاصّته، أحبّهم إلى الغاية«. والغاية هي الموت من أجلهم، الذي بدأ منذ الآن. وسبق يسوع، فقال في معرض كلامه عن الراعي الصالح: »أضحّي بحياتي في سبيل خرافي (يو 10:15). هو يضحّي بحياته في الموت. لكي يستردّها في القيامة (آ17). ذاك هو كنه الذبيحة.

»وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء، فقال: ''هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفَك، يُراق من أجلكم« (لو 22:10). هذا ما كان يتمّ في الذبائح. يُراق الدم. والدم يدلّ على الحياة. وهكذا يُعاد الدم إلى اللّه، وكأن مقدّم الذبيحة استعدّ أن يعود إلى اللّه منذ الآن، استعدّ ان يعمل مشيئته، فيسلّم ذاته بين يديه، على ما قال يسوع في نهاية صلبه: »يا أبتِ، في يديك أستودع روحي« (لو 23:46).

الجسد هو الإنسان. المسيح بذله في ذاك العشاء. وما زال يبذله في كلّ احتفال نقوم به. والدم هو الحياة. والمسيح يسكبه من أجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر. فذاك الذي لم يعرف الخطيئة، جعله اللّه ذبيحة خطيئة، ذبيحة عن خطايانا، لنصير نحن برّ اللّه (2 كور 5:21).

لهذا، دعاه المعمدان منذ بداية الرسالة: حمل اللّه. وكرّر كلامه أمام التلاميذ (يو 1: 29، 36). وأضاف: »يرفع خطيئة العالم«. فالذبيحة أساسًا تقدّم عن الخطايا. وقرّب يوحنا الإنجيلي بين ذاك الحمل الذي يذبحه اليهود ليلة الفصح، بين غروب الشمس وغروب الضوء، وذاك الذي هو على الصليب، فربط عيد الفصح اليهودي بما حدث ليسوع قبل موته: ما كسروا ساقيه كما فعلوا بالنسبة إلى المصلوبين، بل طعنوا جنبه بحربة. »فخرج منه دم وماء«. دم الافخارستيا وماء العماد. رأى التلميذ بعينيه، وآمن بقلبه، فشهد لموت المسيح، كما لقيامته وللإنجيل الذي كتبه (يو21:24). وانطلقت شهادته من قراءة جديدة للعهد القديم. عاد إلى سفر الخـروج حيث الحمـل لا يُكسر له عظـم (خر 12:46). ويسوع لم يُكسر له عظم. فكان الحمل الحقيقي. وأورد نبوءة زكريا حيث يقول اللّه بلسان من أرسله: »ينظرون إليّ، أنا الذي طعنوه« (زك 12:10). أجل اللّه طُعن. أرادوا قتل اللّه. والمصلوب طعنوه. وهم ينظرون إليه. إذن، هو اللّه الذي أرادوا أن يقتلوه، ولكنّ موته كان حياة للبشريّة.

 

ذبيحة الصليب

لولا الصليب لما كان العشاء السرّي، ولولا الموت القريب، لما استطاعت الكنيسة أن تتحدّث عن الافخارستيا كذبيحة. فالجوّ الذي يتمّ فيه ذاك الاحتفال الفصحي الجديد، بما وضعه فيه يسوع من جديد إلهيّ، هو جوّ الموت. يهوذا (يوضاس) هو هنا، ويستعدّ أن يسلّم يسوع. قال بعد غسل الأرجل، مُوردًا كلام المزمور 41:10: »الذي أكل خبزي معي، رفع عليّ عقبه«. تقبّله يسوع كما تقبّل سائر التلاميذ. وقد يكون غسل له رجليه، وربّما أعطـاه جسده ودمـه. ومع ذلك، »رفـع عقبه«. اتّـخــــذ مـوقـفًـــا معاديًــــا مـن أجــل قتـله (يو 13:18). وبعد ذلك، قال يسوع في اضطراب نفسه: »واحد منكم سيسلمني (آ21). لا شكّ إلى الموت. ولكن يسوع يبقى حرٌّا إلى النهاية، وهو يسلّم حياته بين يدي أبيه.

وبدأت مسيرة الذبيحة منذ بستان الزيتون. »يا أبي، إن شئتَ، فأبعدُ هــذه الكـأس ! ولكـن لتكن إرادتك لا إرادتي« (لو 22:42). وإذ تحدّث لوقا عن الملاك الآتي إليه، تذكّر إيليا النبيّ الخائفَ من الموت. فيسوع إنسان بكلّ ما في الإنسان من معنى: خوف من الموت والعذاب. حاجة إلى من يسهر معه ويصلّي. وبدأ الدم يُراق منذ ذلك الوقت. قال لوقا واصفًا المشهد: »كان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض« (آ44).

قبْل يسوع، مضى إبراهيم ومعه ابنه إسحق، ليقدّمه ذبيحة على جبل موريا، حيث يراه اللّه. ويسوع هو على جبل الجلجلة. يراه اللّه ولا شكّ. ويراه الآتون من البعيد ومن القريب. ويقرأون ما كُتب فوق صليبه. إبراهيم هو الذي يقدِّم. وإسحق هو الذي يُقدَّم »مثل نعجة تساق إلى الذبح. ومثل خروف صامت أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه« (1ش 53:7). بل إنّ التقليد قال عن إسحق: تقدّم بملء حرّيته. طلب من أبيه أن يربطه جيّدًا لتكون الذبيحة مقبولة. وكانت صلاته الرائعة: عادة، تطلب يا ربّ، ذبائحَ حيوانيّة. أمّا وأنت تطلبني ذبيحة لك، فأنا أحسّ بالافتخار والفرح. في هذا الإطار تبدّل الوضع وصار إسحق ذبيحة وذابحا.

وهكذا كان إسحق صورة بعيدة عن يسوع: هو الضحيّة. وهو من يضحّي بنفسه. على ما قال بولس الرسول أكثر من مرّة: »أحبّني وبذل نفسه، ضحّى بنفســه من أجلي« (غل 2:20). أسلم نفسه عن كلّ واحد منّا. وعن الكنيســــة جمعـــاء: »أحبّها فبذل نفسه عنها« (أف 5:25).

لا حاجة بعدُ إلى ذبائح الحيوانات كلّ سنة. فهي لم تقدر أن تغفر الخطايا. أمّا يسوع »فقدّم نفسه مرّة واحدة ليزيل خطايا الكثير من الناس« (عب 9:28). خطايا البشر جميعا. فما قيمة حيوان يقدّم ذبيحة ؟ لا قيمة له في ذاته. بل في ذاك الذي يقدّمه. ولكنّ المقدِّم يبقى بعيدا. أمّا يسوع، فأعلن منذ البداية تقدمته. فقال في الرســالـة »ونحن بفضل تلك الإرادة، تقدّسنا بجسد يسوع المسيح الذي قدّمه قربانًا، مرة واحدة« (عب 10:10).

وقابلت الرسالة عينها بين ما كان يُفعل في الشعب الأوّل وما فعل يسوع. قالت: »فيسوع، إذًا، هو رئيس الكهنة الذي يناسبنا. هو قدّوس بريء، لا عيب فيه، ولا صلة له بالخاطئين. ارتفع إلى أعلى السماوات. وهو بخلاف رؤساء الكهنة، لا حاجة به إلى أن يقدّم الذبائح، كلّ يوم، كفّارة لخطاياه أوّلاً، ثم لخطــــايا الشعب. لأنّــه فعل هـذا مـــرّة واحدة، حيـــن قـــدّم نفسـه« (عب 7:26-27). هي ذبيحة كاملة. لا عيب فيها. ومقدِّمها كامل »لم يعرف الخطيئة« بعد أن شابهنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة. يسوع هو »الكامل إلى الأبد«، بعد أن أقسم اللّه له: »أنت حبر إلى الأبد، على رتبة ملكيصادق« لا على رتبة هارون. فلا حاجة بعدُ إلى الذبائح الكثيرة والدم الذي يُسفك في الهيكل. »هو دخل الأقداس مرّة واحدة، لا بدم التـيوس والعجول (كما كانوا يفعلون في عيد كيبور، عيد الكفّارة) بل بدمه، فكسب لنا الخلاص الأبديّ. فإذا كان رشّ دم التيوس والثيران ورماد العِجَلة يقدّس المنجّسين (نجاسة بحسب الشريعة من لَمْس ميتٍ وغيره) ويطهّر جسدهم، فما أولى دم المسيح الذي قدّم نفسه إلى اللّه، بالروح الأزليّ، قربانًا لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميّتة لنعبد اللّه الحي« (عب 9:12-14).

فهذا الذي مات، مات مرّة واحدة. وبما أنه حي، فهو حيّ إلى الأبد. أجل، هو »حي، بـاقٍ ليشــفع« (عب 7:25) لنا. »فكهنوته لا يزول. وهو قادر أن يخلّص الذيـن يتقـرّبون به إلــى اللّه« (آ24). »وإذ لنا نحن هذا الكاهن العظيم على بيت اللّه، نقترب بقلب صادق وإيمان كامل« (عب 20:21). وهذا ما يقودنا إلى الكلام على الذبيحة في القدّاس الأسبوعي، الذي يجب أن لا ننقطع عنه كما اعتاد البعض أن يفعل (آ 25)، بل الكثيرون للأسف. سوف نرى فيها موت المسيح وقيامته، ونتعلّم نحن منه، بعد أن أخذ موتنا وأعطانا حياته.

ذبيحة القدّاس

هذا ما اعتاد المؤمنون أن يقولوا. نريد أن نشارك في الذبيحة. نجد أن هذه تختلف عن جميع الذبائح. فلا دم يُرى، وإن ذُكر الدم. ولا موتَ يُرى، وإن شدّد الآباء فاعتبروا المذبح قبرًا يُدفن فيه يسوع. والتقدمة ليست حيوانًا أُخذ من الحظيرة أو من البريّة. ولا نجد إسحق أمامنا ولا غيره. لا حاجة بعدُ إلى »الغنم والبقر« (يو 2:15) في هيكلنا الجديد، الذي هو جسد المسيح القائم من الموت.

هناك أبسط ما في الشراب في وقت العيد: الخمر. وأبسط ما في الطعام: الخبز. ومع ذلك، يُوضعان على المذبح. لا على مائدة من موائدنا، كما كان الأمر بالنسبة إلى »خبز الوجـوه« (لا 24:5)، الذي يبدَّل في نهاية الأسبوع، لتوضع اثنتا عشرة خبزة جديدة. فكلمة مذبح تدفعنا إلى أن نتساءل: أين الجسد الذي يموت ؟ أين الدم الذي يُراق ؟ وهكذا ندخل في السرّ العميق، سرّ عطاء اللّه لنا، الذي يتجدّد، لا مرّة كل سنة مثل عيد التكفير عند اليهود، بل كلّ يوم، كلّ ساعة، كلّ دقيقة. جسدي يُبذل. دمي يُراق.

ومن الذي يقدّم القربان ؟ الشعب. ومن الذي »يذبح« الذبيحة ؟ الكاهن. فهو مع ضعفه يمثّـل يسوع المسيح. كما أمسك المسيح الخبز وشكر وبارك وكسر، كذلك يفعل الكاهن. وكما أخذ يسوع الكأس، كذلك يفعل الكاهن: »هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي« (1كور 11:25). ونتذكّر عهدًا سابقًا بين موسى واللّه على الجبل. »أخذ موسى الدم ورشــّه على الشعب وقال: »هذا هو دم العهد الذي عاهدكم الربّ به« (خر 24:8).

هو عهد جديد. بدأ في حياة يسوع منذ دخوله إلى العالم. وكانت ذروته الصليب. وعهد يتجدّد في كلّ قدّاس من قدّاساتنا. فلا بدّ من الدم. والكاهن يقول بفـــم المسيح: »هذا هو دمي«. ولا بدّ من »طعام« يجمع الحاضرين مع اللّه. فيقول الكاهن: »هذا هو جسدي«.

هذه التقدمة وُضعت على المذبح. سيُذبح يسوع. بإيماننا نرى هذه الذبيحة لا بعيوننا التي يمكن أن تغشّنا مرارًا، ولا في مخيّلتنا وتصوّراتنا. لسنا أمام صورة، بل أمام حقيقة تدفعنا لأن نركع ونقول مثل توما: ربي وإلهي. ولسنا في عالم الخيال الذي يذهب بنا بعيدًا، ساعة نحن في الواقع الواقع. ولكن لا الواقع الجسدي الملموس، بل الواقع الإيماني الذي لا يمكن أن يغشّ أو يكذب. وكلّ مرّة نحاول أن نرى بعين الجسد، نخسر أجر إيماننا. وكلّ مرّة نريد أن نلمس، لا يهنّـئنا يسوع. فيقول: »طوبى للذين لم يروا«.

ذبيحتنا هي منــّا. إن آمنت إبق معنا. وإلاّ فأنت »من الخارج« كما قال الإنجيل. و لن تستطيع أن تدخل في السرّ المحفوظ للذين في الداخل. أما هكذا كان وضع الابن الأكبر في مثَل الابن الضال ؟ رفض اليهود أن يؤمنوا بما يقدّم لهم يسوع من طعام: كان هذا ابن يوسف. نعرف أباه وأمه. والوثنيّون الذين سمعوا المؤمنين الأوّلين يتحدّثون عن الذبيحة، فكّروا انّ المسيحيّين يذبحون الأطفال، كما في العالم الوثني. هم في الخارج. ونحن الذين »داخل الكنيسة« والذين يُفرَض فينا أن نكون داخل السرّ، أما نبقى مرّات عديدة غرباء عمّا يحصل أمامنا؟ ربّما عن جهل، أو عن تكاسل وعدم اهتمام، أو بسبب العادة المتكرّرة الروتينيّة.

القدّاس ذبيحة لأنها تجعل الجسد وحده والدم وحده. فُصل الدم عن الجسد. أما هكذا يموت الانسان ؟ لهذا شـُبـّه المذبح بالقبر، كما سبق وقلنا. هنا نورد كلام تيودور، أسقف المصيصة، في معرض كلامه عن الذبيحة: »ومتى حملوها (القرابين) يضعونها على المائدة المقدّسة لإتمام الآلام بكمالها. وهكذا نعتقد بالنسبة إلى المسيح أنّه وُضع كما في قبر على المذبح، وأنه بدأ يتقبّل آلامه. لهذا، يفرش الشمامسة الأغطية على المذبح، فيمثّلون بذلك الكفن«. وشبّه تيودور ما يُصنع في موت أحد العظماء، مع ما يُصنع على المذابح من »تحريك المراوح إكرامًا لمن هو مسجَّى على سريره«. ومن أجل يسوع »من الضروري أن يتمّ هذا ساعة يقدّم الجسد المقدّس والرهيب الذي لا يناله فساد، يقدّم ويُوضَع على المذبح. فهو سيقوم ويلبس حالاً طبيعة خالدة«.

أجل، نمثّل موت المسيح على المذبح ونقول: »نتذكّر موتك يا رب«. ولكن كل شيء لا ينتهي بالصلب والموت، بل بالقيامة. لهذا تتمّ عمليّة الكسر والنضح، فينضمّ الجسد إلى الدم والدم إلى الجسد. ويُرفع الاثنان علامة القيامة. عند ذاك يقف المؤمنون كما كان الأمر بالنسبة إلى مريم التي كانت واقفة عند صليب يسوع (يو 19:25). لا مجال للانحناء في ذلك الوقت، كما يفعل العديدون، ويعتبرون انحناءتهم احتراما. فهم في حضرة المسيح القائم. وعليهم أن يرفعوا رؤوسهم (لو 21:28)، أن يلبثوا واقفين »لأنّ خلاصهم قريب«. إذ هم يعيشون الآن وكلّ الآن، هذا الخلاصَ المقدّم لهم.

أمّا الانحناء فيكون بعد الصلاة الربيّة حين يقول الشمّاس: »أحنوا رؤوسكم للرب«. في هذا الوقت، وبعد أن نقول »أغفر لنا كما غفرنا«، نعترف بخطايانا، وننتظر البركة من الكاهن، ثم »نعمة الثالوث الأقدس«. وبعد ذلك، لا ننحني حين يقول الكاهن »الأقداس للقدّيسين« أي الذين تقدّسوا بالعماد والتوبة واستعدّوا ليتقبّلوا الأسرار المقدّسة، نحن لا ننحني، بل ننظر إلى ما يرينا إيّاه الكاهن. هذا هو الجسد. هذا هو الدم. فتقدّموا. وأبعد من النظر إلى الخبز، ومن طعم الخمر، هناك نظرة الإيمان التي تجعلنا في قلب الثالوث، فنقول: آب واحد قدّوس، إبن واحد قدّوس، روح واحد قدّوس.

 

الخاتمة

مرّات عديدة ونحن نقرأ إنجيل الآلام والصلب، تَحسّرنا لأننا لم نكن قرب يسوع المعلّق على صليبه. لكان فاض علينا الغفران في أعظم ذبيحة عرفتها البشريّة ويمكن أن تعرفها. فكلّ الذبائح التي سبقتها تأخذ قيمتها منها. فكما أن كلمات الأنبياء صبّت في من هو الكلمة، يسوع المسيح ابن اللّه، كذلك ذبائح الأقدمين أنهت مسيرتها في ذبيحة ابن اللّه، وكانت لها قيمتها المحدودة. وبعد المسيح، لا كلمة حقيقية إن لم تنبع من شخص المسيح وتعليمه. وكذلك نقول عن الذبائح. هي تنبع من الذبيحة الوحيدة. مثل تلك المياه التي جرت من تحت الهيكل (حز 47:1)، فطيّبت البحر الميت ففاض فيه السمك، كما طيّبت البحر المتوسّط. كذلك ذبيحة المسيح. كلّ ذبيحة نشارك فيها اليوم، من خلال القدّاس، هي في الواقع ذبيحة الصليب. وهناك كانت البشريّة كلّها حاضرة في شخص أربع نساء يمثــّلن العالم بأقطاره الأربعة: مريم أم يسوع. سالومة أخت مريم العذراء ووالدة يعقوب ويوحنا الرسولين. مريم زوجة كلاوبا، نسيب يوسف، وأمّ إخوة يسوع. وأخيرًا، مريم المجدليّة. الكون كان كلّه، في الرمز، عند صليب يسوع. الجميع وقفوا مع مريم وقفة القيامة. ونحن نقف أيضًا مع البشريّة ونقول بعد كلام التقديس: »نذكر موتك يا ربّ، ونعترف بقيامتك«. ومن قلب ذبيحة القدّاس نتابع: ننتظر مجيئك كلّنا.