الافخارستيا مسيرة

 

في أناشيدنا الطقسيّة القديمة، تعلّمنا الكنيسة أن نقول: »قد اتخذتك يا ابن اللّه، زادًا لي في السـفر، وعند الجوع أتناول منك يا منقذ البشر... وعيني التي مُسّت بك رحمتك تبصر«.

الحياة مسيرة. هي طريق وسلوك يومي. فمن يستطيع أن يسافر ولا زاد معه، يوم غابت المحطّات التي يمكن أن يتوقّف فيها الإنسان ؟ الخبز اليومي زاد له. ونحن خبزنا هو جسد الربّ. يأخذه الرهبان معهم خلال الصوم المبارك، فيعيش كلّ واحد في قلاّيته، في منسكه، فيحلّ هذا »الخبز« العجيب، خبزُ الملائكة، محلّ خبز هو طعام فان. وكيف نعرف الطريق وعيوننا مغمّضة ؟ نجعل هذا القربان على عيننا فترى. ترى أوّلاً رحمة الربّ. ترى الطريق التي تقود إلى الآب وبالتالي إلى الإخوة. فالمؤمنون اعتادوا أن يأخذوا الجسد، لا على لسانهم وكأنهم أطفال، بل في يدهم. تكون اليد اليسرى عرشـًا لليمنى. نأخذ الجسد بيدنا. نضعه على عيننا لأنّه نور العالم، فيحلّ النور الحقيقي في عيوننا. ثمّ نأكله. أو نحمله إلى المرضى والمعاقين. وننطلق ونسير، غير خائفين، مثل تلميذي عمّاوس (لو 13:24-35).

 

على طريق عمّاوس

تلميذان تركا الجماعة. يئسا من الوضع. ما عادا يستطيعان أن يحتملا. هذا الذي جعلا فيه آمالهما مات. هذا القدير في القول والعمل، انتهى سريعا. فالرؤساء عندنا لا يريدون جديدا. وما زاد في الصعوبة هو أنّ بعض النساء أتين وقلن: إنهنّ »ما وجدن جسده« (آ23). هل سُرق الجسد، كما كان اليهود يظنّون؟ ولماذا يُسرق جسد ميت وأي فائدة منه ؟ ولكنّ الملائكة الذين ظهروا للنسوة قالوا: »انّه حي«. وكذا قال بعض الرفاق : »أمّا هو فما رأوه« (آ 24).

وسار الاثنان. إلى أين ؟ في الواقع وصلا إلى عمّاوس، والطريق امتدّت على ثلاثين كيلومترًا أي ما يوازي خمس ساعات مشي. طريق طويلة. ولاسيّما إذا سيطر الحزن والكآبة. سُئلا سؤالاً فانزعجا. توقّفا عن السير. كأنّهما لا يريدان هذا السؤال. وفي الوقت عينه يريدانه لكي يُخرجا ما في قلبيهما من ضيق. والمسيرة تنتهي في الليل، في العتمة، بدليل ما قالا لـذاك الذي رافقـهمـا: »أقم معنا، لأنّ المساء اقترب ومال النهار« (آ29).

ولكنّ الطريق صارت سهلة، بعد أن رافقهما ذلك »الغريب« الذي هو أقرب إلينا من قربنا إلى أنفسنا. الذي يعرفنا أكثر ممّا نعرف ذواتنا. فهو يعرف ما في قلب الإنسان (يو 2:25). بدأ فاستمع إليهما يخبرانه ما عرفه قبلهما. ما عاشه وعمله، وخصوصًا آلامه وموته. ثمّ ما تبع هذا الموت. ذاك هو يسوع. يرافقنا وإن كنــّا لا ننتبه إليه. نحسبه شخصًا عاديّا. أو بالأحرى نسمع صوته وكأنه إنسان عادي يعيش بقربنا.

كم نحن تعساء إن عميتْ عيونُنا عن معرفة يسوع وحضوره في كلّ واحد فينا، فيما بيننا! ولكنّه يفتح العيون شيئًا فشيئًا. طريقةُ سماعه للخبر غيرُ طريقتنا. تتجاوز طريقتنا بما لا يحدّ. فتحا قلبيهما وما فيهما من حزن، فدخل الربُّ وأحلّ الفرح والراحة. خلال المسيرة أو بالأحرى في البداية. والنهاية ستــكون عند »كسر الخبز والمناولة« (آ30). حينئذ انفتحت عيونهما. عرفاه. فهما كلام النسوة والرفاق. حقًا هو حيّ. »عرفناه عند كسر الخبز« (آ35). هـذا ما شهدا له أمام الرسل »المجتمعين معا« (آ33).

عرفا يسوع لا بعيون ترى رؤية حسّية، بل بعيون ترى رؤية الإيمان، فلا تعود تحتاج إلى العين البشريّة والأذن واليد، كما كان الأمر قبل الموت والقيامة. كانت رؤية يسوع القائم من الموت لحظة. وكانت كافية لكي تحرّك هذين المسافرين فيعرفا أنّهما ضلاّ الطريق. ابتعدا عن الإخوة. لهذا رافقهما يسوع حتى الليل، حتى العتمة. ولكنّه أضاء لهما طريق العودة. نسيا التعب والليل. زال اليأس والحزن. بل بدأ قلباهما يشتعلان بينما هو يحدّثهما في الطريق ويشرح لهما الكتب (آ32).

وتوارى يسوع. انتهت الرؤية التي رفعتهما إلى مستوى القيامة فعرفاه. ولكن قبل ذلك، هو غريب، محدّث لبق، عارف بالكتب المقدّسة، قريب من القلب. كلّ هذا زال. فصار معهما من هو »زاد الطريق«. من هو رفيق المسيرة، بل من هو المسيرة بعد أن قال لنا: »أنا هو الطريق والحقّ والحياة« (يو 14:6). أنا هو الطريق الحقّة التي تقود إلى الحياة. أجل، اتّخذاه معهما في السفر، فما عادا جائعَين، ولا خائفين، ولا ضائعين.

 

أربعون يوما

قبل هذين التلميذين الشاهدين لنا بأنّ يسوع القائم هو رفيق لنا في الطريق، وإن تأخــّرا عن معرفته، كانت مسيرةُ شعب بكامله في البرّيّة. ومسيرات عديدة غيرها، احتاج فيها الشعب أو الفرد إلى زاد له في الطريق. فبرّيّة سيناء فقيرة. تكاد جوانبها تكفي بعض الرعاة. فكيف السير فيها ؟ هذا مستحيل على الإنسان، لا على اللّه. فيقول الكتاب بلسان الربّ: »أُحضر لكم خبزًا من السماء« (خر 16:4). ولمّا رأى العبرانيّون الأرض تتغطّى بهذا الذي لم يعرفوا اسمه قـــالوا »من هو« ؟ وفي النهاية، صار المنّ.

هو منــّة اللّه، موهبته وعطيّته. هو أكثر من طعام ماديّ، وإن حاول الكتاب فيما بعد أن يشرح محتواه، كما في تحليل »كيميائي«: »هو كبزر الكزبرة، أبيض، وطعمه كطعم القطائف بعسل« (آ31). هو طعام كامــــل. طيّب. ولكن حـين خسر »روحانيّته«، سئمه الشعب السائر في البرّيّة، عافت نفسه هذا الطعام. تذمّر. يريد أن يغيّر. ولكن مع الإيمان، يصبح لهذا »الخبز« كلّ طعم وكلّ لذّة.

نلاحظ اثنين. هو يُعطى كلّ يوم. فلا تبقى حاجة في الانسان. هو يكفي الجميع. فالذي يجمع الكثير لا يفضل عنه. لا تزيد فرحته عن فرحة جاره. والذي يلتقــط القليــل، »لا ينقص عن حاجته« (آ 17-18). هو طعام غير ماديّ. لهذا جعلوا منه »في جرّة« (آ 33)، كما يُجعل العسل، فيرافق المؤمنين »مدى أجيالهم«. إنّه رفيـق الطـريـق في هـذه البرّيّـة التي »تاهوا فيها أربعين سنة«. في الواقع، في الإيمان، ما تاهوا. فالهدف واضــح أمامهم. »أكلوا أربعين سنة إلى أن وصلوا إلى أرض آهلة بالسكّان« (آ35).

في هذا المجال، نستمع إلى كلام سفر التثنية الذي جُعل بلسان موسى بعد أن كُتب خلال المنفى البابلي (587-538) أو بعده: »واذكر جميع الطرقات التي سيّرك فيها الربّ إلهك في البريّة أربعين سنة... أطعمك المنّ الذي لم تعرفه أنت ولا عرفه آباؤك.... ثيابك لم تبلَ عليـك. ورجلك لم تتـورّم في هذه الأربعين سنة« (تث 8:2-4). جاع العبرانيّون. بل »جوّعهم« اللّه. لا إلى الخبز فقط، وهو من يعطي أبناءه الكفاية. بل إلى خبز آخر. مثل هذا الخبز يصنع المعجزة فيشبع جوعًا آخر خلال مسيرتنا في الطريق حتى الوصول مع »يشوع« الذي يقابل اسمُهُ اسمَ يسوع في اليونانيّة، وساعة »احتفلوا بعيد الفصح في اليوم الرابع عشر من الشهر في سهل أريحا« (يش 5:10).

وما حصل للشعب العبراني، حصل لإيليّا النبي، الهارب من وجه إيزابيل، زوجة الملك أخاب. هو خائف. وهو هارب. تارة يترك الموضع: »خاف وهام على وجهه حتى وصل إلى بئر سبع في يهوذا« (1مل 19:3). هي حدود أرض الموعد في الجنوب. بعد ذلك، قد يكون الضياع. ولماذا ترك جبل الكرمل ؟ لأنّ إيزابيل هدّدته. وطورًا يقول للّه: »كفاني الآن يا ربّ، فخـذ حياتـي« (آ 4). وهكذا تمنــّى الموت لنفسه على أن يذهب في المجهول. فنام وكأنّه يريد من هذا النوم رقاد الموت بحيث يستريح (آ5). ولكنّ المهمّة تنتظره. وعليه أن يعود من حيث أتى. لماذا البكاء والتحسّر ؟ قال: »نبذوا عهدك. هدموا مذابحك، قتلوا أنبياءك بالسيف، وبقيتُ وحدي« (آ14). أوّلاً، ما بقيَ وحده. قـال ما قــال ليجعــل اللّه يشـفــق عليه ويقـول لــه: كفـى. بل قــال لــه الربّ: »إرجع في طريقك« (آ15). لا تترك الجماعة وتهرب. ثم لستَ وحدك. بقيت سبعةُ آلاف ركبة لم تنحنِ للبعل.

وبعد هذا الكلام القاسي، المتطلّب، وفي طريق العودة التي ستكون طويلة، طويلة، وخوف إيليّا معروف، ماذا يكون الزاد ؟ لمسه ملاك (يدلّ على حضور اللّه)، في نومه: »قُم فكُل« (آ5). فالتفت فرأى عند رأسه رغيفًا وجرّة ماء. فأكل وشرب. ثمّ عاد فنام. فعاوده ملاك الربّ ثانية. ولمسه وقال: »قم فكل، فالطريق بعيدة أمامك«. فقام وأكل وشرب، وسار بفعل تلك الأكلة أربعين يومًا وأربعين ليلة، إلى جبل اللّه حوريب (1مل 19:5-8). ما هذا الطعام العجيب، رفيق إيليّا في السفر ؟ هو رمز بعيد إلى الافخارستيا، إلى جسد الربّ ودمه في مسيرتنا. والتقى إيليّا بالربّ من خلال صوت مادّي خفيف، من خلال نسيم وصمت عميق، وعاد إلى الرسالة كما سبق له أن فعل.

 

قدّاسنا مسيرة

كلّ ما قلناه يوصلنا إلى ممارسة هذا السرّ العظيم، الافخارستيا. أو في كلامنا العادي، إلى القدّاس. هو مسيرة من يوم أحد إلى يوم أحد. نشارك في القداس، نتناول جسد الربّ. فتكون مسيرتنا برفقته طوال أسبوع كامل. مسحْنا عيوننا، فرأينا الطريق التي نسير فيها. بل رأينا المسيح رفيقنا الذي ينبّهنا إلى حضوره معنا، مهما منعتنا الانشغالات اليوميّة من التوق إليه: يحمل أتعابنا ويصعد بها. بل يحملنا نحن إن بدت الطريق شاقّة أمامنا. كالخروف الضائع. يرفعنا كما »يرفع أبٌ طفله على ذراعه« (هو 11:4).

وأسبوع من العمل يقودنا إلى الأحد. تعب أسبوع كامل ينتهي يوم الأحد. قبل أن نسمع الكلمة، قبل أن نغتذي من الجسد والدم، نضع يسوع في جوّ المسـيرة الـتـي سرناها في هذه الأيام السابقة. وكما انتهت مسيرة تلميـذي عمـّاوس حين »أخذ يسـوع خبـزًا وبارك وكسره وناولهما« (لو 24:30)، حين جلس معهما للطعام، كذلك ينتهي أسبوعنا. يتراءى يسوع لنا، في الإيمان. عندئذ نستمدّ القوة فنسير مهما كانت الصعوبة. الليلُ يصبح نهارًا، كما كان الأمر بالنسبة إلى الشعب العبراني. كان اللّه كالقائد نورًا أمامهم، بل نارًا تشعل قلوبهم. والخوف يتحوّل إلى اندفاع لا يهمّه إلاّ الوصول بسرعة إلى حيث يجتمع الإخوة. »إمضوا في سلام« يقول لنا الكاهن. نمضي ونحن حاملون سلام المسيح، لا ذاك الابتعاد عن الحرب والشرّ فحسب. بل ملء بركات اللّه وعطاياه.

خبرة تلميذي عمّاوس دامت لحظة مثل كلّ الظهورات. فاللّه نار محرقة. ومن يقدر أن يُطيل الوقوف بقربه. ولكن هذه اللحظة طويلة في نتيجتها والأثر الذي تتركه فينا. والقديس لوقا انطلق من هذه الخبرة، من مسيرة في اليأس نحو المجهول، مع شخص غريب، إلى عودة برفقة يسوع الذي يكلّمنا في كلّ قدّاس ويشرح لنا الكتب. وفي النهاية، يجلس معنا للطعام. نفعل كما عمل إيليّا: نسير أربعين يومًا وأربعين ليلة. خبرة هذين التلميذين هي موجز عن حياة الكنيسة وعن حياة المؤمنين.

والكنيسة وزّعت لنا السنة الطقسيّة في حقبات تنتهي في ذروة منها ننطلق. فالبداية مع الميلاد. واليوم الذي يلي الميلاد يدخلنا في عيد الظهور، عماد السيّد يسوع المسيح في الأردن. وينتهي زمن الظهور يوم تقرأ الطقوس عرس قانا الجليل: »أظهر مجده فآمن به تلاميذه«. مع اثنين الرماد، نبدأ مسيرة الصوم لتنتهي يوم الجمعة السابقة لعيد الشعانين، حيث نقرأ خبر تجارب يسوع. وبعد راحة السبت، وإقامة لعازر، تنتهي مسيرة الصوم يوم الأحد، الذي فيه رأى الأعمى يسوع وسار وراءه في الطريق. يوم الاثنين ينتهي في أحد القيامة. والاثنين الذي بعد القيامة، وفيه نقول: »يا مسيحًا قام من بين الأموات ارحمنا«، يحملنا إلى العنصرة التي هي تتمّة العيد الذي بدأنا نعيشه يوم الفصح. فالمسيرة واحدة. والعيد في الأصل واحد وهو يمتدّ حتى الصعود والعنصرة.

أجل، مسيرة أسبوعيّة. ومسيرة سنويّة تتوزّع في حقبات. مسيرة في المشاغل اليوميّة، ومسيرة في قلب تاريخ الخلاص الذي نجمعه في احتفالات تنقلنا من عيد إلى عيد. وفي كلّ هذا، الافخارستيا هي هنا. تسير معنا. بل هي مسيرتنا. فإذا كانت جسد الربّ السرّي، فالكنيسة هي أيضًا جسد المسيح السرّي. فالكنيسة تصنع الافخارستيا. وهذا ما يتمّ في القدّاس الالهي. وفي الوقت عينه، الافخارستيا تصنع الكنيسة على ما نقرأ في الصلوات القديمة: كان هذا الخبز حبّات قمح على الجبال، فجُمعت وصارت جسد الربّ. هكذا لتجتمعْ الكنيسة من الأقطار الأربعة. ليجتمعْ بنوها فيؤلّفوا جسد المسيح وسرّ حضوره في العالم.

 

الخاتمة

المسيرة هي سير مع اللّه، وسلوك في طرقه. من أجل هذا قال سفر الأمثال: »الربّ يهب الحكمة، ويوفّر للمستقيمين عونًا، وحماية للسالكين في الكمال. يرعى مسالك المنصفين ويحرس طريق أتقيائه... إذا دخلت الحكمةُ قلبك، تنجو من طريق الشرّ، من الناطقين بالأكاذيب، التاركين طريق الاستقامة السالكين طريق الظلام...« (أم 2:6-13).

في العهد القديم، احتاج الإنسان إلى الحكمة التي يهبها اللّه لكلّ واحد من مؤمنيه. وللشعب كشعب. ويكفي أن تدخل الحكمة لكي ينجو الانسانُ من طريق الشر، من الطريق المعوج، فيدخل في طريق الاستقامة. لهذا طلب سليمان الحكمة لكي يتدبّر أمور المملكة (1 مل 3:5) ويميّز الخير من الشرّ. فطريق الخير إلى الحياة، وطريق الشرّ إلى الهلاك. الحكمة نور يضيء الطريق. وهي تعليم يفقّه الجاهلين، وطعام يغذّي الإنسان بكلمة اللّه.

وما قيل عن الحكمة، نقوله عن الافخارستيا. هي مسيرة ندخل فيها ونعرف من أين تنطلق بنا وإلى أين تصل. تنطلق من حياتنا بما فيها من بساطة، على مثال الخمر والخبز على المذبح. وتحوّل هذه الحياة، كما يتحوّل الخبز إلى جسد المسيح والخمر إلى دم المسيح. لا، لم يعد الخبز خبزًا بعد حلول الروح، وإن بقيَ لونه هو هو وطعمه وشكله. هذا ما تراه العين البشريّة، لا الإيمان. والخمرة لا تبقى خمرة كما في حفلاتنا الصاخبة. بل صارت دم المسيح بالنسبة إلى المؤمن، لا إلى الذين لم يدخلوا بعدُ سرَّ اللّه، ولم يمتلئوا من سرّ الأسرار، سرّ القربان المقدّس. ومع تحوّل الخبز والخمر، يتحوّل المؤمنون.

تلميذا عمّاوس كانا في حالة، فصارا بعد كسر الخبز إلى حالة أخرى. لا شكّ في أنّ الطريق هي هي، من أورشليم إلى عمّاوس، ومن عمّاوس إلى أورشليم. هذا في الظاهر، حيث المَشاهد التي نراها على الطريق لا تتبدّل. هو تحوّلٌ عميق لا في الحجارة والتراب الذي يُداس، ولا في الأشجار التي على قارعة الطريق. بل في السائرين. كانت مسيرتهما بشريّة، فصارت إلهيّة. تحوّلا إلى المسيح بعد أن أكلا الجسد وشربا الدم. خبز الكلمة ترك أثره، فأحرق منهما القلب. وخبز القربان حملهما فوصلا بسرعة، مثل التلاميذ الذين كانوا في السفينة، في قلب الليل.

دنا يسوع من القارب. »فوصل القارب في الحال إلى الأرض التي يقصدونها« (يو 6:21). ولماذا لا يكون هذا وضع تلميذي عمّاوس، بل وضْعُ كلّ واحد منّا. تلك هي مسيرتنا الافخارستيّة. وهي في النهاية توصلنا إلى المحجّة. أي انتقال من الإيمان إلى العيان. لا نعود نحتاج إلى السرّ بعد أن تنعّمنا بالحقيقة. ولن نسير بعدُ وحدنا، كما يقول البشر. بل تكون مسيرة جديدة في قلب الأبديّة فيها يكون اللّه فينا كلّنا، وكلّ واحد منــّا يكون في قلب اللّه الـذي هــو ثالــوث، آب وابن وروح قدس. عندئذ تصبح الافخارستيا جزءًا من حياتنا. تصبح حياتنا، لأن حياتنا ستكون شكرًا دائمًا، فنمتدح الآب الجالس على العرش، والابن الذي هو الحمل، ونرافق الروح الذي علّمنا أن نقول ليسوع تعال، ودعانا: »من كان عطشانًا فليأتِ. ومن شاء فليأخذ الحياة مجانا« (رؤ 22:17).

فلماذا لا نبدأ المسيرة منذ الآن ؟