أنا والكتاب المقدس

 

كنت ابن اثني عشر عامًا حين بدأت أقرأ الكتاب المقدَّس. هذا الكتاب الكبير آنذاك الذي اشتريته وأنا في المدرسة الإكليريكيَّة في غزير. هذا الكتاب الذي كنت أراه على طاولة مرشدي في اللغة الفرنسيَّة، قرأته بحبٍّ كبير وأنا معجِّل لأن أكون كاهنًا وأحمل كلمة الله إلى الناس. هذا الكتاب أقرأه اليوم على مهل، أقرأه مع الآخرين في دراسات، في حلقات صلاة ومشاركة، في ساعات التأمُّل والصلاة. هذا الكتاب الذي أقرأه وأعيد قراءته حتّى النهاية إلى يوم لا نحتاج فيه إلى كلام وحروف بعد أن نتَّحد بمن هو الكلمة بالذات، يسوع المسيح.

كتاب غامض. فماذا كنت أفهم من هذا الكتاب الذي هو من عصر غير عصري؟ كتاب كبير جدٌّا. تتعدّى صفحاته الألفين. كتاب غريب يبدأ في بداية الخليقة كما خرجت من يد الله. في البدء خلق الله السماء والأرض. ثمَّ يحدِّثنا بالرموز عن الحيَّة التي تدلُّ على الشيطان المجرِّب وعلى الخطيئة الأولى التي حملتها »شجرة« و»ثمرة«. كلُّ هذا سأفهمه فيما بعد. كما أنَّ الشجرة تعطي الطعام والحياة، هكذا »شجرة« خاصَّة حملت الموت إلى الإنسان. فلم يعد مكانه في الجنَّة مع الربّ، بل بعيدًا عن الربّ. لهذا صوَّره لنا الكتاب خارجًا من »الفردوس«، والحياةُ مع الله فردوس.

ويتوالى الخبر. فيقتل الأخ أخاه، ويتصارع أهل المدن مع أهل رعاية المواشي. ويتزوَّج الرجل امرأتين بانتظار أن تتعدَّد زوجاته. ويسيطر العنف على العالم حتّى زمن الطوفان بعد أن صارت القبائل تتناحر حتّى تفنى كلّها. هكذا ينتقم الإنسان من أخيه 77 مرَّة. هكذا يحطِّم الآخر ويسحقه فلا تقوم له قائمة.

وتأتي أسماء إبراهيم رجل الإيمان. وإسحق رجل الأمل والرجاء الذي ستكون له الحياة بعد أن مرَّ في الموت ساعة أراد أبوه أن يقدِّمه ذبيحة على الجبل. ويعقوب ذاك المحتال الكاذب، يجتاح الربُّ حياته، فيقضي ليلة من »الصراع« معه في وادي يبُّوق، فيصبح رجل مشيئة الله.

وموسى مع العلّيقة ونارها التي تدلُّ على حضور الله الذي هو نار محرقة. الذي يدعو كلَّ واحد منّا لكي يتغلَّب على العبوديّات التي فيه، ولكي يساعد إخوته على أن يحرِّروا نفوسهم. ويشوع الذي دخل أريحا على أصوات الأبواق الليتورجيَّة. وجدعون ذاك الذي كان له لقاء مع الربّ، وشمشون الذي نذرته أمَّه لله، فما كان يقصُّ شعره أبدًا. ذاك كان سرٌّا بينه وبين ربِّه. »فتركه« الربّ. ولكنَّه سيعود إلى الربّ بالندامة، فيعود الربُّ إليه، ويعيد إليه قوَّته. وكان الملوك. شاول بقامته الطويلة، فلا يصل أكبر الرجال إلى كتفه. وداود الذي كان بحسب قلب الله. وسليمان الذي وصلت حكمته إلى أقاصي الجزيرة العربيَّة.

كلُّ هذا قرأتُه بشكل قصَّة شيِّقة وفيها الكثير من التساؤلات. فالرموز تتعدّى مفهومي وإن ما زلت في روحانيَّة بسيطة لا تعرف أن تكتشف غنى الكتاب من خلال نصوص صعبة وطريقة في الكتابة تختلف عن طريقتنا المبسَّطة السهلة كما في الصحف والمجلاّت. فهمت اليوم أنَّ هذا الكتاب ليس في الأصل كتاب تاريخ، وإن استند في أخباره إلى التاريخ. وليس هو في الأصل قصَّة شيِّقة نقرأها لأنَّها قصَّة شيِّقة. هو في الأصل حوار بين الإنسان والله. فأنا أستطيع أن أكون إبراهيم وأسلِّم إلى الربِّ نفسي بالإيمان. وأستطيع أن أكون شاول الذي نال المواهب والعطايا، نال الوزنات وطلب منه الله أن يستثمرها. ولكنَّه فضَّل أن يسمع للجيش لا لله. فضَّل صوت الناس على صوت الله. وأستطيع أن أكون مثل داود الذي خطئ خطيئتين كبيرتين: زنى وقتل لكي يصل إلى مبتغاه. ولكن هنيئًا له، لأنَّ الربَّ أرسل إليه من يوبِّخه على خطيئته، فتاب وأنشد: إرحمني يا الله كعظيم رحمتك. وأستطيع أن أكون صموئيل الذي سمع صوت الله في أعماق قلبه، فقال: »تكلَّم يا ربّ فإنَّ عبدك يسمع«.

الكتاب المقدَّس، ولكنَّه ليس كتابًا مثل كتبنا. هو مجموعة كتب. هو مكتبة كبيرة. فيها 46 كتابًا في العهد القديم. كُتبت كلُّها قبل المسيح في العبريَّة والآراميَّة واليونانيَّة. وفيها 27 كتابًا في العهد الجديد. كتبت كلُّها في اليونانيَّة. ولكنَّنا نستطيع اليوم أن نقرأها في لغاتنا بعد أن ترجمت كلُّها (أو أقسام منها) إلى 2200 لغة ولهجة في العالم. وهكذا نستطيع، كلُّ واحد في لغتنا، أن ننشد عظائم الله، أن نسمع كلام الله على ما يقول الشمّاس في القدّاس: »كونوا في السكوت أيُّها السامعون«. الترجمات عديدة في العربيَّة ونحن نختار. ونختار مع النصّ كتب التفسير التي ترافقنا في معارج الكتاب المقدَّس. تسألونني: كيف صرت صديق الكتاب المقدَّس؟ أقول أوَّلاً حين عشت معه، يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة. هناك التأمُّل أوَّلاً والقراءة اليوميَّة. هناك الدراسة والتعمُّق في النصوص الأصليَّة. هناك الشروح والتفاسير. وأنا أنصح جميع الذين يسألونني بأن لا يقرأوا شيئًا من الكتاب المقدَّس بدون رفقة كتاب يشرح لهم ما يقرأون. نحن نشبه كلُّنا وزير ملكة الحبشة الذي كان يقرأ سفر أشعيا. فاقترب منه فيلبُّس المبشِّر وسأله: هل تفهم ما تقرأ؟ فأجاب: وكيف أفهم إن لم يرشدني أحد (أع 8: 31). نحن كلُّنا نشبه هذا الرجل. نحن كلُّنا نحتاج إلى فيلبُّس ليدخلنا في غنى كتاب لا يضاهي غناه كتاب من كتب العالم.

ووصلت بي القراءة من العهد القديم إلى العهد الجديد. هذا كما في الكتاب المقدَّس. ولكنِّي عرفت اليوم أنّني أبدأ بالعهد الجديد، أبدأ بالأناجيل، أبدأ بأعظم ما في الكتاب المقدَّس، فأرافق يسوع المسيح في أعماله وأقواله وأرافقه في حياته كلِّها. وبعدها أعود إلى الرسائل التي هي »إنجيل« من نوع آخر حمله إلينا بولس أو بطرس. التي هي صورة عن وجه يسوع في تفكيرنا وإيماننا، في حياتنا وممارستنا اليوميَّة. ومن العهد الجديد أعود تدريجيٌّا إلى العهد القديم. فالكتاب المقدَّس يتكلَّم كلُّه عن يسوع المسيح. هو عدد من الكلمات تقود إلى من هو الكلمة. إليه أشارت ذبيحة إسحق وسلَّم يعقوب. وعنه تكلَّم الأنبياء من دون أن يدروا. وصوَّر الكتاب لنا الحكمة بانتظار أن نتعرَّف إلى يسوع حكمة الله. كما حدَّثنا عن الراعي بانتظار أن نتعرَّف إلى الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف.

كتاب كبير، بل مكتبة حمله شعب، بل حملته شعوب. ردَّد الفينيقيّون مزاميره قبل أن تدخل في الكتاب المقدَّس. وحمل المصريّون أمثاله التي تدعونا إلى السعادة. وأهل أرام تأمَّلوا في أيُّوب وصبره، وبلاد الرافدين في علاقة الخطيئة بالمرض والألم والموت. كلُّ هذا دوِّن في التوراة التي ترجمت إلى اليونانيَّة فعمَّت كلَّ شواطئ البحر المتوسِّط. وكان الإنجيل الذي كُتب في لغة عالميَّة يفهمها بشكل خاصّ أهل المدن من أورشليم إلى رومه. وحمل الرسل ومن جاء بعدهم هذا الإنجيل وما زال الله يقيم من يحمل هذه الأناجيل حتّى أقاصي الأرض.

هذا هو الكتاب الذي ظلَّ يُكتب خلال ألف من السنين وأكثر. هذا هو الكتاب الذي وصل إلى كلِّ شعوب العالم ولغاتها. وتعرَّفت إليه وأنا صغير وما زلت أقرأه، وأكتشفُ فيه كلَّ يوم غنى جديدًا. فكأنّي أقرأه للمرَّة الأولى. وكم أكتشفُ غناه أيضًا في حلقات المشاركة مع المؤمنين بكلِّ فئاتهم. هذا هو الكتاب الذي يجب أن نقرأه فيكون لنا غذاء حياتنا. ويكون سلاحًا بأيدينا بوجه التجربة. ويكون نورًا لنا يقينا الضلال والبدع التي تتربَّص بنا وتهاجمنا. هذا هو الكتاب الذي يسند صلاتنا فلا تكون تكرارًا لا نفقه معناه. فنحن اليوم نصلّي إلى الله بكلام الله، بالمزامير. ونترك هذه الكلمة تصبح جزءًا منّا فتخلقنا يومًا بعد يوم على مثال ما فعلت حين خَلق الله السماوات والأرض.