آباء الكنيسة والكتاب المقدس

 

كنت ابن اثني عشر عامًا حين بدأت أقرأ الكتاب المقدَّس. هذا الكتاب الكبير آنذاك الذي اشتريته وأنا في المدرسة الإكليريكيَّة في غزير. هذا الكتاب الذي كنت أراه على طاولة مرشدي في اللغة الفرنسيَّة، قرأته بحبٍّ كبير وأنا معجِّل لأن أكون كاهنًا وأحمل كلمة الله إلى الناس. هذا الكتاب أقرأه اليوم على مهل، أقرأه مع الآخرين في دراسات، في حلقات صلاة ومشاركة، في ساعات التأمُّل والصلاة. هذا الكتاب الذي أقرأه وأعيد قراءته حتّى النهاية إلى يوم لا نحتاج فيه إلى كلام وحروف بعد أن نتَّحد بمن هو الكلمة بالذات، يسوع المسيح.

كتاب غامض. فماذا كنت أفهم من هذا الكتاب الذي هو من عصر غير عصري؟ كتاب كبير جدٌّا. تتعدّى صفحاته الألفين. كتاب غريب يبدأ في بداية الخليقة كما خرجت من يد الله. في البدء خلق الله السماء والأرض. ثمَّ يحدِّثنا بالرموز عن الحيَّة التي تدلُّ على الشيطان المجرِّب وعلى الخطيئة الأولى التي حملتها »شجرة« و»ثمرة«. كلُّ هذا سأفهمه فيما بعد. كما أنَّ الشجرة تعطي الطعام والحياة، هكذا »شجرة« خاصَّة حملت الموت إلى الإنسان. فلم يعد مكانه في الجنَّة مع الربّ، بل بعيدًا عن الربّ. لهذا صوَّره لنا الكتاب خارجًا من »الفردوس«، والحياةُ مع الله فردوس.

ويتوالى الخبر. فيقتل الأخ أخاه، ويتصارع أهل المدن مع أهل رعاية المواشي. ويتزوَّج الرجل امرأتين بانتظار أن تتعدَّد زوجاته. ويسيطر العنف على العالم حتّى زمن الطوفان بعد أن صارت القبائل تتناحر حتّى تفنى كلّها. هكذا ينتقم الإنسان من أخيه 77 مرَّة. هكذا يحطِّم الآخر ويسحقه فلا تقوم له قائمة.

وتأتي أسماء إبراهيم رجل الإيمان. وإسحق رجل الأمل والرجاء الذي ستكون له الحياة بعد أن مرَّ في الموت ساعة أراد أبوه أن يقدِّمه ذبيحة على الجبل. ويعقوب ذاك المحتال الكاذب، يجتاح الربُّ حياته، فيقضي ليلة من »الصراع« معه في وادي يبُّوق، فيصبح رجل مشيئة الله.

وموسى مع العلّيقة ونارها التي تدلُّ على حضور الله الذي هو نار محرقة. الذي يدعو كلَّ واحد منّا لكي يتغلَّب على العبوديّات التي فيه، ولكي يساعد إخوته على أن يحرِّروا نفوسهم. ويشوع الذي دخل أريحا على أصوات الأبواق الليتورجيَّة. وجدعون ذاك الذي كان له لقاء مع الربّ، وشمشون الذي نذرته أمَّه لله، فما كان يقصُّ شعره أبدًا. ذاك كان سرٌّا بينه وبين ربِّه. »فتركه« الربّ. ولكنَّه سيعود إلى الربّ بالندامة، فيعود الربُّ إليه، ويعيد إليه قوَّته. وكان الملوك. شاول بقامته الطويلة، فلا يصل أكبر الرجال إلى كتفه. وداود الذي كان بحسب قلب الله. وسليمان الذي وصلت حكمته إلى أقاصي الجزيرة العربيَّة.

كلُّ هذا قرأتُه بشكل قصَّة شيِّقة وفيها الكثير من التساؤلات. فالرموز تتعدّى مفهومي وإن ما زلت في روحانيَّة بسيطة لا تعرف أن تكتشف غنى الكتاب من خلال نصوص صعبة وطريقة في الكتابة تختلف عن طريقتنا المبسَّطة السهلة كما في الصحف والمجلاّت. فهمت اليوم أنَّ هذا الكتاب ليس في الأصل كتاب تاريخ، وإن استند في أخباره إلى التاريخ. وليس هو في الأصل قصَّة شيِّقة نقرأها لأنَّها قصَّة شيِّقة. هو في الأصل حوار بين الإنسان والله. فأنا أستطيع أن أكون إبراهيم وأسلِّم إلى الربِّ نفسي بالإيمان. وأستطيع أن أكون شاول الذي نال المواهب والعطايا، نال الوزنات وطلب منه الله أن يستثمرها. ولكنَّه فضَّل أن يسمع للجيش لا لله. فضَّل صوت الناس على صوت الله. وأستطيع أن أكون مثل داود الذي خطئ خطيئتين كبيرتين: زنى وقتل لكي يصل إلى مبتغاه. ولكن هنيئًا له، لأنَّ الربَّ أرسل إليه من يوبِّخه على خطيئته، فتاب وأنشد: إرحمني يا الله كعظيم رحمتك. وأستطيع أن أكون صموئيل الذي سمع صوت الله في أعماق قلبه، فقال: »تكلَّم يا ربّ فإنَّ عبدك يسمع«.

الكتاب المقدَّس، ولكنَّه ليس كتابًا مثل كتبنا. هو مجموعة كتب. هو مكتبة كبيرة. فيها 46 كتابًا في العهد القديم. كُتبت كلُّها قبل المسيح في العبريَّة والآراميَّة واليونانيَّة. وفيها 27 كتابًا في العهد الجديد. كتبت كلُّها في اليونانيَّة. ولكنَّنا نستطيع اليوم أن نقرأها في لغاتنا بعد أن ترجمت كلُّها (أو أقسام منها) إلى 2200 لغة ولهجة في العالم. وهكذا نستطيع، كلُّ واحد في لغتنا، أن ننشد عظائم الله، أن نسمع كلام الله على ما يقول الشمّاس في القدّاس: »كونوا في السكوت أيُّها السامعون«. الترجمات عديدة في العربيَّة ونحن نختار. ونختار مع النصّ كتب التفسير التي ترافقنا في معارج الكتاب المقدَّس. تسألونني: كيف صرت صديق الكتاب المقدَّس؟ أقول أوَّلاً حين عشت معه، يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة. هناك التأمُّل أوَّلاً والقراءة اليوميَّة. هناك الدراسة والتعمُّق في النصوص الأصليَّة. هناك الشروح والتفاسير. وأنا أنصح جميع الذين يسألونني بأن لا يقرأوا شيئًا من الكتاب المقدَّس بدون رفقة كتاب يشرح لهم ما يقرأون. نحن نشبه كلُّنا وزير ملكة الحبشة الذي كان يقرأ سفر أشعيا. فاقترب منه فيلبُّس المبشِّر وسأله: هل تفهم ما تقرأ؟ فأجاب: وكيف أفهم إن لم يرشدني أحد (أع 8: 31). نحن كلُّنا نشبه هذا الرجل. نحن كلُّنا نحتاج إلى فيلبُّس ليدخلنا في غنى كتاب لا يضاهي غناه كتاب من كتب العالم.

ووصلت بي القراءة من العهد القديم إلى العهد الجديد. هذا كما في الكتاب المقدَّس. ولكنِّي عرفت اليوم أنّني أبدأ بالعهد الجديد، أبدأ بالأناجيل، أبدأ بأعظم ما في الكتاب المقدَّس، فأرافق يسوع المسيح في أعماله وأقواله وأرافقه في حياته كلِّها. وبعدها أعود إلى الرسائل التي هي »إنجيل« من نوع آخر حمله إلينا بولس أو بطرس. التي هي صورة عن وجه يسوع في تفكيرنا وإيماننا، في حياتنا وممارستنا اليوميَّة. ومن العهد الجديد أعود تدريجيٌّا إلى العهد القديم. فالكتاب المقدَّس يتكلَّم كلُّه عن يسوع المسيح. هو عدد من الكلمات تقود إلى من هو الكلمة. إليه أشارت ذبيحة إسحق وسلَّم يعقوب. وعنه تكلَّم الأنبياء من دون أن يدروا. وصوَّر الكتاب لنا الحكمة بانتظار أن نتعرَّف إلى يسوع حكمة الله. كما حدَّثنا عن الراعي بانتظار أن نتعرَّف إلى الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف.

كتاب كبير، بل مكتبة حمله شعب، بل حملته شعوب. ردَّد الفينيقيّون مزاميره قبل أن تدخل في الكتاب المقدَّس. وحمل المصريّون أمثاله التي تدعونا إلى السعادة. وأهل أرام تأمَّلوا في أيُّوب وصبره، وبلاد الرافدين في علاقة الخطيئة بالمرض والألم والموت. كلُّ هذا دوِّن في التوراة التي ترجمت إلى اليونانيَّة فعمَّت كلَّ شواطئ البحر المتوسِّط. وكان الإنجيل الذي كُتب في لغة عالميَّة يفهمها بشكل خاصّ أهل المدن من أورشليم إلى رومه. وحمل الرسل ومن جاء بعدهم هذا الإنجيل وما زال الله يقيم من يحمل هذه الأناجيل حتّى أقاصي الأرض.

هذا هو الكتاب الذي ظلَّ يُكتب خلال ألف من السنين وأكثر. هذا هو الكتاب الذي وصل إلى كلِّ شعوب العالم ولغاتها. وتعرَّفت إليه وأنا صغير وما زلت أقرأه، وأكتشفُ فيه كلَّ يوم غنى جديدًا. فكأنّي أقرأه للمرَّة الأولى. وكم أكتشفُ غناه أيضًا في حلقات المشاركة مع المؤمنين بكلِّ فئاتهم. هذا هو الكتاب الذي يجب أن نقرأه فيكون لنا غذاء حياتنا. ويكون سلاحًا بأيدينا بوجه التجربة. ويكون نورًا لنا يقينا الضلال والبدع التي تتربَّص بنا وتهاجمنا. هذا هو الكتاب الذي يسند صلاتنا فلا تكون تكرارًا لا نفقه معناه. فنحن اليوم نصلّي إلى الله بكلام الله، بالمزامير. ونترك هذه الكلمة تصبح جزءًا منّا فتخلقنا يومًا بعد يوم على مثال ما فعلت حين خَلق الله السماوات والأرض.

حين قال القدّيس جيروم، مترجم الكتاب المقدَّس إلى اللغة اللاتينيّة، في النسخة الشعبيّة، »مَن جهل الكتاب المقدَّس جهل المسيح«، أوجز ما كان يمثِّله الكتاب بالنسبة إلى آباء الكنيسة. فهم ليسوا فقط المربّين، بل الآباء، في خطِّ بولس الرسول الذي ولد كنيستَه في المسيح، وأراد أن يغذِّيها لا بالحليب فقط، بل بالطعام القويّ. وهذا في الواقع ما عمله آباء الكنيسة. بدأوا فتعاملوا مع الكتاب المقدَّس. فسَّروه التفسير الذي يجعل المسيحَ قلبَه ومركزه. قدَّموه للمؤمنين بعد أن جمعوا التعليم العميق المرتكز على النصِّ الكتابيّ، مع التطبيق الخلقيّ في حياة المسيحيّين.

 

1- الآباء والتعامل مع الكتاب

أوَّل ما يلفت نظرنا حين نرى ما تركه لنا الآباء من تفاسير، سواء في العالم السريانيّ مثل أفرام ويعقوب ونرساي، أو في العالم اليونانيّ مثل الذهبيّ الفم وباسيل وغرغوار،، أو في العالم اللاتينيّ مثل قبريانُس وأوغسطين وليون الكبير، هو أنَّ المصدر الذي يرجعون إليه هو الكتاب المقدَّس. نشير هنا إلى أنَّ نسخات الكتاب وُجدت في أماكن عدَّة. فمنذ الإمبراطور قسطنطين الذي منح الكنيسة الحرِّيَّة الدينيّة، دأب الأباطرة على تأمين نسخ من الكتاب المقدَّس، تُنسَخ في الإسكندريّة أو قيصريّة فلسطين أو أنطاكية. بل إنَّه وُجد أكثر من نسخة في بعض الأماكن، فمحوا ما كُتب على إحدى النسخات كي ينقلوا نصوص أفرام السريانيّ. وبالسبل الحديثة نستطيع اليوم أن نقرأ نصّ الكتاب المقدَّس ونصّ أفرام. هذا ما يسمِّيه العلماء الكودكس الأفراميّ الذي يعود إلى القرن الخامس وهو اليوم موجود في المكتبة الوطنيّة في باريس.

وبقي لنا عدد من الكودكسات أي الكتب التي تضمُّ عددًا من الأسفار المقدَّسة، مثل الكودكس السينائيّ (وُجدَ في دير القدّيسة كاترينة، في منحدر جبل سيناء)، الذي يعود إلى القرن الرابع، والكودكس الفاتيكانيّ الذي يعود إلى الحقبة عينها. لا نستطيع أن نذكر البُرديّات العديدة، ولا نسخ الكتاب المقدَّس في اللغات التي كَتب فيها الآباء أو وعظوا. على سبيل المثال، نمتلك خمسة آلاف نسخة ونيِّف للعهد الجديد، في اللغة اليونانيّة فقط. ولن أذكر سائر اللغات الشرقيّة منها والغربيّة.

أجل انتشر الكتاب المقدَّس انتشارًا واسعًا، وكان الآباء يغرفون من معينه. يمكن أن يكون بعضهم عاد إلى فلسفة اليونان أو إلى تيّارات فكريّة مثل الرواقيّة وغيرها. في هذا المجال، كانوا في خطِّ بولس الرسول الذي ذكر شعراء وفلاسفة كان الناس يعرفونهم في عصره. وفي خطِّ يوحنّا الذي حاول أن يقدِّم »معرفة« غير المعرفة الباطنيّة التي تستند إلى وحي داخليّ، ولا ترتكز إلى التقليد الآتي من المسيح بواسطة الرسل، وينسى سرّ التجسُّد بحيث يصبح يسوع فكرة مجرَّدة أو عاطفة لا تدوم طويلاً.

الكتاب المقدَّس كان رفيق الآباء. العهد الجديد في الدرجة الأولى ثمَّ سفر المزامير الذي يتلون صلواته طوال النهار وفي أثناء الليل، والأنبياء الذين وجدوا فيهم الطريق إلى المسيح. درسوا وأطالوا الدرس فضاعت عيون بعضهم من طول الممارسة. نذكر هنا أوريجان ابن الإسكندريّة قبل أن يأتي إلى قيصريّة في فلسطين ويُدفن في صور، في لبنان. وتأمَّلوا في النصوص بحيث صارت جزءًا من كلامهم. فإن لم يذكروها حرفيٌّا، اكتفوا بأن يلمِّحوا إليها. ولهذا قال بعضهم عن أفرام السريانيّ بأنَّ مصدر إلهامه كان: الكتاب المقدَّس والطبيعة. فهو يجد فيهما الصور التي يحتاجها ليوصل إلى المؤمنين العقيدة الإيمانيّة.

 

2- الآباء وشرح الكتاب

اعتاد الباحثون أن يذكروا مدرستين كبيرتين، في الشرق، عملتا في شرح النصوص الكتابيّة. الأولى، المدرسة الأنطاكيّة التي كان تفسيرها قريبًا من الحرف، ولم تلجأ إلى المجاز والاستعارة إلاّ قليلاً. أمّا المدرسة الإسكندرانيّة فابتعدت عن الحرف وبحثت عن الرموز وعن معاني كلِّ تفصيل من التفاصيل، بحيث يُقرأ الكتاب قراءة روحيّة تُنسيه السياق الذي كُتب فيه. نعطي على سبيل المثال شرح أوريجان حول الشريط الأحمر الذي جعلته راحاب الزانية على بابها لكي يعرفها المهاجمون ويعفون عنها بعد أن سهَّلت لهم الطريق. لاشكَّ في أنَّ هذه الإشارة خلَّصتها من الموت، بعد أن حُرِّم كلُّ ما في المدينة من رجال ونساء وأطفال. أمّا أوريجان فرأى في هذا اللون الأحمر إشارة إلى دم المسيح الذي يحمل الخلاص إلى كلِّ مَن يؤمن به.

وجاء آباء الكبادوك، مثل باسيل وغرغوار النزينزي في خطٍّ أنطاكيٍّ مع تأثُّر كبير من مدرسة الإسكندريّة، فما شطحوا شطحاتها. أمّا الآباء السريان فحين قرأوا العهد القديم أرادوا أن يكتشفوا شخص المسيح في الأخبار والأقوال والنظم. فكلُّ ما لا يصل بنا إلى المسيح يمكن أن نستغني عنه. وتبنَّت أفريقيا الشماليّة، ولاسيّما مع أوغسطين، شرح الكتاب في عظات تحمل المعنى الكامل فتمنح المؤمنين غذاء ما زال حاضرًا أمامنا اليوم. وإذا أردنا أن نوجز نتحدَّث عن أربعة معانٍ. هناك المعنى الحرفيّ الذي يُعلمنا بالواقع كما هو في ذاته. فلا نضيف إليه شيئًا من عندنا. والمعنى الاستعاريّ يقول لنا ما يجب أن نؤمن به. فنحن حين نقرأ عن السمكة التي ابتلعت يونان، نفهم أنّنا أمام خبر مجاز يدلُّ على أنَّ يونان نجا من الموت لأنَّ الربَّ يريده لرسالة تقوده إلى نينوى. والثلاثة أيّام تدلُّ على وقت انتظاريأتي بعدها اللقاء بالربّ. وفي الواقع، تغيَّر موقف يونان بعد أن وصل إلى الشاطئ. حينئذٍ فهم دعوته وانطلق نحو الشرق يدعو المدينة الوثنيّة والقاتلة إلى التوبة.

والمعنى الثالث هو المعنى الخلقيّ. فنحن لا نقرأ الكتاب المقدَّس وكأنَّه خبر تاريخيّ نستمتع بقراءاته، ولا نتوقَّف عند الخبر كخبر. فالآباء أرادوا في شرحهم أن يكتشفوا عبرة من أجل المؤمنين تساعدهم على حياة أخلاقيّة تتوافق وإيمانهم. وأخيرًا، هناك المعنى الأناغوجي، أو التأويل الباطنيّ الذي يقودنا إلى الهدف الذي يجب أن يصبو إليه المؤمن في ارتقائه نحو الله.

كم نحتاج اليوم في قراءتنا للكتاب أن نعود إلى هؤلاء الآباء، لا لننسخ ما قالوا حرفيٌّا، ولا لنعتبر أنَّ كلَّ ما قالوه هو الحقيقة التي نقف عندها ولا نتعدّاها، فنتج عن ذلك أنَّ الشرق نسيَ أنَّ الروح يعمل فيه. إنَّ أفضل أمانة للآباء، هو أن نقرأ الكتاب من أجل عصرنا، ونفسِّره للمؤمنين الذين يعرفون ظروفًا مغايرة للظروف التي عاش فيها الآباء. ما نستطيع أن نأخذه من الآباء هو حسٌّ عميق لوحدة الكتاب المقدَّس، بحيث لا نفصل العهد القديم عن العهد الجديد، لنتركه لليهود. فالعهد الجديد يجد جذوره في العهد القديم. والويل لنا إن قطعنا الجذور. فالله بدأ فكلَّمنا بالآباء والأنبياء، وفي النهاية بابنه يسوع. فكيف نرفض كلام الله، ونختار منه ما نشاء من أجل أغراض لا تمتُّ إلى الله بصلة؟ إن فعلْنا، نكون كمن يبني ديانة على قياسه، أو على قياس فكر مُسبق. ذاك كان وضع مرقيون مثلاً الذي كان لهكتاب مقدَّس خاصّ به، لا كتاب الكنيسة حيث يغتني الجديد بالقديم، ويستنير القديم بالجديد. ونتعلَّم من الآباء أنَّ المعنى الحرفيّ لا يكفي. بل يجب أن نصل إلى المعنى الكامل. وأمّا الذين يريدون أن يشرحوا العهد القديم وأن يحصروا فيه قراءتهم دون أن يصلوا إلى العهد الجديد، فهم بعيدون كلَّ الابتعاد عن تقليد الآباء. والخطر الكبير أنَّهم يريدون أن يشرحوا نصوص العهد لجديد وكأنَّها نصوص العهد القديم، بحيث يصبح لقب »ابن الله« مرادفًا للملك في خطِّ المزمور الثاني: »أنتَ ابني وأنا اليوم ولدتك«. انطلق يسوع من العالم اليهوديّ الذي وُلد فيه، ولكنَّه تجاوزه ليصل إلى أمم الأرض جميعًا. أمّا بعض الشرّاح فيريدون أن يعودوا إلى العالم اليهوديّ، من أجل أكثر من سبب. هناك يكون آباء الكنيسة المعلِّمين الأوَّلين الذين يساعدوننا على قراءة الكتاب بحيث تصبح قراءتنا حوارًا مع الله، فنكلِّم الله بكلام الله، ونحمل إلى الناس كلام الله، لا كلام البشر وأفكارهم المسبقة.

 

3- الآباء ونقل الكتاب إلى المؤمنين

ما درس آباء الكنيسة الكتاب المقدَّس من أجل الدرس والتوسُّع في الأبحاث، كما هو الحال في عصرنا. لاشكَّ في أنَّ أشخاصًا مثل أوريجان قابلوا النصوص اليونانيّة بعضها ببعض ليجدوا ما هو قريب من النصِّ العبريّ الذي كتبه في حرف يونانيّ لتسهل قراءته. والقدّيس جيروم جاء إلى الشرق يدرس العبريّة ويتعرَّف إلى العالم اليهوديّ في فلسطين، بحيث يستطيع أن يقدِّم ترجمة أدبيّة للكتاب المقدَّس، طلبها منه المؤمنون في رومة. ولكنَّ معظم الآباء اهتمّوا أوَّل ما اهتمُّوا بإيصال كلمة الله إلى المؤمنين. وإن عمل بعضهم في التدريس، مثل أفرام السريانيّ، فهذا التدريس لا يشكِّل العنصر الأوسع في حياتهم. فالهدف الأساسيّ أن تصل كلمة الله إلى كلِّ شعب الله. هنا يبرز خطّان تعرفهما الكنيسة اليوم. خطٌّ أوَّل يحمل كلام الله إلى الكنيسة وكأنَّه تفسير علميّ، لغويّ، لا يجعل المؤمنين يتجاوبون معه. بل هو في عالم والواعظ في عالم آخر. وما نقوله عن الوعظ نقوله عن الكتابة. وأذكر كتابًا ألمانيٌّا اعتذر فيه الكاتب، لأنَّه بعد أن شرح النصَّ شرحًا علميٌّا، قدَّم تطبيقًا عمليٌّا. إذن، هو مزج بين فنٍّ أدبيّ وفنٍّ آخر، بين مستوى ومستوى. ولا أتوقَّف عند الطرق الحديثة من نهج بنيويّ يتوقَّف عند الكلمات وتقابلها، والمقاطع وتوازيها، ولا يتجاوز هذا المستوى، مثل هذا الباحث يشبه اللاعب على الحبال الذي لا يخرج من لعبه، فيبقى فوق الجمهور ولا يتَّصل به. ويتطلَّع عدد من الدارسين اليوم إلى هذا الخطِّ وكأنَّه المثال الذي يجب أن نصبو إليه. أمّا المجمع الفاتيكانيّ الثاني، فأفرد فصلاً خاصٌّا في دستور »الوحي الإلهيّ«، يتحدَّث عن كلام الله من أجل شعب الله، لا من أجل فئة مختارة تعود بنا إلى تمييز بين »الكمّال« و»الجهّال«، أو البسطاء الذين لا نستطيع أن نطلب منهم الكثير. وذلك مع أنَّ المسيح قال: »أشكرك يا أبتِ، أخفيت هذا عن الحكماء والفهماء وأظهرته للأطفال«. وفي الواقع، إن لم يصر المؤمن مثل طفل لا يستطيع أن ينعم بغنى كلام الله. وأكبر مثال على ذلك تريزيا الطفل يسوع التي انطلقت من الطفولة الروحيّة فقدَّمت لنا تعليمًا جعلها في مصاف آباء الكنيسة العظام.

وخطٌّ ثانٍ يتحاشى أن يدخل إلى النصِّ الكتابي. يقرأه »الكاهن« في اللغة الفصحى ثمَّ يرويه في اللغة الدارجة فيجعله يخسر نكهته وجماله الأوَّل، وكأنّي به يظنُّ أنَّه وحده فهم النصّ. أو يجمع الآيات الكتابيّة بحسب توارد الأفكار والمعاني والألفاظ بشكل سبحة، لا رابط بين حبّاتها. هذا ما فعله أفراهاط في بداية كلِّ فصل من مقالاته الروحيّة. ولكنَّه استخلص المعنى الروحيّ والدرس من أجل الجماعة التي كتب لها. أمّا نحن، فنكتفي بسرد الآيات المتشابهة فتتكرَّر ويغيب عنّا معناها. أو نكتفي بشرح حرفيٍّ للنصّ، فنبقى على مستوى القشرة ولا ندخل إلى اللبّ، لا ننتزح إلى العمق، كما طلب يسوع من رسله أن يفعلوا. وأخيرًا، ينطلق الواعظ من الإنجيل، ويتركه جانبًا، مكتفيًا بأشياء عمليّة سطحيّة، يعرفها حتّى الأطفال في الرعيّة بقدر ما تكرَّرت في آذانهم. هذا يعني أنَّه لم يتأمَّل في النصّ. بل لم يهيِّئ »العظة« بحيث لا يحترم نفسه ولا الآخرين، كما لا يحترم كلام الله.

هنا تبدأ أهمَّيَّة العودة إلى آباء الكنيسة. هم درسوا الكتاب المقدَّس وتعمَّقوا فيه قبل أن يقدِّموه إلى المؤمنين. فيوحنّا الذهبيّ الفم تتلمذ على يدِ معلِّم مدرسة أنطاكية، ديودور أسقف طرسوس، قبل أن يُلقي عظاته، ولاسيّما شروحه للكتاب المقدَّس، في عهديه القديم والجديد. نستطيع في هذا المجال أن نقرأ عظاته حول سفر التكوين، أو حول المزامير. كما نقرأ عظاته حول الأناجيل ورسائل القدّيس بولس، فنكتشف معرفته للكتاب المقدَّس. وبعد ذلك نكتشف ارتباط كلامه بحياة الناس الذين يتحدَّث إليهم. وهكذا يلتقي الكتابُ مع الحياة فيضيء عليها بنوره، فتصبح حياة المؤمنين نورًا يهدي الناس إلى نور المسيح. كما تلتقي الحياةُ اليوميّة بكلام الله، فلا يعود حرفًا ميتًا، بل شخصًا حيٌّا يحدِّثنا اليوم. أجل، في مثل هذا الإطار، لا يعود الإنجيل فقط تعليمًا عن يسوع، عن حياته وأعماله وأقواله، بل يصبح الإنجيلُ يسوعَ بالذات، نراه يكلِّمنا كما كان يكلِّم التلاميذ والجموع خلال حياته على الأرض.

أشرنا إلى الذهبيّ الفم في العالم اليونانيّ، وهو الذي سحر المؤمنين بكلامه المشبع بكلام الله والملتصق بالحياة. وكيف ننسى أوغسطين الذي كان أغزر آباء الكنيسة. ونحن نستطيع اليوم أن نقرأ مثلاً عظاته في المزامير، لنكتشف الفقر في ما نقدِّمه اليوم من شرح كتاب الصلاة في العالم اليهوديّ، كما في العالم المسيحيّ. وفي العالم السريانيّ، سيكون كلام الآباء شعرًا أو أقلَّه نثرًا قريبًا من الشعر. والساميّون يحبّون الموسيقى التي ترافق الكلمات. فقدَّم أفرام وغيره اللاهوت العميق من خلال قراءتهم للنصوص المقدَّسة، وما زلنا نقرأه اليوم وكأنَّه كُتب لنا. فيا ليت حاملي كلام الله يقتدون بهؤلاء الآباء، فلا يفصلون بين التعليم الكتابيّ واللاهوت والتطبيق العمليّ اليوميّ. يا ليتهم يعودون إلى ينبوع الماء الحيّ ولا يكتفون بآبار مشقَّقة لا تحتفظ بماء. عندئذٍ لن يقول النبيّ فينا: طلب الأبناء خبزًا فما وجدوا من يعطيهم. أمّا خبزُ آبائنا في الإيمان، فقد غذّى معاصريهم وما زال يقدِّم لنا غذاء نقدر أن نكيِّفه من أجل المؤمنين الذين يريدون أن يجدوا في الكلام الذي يسمعونه أو يقرأونه، النورَ الذي يضيء والحياة التي تمنع عنّا الموت.

 

خاتمة

تلك نظرة سريعة إلى الآباء وعلاقتهم بالكتاب المقدَّس. قرأوا، تعلَّموا، درسوا. ثمَّ انطلقوا من المحيط الذي يعيشون فيه، فجعلوا كلام الله في متناول شعبهم. لم يتوقَّفوا عند المعنى الأوَّل. بل راحوا إلى المعنى الأخير الذي يوصل إلى المسيح وإلى الكنيسة. لم ينحصروا في الحرف الذي يقتل، بل استلهموا الروح الذي يحيي. ظلُّوا قريبين من الكلمة التي ليست بعيدة عنّا، كما يقول الكتاب، وظلُّوا قريبين من الشعب رافضين أن يُقيموا في برجهم العاجيّ، في أفكارهم الخاصّة ونظرتهم إلى المجتمع. وهكذا التقت كلمةُ الله مع ظروف الحياة في قلب المؤمنين فجاءت أعمالهم الصالحة تمجِّد الآب الذي في السماء. ونحن اليوم، إذ نقرأ ما تركه لنا هؤلاء الآباء من تراث كتابيّ، لا يمكن إلاّ أن نمجِّد الله ونطلب منه نعمة تساعدنا على متابعة المسيرة فنقدِّم كلام الله اليوم من أجل شعبنا اليوم دون عودة إلى الوراء تنسينا ما قاله المزمور: اليوم إن أنتم سمعتم صوته. هكذا نكون أمناء لكلام الله وعارفي جميل الآباء الذين سبقوا فكانوا حلقة في تقليد الكنيسة سيتواصل حتّى نهاية العالم.