مسيرة العيلة في الكتاب

 

حين نقرأ الكتاب المقدّس، فـي عهده القديم، ننتظر أن نجد أمورًا أخلاقيّة وقواعـد سلوكيّة تساعدنا فـي حياتنا اليوميّة. فما نطلبه هنا نجده فـي حضارات عديدة سبقت ما قدّمته التوراة فـي معناها الواسع، أي منذ سفر التكوين إلى كتب الحكمة. فالكتاب هو، فـي الحقيقة، مسيرة الإنسان إلى اللّه. فالكاتب الملهم ينطلق من الواقع الذي يعيشه معاصروه ويُلقي عليه ضوء كلام اللّه. بهذه الطريقة يتطوّر الإنسان شيئــًا فشيئــًا لتصبح حياته بحسب قلب اللّه. وإذ نحن نتحدّث عن العيلة، سوف نرى الكثير من الهنات التي يُوردها الكاتب كما هي، حفاظًا على الواقع التاريخيّ، ولكنــّه يدلّ على أنّه غير راضٍ عنها. كما سوف نرى تطوّرًا رائعًا يقودنا شيئــًا فشيئــًا من العهد القديم إلى العهد الجديد، حيث العيلة صورة عن الكنيسة التي هي حضور الربّ فـي العالم، مع تشبيه الرجل بالمسيح والمرأة بالكنيسة.

 

العيلة الأربابيّة

العيلة الأربابيّة هي التي يسيطر فيها ربّ العائلة، فيكون تحت سلطته المرأة والأولاد والخدّام والخادمات. وقد يقيم معه ابنه المتزوّج وعائلته. نحن أمام العيلة فـي المعنى الواسع، أمام بيت الرجل أي عياله.

أوّل وجه يبرز أمامنا هو إبراهيم الذي دعاه اللّه، فجاء إلى أرض فلسطين ومعه امرأته وابن أخيه لوط (تك 12:5). كما أخذ معه كلّ ما يمتلكه من عبيد وماشية. ونلاحظ سيطرة الرجل بحيث إنّ المرأة تخضع له ولا تناقش. وهذا ما نكتشفه فـي حدثين فـي حياة إبراهيم، وفـي حدث فـي حياة إسحق. وصـل إبراهيــم إلى مصـر. »قولي إنك أختي« ( تك 12:13). وأطاعت المرأة. فـي أي حال المرأة مُلك الرجل، بحيث من اشتهاها اشتهى ما يمتلكه الرجل. أمّا شخصيتها فضائعة.

والرجل سيّد أولاده. أخذ إبراهيم ابنه إسحق ليقدّمه ذبيحة على الجبل، على مثال ما كان يفعل الوثنيون حوله. لم نسمع صوت سارة يعارض هذا العمل الخطير. والولد يسير ضحيّة خاضعة. بل سيقول التقليد إنّه طلب من أبيه أن يقيّده لئلاّ يتحرّك فيُجرَح، فلا يعود يصلح للذبيحة. وكذا نقول عن يفتاح، ذاك القاضي الذي قاد شعبه إلى النصر، بعد أن نذر أن يضحّي بابنته ( قض 11:34-40 ).

ذاك هو الوجه السلبي. أمّا الوجه الإيجابي فنجده عند والد صموئيل. اعتاد الرجل أن يهتمّ بأن يكون له أولاد يخلّدون ذكره. ولكنّ القـــانة قــــال لحنــّة أم صموئيـل: »أنا خير لك من عشرة بنين« (1صم 1:8). ويقول الكتاب إنّه أحبّها ولو كانت عاقرا. كما أحبّ يعقوب امرأته راحيل مع أنّها تأخــّرت وأعطته يوسف ابنا. وإن نحن قرأنا النبي هوشع نكتشف أبًا يتصرّف تصرّف أمّ: يعلّم ابنه المشي، يحمله على ذراعه، يجتذبه إليه بحبال الرحمة وروابط المحبّة، يحنو عليه ويطعمه (هو11:3-4). وفـي نشيد الأناشيد، الرجل هو الذي يحترم شعور حبيبته فلا يدخل خدرها لأنّها ليست مستعدّة لأن تستقبله. مضى وراح، وما أراد أن يكون ثقلاً عليها. هو لا يريدها أن تأتي إليه بالقوّة، بل بالنعومة واللطافة. ترك عطره عبر الباب، فقامت العروس وطلبت من يحبّه قلبها (نش 5:6-7). كلّ هذا يهيّئنا لتضحية يستعدّ ربّ البيت أن يقوم بها على مثال المسيح الذي بذل نفسه من أجل كنيسته.

 

المرأة فـي البيت

حضارة العالم القديم حضارة ذكوريّة، يسيطر فيها الرجل سيطرة تامّة لأنّه هو الأقوى. ومن المؤسف أن تتواصل هذه »الحضارة« إلى أيّامنا، ولاسيّما فـي الشرق. فإذا المرأة هي أدنى من الرجل، وهذا ما لا يقبله عالمنا المعاصر. إن كانت خطيئة فـي العالم، فحوّاء هي السبب الأول. إن لم يكن لها ولد، فالخطأ خطأها. وعليها أن تبحث عمّن يؤمّن النسل للرجل. وفـي خبر أيّوب نفسه، المرأة هي التي »تساعد الشيطان« على زوجها فيجدّف على اللّه، ويخسر اللّه الرهان (أي 8:9-10). ونقول الشيء عن امرأة طوبيت. قالت لزوجها: »أين صدقاتك وأعمالك الصالحة ؟ الآن نرى ما استفدت منها« (طو 2:14).

المرأة خادمة الرجل وتتشرّف إن هي غسلت قدميه. ولكنّ الكتاب سوف يشجب تصرّف إبراهيم حين تخلّى عن امرأته فـي مصر. بيّن أنّه اغتنى، ولكن بأي طريقة اغتنى. وعند ملك جرار، ما استطاع خليل اللّه أن يبرّر نفسه حين قال إن سارة أخته. وحين قدّمت له سارة أمتها هاجر ليكون له منها ابن، أعلنت له غضبها: ظلمتني. أجبرتني على مثل هذا التصرّف ( تك 16:5). لهذا تركها إبراهيم تطرد الأمة، مع أنّها هي التي أدخلتها إلى الخدر الزوجيّ. وسوف نرى إبراهيم يطيعها حين طرد هاجر بعيدًا عنه، وظلّ إسحق وحده وارثَ اسمه. كما أن إسحق سمع من رفقة، فأرسل يعقوب بعيدًا عن أخيه عيسو. فالمرأة وإن بدت حياتها محصورة فـي البيت، فلها تأثير كبير على زوجها. هنا نذكر دور بتشابع فـي إيصال سليمان ابنها إلى سدّة الحكم. أثّرت على قلب داود فتغلّبت على الجميع.

وفـي النهاية، سوف تصبح المرأة شريكة الرجل، مقابلة له. فتتميّز من جميع ما يمكن أن يمتلكه الانسان. مرّت جميع الخلائق أمام آدم، فما وجد فيها شيئـــًا يناسبه. فهو يطلب من يشبهه كلّ الشبه. هو امرؤ وهي تكون امرأة. هو إنسان وهي تكون إنسانة. إنّها قطعة منه، عظم من عظمه، ولحم من لحمه. ويدعوها القديس بولس: جسد الرجل. فمن لا يكرم جسده ويحبّه ؟ ولن تعود تلك القاصرة التي تنتقل من بيت أبيها إلى بيت حميها دون أن يتبدّل شيء فـي وضعها. بل إن الرجل يترك أباه وأمّه، ويتّحد بامرأته، فيصير الاثنان جسدًا واحدًا. لا شيء يمكن أن يفصل هذه العيلة الجديدة التي ستلد الأولاد وتربّيهم، مع الدور الكبير للأمّ. هنا نتذكّر ما قاله سفر الأمثال فـي مديح المرأة الفاضلة، المرأة القديرة، كما نقول فـي لغتنا:

»المرأة القديرة من يجدها، قيمتها تفوق اللآلئ وإليها يطمئنّ قلب زوجها، فلا يعوزه مغنم. تحمل له الخير من دون الشرّ، طوال أيام حياتها«. ويتواصل الكلام حول ما تعمله الأمّ من أجل جميع من فـي بيتها. لهذا، ينهض أولادها فيباركونها. وزوجها يمدحها فيقول: »نساء كثيرات أظهرن قدرة، وأنتِ تفوّقت عليهنّ جميعا. الحـسن غـرور والجمـال باطل، وللمرأة التي تخاف الربّ كلّ المديح« (أم 31:10-30). إذا كان هذا دور المرأة فـي عيلتها، فما أعظمها. ولكن ما أتعس البيت الذي ليس له المرأة القديرة. فغيابها خراب البيت، وضياعُ دورها ضياع الرجل والأولاد. هنيئــًا لها إن هي فعلت، وهنيئــًا لعيالها. والويل لها إن لم تفعل والويل لزوجها ولأولادها.

 

عيال الرجل وأولاده

الولد مهمّ جدٌّا فـي البـيت، ولاسيّما الذكر. والذي يفتح الرحم يكون مكرّسًا للربّ، بحيث يحمل البركة للذين يأتون بعده. أمّا كثرة البنين فعلامة عن رضى اللّه تجاه إنســـان من النــاس. قـــال المــزمـور: »البنون ميراث من الربّ، وثمر البطن ثواب منه. أبناء الإنسان فـي شبابه كسهام بيد الجبّار، هنيئــًا لمن يملأ جعبته منهم« (مز 127:3-5). ويقول مز 128: »مثل كرمة مثمرة تكون امرأتك فـي جوانب بيتك ومثل أغراس الزيتون يكون بنوك حول مائدتك«. الزيتونة شجرة معمّرة. تحمل الزيت للبشر، كما لخدمة اللّه فـي معبده. فهنيئــا لمن باركه اللّه هذه البركة.

والولد عطيّة من اللّه. وهذا ما اختبرته أول امرأة على الأرض، حواء. حملت وولـدت قـايـين، فقـالت:»رزقني الربّ ابنـا« (تك 4:1). وإذ نسيَت ذلك راحيل، زوجة يعقوب، فطلبت من زوجها ولدًا وإلاّ ماتت، أجابها: »هل أنا مكان اللّه ؟ هو الذي حرمك ثمرة البطن« (تك30:2). إذا كان الولد من اللّه، فحين تُحرَم امرأة من الأولاد، فهي تفهم أن اللّه حرمها منهم. هذا الولد هو أمل الوالدين، والفرح يكون كبيرًا بحيث إنّ إسحق دُعيَ ذاك الذي جعل أمّه تضحك وأباه يضحك.

يربو الولد مع أمّه حين يكون صغيرا. وحين يبلغ الثانية عشرة، ينتقل إلى خيمة أبيه. فيشارك مثلاً فـي الحجّ إلى المدينة المقدّسة، بانتظار أن يتزوّج ويؤسّس عيلة جديدة. غير أنّنا نلاحظ سلطة الأب على أولاده حتى فـي الزواج. فإبراهيم هو الذي أخذ امرأة لابنه إسحق. أرسل عبده فجاءه برفقة قريبته. قال له : »إلى أرضي، إلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحق« (تك 24:4).

إنه وإن كان البنون إكليل الجدود وفخر الآباء ( أم 17:6 )، فهم أشخاص ناقصون، وبالتالي يحتاجون إلى التربية. لهذا قال سفر الأمثـــال: »الحماقة تعلق بقلب الولد، وعصا التأديب تبعده عنها« ( أم 22:15 ). هذا لا يعني أننا لا نجد كلمة الحنان عند الوالدين. قال الحكيم لابنه: »عاين الرأي والتدبير، يا ابني، ولا تدعهما يغيبان عن عينيك، لأنّ فيهما حياة لنفسك وقلادة نعمة لـعـنـقـك« ( أم 3:21-23 ). ويشبّه تربية الأب بتربية الربّ : »فمن يحبّه الربّ يوبّـخه، ويرضى به كأب بابنه« ( أم 3:12 ). أمّا التربية الأجمل التي نالها فتى، فهي لقاء صموئيل بالربّ بحيث تعلّم أن يختبر حضوره ويسمع كلامه، ويفهم أن رأس الحكمة مخافة القدير.

 

الخاتمة

تلك نظرة سريعة إلى العائلة فـي الكتاب، فـي العهد القديم. ما اكتشفناه لا يشفي غليلنا، بعد أن تساوى الرجل والمرأة، وصار للأولاد دور كبير فـي تقرير مصيرهم وحياتهم. غير أنّ المسيرة بدأت، فقدّم الكاتب الملهم نظرة إلى الزواج لم يكن ليحتملها داود ولا سليمان، ولا بعض الآباء الذين تكاثرت نساؤهم. كما طلب الربّ من ربّ العائلة أن يعرف حدوده، ومن الوالدين أن يراعوا أولادهم. فالعيلة فـي النهاية هي مركز العيش المشترك، وفـي داخلها يحتفل الأفراد بأعياد اللّه، ولاسيّما عيد الفصح. بل العيلة هي مستقبل الجماعة ومستقبل الوطن. وهذا ما دفع طوبيت لأن ينشد حين رأى ابنه يؤسّس عيلة جديدة: »يا أورشليم، أيتها المدينة المقدّسة !... إفرحي بأبنائك الصالحين، لأنّهم سيرجعون ويباركون اللّه. هنيئــًا للذين يحبّونك، لأنّهم سيفرحون لك بالسلام !« (طو 13:15-16).