وجه العيلة في العهد الجديد

 

فـي بداية إنجيل لوقا، نرى أنّ يوحنا وُلد فـي عائلة تألّفت من زكريا واليصابات. وأنّ يسوع عاش فـي كنف يوسف ومريم. ولاسيّما حين صعد إلى الهيكل وهو ابن اثنتي عشرة سنة. فأدهش العلماء بأسئلته وأجوبته. وكانت عيلته أوسع مع الأقارب، أي أولاد عمّه كلاوبا ومريم، وهم يعقوب ويهوذا وسمعان ويوسي، ومع ابني خالته يعقوب ويوحنا، من زبدى وصالومه. هذا الآتي من لدن الآب لم يكن شخصًا منعزلاً وغريبًا عن المحيط الذي عاش فيه. فهو ابن بيئة محدّدة. ولدته أمّه كما يُولد كلّ الأولاد الفقراء، فـي القسم الثاني من المنزل، حيث الثور والحمار والمذود. وخــُتن وطهِّر شأنه شأن جميع أترابه. وحين مات على الصليب، كانت أمّه بقربه، كما كان بقربه أولئك الذين سيكونون أفراد عائلته الروحيّة فيتميّزون بأنّهم يسمعون كلمة اللّه ويعملون بها. فـي هذا الإطار، ماذا تقول الأناجيل عن العيلة، وماذا يقول العهد الجديد كلّه؟

 

العيلة فـي الأناجيل

تقدّم لنا الأناجيلُ المحيطَ الذي عاش فيه يسوع. فنكتشف أوّلاً شخص زكريّا الكاهن بحياته البارّة. ونكتشف فـي الوقت عينه اليصابات بحياتها البارّة وبسيرتها حسبَ أحكام اللّه ووصاياه. بدا الاثنان بلا لوم قدّام الربّ. هنا يتميّز الإنجيل عمّا كان يقال عن المرأة التي لا يمكن أن تكون تقيّة. كما نكتشف عيلة يعقوب ويوحنا. هما يتربّيان كما يتربّى كلّ الأولاد، وسيتركان الوالد والعمل فـي السفينة ليتبعا يسوع. وعيلة بطرس مع امرأته وحماته. ويبدو أن امرأة بطرس رافقته فـي الرسالة على ما نقرأ فـي الرســالة الأولى إلى كورنتــوس (9:5). فـي هذا المجال نكتشف عددًا من العائلات الرسوليّة. ليس الرجل وحده هو الرسول، بل المرأة معه، ومرّات وحدها. نذكر أكيلا وبرسكلة اللذين نراهما فـي أفسس، فـي كورنتوس وفـي رومة. وسيكون لهما دور كبير فـي هداية أبلوس، الخطيب الشهير، إلى المسيح. وتذكر الرسالة إلى رومة أيضًا عيلة أندرونيكوس ويونيا امرأته اللذين يُحسبان بين الرسل (روم 16:7). وبدأوا بولس فأرسل توصية بأخت مسيحيّة هي فيبة، خادمة (شمّاسة) فـي كنيسة كورنتوس ومرفإها كنخرية (16:1).

أمّا العيلة التي واجهها يسوع فـي حياته، فلا ترينا سوى الأب. تغـدّى عند رجل فرّيسي (لو7:36ي)، فما كان هناك سوى ربّ البيت. غابت المرأة وغاب الأولاد. ونقول الشيء عينه عن اهتداء زكَّا. جاء يسوع إلى بيته، فاستقبله بفرح (لو19:6). أترى زكّا يعيش وحده ؟ كلاّ، بلا شكّ. وفـي خبر الابن الضالّ ( لو 15:11ي ) لا نجد أثرًا للأمّ. بل نجد الأب والابنين. لا شكّ فـي أننا سنجد عيلة مع ابنتين وشاب واحد: مرتا، مريم، لعازر (لو10:38ي). غير أن التحوّل سيكون فـي أعمال الرسل. اهتدى كورنيليوس فاهتدى معه أهل بيته، من صغار وكبار، من خـدم وحشم (أع 10:44ي). واهتدى سجّان فيلبي فآمن هو وأهل بيته باللّه ( أع 16:34 ). ونقـرأ فـي أع 16:15عن ليدية التي هي صاحبة تجارة: »تعمّدت هي وأهل بيتها«.

حين تحدّث يسوع عن العيلة، عاد إلى سفر التكوين، فشدّد على الرباط بين الزوج والزوجة، واعتبر كتاب الطلاق الذي »سمح« به موسى، علامة عن قساوة القلب. »الاثنان جسد واحد. وما جمعه اللّه، لا يفرّقه الإنسان« (مت 19:5-6). لم يفهم السامعون، بل الرسل أنفسهم، لأنّهم اعتبروا أنّ يسوع يلغي امتياز الرجل فـي أن يطلّق امرأته : »من طلّق امرأته وتزوّج غيرها زنى«. فقـالوا: »إذا كانت هذه حال الرجل مع امرأته فخير له أن لا يتزوّج«. ما تراجع يسوع ولا تنازل. »من يقدر أن يقبل فليقبل«. هنا نتذكّر المساواة التامّة فـي الواجبات والحقوق، فـي الرسالة الأولى إلى كورنتوس: لكلّ رجل امرأته، ولكلّ امرأة زوجها. الزوج يفـي امرأته حقّها، والمرأة تفـي زوجها حقّه. لا سلطة للمرأة على جسدها، فهو لزوجها. ولا سلطة للزوج على جسده، فهو لامرأته. الزوج غير المؤمن يتقدّس بالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تتقدّس بزوجها المؤمن (1كور 7:2-4، 14).

ونظر يسوع نظرة خاصّة إلى الأولاد، كما نظر إلى المرأة. كان الأطفال يُبعَدون عن الاجتماعات. لهذا، انتهر التلاميذ الناس الذين جاؤوا بأطفالهم. فقال يسوع: »دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم. لأنّ لأمثال هؤلاء ملكوت السماوات«. ووضع يسوع يديه عليهم وباركهم (مت 19:13-15). بل هو طلب من التلاميذ أن يتغيّروا فيصيروا مثل أطفال، وإلاّ فلن يدخلوا إلى ملكوت السماوات. كما نبّه الكبار بألاّ يشكّكوا الصغار، أن لا يجعلوهم يعثرون فيخطأون. فالويل لمن تقع الشكوك على يده. ما كان من قيمة للمرأة، فرفعها يسوع. ما كان من قيمة للأولاد، صاروا المثال للرجل الذي يريد أن يسيطر على حساب أفراد عيلته بحيث يكونون فـي الظلّ وكأنّه وحده يعرف أن يتكلّم، أن يفعل.

 

العيلة فـي الرسائل البولسيّة

حين دوّن بولس رسائله، اعتاد أن يقدّم قسمًا تعليميٌّا، عقائديًا، ثم قسمًا عمليٌّا، إرشاديٌّا. وبما أنّه يتحدّث إلى جماعات معيّنة، وجب عليه أن يذكّر كلّ فئة بواجباتها التي تنبع من الإنجيل، ومن الإيمان الذي اعتنقه هؤلاء المعمّدون الجدد. عليهم أن يقتدوا باللّه كالأبناء الأحبّاء ( أف 5:1).

الزواج سرّ، يشبه سرّ الكنيسة وعلاقتها بالمسيح. الرجل الذي هو »رأس المرأة« صورة عن المسيح »رأس الكنيسة«. والخضوع المطلوب من المرأة لا يكون خضوع الأمة لسيّدها، بل خضوع الكنيسة للمسيح، خضوع الحبّ. فالكنيسة التي هي جسد المسيح، اتّحدت به اتّحادًا وثيقًا فصار خضوعها له نظرة واحدة إلى خيرها وإلى خير أبنائها. وحبّ الرجل لامرأته، لا ينحصر فقط فـي أن يؤمّن لها الطعام والشراب والمأوى. حبّه تضحية على مثال المسيح الذي بذل نفسه من أجل الكنيسة.

لا شكّ فـي أن كلام بولس لبث مطبوعًا بعادات العصر. فهو ليس ذلك المصلح الاجتماعي الذي ينتظره العديدون، الذين يريدون جوابًا عمليٌّا، دقيقا. فالإنجيل خميرة المجتمع. وهو يعمل من الداخل. وحين يدخل في حياتنا، يعلّمنا كيف نتصرّف فـي الواقع اليومي. وهنا ينطلق بولس فـي كلامه ( أف 5:21 ) من مخافة المسيح. مخافة اللّه. فهي التي تنير حياة العيلة. عندئذ نخضع بعضنا لبعض. تخضع المرأة للرجل، ويخضع الرجل للمرأة. وفـي الحالين، هو خضوع يقود إلى المسيح الذي »له تخضع كلّ ركبة فـي السماء وعلى الأرض وتحت الأرض« ( فل 2:10).

ونعود إلى إنجيل متى ( 18:1ي ) الذي يبيّن لنا كيف يكون جوّ العيلة: عـيلة فيهـا رجـل واحـد وامـرأة واحـدة. لا أكثر من امرأة. عائلة مجموعة باسم المسيح بحيث لا شيء يفرّقها، على مثال الكنيسة المتــّحدة بربّها يسوع. عائلة يُحترم فيها الأولاد احترامًا كبيرا. وان ضلّ واحد منهم، نمضي لنبحث عنه ولا نعود إلى البيت إلاّ وهو معنا. عائلة تعرف التسامح المتبادل، ولو وصلت الإساءات إلى عدد كبير جدٌّا. عيلة تتـــّفق فتصلّي معا. وهكذا تحصل على طلبها من الآب السماوي. عيلة تجتمع، فيكون الربّ فـي وسطها. عيلة لا تحتقر أحدًا، ولاسيّما إذا كان »صغيرًا« فـي المعنى الضيّق والمعنى الواسع. عيلة تعرف كيف يصلح الواحد الآخر. اليوم أنا أصلح أخي أو أختي. وغدًا هو وهـي يصلحاننـي. »إذهـب وعاتبه بينك وبينـه« (مت 18:15).

من هذه المبادئ انطلق الرسول ليحدّثنا عن الواجبات داخل العيلة، علاقة ما بين الرجل والمرأة، ما بين الوالدين والأولاد، ما بين الأسياد والعبيد. أمّا الضوء الذي ينير، فهو أنّ للجميع ربٌّا واحدًا، وهو يدين كلّ إنسان، ولا يحابي حين يدين. فكلّنا نخضع لوصايا اللّه وكلامه. ومهما عملنا فنحن عبيد عاديّين، عبيد نقوم بواجبنا.

بين الرجل والمرأة، خضوع فـي الربّ ومحبّة، مع نصيحة للرجل : »لا تكونوا قساة عليهن« (1بط 3:7). ويتوسّع القدّيس بطرس فيعود إلى نساء فـي العهد القديم. يطلب الخضوع والعمل الحسن والسيرة المميّزة بالعفاف والتقوى. امرأة تتصرّف بهذه الطريقة لا تخاف من شيء. وإذا كان زوجها رافضًا الإيمان بكلام اللّه، فهي تستميله بسـيرتها دون حاجة إلى الكلام (1 بط 3:1-6). ويفهم الرجل أنّه القويّ وأنّ المرأة ضعيفة. هي عاطفيّة، حسّاسة. فليستلهم الإنسان إيمانه من أجل حياة مشتركة ترضي اللّه. ومن أجل إكرام يؤدّيه لها. فإن هو نال نعمة الحياة، فهي نالتها أيضا. هو دُعي وهي دُعيت. إنّهما يعيشان شركة واحدة مع المسيح. فإن لم يكن الأمر كذلك، كيف يستطيعان أن يصلّيا معًا؟ قال بطرس : »لئلا يعيق صلواتهــم شيء« (1بط 3:7).

بين الوالدين والأولاد. من جهة الأولاد، الطاعة ترضي اللّه (1كو 3:10). نحن هنا فـي خطّ الوصيّة الرابعة : »أكرم أباك وأمّك« (أف 6:1-2). هذا لا يعني أنّ الولد يكون أداة فـي يد والديه. فهو شخص له احترامه. وله قيمته فـي نظر الربّ. لهذا يطلب بولس من الوالدين أن يربّوا أولادهم حسب وصايا الربّ وتأديبه ( أف 6:4 ). لا حسب نزواتهم، ولا انطلاقًا من شخصيتهم، بل من شخصيّة أبنائهم. ويتابع بولس، لا تجعلوهم يثورون عليكم، يغتاظون من طريقتكم فـي التربية. إذن، هناك تبادل بين الوالدين والأولاد. والواحد يغتني من الآخر. يتخذ الوالدون قلب طفل، ويرتفع الولد فينضـج بحيـــث لا يبــقى »طفـــلاً فـي تفكيره« (1 كور 14:20). ويوضح الرسول : »لا تغيظوا أبناءكم لئلاّ يخسروا كل عزم، لئلا ييأسوا« ( كو 3:21 ). وبدلاً من أن نقودهم إلى الحياة، نقودهم إلى الموت.

وفـي النهاية، يرد كلام للأسياد: يعاملون عبيدهم بالعدل والمساواة. فالربّ هو أيضًا ربّ الأسياد كما هو ربّ العبيد، وجميعنا سنقف أمامه (كو4:1). والعبيد الذين يطيعون، يطيعون بقلوبهم : هم عبيد للمسيح قبل أن يكونوا عبيدًا لأحد. هم يعملون مشيئة اللّه قبل أن يعملوا مشيئة الناس. لهذا تكون خدمتهم صادقة (أف 6:5-8).

الخاتمة

انطلقنا من حياة يسوع، من الأناجيل، فوصلنا إلى الرسائل. هي نظرة سريعة إلى العهد الجديد الذي يعطينا المبادئ الكفيلة بتكوين عائلة تكون على مثال عائلة الثالوث، عائلة تسيطر فيها المحبّة. فالحبّ الذي يجمع الرجل بامرأته، والوالدين بأولادهم، ينبع من قلب اللّه الذي هو محبّة (1يو 4: 8، 16). من أجل هذه الوحدة بين الجمـاعـة، بين كلّ جمـــاعـــة، صلّـى يسوع قبـــيــل موتـــه: »ليكونوا واحدًا كما نحن واحد« ( يو 17:11 ). كلّ هذا يدعو المؤمنين من أجل خلق جديد يتنافى والخلق القديم، حيث حسدُ قايين قاد إلى البغض بانتظار القتل (1يو 3:14-15). هذا الحسد مازال موجودًا فـي جماعاتنا. حسَد الابنُ الأكبر الابنَ الأصغر (لو15:25-32). رفض بأن يرى فيه أخاه كما رفض أن يشارك الأب فـي فرحته. ولعب التزاحم بين التلاميذ حول المراكز الأولى ( مر 10:35-45 ). فهم يبحثون عن السلطة والتسلّط. فكيف تكون العيلة ناجحة ؟ حين تكون الخدمة مسيطرة. فابن الانسان جاء ليخدم ويهب الحياة. وهكذا تكون العيلة، آباء وأمّهات، والدين وأولادا. إن أحببنا كنــّا فـي الحياة. »ومن لا يحبّ بقي فـي الموت« (1يو3:14). فماذا نختار ؟