عيالنا بين النعمة والبركة، سفر طوبيا

 

هكذا نقرأ سفر طوبيّا أو بحسب التسمية العلميّة طوبيت. طوبيت اسم الأب. ارتبط بالطوبى والطيبة. وبالنعمة إذا نحن عدنا إلى السريانيّة. وطوبيّا اسم الابن يعني خير الله وبركته. امرأة طوبيت اسمها حنّة. تدلُّ على حنان الله ورحمته. ذاك كان اسم أمِّ صموئيل. ولكن اختلف الدوران، أمّ صموئيل هي الحاضرة وزوجها معها، أمّا أمّ طوبيّا فهي بقرب زوجها الذي يبدو »بطل« الخبر، في خطّ أيّوب، الذي أصابه ما أصابه، فصبر وفي النهاية نال وما كفر. سارة التي ستكون زوجة طوبيّا الشابّ، هي الأميرة. اسمها على اسم أمِّ الشعب العبرانيّ من خلال إسحق. تغرَّبت مع زوجها إبراهيم ومثله تغرَّب أبناؤه وبناته. تشتَّتوا في كلِّ صقع. والد سارة هو رعوئيل، صديق الله، الذي يراعي الآخر، يحفظ الجميل. ووالدتها هي عدناء، اسم يرتبط بعدن، بالخير والوفرة إذا عدنا إلى »غدن« في العربيّة. والملاك هو رفائيل أي شفاء الله. »رجل« أرسله الله كما يقول سفر التكوين أكثر من مرّة، ولاسيّما مع يوسف (تك 37: 15). اسمه برنامج، عزريا أي عون الربّ ومساعدته. حننيا أي حنان الربّ. وهكذا يلتقي الملاك مع حنّة أمّ طوبيّا التي عرفت أن تبقى قرب زوجها تعينه كما كان الملاك قرب ابنها.

في هذا الخبر التقويّ الذي يسعى إلى إعطاء درس دينيّ من خلال خبر استنبطه الكاتب من تاريخ شعبه، نتوقَّف عند ثلاثة أمور. نتعرَّف إلى طوبيت وحنّة في السرّاء والضرّاء. هي نعمة الله ترافق العيلة والبركة. ونقرأ النعمة والبركة مع المرأة الصالحة والبنين. وفي زواج طوبيّا وسارة تتلاقى بركة الله مع بركة الوالدين من أجل زواج يجمع عيال الله في أورشليم، المدينة المقدَّسة لحمد الملك السماويّ والفرح بعظمته.

 

1- نعمة الله في السرّاء والضرّاء

السرّاء هو مسيرةُ الإنسان ورغد العيش. والضرّاء هي الشدّة والوضع الذي لا نفع منه. بل حامل الضرر البشريّ. ولكن لا على مستوى الإيمان، لأنّ الربّ يجعل كلَّ شيء يؤول لخير الذين يحبّونه (روم 8: 28)، كما قال الرسول. في السرور نحن مع الله. وفي الشدّة الله معنا. يمسكنا بيدنا ونسير معه، فلا نخاف ولو سرنا في »ظلال الموت«.

 

أ- في السرّاء

تلك كانت مرحلة أولى في حياة أسرة طوبيت، مع امرأته وولده. امرأته من عشيرته، يعرفها وتعرفه. وكان لهما ابن على مثال إسحق وصموئيل. ورافق هذه العيلة الخيرُ الكثير حتّى لمّا تركت البلاد ومضت إلى المنفى. فاستطاع طوبيت أن يقرض رعوئيل مالاً.

أسرة تقيّة. أقامت في شمال البلاد. ولمّا انفصل الشمال عن الجنوب، بعد موت سليمان، صنع ملك الشمال عجلين لشعبه بحيث لا يعودون للحجّ إلى أورشليم. وقبيلة نفتالي كلُّها، التي انتمى إليها طوبيت، كانت تقدِّم »الذبائح لعجل بعل« (1: 5)، شأنها شأن سائر القبائل. لا طوبيت. وحده »كان يذهب إلى أورشليم في الأعياد« (آ6). فالعيد موضع الفرح. هناك يلتقي المؤمنون الآتون من كلِّ البلاد. يهتمّون بالهيكل وبكهنته، وباللاويّين »الذين يخدمون الربّ في أورشليم« ولا ينسون الفقراء واليتامى والأرامل. فالصدقة جزء من حياة طوبيت. تَعلَّمها (آ8) من جدَّته دبّورة (أي النحلة، اسم أوَّل قاضية في شعب إسرائيل). وسوف يعلِّمها لابنه طوبيّا: »تصدَّق من مالك، ولا تحوِّل وجهك عن فقير، فلا يحوِّل الربُّ وجهه«.

صعود هذه الأسرة كلَّ سنة إلى أورشليم، يذكِّرنا بأسرة أخرى تألَّفت من يوسف ومريم ويسوع: »وكان أبوا يسوع يذهبان كلَّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح« (لو 2: 41). في أورشليم أعلن يسوع أنَّه يجب أن يكون لأبيه السماويّ (آ49). وفي أورشليم يعلن الحجّاج محبَّتهم للمدينة المقدَّسة التي تجمعهم في بيت كما الحجارة تُجمَع من أماكن عديدة. أنشدوا لها: »أورشليم المبنيّة كمدينة توحِّد وتجمع بيننا. إلى هناك تصعد الأسباط ليحمدوا اسم الربّ« (مز 122: 3-4).

الأسرة التقيّة لا يمكن أن تحافظ على تقواها إن هي انعزلت على نفسها. كان الكتاب قال: اثنان خير من واحد... إذا وقع أحدهما أقامه رفيقه. والويل لمن هو وحده، لأنَّه إذا وقع فلا أحد يقيمه« (جا 4: 9-10). ويقول الربّ: »إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأنا أكون بينهم« (مت 18: 20). »إذا اتَّفق اثنان منكم في الأرض أن يطلبا حاجة، حصلا عليها من أبي الذي في السماوات« (آ19). وماذا يكون حين يلتقي المؤمنون في أعيادهم الكبرى. فمن تلك المناسبات يستقون الحياة المؤمنة في بيوتهم. ما قيمة عيلة لا تكون الصلاة طعامها اليوميّ وشرابها؟ ما قيمة عيلة لا تقرأ الكتب المقدَّسة التي هي مصباح خطانا ونور سبيلنا؟ (مز 119: 105). وفي زمن المنفى، اعتاد اليهود الاجتماع يوم السبت في المجامع. يصلّون معًا. يقرأون الكتب المقدَّسة من أجل عيش في حضور الله. وسارت المسيحيّة في الخطّ عينه. فكانوا يجتمعون في اليوم الأوّل من الأسبوع، يوم الأحد. في ذاك اليوم ظهر يسوع لتلاميذه بعد القيامة (يو 20: 1، 19). ويروي سفر الأعمال: »يوم الأحد، اجتمعنا لكسر الخبز، فأخذ بولس يعظ الحاضرين« (أع 20: 7). وسوف تكون الرسالة إلى العبرانيّين قاسية للذين يُهملون الاجتماع الأسبوعيّ. فالمسيحيّون يلتقون حول المذبح الواحد، ويعلنون إيمانهم الواحد، ويأخذون الجسد والدم فيصبحون واحدًا على مثال حبّات القمح التي صارت »برشانة« على الصينيّة، وعلى مثال حبّات العنب التي صارت خمرًا في كأس الربّ.

ب- في الضرّاء

وتحوَّلت الأمور. صارت العيلة في المنفى. ابتعدت عن الأهل والأقارب. صار كلُّ واحد منعزلاً عن الآخر، وكلُّ عيلة »غريبة« بالنسبة إلى سائر العيال حيث يبحث كلُّ واحد كيف يقوم بأودها. ولكن طوبيت رفض هذا الوضع. فالعيلة شهادة للربّ أينما كانت. في أرض وُلدت فيها أو في الغربة. والعيد يجب أن يبقى عيدًا. لأنّنا اعتدنا أن نحتفل بأعمال الله في شعبه.

»أقام طوبيت في عيد العنصرة احتفالاً. وحين جلس إلى المائدة قال لابنه: اذهب وادعُ أيَّ فقير تجده من بني قومنا لا يزال يذكر الربّ. وها أنا في انتظارك« (2: 1-2). هكذا كان يفعل المؤمنون في أورشليم. وهكذا يواصلون. مع أنّ الأعياد تحوَّلت إلى نحيب والأفراح إلى نواح (آ6؛ رج عا 8: 10). وماذا حلّ محلّ الابتعاد عن أورشليم؟ أعمال الرحمة: إطعام الجياع، دفن الموتى (2: 4، 9) مساعدة المحتاجين... وكان يقوم طوبيت بهذه الأعمال بالرغم من نصائح جيرانه: »ألا يخاف هذا الرجل؟« (آ8). بل كانوا يسخرون منه. أجل صارت الرحمة وعمل الخير والمغفرة والتسامح، موضوع سخرية لدى الذين لا يؤمنون.

وتحوَّلت حياة طوبيت. خسر »وظيفته«. خسر ماله. وفي النهاية، خسر عينيه. ومتى خسرها؟ بعد أن دفن جثّة ميت. أيّ نوع من المجازاة نال؟ غيره كان كفر. وسأل الله وكأنَّه يمنِّنه: أهذا جزاء ما فعلتُ؟ أمّا طوبيّا فلم يبدِّل حياته في المحافظة على شريعة الله. سمع صوت جدْيٍ حملته امرأته. ظنَّه مسروقًا. »أمرها أن تعيده إلى أصحابه« (آ14). أجل، الوصيّة »لا تسرق«، لا يمكن أن تتبدَّل فنسمح لنفوسنا بالتعدِّي على وصايا الله. والظروف مهما كانت، لا تستطيع أن تجعلني أنسى الله وعيش المحبّة. فلا عُذرَ لنا وخصوصًا في الأوقات الحرجة.

أعيق طوبيت. فبقي ابنه بجانبه. وكذلك امرأته. هو لا يستطيع بعدُ أن يعمل، فهي تعمل. »تشتغل أشغالاً يدوية لإعالته، وتسلِّم ما تنتجه إلى مستخدميها وتقبض منهم أجرتها« (آ11-12). تلك المرأة التي مرض زوجها في لبنان، مضت معه إلى بلدها، فرنسا. كانت بقربه. استعادت وظيفتها. شُفيَ. وبفضلها تجازوت الأسرةُ المحنة. ذاك الرجل. أعيقت امرأته في حادث سيّارة. هو بقربها. يحملها ليضعها في السيارة كما يحمل ابنه. نظَّم لها بيتها بحيث تكون »مستقلَّة« وتحسّ بنفسها أنّها ما زالت تشارك في حياة البيت. ولكن لا نريد أن نذكر من يترك شريك حياته أو شريكة حياته، ويمضي فيبني حياة جديدة مع شخص آخر. أهذه هي المحبّة التي تغلب الموت؟ وها حادث، مرض، إعاقة، غلبته. استفدنا من الآخر طالما كان نافعًا. وتركناه فيما بعد.

لا شكّ في أنَّه كانت مشادّات. كما يقول المثل: »القلّة تولِّد النقار«. أي القليل في البيت يجعل المجادلة وربّما الكلام القاسي. طوبيت ظنّ امرأته سارقة. حكم عليها حكمًا باطلاً. كان على خطأ. وهي أيضًا كانت على خطأ. تجاه زوجها أوَّلاً: »صاحت في وجهه« (آ14). وأين احترامها للأعمى، للأصم، كما قال الكتاب (لا 19: 14). وتجاه الربّ ثانيًا. اعتبرت أنَّ الربَّ لم يكن عادلاً حين فعل ما فعل بزوجها. ماذا استفاد من الصدقات والأعمال الصالحة؟ لا شيء. فبدلاً من اتِّهام امرأته، لماذا لا يتَّهم الربّ؟!

في هذا المجال نتذكَّر أيّوب وامرأته. كان الكتاب ضنينًا. ما ذكر اسمها. ولا ذكر ما فعلته من أجل زوجها لكي تكون بقربه، بعد أن خسر المال والأولاد، وفي النهاية الصحّة، بحيث صار قريبًا من الموت. اعتبرها زوجها جاهلة، لا تعرف الله ولا طريقة عمله مع أحبّائه. قالت له: »أتبقى إلى الآن متمسِّكًا بنزاهتك؟ جدِّفْ على الله ومتْ« (أي 2: 9). بدت وكأنّها تجرِّبه، مثل الشيطان. هي وجهة في حياة الأسرة، بدت فيها المرأة »جاهلة« والرجل ثابتًا في إيمانه (آ10). وقد يبدو الرجل جاهلاً فتكون امرأته بقربه، على ما يقول الرسول: »الرجل اللامؤمن يتقدَّس بالمرأة المؤمنة«. وكذلك »المرأة اللامؤمنة تتقدَّس بالرجل المؤمن«. (1كور 7: 14). وطلب الرسول من الزوجين أن يخضع الواحد للآخر في المحبّة، في المسيح (أف 5: 21).

ولكنَّ ترجوم أيّوب يعيد الأمور إلى نصابها. اسم امرأة أيّوب »سيتيس«. باعت شعرها لكي تشتري به بعض الخبز. وقالت عن نفسها: »أنا تائهة. خادمة لقاء أجر، أجول من مكان إلى مكان... أنا بائسة. أعمل النهار وأتألَّم الليل لأنال خبزًا أحمله إليك... خذْ هذه الخبزات لتقتات، ثمّ قلْ كلمة للربّ ومُتْ، فأنجو من الحزن الذي يسبِّبه لي ألم جسدك« (وصيّة أيّوب).

 

2- الزوجة والولد، نعمة وبركة

الرجل هو رأس البيت. إذًا منه ينطلق كلُّ شيء. وإليه يعود كلُّ شيء. هو يختار المرأة ويتركها حين يشاء. ويكون الولد له. تربّيه أمّه وفي النهاية، يعيش مع الوالد، مع الرجال ويكاد ينسى والدته. والولد أهمّ من المرأة التي يمكن الرجل أن يستبدلها.

ولكنّنا نحسّ بومضات هنا وهناك. فحين جاء عبد إبراهيم ليأخذ رفقة زوجة لإسحق. قال الكتاب: »فقالوا: ''فندعو الفتاة ونسألها ماذا تقول؟'' فدعوا رفقة وقالوا لها: ''هل تذهبين مع هذا الرجل؟''. قالت: ''أذهب''. فصرفوا أختهم« (تك 24: 57-59). وتمنّوا لها الخير. وسارة زوجة إبراهيم، كان لها أن تحتجّ لأنَّ إبراهيم مضى إلى جاريتها. فقالت له: »ظلمتني« (تك 16: 55). صرتُ أنا الأميرة أدنى من الجارية. وحين تألَّمت حنّة أمُّ صموئيل، لأنّها عاقر، قال لها زوجها: »لماذا يكتئب قلبك؟ أما أنا خير لك من عشرة بنين؟« (1صم 1: 8). وفي نظر يعقوب، راحيل كانت حبيبة قلبه، وإن لم تعطِه الأولاد مثل ليئة. قيمتُها في ذاتها قبل كلِّ شيء. أمّا الأولاد فهم ثمرة لقاء بين الرجل والمرأة. لهذا نقول: المرأة نعمة والولد بركة. هكذا كان بيت طوبيت. في هذا قال المزمور 128 الذي ينشده الحجّاج الآتون من البعيد:

3 مثل كرمة مثمرة

تكون امرأتك في جوانب بيتك

ومثل أغراس الزيتون

يكون بنوك حول مائدتك.

4 هكذا يبارك الربّ الذين يتَّقونه.

شجرتان ثمينتان في الشرق. تعبِّران أفضل تعبير عن الحياة الزوجيّة وعن السعادة التي تعرفها الأسرة: »فاذهب، كلْ خبزَك بفرح، واشرب خمرك بقلب مسرور. تمتَّع بالعيش مع المرأة التي تحبُّها، كلَّ أيام حياتك« (جا 9: 7، 9).

في المرأة، قال سفر الأمثال: »المرأة الحنون تحظى بالكرامة« (أم 11: 16). وقال: »المرأة القديرة تاج لزوجها« (12: 4). وأيضًا: »المرأة الحكيمة تبني بيتها« (14: 1). لهذا، »من وجد زوجة وجد خيرًا، ونال رضى من الربّ« (أم 18: 22). والأولاد؟ قال فيهم مز 127: »3-5: »البنون ميراث من الربّ، وثمرة البطن ثواب منه. أبناء الإنسان في شبابه، كسهام بيد الجبّار. هنيئًا لمن يملأ جعبته منهم«.

أسرة طوبيت. رجل واحد، امرأة واحدة. هكذا كان في البدء. »يترك الرجل أباه وأمَّه، ويتَّحد بامرأته، فيكون الاثنان جسدًا واحدًا« (تك 2: 24). وأضاف يسوع: »ما جمعه الله لا يفرِّقه الإنسان« (مت 19: 6). لا الأهل ولا الأقارب. معًا في الحياة وحتّى الممات. صرنا في طريق الزواج المسيحيّ. لا تعدُّد زوجات. لا طلاق. وأوَّل من كسر القاعدة، لامك. تزوَّج امرأتين: عادة وصلّة (تك 4: 23). وهكذا بدأ العنف في الحياة الزوجيّة، حيث يسيطر الرجل فتنقاد له المرأة (تك 3: 16). إبراهيم كان له سارة وهاجر. ويعقوب، راحيل وليئة وبلهة وزلفة. ولا نقول شيئًا عن داود أو سليمان. بل اعتاد الرجل أن تكون له امرأتان، على مثال ألقانة زوج حنّة. امرأته الثانية اسمها فننّة. أمّا هنا، فامرأة طوبيت هي حنّة ولا أحد سواها. وكذلك رعوئيل وعدناء. بانتظار طوبيّا وسارة. وذلك على مثال إسحق ورفقة، أيّوب وامرأته. وزكريّا وأليصابات.

فالمرأة هي قرب الرجل. هي مسؤولة وهو مسؤول. عليهما الواجبات ذاتها، ولهما الحقوق ذاتها. وهذا ما نلاحظه منذ البداية في الوصيّة التي تقول: أكرم أباك وأمَّك (خر 20: 12). لا أباك وحده. أو: »من ضرب أباه أو أمَّه، فليُقتلْ قتلاً« (خر 21: 15). ثمَّ: »من لعن أباه أو أمَّه، فليُقتَل قتلاً« (آ17). ذاك هو الوجه البشع الذي يحمل العقاب في العمل (لا20: 9: أمّه على رأسه). والوجه الحلو الذي يُفهم الإنسان الإفادة من حضور والديه: »اسمع يا ابني مشورة أبيك، ولا تهمل نصيحة أمّك. إكليل نعمة هما لرأسك، وقلائد بركة لعنقك« (أم 1: 8-9). لا الوالد فقط. بل الوالدة معه. وفي أم 6: 20-22: »احفظ يا ابني وصيّة أبيك، ولا تهمل نصيحة أمّك. أعقدها في قلبك كلَّ حين، وعلِّقها يا ابني في عنقك. فتهديك في مجيئك ورواحك، وتحافظ عليك في نومك«.

بمثل هذا الكلام، نبّه طوبيت ابنه: »أكرم والدتك، ولا تتركها في ضيق كلَّ أيّام حياتك. أطِعْها في كلِّ ما تعمل، ولا تحزنْها. واذكر يا ابني أنَّها تعرَّضت كثيرًا للأخطار من أجلك وأنتَ في أحشائها«.

أمثل هذا القول يقال لابن وحيد؟ أما يجب أن يدلَّل بحيث لا يُطلبُ منه شيء. فيبقى طفلاً في حضن أمِّه؟ بل بما أنَّه وحيد نهتمّ به اهتمامًا خاصٌّا، لأنّنا لا نستطيع أن نعوِّض مع ابن آخر. فالتربية أمر هامّ. التأديب يدلّ على أنّنا أولاد شرعيّين. لا أولاد زنى! »كلُّ تأديب يبدو في ساعته باعثًا على الحزن، لا على الفرح، إلاّ أنَّه يعود فيما بعد على الذين عانوه، بثمر البرّ والسلام« (عب 12: 11). وتواصل الرسالة: »شدّوا أيديكم المسترخية وركبكم الضعيفة« (آ12).

هكذا ربّى طوبيت ابنه. »أحِبَّ بني قومك، ولا تتكبَّرْ في قلبك... ففي التكبُّر هلاكٌ وكثير من المتاعب. وفي الفجور خرابٌ وفقرٌ، وهو سبب كلِّ مجاعة. وإذا خدمك أحد، فلا تتأخَّر في دفع أجرته له... وكن حذرًا يا ابني في كلِّ ما تعمل، وحكيمًا في جميع أقوالك. لا تفعل بغيرك ما تكرهه لنفسك، ولا تشرب الخمرة للسكر... أعطِ من خبزك للجياع، ومن ثيابك للعراة...« (4: 13-16). ماذا كان جواب طوبيّا: »يا أبي، كلّ ما أمرتني به أفعله« (5: 1).

تربية طوبيت غير تربية عالي الكاهن، بما فيها من ضعف. قيل عنه: »عِلمَ بكلِّ ما يفعل بنوه« (1صم 2: 22). كلَّمهم، فما سمعوا كلامه (آ25). ولا مثل سارة، إذ طردت البكر ليبقى كلُّ شيء لإسحق. ولا مثل إسحق ورفقة. فأحبَّ الأبُ الأكبر، والأمُّ الأصغر. وهكذا لعب الحسد لعبته، وكاد الكبير يقتل الصغير. وضعفُ داود تجاه أولاده، أوصله إلى حالات بشعة لا مجال لذكرها هنا.

نحن أبناء الآباء. فيكون سلوكنا كسلوكهم في الاتّكال على الله والعمل معه. نتذكَّر ما يقوله سفر الأمثال: »من يوفِّر عصاه يبغض ابنه، ولو أحبَّه لسارع إلى تأديبه« (أم 13: 24). يبغضه، أي لا يحبُّه حقٌّا، لأنَّه لا يبحث له عن مصلحته. وقال أم 22: 6: »هذِّب الطفل في أوَّل طريقه. فمتى شاخ لا يبتعد عنه«. ويواصل الحكيم: »لا تمنع التأديب عن الولد، فإن ضربته بالعصا لا يموت. تضربه بعصا التأديب، فتنقذ من عالم الأموات حياته« (أم 23: 13-14). ويستطيع أن يقول له حينئذاك: »إنّ كان قلبك يا ابني حكيمًا، فقلبي يفرح بك، بل صدري ينشرح يا ابني، إذا نطقت شفتاك بالاستقامة« (آ15-16).

مثل هذا الكلام استطاع طوبيت أن يقوله لابنه. وكلَّفه بمهمّة صعبة. خاف طوبيّا. »كيف أحصِّل وديعة الفضّة، وأنا لا أعرف الرجل الذي أودعَها عنده؟« (5: 2). إبحث عن رفيق. فوجد الرفيق. عزريا بن حننيا. ويعرف طوبيت في النهاية أنَّه الملاك رفائيل. فأوصى طوبيت: »تأهَّبْ للسفر يا ابني، على بركات الله« (آ17).

 

3- طوبيّا وسارة، بركة الله والوالدين

راح طوبيّا يطلب مالاً، فإذا هو يجد المال، أو بالأحرى يأتي به الملاك. ويلتقي بعروس حفظها الله له. مُنع الزوج بعد الزوج. ورعوئيل، والد سارة، لا يقدر أن يزوِّجها سوى إلى طوبيّا.

وكان الاستعداد من قبل الشابّ. »أحبَّ الفتاة وعزم على الزواج بها« (6: 19). ورافقه الملاك في استعداده. والملاك يدلّ على حضور الله. تسلَّح الشابّ ببركة أبيه، فكان له بحسب ما تقول شريعة موسى: »اتَّخذْ لك زوجة من نسل آبائك، لا من عشيرة غريبة« (4: 12). ثمّ: »لا تتكبَّر على بنات قومك بحيث لا تتزوَّج منهنَّ« (آ13). كما تشبَّه بأبيه الذي »تزوَّج امرأة من عشيرته اسمها حنّة« (1: 9). من يأخذ من العشيرة امرأة، فهو يعرفها حلاٌّ ونسبًا. يعرف أين يحلَّ أهلها ويسكنون. ويعرف تاريخهم. هكذا يكون الزواج ناجحًا. ويكون إيمانها مثل إيمانه. هذا ما تنبَّه إليه عزرا. نسيَ الأولاد لغة الآباء، لأنَّ الأمّ هي التي تعلِّم. بل اتَّخذ الأولاد ديانة أمِّهم، هذا إذا كان الزوج لا يترك ديانته (أو العكس بالعكس) ويلتحق بامرأته. عن سليمان قيل »أزاغت النساء قلبه« (1مل 11: 3). وعن أخاب: تبع امرأتهإيزابيل، فحملت معها عبادة البعل مع الكهنة، فتبدَّل وجه المملكة.

في هذا الإطار، نفهم حزن رفقة: »سئمتُ حياتي من امرأتَي عيسو الحثّيّتين، فإن تزوَّج يعقوب بواحدة من بنات حثّ... فما نفع حياتي؟« (تك 27: 46). يُقال الكثير عن الزواجات المختلطة. يُوضَع الدين جانبًا، ويبقى إنسان تجاه إنسانة، بما عند الاثنين من قيم إنسانيّة. هذا يعني غياب الله. أو هو الرجل يؤمن بطريقته، والمرأة بطريقتها، إذا كانت هناك حرّيّة دينيّة! ولكن هل هناك؟ بل يُفرَض على الواحد دين الآخر ولا يحقُّ له بعدُ أن يبدِّله. ثمّ إنَّ طريقة معاملة المرأة تختلف بين حضارة وحضارة. وأتذكَّر إحدى السيّدات التي قالت لي بكلِّ بساطة: نحن لا دين عندنا. وهو يؤمِّن لي حياة هانئة. إذا توقَّفت الحياة عند الطعام والشراب واللباس، فبئس هذه الحياة التي تعيدنا إلى القرون الماضية، حيث يُفرَض على الرجل أن »يربّي« امرأته، كما يربّي بقرة في بيته، شرط أن تؤمِّن له حياته الخاصّة. وإلاّ اعتاض عنها بمن هي أجمل منها، على ما كان التقليد اليهوديّ يقول: »إذا تزوَّج رجل بامرأة، ولم تعد تجد حظوة عنده لعيب أنكره عليها... يصرفها من بيته« (تث 24: 1).

محيط واحد لطوبيّا وسارة. محيط دينيّ، عائليّ، اجتماعيّ. هي وحيدة وهو وحيد. مستوى طوبيت هو من مستوى رعوئيل. لهذا يكون الزواج ناجحًا. وإلاّ يكون الأمر كما مع داود الآتي من وراء الغنم. زوَّجه شاول الذي استعدَّ أن يُغني من يقتل جليات، »ويزوِّجه ابنته« (1صم 17: 25). عرف داود شأنه: »من أنا؟ ما سيرتي وما عشيرة أبي حتّى أكون صهر الملك؟« (1صم 18: 18). أعطاه ميكال ثمّ استرجعها. ولكنَّها »احتقرته في قلبها، حين رأتها يرقص« أمام تابوت الربّ (2صم 6: 16). وفي النهاية تركها »فلم تلد له ولدًا إلى يوم وفاتها« (آ23).

والإيمان واحد. والممارسة أيضًا. وبدأ الاستعداد القريب للزواج. »نهض طوبيّا من الفراش، وقال لسارة: ''نصلّي إلى الله حتّى يتحنَّن علينا«. وصلّى طوبيّا، عائدًا إلى العيلة الأصليّة، حيث الرجل والمرأة كلاهما على صورة الله. قال: »مبارك أنتَ يا إله آبائنا، ومبارك اسمُك القدّوس المجيد إلى الأبد. لتباركك السماوات وجميع خلائقك. أنتَ جبلتَ آدم وأعطيتَه حوّاء عونًا وسندًا، وقلتَ لا يحسن أن يكون الإنسان وحيدًا، فنصنع له شريكًا من جنسه. والآن يا ربّ، أنا لا أتزوَّج هذه الفتاة بدافع الشهوة (كمن يريد أن يمتلكها فتُكون مثل دمية بين يديه، أو بطريقة لا شرعيّة) وإنّما وفقًا للأصول (فيكون لنا نسل)، فارحمنا يا ربّ حتّى نشيخ معًا«. وقالت سارة: »آمين« (8: 4-8).

 

الخاتمة

هذه الرواية التقويّة نقلتنا إلى زمن الآباء مع إيراهيم وسارة، مع إسحق وعيسو ويعقوب. ونقلتنا إلى تعليم الحكماء، ولاسيّما سفر الأمثال. بل عادت بنا إلى الابتداء مع زواج يتمّ »بحسب شريعة موسى« (7: 13). رجل واحد وامرأة واحدة، يشيخان معًا. لا مجال بعد لعادات عُرفت في العهد القديم، حيث تتعدَّد الزوجات أو يطلِّق الرجل امرأته لأجل كلِّ علّة (مت 19: 3). فالرجل والمرأة صارا جسدًا واحدًا لا يفترق الواحد عن الآخر مهما كانت الظروف. المرأة (أو الرجل) عاقر. لا يفترقان. هناك قضايا ماليّة، لا يفترقان. خلافات بين الأهل، يكون الزوجان عامل وفاق. ولو كان زنى، يغفر الواحد للآخر كما فعل المسيح مع الخطأة. فما من أحد يستطيع أن يقول: »أنا واقف. لا أتزعزع. فهو قد يسقط (1كور 10: 12). في هذه الحالة، يكون الرجل بقرب امرأته، والمرأة بقرب زوجها. وكذلك في المرض أو الإعاقة. يترافق الاثنان، فيسند الواحد الآخر. وإلاّ لماذا توافقا، ترافقا؟ هذا لا يمكن أن يكون من دون نعمة الربّ. وهي التي نطلبها في الصلاة. كما فعل طوبيّا وسارة. لا ليلة الزواج فقط. فنحن نعلم أنّنا بدون الربّ لا نستطيع شيئًا. يده بيدنا. وكما قال المزمور: »إن لم يبنِ الربّ البيت فعبثًا يتعب البنّاؤون«. وإن لم يكن الله معنا، فلا يمكن لزواجنا أن يدوم، ولا لأسرتنا أن تنمو.