الصوم في الكتاب المقدس.

 

الصوم هو الامتناع عن كلِّ طعام خلال فترة من الزمن، مثلاً من نصف الليل إلى الظهر. وقد يعني أن نأكل وجبة واحدة في النهار. كما يعني أن نكتفي، شأن النسّاك بالماء والملح وبعض البقول.

سيكون كلامنا على الصوم في الكتاب المقدَّس وفي ثلاث محطّات:

الأولى: جذور الصوم البيبليّ.

الثانية: الصوم في شعب إسرائيل.

الثالثة: الصوم في العهد الجديد.

 

1- جذور الصوم

تتجذَّر ممارسة الصوم لدى شعب إسرائيل في عادات الشرق القديم. فوُجدت أصوام ظرفيّة يقوم بها الأفراد والجماعات. أمّا الشريعة الموسوية فعرفت يوم صوم واحد في السنة، وذلك بمناسبة عيد »كيبور« أو عيد التكفير. نقرأ في سفر اللاويّين (16: 29): »وهذا يكون لكم فريضة أبديّة: في اليوم العاشر من الشهر السابع تصومون ولا تعملون عملاً«. كانوا يحتفلون بعيد التكفير في الخريف. وهذا العيد يرتبط بعالم الزراعة كما عرفته كلُّ الحضارات القديمة.

ففي عيد تجديد السنة تُستبعد السنة العتيقة، وتُطرد معها شرورُ الجماعة وخطاياها. وفي هذه الحضارات القديمة، ارتبط الصوم بطقوس التجديد والتنشئة والحداد. فجاء متشعِّبًا في مضمونه. من امتنع عن الطعام، من حرم نفسه من الطعام كان وكأنَّه يعطي. كان وكأنَّه يتفلَّت من كلِّ اتِّصال نجس. كان وكأنَّه يهرب من هذه القوى الشرّيرة التي تتغلغل في الإنسان بواسطة الطعام.

هناك امتناع عن الطعام، وامتناع عن العمل وعن الكلام، وحرمان الذات من كلِّ مباهج الحياة وملذّاتها، بما فيها عالم النجس. وهكذا نكون أمام تصرُّف يدلُّ على الحزن والألم...

فالضيق، والضعف الذي يشير إلى »اليأس«، هما وسيلة بها نثير الشفقة، نطلب الرحمة، نسأل المغفرة. فالامتناع عن الطعام هو توبة وتقشُّف، هو عذاب نفرضه على نفوسنا. فالألم الجسديّ ينقّي الشرَّ ويطهِّره. وهكذا نستعيد شخصيَّتنا الأولى وحالتنا البدئيّة. والتنشئة تعني بداية حياة جديدة وهذا ما يتضمَّن موتًا مسبقًا. بالصوم »نميت« نفوسنا لكي نقوم، لكي نصل إلى فرح آخر.

 

2- الصوم في شعب إسرائيل

إنَّ الصوم في شعب إسرائيل هو أفضل علامة بها يعبِّرون عن الحزن والتوبة. فإذا وضعنا جانبًا عيد التكفير، نجد ظروفًا عديدة يمارَس فيها الصوم.

 

أ- طقس توبة

الصوم هو طقس توبة. وهو يرتبط بسرِّ العهد الذي تشكِّل الخطيئة خيانة له. ويرافق الصوم ما يرافق كلَّ حزن، فيدلُّ على التوبة. فجماعة صموئيل صاموا في ذلك اليوم وقالوا: »خطئنا إلى الربّ« (1صم 7: 6). ومثلهم فعل الملك آخاب بعدما وبَّخه إيليّا لأنَّه قتل نابوت واستولى على كرمه. »مزَّق ثيابه ولبس مسحًا ونام فيه، وصام ومشى منكَّس الرأس« (1مل 1: 2-27). أمّا الشعب العائد من المنفى فاجتمعوا للصيام وعليهم مسوح وتراب. قرأوا في كتاب شريعة الربّ وكانوا يعترفون بخطاياهم (نح 9: 1-3). وهذا ما نقول عن صوم نينوى (يون 3: 4-10) وعن أقوال يوئيل النبيّ (1: 1-14؛ 2: 12-17): »تقدَّسوا للصوم ونادوا على الصلاة. توبوا إليَّ بكلِّ قلوبكم، بالصوم والبكاء والندب. مزِّقوا قلوبكم لا ثيابكم«.

 

ب- الصوم والتوسُّل

وارتبط الصوم بالتوسُّل والتضرُّع. فالصلاة الملحَّة يسندها الصوم. هذا ما فعلت يهوديت من أجل شعبها. وداود صام ونام ليله على الأرض من أجل شفاء ابنه. وصام موسى أربعين يومًا وأربعين ليلة (خر 34: 28). ومثله فعل إيليّا (1مل 19: 8). فبدا صيامهما تهيئة للقاء الربّ، وقاما بدور التشفُّع، استسلم هذان »النبيّان« إلى الربّ في الصوم والصلاة كما سيفعل دانيال (10: 2-3).

وسينتقد الأنبياء الشكليّات في ممارسة الصوم، فيطلبون الاستعدادات الداخليّة التي نعبِّر عنها في محبّة القريب والعدالة الاجتماعيّة. قال هوشع بلسان الربّ: »أريد رحمة (محبّة) لا ذبيحة« (6: 6). وأشعيا (58: 6-7): »فالصوم الذي أريده أن تحلَّ قيود الظلم، وتطلق المنسحقين أحرارًا. أن تفرش للجائع خبزك وتُدخل المسكين الطريد بيتك، أن ترى العريان فتكسوه ولا تتهرَّب من مساعدة أخيك«. وسكيون كلام طوبيّا صدى لهذا التعليم: »الصلاة مع الصوم خير، والصدقة خير من تكديس الذهب« (12: 8).

 

3- الصوم في العهد الجديد

لم تختف ممارسة الصوم مع نهاية الميثاق القديم، بل تجدَّدت وأخذت معناها الأخير بالنسبة إلى شخص يسوع وموهبة الروح القدس.

 

أ- صوم المسيح

بالصوم استعدَّ الربُّ لرسالته ولتتميم السرِّ الفصحيّ. والأربعون يومًا التي صامها يسوع (مت 4: 2)، تذكِّرنا بصوم موسى على جبل سيناء. فيسوع هو موسى الجديد الذي جاء يحمل إلى شعبه الشريعة الجديدة والخلاص. وإنَّ صومه يعلن ويهيِّئ عمله الفدائيّ بالصليب: رفض طعام الأرض وتخلّى عن »أعمال« عجائبيّة تدخله في طريق الانتصار المسيحانيّ الأرضيّ، فدلَّ على أنَّ طعامه هو أن يعمل بمشيئة الآب الذي أرسله. انتقد الفرّيسيّون التلاميذ (مر 2: 18) لأنَّهم لا يمارسون الأصوام الاختياريّة. هذا يعني أنَّ يسوع مارس بعد صومه الأربعينيّ الأصوام التي تفرضها الشريعة.

 

ب- صوم التلاميذ

إن جواب يسوع إلى تلاميذ يوحنّا الذين سألوه حول الصوم (مت 9: 14-17)، يعلن المدلول الجديد الذي سيرتديه الصوم في التدبير الإلهيّ. كان الصوم علامة حزن. لم يعد تذكارًا لمحن ماضية أو حاضرة عاشها الشعب. بل يتحكَّم به سرُّ يسوع الفصحيّ. يسوع هو العريس الحقيقيّ والعرس يدلُّ على الفرح. لذلك فحزن »اليهود« حين يصومون يدلُّ على أنَّهم يرفضون يسوع والتوبة الحقيقيّة، على أنهم لم يفهموا الجديد الذي يحمله يسوع.

والتعليم حول الصوم الذي تتضمَّنه خطبة الجبل (مت 6: 16-18) يدلّ على الجديد في أسلوب الحياة الدينيّة الذي أدخله يسوع: نحن لا نصوم لبواعث خارجيّة، لكي يرانا الناس. لا نصوم لإرضاء حاجة داخليّة فينا. نصوم تحت نظر الآب، ويحرِّكنا الروح القدس الذي »أفيض في قلوبنا«.

هذا هو الصوم الذي تعلَّمته الكنيسة الأولى، ونتعلَّمه نحن، في الكتب المقدَّسة. ففي جوِّ الفرح الفصحيِّ، عرفت أن تصوم في الأوقات الهامَّة في حياتها. على مثال معلِّمها، جمعت الصوم إلى الصلاة فعادت إلى الجذور البشريّة العميقة التي ما جاء يسوع لكي يلغيها بل ليعطيها مدلولها الحقيقيّ على ضوء مجيء الملكوت: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.