من سارديس إلى لاودكية

 

 

تبدو كنيسة سارديس جماعة حيّة. ولكن هذا الظاهر يبدو قناعاً يخفي الموت. ومع ذلك، ما زالت خميرة الحياة حاضرة. وبعض الناس لم يدنّسوا ثيابهم بالعبادة الوثنية. أما الرسالة إلى فيلادلفية فهي موازية للرسالة إلى سميرنة. غير أن النصّ يشدّد لا على الموت الذي يفعل في المسيحيين، بل على الحياة الجديدة التي تفعل فيهم منذ الآن. أما في لاودكية، فالقساوة تصل إلى ذروتها. الفتور يدلُّ على التراخي في الممارسة المسيحية، على التعامل مع العالم الوثني.

1- رسالة إلى كنيسة سارديس (3: 1- 6)
سارديس هي عاصمة ليدية القديمة. تقع جنوبي تياتيرة. دمّرها زلزال سنة 17 ب. م. فأعاد الامبراطور طيباريوس (14- 37) بناءها. كانت عاصمة النسيج والصوف في آسية الصغرى. لهذا تُذكر الملابس ثلاث مرات (آ 3، 4، 5). وهناك دعوة إلى السهر قد ترتبط بغزو حصل للمدينة. 
أرواح الله (آ 1). المسيح يوزّع الروح القدس بكماله (رج 1: 4). والكواكب السبعة (رج 1: 16- 20). أنت حي مع أنك ميت. فالظاهر شيء والواقع شيء آخر. فالأعمال هي التي تدلّ على الحياة، على حقيقة الإيمان. تبدو جماعة سارديس حيّة، ولكنها ميتة موتاً روحياً (يو 5: 25، روم 6: 13؛ يع 2: 17). نجد هنا أقسى حكم في الرسائل. قد تعود الحياة بفضل بعض الأشخاص الذين لم يدنّسوا ثيابهم.
إسهر (آ 2)، رج مت 24: 42: "اسهروا لأنكم لا تعرفون متى يأتي الرب". السهر هو الموقف المطلوب من المسيحيين الذين ينتظرون عودة الرب. والسهر هنا لا يقوم بممارسة بعض الأعمال. بل هو خروج من الموت وعودة إلى الحياة. أنعش ما بقي لك من أشخاص ومجموعات لم تأخذها الأمواج. هناك أعمال ولكنها ليست كاملة، ليست "ملآنة" (رج يو 16: 24؛ 17: 13؛ 1 يو 1: 4؛ 2 يو 12). أذكر لا مضمون الإنجيل وحسب، بل أذكر (آ 3؛ رج 2: 5) ما (أو: كيف) سمعت وقبلت. المعجزة التي جعلت هذا الإنجيل يُسمع ويُقبل ويستمرّ. القبول هو إنفتاح على الإنجيل (روم 10: 14 ي؛ 1 تس 2: 13 ي). إعمل به (كن أميناً) وتب. واسهر. هناك مجيء المسيح في نهاية الأزمنة. وهناك مجيء حالي إلى كنيسة لكي يدينها بسبب سلوكها. وانتظار المسيح يتمّ في الافخارستيا. ماراناتا: تعال أيها الرب يسوع.
ولكن بعض الناس (آ 4). بعض الأسماء (11: 13؛ رج أع 1: 15). لم يدنّسوا ثيابهم. من لم يدنّس ثيابه يعطى ثوباً أبيض. هو ثوب سماوي، مجيد، مضيء، ثوب الحياة والكرامة. الثوب الأبيض هو الواقع الأخير للمختار، هو واقع الخلاص والغلبة. ثياب نقّاها يسوع بدمه (7: 14) فصارت واقعاً من السماء (4: 4) يتوافق مع الاستشهاد (6: 11). هم أهل لأن يواكبوني. المسيحيون يعيشون كأناس مخلّصين. هم منذ الآن يسيرون مع المسيح.
لا أمحو اسمه (آ 5). قد يستطيع الانسان أن يتساءل عن "كتابة اسمه" في سفر الحياة الذي يتضمّن أسماء الأبرار. يتحدّث رؤ مرتين عن سفر حياة الحمل (13: 8؛ 21: 27) حيث نجد كل الذين يعيشون من الحياة الأبدية، كل الذين أعلنوا أنهم للمسيح. هؤلاء يتعرّف إليهم يسوع كأخصائه أمام الله وملائكته (مت 10: 32؛ لو 12: 8).
ذُكر سفر الحياة مراراً في العهد القديم (مز 69: 29؛ دا 12: 2)، فدلّ على أن الأبرار لا يذوقون "الموت الثاني"، أي لا يُحرمون من الحياة الأبدية. والعبارة "أمام الآب وملائكته" تدلّ على فرحة المسيح في الدينونة العامّة.

2- رسالة إلى كنيسة فيلادلفية (3: 7- 13)
فيلادلفية هي مدينة صغيرة تبعد 45 كلم إلى الجنوب من سارديس. عرفت هزات أرضية عديدة وأهمها سنة 17 ب. م. شابهت سميرنة (2: 9 - 10) فضمّت جماعة يهودية أخذت تنفتح على المسيحية. يبدو أن هناك حواراً بين العالم المسيحي والعالم اليهودي. فالمسيح هو ذاك الذي يتمّ مواعيد العهد القديم. عُرفت كنيسة فيلادلفية بغيرتها وشجاعتها، وقد مات منها 11 مسيحياً مع بوليكربوس أسقفها. كما أن اغناطيوس الأنطاكي كتب إليها يمتدح سيرتها. هنا نشير إلى أن الرسالة لا تتضمّن أي انتقاد لهذه الكنيسة.
القدوس، الحق (آ 7). كلام يتوجّه إلى اليهود فيدلّهم على أن نبوءات التوراة تمّت في يسوع المسيح. وهكذا نكون أمام إعلان للمسيحية ينطلق من العهد القديم. القدوس، الحق، ليس إلهاً بعيداً وغير منظور، بل يسوع المسيح الذي صار بشراً وسكن بيننا. وبما أنه ابن داود (أش 22: 22) فهو يمسك مفتاح الملكوت المسيحاني.
نشير إلى أن "القدوس، الحق" لا يردان في الرؤية الإعدادية بل في 6: 10. الحق هو الصادق (19: 9) والأمين (3: 14؛ 19: 11؛ 22: 6). هنا نتذكّر يوحنا الذي يتكلّم عن النظر الحقيقي، الكرمة الحقيقية، الخبز الحقيقي (يو 1: 9؛ 15: 1؛ 6: 32).
فتحت لك باباً (آ 8). نجد هذه الصورة عند بولس الرسول (1 كور 16: 9؛ 2 كور 2: 12؛ كو 4: 3) فتدلّ على انفتاح باب الرسالة. هذا يعني نجاح كنيسة فيلادلفية في تبشير اليهود. ثم إن يسوع هو الباب (يو 10: 7). فلا يذهب أحد إلى الآب إلاّ به (يو 14: 6). فالباب الذي يقود إلى الآب ليس إبراهيم ولا موسى ولا داود ولا أحد أنبياء العهد القديم، بل المسيح وحده. هذا ما تعلنه كنيسة فيلادلفية بكلامها ومثلها. حفظت كلمتي (2: 13). لقد ظهرت أمانة الكنيسة في اعتراف إيماني تجاه عالم وثني يهدّد ويضطهد.
سأجعل الذين هم مجمع الشيطان (آ 9). يبدو أننا أمام جماعة مسيحية متأثرة باليهودية. قال أش 45: 14؛ 49: 13؛ 60: 14 إن الأمم الوثنية ستخضع لشعب الله. هذه المواعيد قد صارت للكنيسة، شعب الله الجديد. وهكذا يرى الجميع أن الذين يحبّهم الرب هم المسيحيون المستعدّون ليتجنّدوا له.
صبرت كما أوصيتك (آ 10). لسنا أمام تحريض على صبر عادي، بل أمام نداء. لممارسة صبر المسيح الذي قاده إلى الصليب. أحميك (نجدها فقط في يو 17: 15). بعد أن أعلن المسيح للمسيحيين أن العالم سيبغضهم مثله صلّى قائلاً: "لا أطلب أن تأخذهم من العالم، بل أن تحميهم من الشّرير" (أي: إبليس). وتتواصل الصلاة بتشفّع من أجل المؤمنين ووحدتهم مع المسيح. هكذا يعرف العالم أن يسوع هو مرسل الآب، وأن الآب يحبّ الابن والذين له. كم نحن قريبون من هذه الآية (آ 9). أما المحنة التي ستنقضّ على العالم فهي تصيب الوثنيين في نهاية الأزمنة. لا ينجو المؤمنون من المحنة، ولكنهم يحفظون لأنهم ليسوا من العالم.
سأجيء (رج 2: 16). فاحفظ، فاثبت (2: 25) لئلا يسلب أحد إكليلك (2: 10).
سأجعل الغالب عموداً في هيكل (آ 12). إن عبارة "عمود في الهيكل" تستلهم أش 56: 5 و 62: 2 (أو غل 2: 9). "أعطيهم في بيتي وفي داخل أسوار مدينتي جاهاً واسماً يكون خيراً من البنين والبنات، اسماً أبدياً لا ينقطع ذكره". الغالب يحتلّ مكاناً مختاراً في الهيكل. يكون مثل يعقوب وبطرس ويوحنا (غل 2: 9). كان الكاهن الروماني يحفر اسمه على عمود الامبراطور فيتمجّد بمجد الامبراطور. أما هنا فينقش اسم الآب والابن، صورة حقيقة الله وأزليته التي لا تتبدّل. "الإسم الجديد"، إسم المسيح هو الاسم الليتورجي للرب (كيريوس) الذي ينضمّ إليه مدلول إسكاتولوجي للديّان الآتي.
إن أورشليم السماوية المذكورة هنا، لا هيكل فيها (21: 22). فما هو هذا الهيكل الذي يقيم فيه الغالبون، وحيث يسبّح الشهداء الرب ليل نهار (7: 15)؟ الهيكل هو علامة حضور الله وسط شعبه. لذلك لن تكون العلامة ضرورية في زمن التتمة الأخير. إذا وُجد الواقع انتفت الحاجة إلى الرمز. سيكون الله والحمل حاضرين. وهكذا نفهم أن هذا الحضور لا يمكن أن يتمّ إلاّ بالمسيح. ولهذا فالبشر الذين يحيون منذ الآن مع المسيح يُعتبرون مقيمين في الهيكل إلى الأبد.
أكتب إسم إلهي. وضعُ الإسم الإلهي على إنسان، يعني أن هذا الإنسان يخصّ الله، يكرّس لله (عد 6: 27). وستستعمل صورة الختم في 7: 3. واسم المدينة. فالغالب سيكون مواطن أورشليم السماوية (غل 4: 20؛ فل 3: 20؛ عب 11: 10). وبالنسبة إلى أورشليم الجديدة، رج 21: 2. واسمي الجديد. رج 2: 17 الذي يعد الغالب باسم جديد هو إسم المسيح. فالغالبون الذين يتبعون خطى المسيح يحملون اسمه الذي هو جديد بالمجد الخفي الذي يكمن فيه، وهو مجد صار واقعاً في الخليقة الجديدة التي يدلّ عليها سّر المعمودية. ونلاحظ هنا كما في 2: 17 أن الوعد بالاسم الجديد يتوجّه إلى جماعة اعترفت باسم المسيح حتى الاستشهاد.

3- رسالة إلى كنيسة لاودكية (3: 14- 22)
لعبت لاودكية (دانزلي الحالية) دوراً خاصاً وسط المدن السبع. فعقلية هذه المدينة الغنيّة أثّرت على أعضاء الجماعة المسيحية الأولى. لاودكية التي يعود اسمها إلى إسم زوجة مؤسّس المدينة، أنطيوخس الثاني (261- 246 ق. م.) تقع قرب كولسي. قد أسّس ابفراس (على ما يبدو) كنيسة لاودكية بعد أن سمع بولس ورافقه (كو 1: 7؛ 4: 12- 13؛ فلم 23). وبولس وجّه رسالة إلى هذه الكنيسة قد تكون ضاعت أو هي نسخة مثل الرسالة إلى أفسس (كو 4: 14 ي).
إن موقف الجماعة المسيحية في لاودكية يعكس روح المدينة. رفضت العون الذي قدّمه لها الامبراطور الروماني لإعادة بنائها بعد زلزال دمّرها سنة 61 ب. م. فهي كانت غنيّة جداً واشتهرت بصناعة الخز والصوف كما اشتهرت بمصارفها ومدرسة الطب التي تصنع دواء للعيون عُرفت في العالم القديم. وهكذا نستطيع أن نجد تلميحات إلى هذا الوضع في الرسالة: أنا غنية (آ 17) 0 الذهب، الثياب، الكحل (آ 18).
هذا ما يقول الآمين (آ 14). الكلمة العبرية "آمين" تعني المتانة والحقيقة. والآمين الذي تتلفّظ به جماعة العهد القديم هو جواب يوافق على ما يقال ويلزم به (عد 6: 24، 26؛ طو 8: 7- 8). فبالآمين المعطى تتخذ كلمة الله قيمتها بالنسبة إلى الجماعة (1: 7؛ 22: 20). ويسوع الذي يسمّي نفسه "آمين" هو الجواب العظيم لكلام الله، وهو جواب حقّقه بارتباطه وطاعته. ففي المسيح ومع المسيح وبالمسيح مبدأ أعمال الله (يو 1: 16؛ 1 كور 8: 6؛ عب 1: 3)، قد أعطى العالم كلّه جواباً يليق بمحبّة الله، وأعلن بشكل إحتفالي أنه يخصّ الله. فبالمسيح تمّ تقديس (وعودة) العالم كلّه. والإنسان المفدي الذي يرى خيرات هذا العالم ويستعملها دون أن يهتم لرباطها بالمسيح، يستعملها إستعمالاً سيئاً وأنانياً لأنه ينجّس خيراً مكرّساً لله. فعلى المسيحي (على مثالا المسيح)، أن يقول "نعم"، "آمين" واضحاً، شفافاً، لا رجوع عنه. "فابن الله، المسيح يسوع... لم يكن نعم ولا، بل نعم كلّه. فهو النعم لكل وعود الله. لذلك نقول به "آمين" إكراماً لمجد الله" (2 كور 1: 19- 21).
يذكر أش 65: 16 مرتين الـ "إله الأمين" أي الإله الذي مواعيده أكيدة. الصادق (رج 3: 7) هو قريب من الآمين. هو مبدأ الخلق (21: 6؛ 22: 13؛ رج أم 8: 22- 23). إن هذا المسيح ليس من عالم الروح فقط، كما يريد الغنوصيون، بل قد احتمل الآلام وصار الشاهد الامين وأول شهيد.
أنت لا حار ولا بارد (آ 15). أنت تساوم مع العالم الوثني. هل أنت وثني أو مسيحي؟ وثني فنصيبك بدون التباس دينونة المسيح. أو مسيحي فالتزم إلتزاماً تاماً على خطى المسيح. فالذين يعتبرون أنهم يستطيعون أن يكونوا مسيحيين دون أن يقطعوا كل علاقة بالعالم الوثني، فهؤلاء يجدّفون على اسم الرب. من هنا عنف الحكم على كنيسة فاترة. فالهرطقة أفسدت الجماعة كلّها.
تقول: أنا غني (آ 17). صور ثلاث تدلّ على عودة إلى حب المسيح الأول، إلى الأمانة الأولى. فتجاه مُثُل سرابية لحياة أرضية، يقدّم النصّ للجماعات المسيحية الأولى ذهب النعمة والحب النقي لله وللإخوة. وفي تلميح إلى لباس يصنع في لاودكية بالصوف الأسود، تتحدّث الرسالة عن ثياب بيضاء ترمز إلى الأعمال الصالحة (19: 8). أما "الكحل" المصنوع في لاودكية أيضاً (يبُاع بثمن غالٍ جداً) فهو يشير إلى دواء روحي يساعدنا على أن نرى بعين صافية "كنوز السماء" "حيث لا سوس ولا صدأ، حيث لا ينقب اللصوص ويسرقون" (مت 6: 20).
نحن نتوق لنلبس الثوب الأبيض الذي يعطيه المسيح لمن يتجدّد. كما نتذكر كلمات يو 9: 39: "جئت حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون".
أنا أوبّخ وأؤدب من أحب (آ 19). ما زالت اللهجة قاسية، ولكن حبّ الله حاضر بالنسبة إلى أهل لاودكية. فضلالهم لا يجعل الله ييأس. فحبّه الأبوي ما زال ينتظر عودتهم.
ها أنا واقف على الباب أدقه (آ 20). هكذا ينتظر الرب جماعته، وينتظر كل مؤمن من المؤمنين. فإن فتح، كان عشاء المحبة، العشاء السري، الإفخارستيا. هنا نتذكّر نش 5: 2: دقّ العريس على باب العروس: إفتحي لي. هكذا يدقّ المسيح. فمن كان من الحقّ سمع صوته (يو 18: 37). وإن أحبّه أحد، جاء إليه مع الآب. وجعلا منه مسكناً (يو 14: 23). ونزيد على ذلك موضوعاً تقليدياً في العالم اليهودي والمسيحي: إنتظار المسيح في الليلة الفصحية. هو يأتي في نصف الليل. والليتورجيا الافخارستيا تعلن مجيئه: "كل مرّة تأكلون هذا الخبز وتشربون هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كور 11: 26).
من غلب أعطيه (آ 21). رج 2: 26- 27. وعد في المستقبل. ووعد في الحاضر أيضاً بالنسبة إلى المؤمن المتحد بالمسيح (12: 11؛ 1 يو 5: 14). فالمسيحيون يشاركون يسوع في المحنة والملك والصبر (1: 9). معه يموتون (كل يوم) ومعه يقومون.


خاتمة أي تعليم نستنتجه
- الحياة المسيحية (والإيمان) تواجه هجوماً آتياً من الخارج ومن الداخل. ظنّ المسيحيون الأولون أنّ الرب سيحمي كنيسته بشكل منظور ويحفظها من كل الاضطهادات. ولكن ذلك كان حلماً وسراباً. فالمسيحية ليست "تأميناً" من أجل حياة سهلة. والذي يسير مع المسيح لا يخاف العاصفة. هذا ما وجب على الجماعات الأولى (وعلينا) أن تتكيّف معه: هي كنيسة مسافرة تعرف الصعوبات ولا تنتظر تدخلاً منظوراً من الله.
- بدأ المسيحيون يتعوّدون على تأخر عودة المسيح. ولكن تجاه الاضطهادات، ارتفعت من جديد صيحتهم ونداؤهم بما فيه من حنين، نحو مجيء الرب القريب. لقد سُلّمت الكنيسة إلى القوى السياسية وليس من معين. رأت أنّ المسيح "لم يتدخل"، أنه صامت ظاهرياً، فواجهت أزمة إيمانية. لماذا لا يهتمّ الرب بجماعته المضطهدة؟ لماذا تضعف الانقسامات الداخلية الجماعة فتصبح أضحوكة الأعداء؟
- تقابل هذه الرسائل السبع بين واقع الكنيسة ومثالها. فالمسيحيون يواجهون مثالهم. فغيرة زمن الارتدادات قد زالت عند عدد كبير. لقد بدأت الكنيسة تتكيّف مع الظروف وتقاسم حياة العالم الذي يحيط بها. فهِمَ المسيح موقف هذه الجماعات، ولكنه بدا حازماً. ما زلنا في زمن النعمة، والعودة ممكنة. نجعل خطانا في خطى المسيح دون تردّد ولا مساومة. فالإيمان الجديد والمحبة الكبيرة تساعدنا على تخطّي المخاوف والاضهادات لئلا نسقط في الموت الثاني.
- نكتشف هنا صورة المسيح بشكل قوي وواضح. "يمسك بيمينه الكواكب السبعة ويمشي بين منائر الذهب السبع" (2: 1). "الأول والآخر، الذي مات وعاد حياً" (2: 8). "صاحب السيف المسنون الحدّين" (2: 12). "ابن الله الذي عيناه كشعلة ملتهبة ورجلاه كالنحاس المصقول" (2: 18). "صاحب أرواح الله السبعة والكواكب السبعة" (3: 1). "القدوس، الحق الذي بيده مفتاح داود، إذا فتح فلا يغلق أحد، وإذا أغلق فلا يفتح أحد" (3: 7). "الآمين، الشاهد الأمين الصادق، رأس خليقة الله" (3: 14).
فالذي يتكلّم هو المسيح الحاضر والفاعل وسط جماعته. ابن الله الإزلي والمسيح المصلوب والقائم من الموت، وابن داود الذي فيه تحقّقت مواعيد العهد القديم، والمخلّص وديّان الكون كلّه. فأمام الرب (كيريوس) تنهار وتزول قوى هذا العالم وأباطرته