موسى الكليم، نداء الرب له

 

دعا الكتاب موسى، ذاك المخلَّص قبل أن يخلِّص شعبه. ذاك الناجي من الماء. ودعاه الكليم لأنَّه تكلَّم مع الربّ ورآه وجهًا لوجه، لا في حلم أو منام. وربط بشخص موسى ما حصل لمصر من »ضربات« بواسطة عصا الراعي التي باركها الربّ. بل هذه العصا »فتحت« البحر، وأمَّنت حياة الشعب في البرّيّة أربعين سنة. فما هو أساس »عظمة« هذا الرجل الذي دُعيَ المشترع في شعبه، والذي لبثت الوصايا والفرائض التي أعطاها، موضعَ وحي للأنبياء والمعلِّمين بعده؟ الأساس هو نداء من قبل الله. فما من أحد يقوم بهذه الأعمال إن لم يدعُه الله فيلبّي النداء.

أجل، دعا الربّ موسى من قلب العلّيقة الملتهبة: »تعال أرسلك« (خر 3: 10). ولبّى موسى دعوة الربّ بالرغم من الظروف الخارجيَّة التي أحاطت به. وأوَّلها الفرعون وما يمثِّل من عالم الظلم وعبادة الأوثان والسحر. ولم تكن الصعوبات الداخليّة غائبة، سواء من الشعب أم من موسى نفسه. ولكنَّ موسى واصل المسيرة مع الربّ حتّى ساعة موته حيث دفنه »الربّ بذاته« في البرِّيَّة، علامة تكريمه الكبير له.

 

1- من قلب العليقة

في حياة كلِّ إنسان، يظهر النداء فجأة، مثل نبع الماء الذي يتفجَّر دون سابق إنذار، في موضع من المواضع. ولكن كلّ هذا الماء الذي تجمَّع في الجبال، وسار مسيرته الخفيّة، لا يراها أحد، بل يكتشفها العالِم الدارس. وكذا نقول عن »هيمنة« الله في حياة من يدعوهم. من أين جاء إيليّا، واين بدأت دعوته؟ هذا ما لا يخبرنا به الكتاب، ولا النبيّ. في قلب ضياع الشعب وسيطرة عبادة البعل، سمع الناس صوت إيليّا التشبيّ: »حيُّ هو الربّ إله إسرائيل الذي أعبده« (1مل 17: 1). ثمَّ نسمع الربّ يقول له: »إذهب من هنا نحو الشرق...«. فذهب وفعل كما قال له الربّ« (آ2، 5). وقام إيليّا برسالته بغيرة لا تعرف الكلل. هو نداء الله في قلبه ظهر فاعلاً في حياته وفي المحيط الذي أرسله إليه.

ومريم العذراء. دعاها الملاك لأن تكون أمَّ المخلِّص. أجابت: ها أنا خادمة للربّ. ولكنَّ هذا النداء الذي نعتبره مفاجئًا، بدأ منذ بداية حياتها. بل وهي في حشا أمِّها. تقدَّست منذ ذلك الوقت فما عرفت دنس الخطيئة ودُعيَت الجميلة التي لا عيب فيها. بدأ الربّ يدعوها ويعلِّمها ويهديها. لهذا حين كلَّمها الملاك، أو الله نفسه، عرفت إلى ما تُدعى إليه. ستكون أمّ المسيح. وبالتالي ستكون تلك البتول التي لا تلدُ بعدُ أحدًا، لأنَّها ولدت من هو ابن الله.

وكذا نقول عن موسى. بدأ الربّ يهيِّئه. المحيط قاسٍ في مصر ساعة ولادته. يجب أن يُقتَل الذكور (خر 1: 16). أن »يُطرحوا في النهر« (آ23). ووُضع موسى بجانب النهر (خر 2: 3). أترى سيُرمى كما »رُميَ« غيره؟ ولكن من يحامي عنه؟ أمُّه؟ فعلت ثلاثة أشهر، وفي النهاية »عجزت عن أن تخفيه بعد«. أخته؟ »وقفت عن بعيد لترى« (آ4). الربُّ هو الذي يحمي موسى، فيرسل له »ابنة فرعون« (آ6).

أحسَّ موسى بأنَّ الربّ دعاه بعد أن »انتشله من الماء« (آ10). فبدأ يتحرَّك. واحد يتعدّى على أحد إخوته، قويّ يتعدّى على مظلوم. قتل الظالم »وطمره في الرمل« (آ12). أهكذا يلبّي الإنسان دعوة آتية من الربّ؟ يبدأ بالقتل على مثال قايين؟ تسرَّع موسى. عليه أن ينتظر. فالربُّ هو الذي يتَّخذ المبادرة، لا الإنسان. وهكذا جاء الخطر من الخارج، من مصر، حيث حاول الفرعون »أن يقتل موسى« (آ15). والخطر من الداخل. بل الرفض التامّ. قال له عبرانيّ أراد أن يردعه عن أخيه: »من أقامك رئيسًا علينا وحاكمًا؟« (آ14). فهرب موسى. كم يغلط الإنسان، كم يُخطئ حين يريد أن يوجِّه حياته بفهمه وذكائه دون الرجوع إلى الله. ولاسيّما في رسالة رفيعة تتعدّى إمكانيّات البشرّ.

مضى موسى إلى البرّيّة. أتراه ما عاد يعرف ما يحلّ بإخوته؟ تزوَّج ابنة كاهن مديان. رُزق ولدان، أمَّن لنفسه »وظيفة« الراعي لدى حميِّه. بما أنّ الأمور لم تكن كما شاءها، »فليتدبَّر« الله أمر شعبه! هو يشبه شاول الذي صار بولس. أطلَّت الصعوبات. فذهب إلى بلده طرسوس، وعاد إلى مهنته السابقة. هو وقت من النوم، من السبات، ينسى فيه الإنسان كلَّ شيء. ولا يعود يتذكَّر أحدًا.

ولكنَّ الربَّ هو هنا. »كان موسى يرعى غنم حميِّه يترون... فساق الغنم إلى ما وراء البرّيّة« (خر 3: 1). صار بعيدًا عن الناس. صمت كبير. اعتاد عليه يومًا بعد يوم، وهو وحده مع القطيع. ولكن في ذلك اليوم، لم يكن وحده. »تراءى له ملاك الربّ في لهيب نار من وسط العلّيقة« (آ2). »رُئيَ« ملاك الربّ. رُئي الربّ. أي سمح لموسى بأن يراه. أو بالأحرى: قبل موسى بأن يراه. فالله يرى موسى كلَّ يوم. يرافقه في هذه البرّيّة، كما رافقه منذ ولادته. هو كالأمّ تراقب ابنها النائم. متى ينهض، يراها ويسمع لها. هو كعريس نشيد الأناشيد. ينتظر متى تفيق العروس (التي هي كلُّ واحد منّا) وتفتح له؟ إلاّ إذا لقيت الأعذار الواهية. وأعذار موسى سوف تكون كثيرة حين يدعوه الربّ ليرسله. »من أنا لأذهب إلى فرعون؟« (خر 3: 11). لا شكّ وحدك لست بشيء تجاه أكبر ملوك الأرض وأقواهم في ذاك الزمان. ثمّ: أنا لا أعرف اسمك. فإن سألوني عنه »ماذا أجيبهم؟« (آ13). اسمي يهوه. أنا هو الذي هو. أنا الحاضر. أنا الفاعل. وعذر آخر: »هم لا يصدِّقونني ولا يسمعون لكلامي« (خر 4: 1). بل يجعلونني كاذبًا: »لم يظهر لك الربّ«. وفي النهاية، »أنا بطيء النطق، ثقيل اللسان« (آ10). وذلَّل الربُّ هذه الصعوبة أيضًا: »من الذي خلق للإنسان فمًا؟«

تراءى الملاك. تراءى الله. هو نار آكلة. ولكنَّها نار لا تنطفئ. وسوف تُشعل قلب موسى. توقَّف موسى عند العلّيقة. تحيَّر. ما بالها لا تحترق وتصير رمادًا؟ ففي هذه العلّيقة الضعيفة أكثر من العلّيقة. هناك الربّ يعمل من قلب الضعف. يُرى من خلال الأمور البسيطة. علّيقة! ومثلها علّيقات كثيرة في هذه البرّيّة. العلّيقة لا تُعبَد كما عُبدت الأشجار وما زالت تُعبَد في بعض القبائل البدائيّة. الربّ ينظر إلى موسى. وموسى ينظر إلى العلّيقة. كم نحن مساكين مرّات عديدة. نتوقَّف عند الخليقة ولا نصل إلى ربِّ الخليقة.

ناداه الله مرّتين: موسى، موسى! إلحاح من قبل الربّ. والقضيّة خطيرة وتطلب معالجة سريعة. فمن يكون ذاك الذي يقوم بالمهمَّة؟ أجاب موسى: »ها أنا«، أنا مستعدّ. نعم. وعرَّف الله بنفسه، »فستر موسى وجهه خوفًا من أن ينظر إلى الله« (خر 3: 6). والآن، عليه أن ينظر إلى »معاناة الشعب« ليكتشف نداء الله في الواقع اليوميّ. قال الربّ: »نظرتُ إلى معاناة شعبي« (آ7). وأنا أدعوك. ماذا سوف تفعل من أجلهم؟ هل تغسل يديك وكأنَّ الأمر لا يعنيك؟ »أرسلْ أحدًا غيري!« (خر 4: 13). قال موسى: أرسل من تشاء. لكن لا أنا. هنا »غضب« الربّ. حرفيٌّا: احترَّ وجهه. كيف يتهرَّب من مثل هذه المهمَّة الرفيعة؟

وصار موسى المرسَل. فتكرَّر الفعل أكثر من مرّة، ليعرف موسى أنَّه ليس أصل المشروع بل الله. ولئلاّ يخاف. وليجد ثقة في نفسه بالرغم من ضعفه وإمكانيّاته: تعال أرسلك. أنا أكون معك وأنا أرسلتك إلى فرعون. قال لموسى: إله آبائكم أرسلني. هو الذي أرسلني إليكم. وردّد كلام الله: أنا الربُّ إلهكم أرسلته إليكم. فماذا بقي على موسى سوى الانطلاق؟ هو المجهول بالنسبة إليه، كما كان بالنسبة إلى إبراهيم. ولكنّ للربِّ مخطَّطاته. فلا يبقى على المدعو سوى أن يؤمن ويجعل ثقته بالربّ، مهما كانت الصعوبات الآتية.

 

2- صعوبات من الخارج

لا. ليست تلبيةُ نداء الربّ بالأمر السهل. ولن يكون المدعوّ في نزهة وسط الرياحين، وقد أعطانا بولس الرسول صورة عمّا يواجه الإنسان الذي يقوم برسالته: أخطار من شعبي، وأخطار من الآخرين. أخطار في البراري، أخطار في البحر. أخطار من الإخوة الكذّابين (2كور 11: 26). مثل هذه الأخطار واجهت موسى. ونبدأ بتلك الآتية من خارج الشعب، من المصريّين مع فرعون وسحرته.

الصعوبة الأولى كانت من حميِّه. كيف يرسل ابنته إلى مصر؟ فوجب على موسى أن يفضِّل نداء الربِّ على نداء الحياة العائليّة. على ما قال بطرس: »ها نحن تركنا كلَّ شيء وتبعناك«! فأجابه يسوع: »ما من أحدٍ ترك بيتًا... أو أولادًا أو حقولاً« (مر 10: 29). ويقول لو 18: 29: »ما من أحد ترك بيتًا أو امرأة... أو أولادًا«. بالرغم ممّا في خر 4: 24-26 نعرف أنَّ يترو »استرجع ابنته صفورة امرأة موسى، وابنيها« (خر 18: 2-3). وسيعيدهم قبل خبرة سيناء بقليل. قيل لموسى: »هو حموك يترو قادم إليك مع امرأتك وابنيك« (آ6). في ذلك الوقت، كان لموسى »مئة ضعف من البيوت والإخوة والأخوات والأمَّهات والأولاد والحقول« (مر 10: 30).

الصعوبة الثانية، جاءت من »الربِّ نفسه«! كيف يدخل موسى إلى مصر، مع ابن له غير مختون؟ ابن لم يمرّ في خبرة الدم، كما هو وضع العبرانيّين في مصر، الذين هدَّدوا في تاريخهم بسبب الختان الذي يعني الانتماء لله. وساعدته امرأته فتجاوز هذا العائق الثاني قبل العودة إلى إخوته.

ويبقى العائق الأكبر: الفرعون ورجاله. رسالة موسى واضحة منذ البداية: »أطلق شعبي ليعيِّدوا لي في البرّيّة« (خر 5: 1). قد يكون هناك بعض القبائل الساميّة التي حافظت على عاداتها، فتحجّ مرّة في السنة إلى أحد المعابد الموجودة. وتنطلق »ثلاثة أيّام« (آ3) من أجل لقاء بالربّ. ولكنَّ الحجّ ممنوع في هذه السنة، لأنّ البلاد تعيش الغليان. وكان جواب فرعون إيذانًا بفشل موسى في بداية الرسالة. »لا أعرف الربّ ولا أطلق بني إسرائيل« (آ2). وما اكتفى فرعون بالكلام، بل ضيَّق على الشعب. فراح رقباء بني إسرائيل يركعون أمام الفرعون (آ15). بل اتَّهموا موسى وأخاه هارون: »الربّ يحكم عليكما. أفسدتُما سمعَتنا عند فرعون ورجاله، وأعطيتماه حجّة لقتلنا« (آ21).

ماذا يفعل موسى؟ هل يتوقَّف؟ لو كان وحده، ربَّما! في أيِّ حال، لم يرجع إلى فرعون، ليركع أمامه أيضًا، مع أنَّه هو الذي أساء إلى الشعب. بل رجع إلى الربّ وقال: »يا ربّ، لماذا أسأت إلى شعبك؟ لماذا أرسلتني؟« (خر 15: 22). ولماذا يكون الربُّ هو السبب؟ قال موسى: »دخلتُ على فرعون لأتكلَّم باسمك« (آ23). اسمُك، يا ربّ، جعل فرعون يتصرَّف بهذا الشكل. ربَّما يتركون اسمك ويتعلَّقون باسم فرعون »هذا الإله« الذي يُرى في الشرّ إن لم يكن في الخير.

احتاج موسى إلى من يشجِّعه. »أنا الربّ« (خر 6: 2). أنا حاضر. كنت حاضرًا مع إبراهيم وإسحق ويعقوب وفعلت. وها أنا معك ومع شعبك، وسوف أفعل: »الآن ترى ما أفعل بفرعون. فهو بسبب يدي القديرة سيطلقكم. بواسطة يدي القديرة، سيطردكم من أرضه« (آ1). ذاك هو الهدف النهائيّ الذي جعله الربّ أمام موسى. عرف النبيّ إلى أين يصل الله به، فاتَّكل عليه. فنداؤه ليس وليد الساعة، بل يرافق الإنسان حتّى الوصول إلى الغاية المنشودة.

وسقطت الصعوبات الواحدة بعد الأخرى. السحرة أوّلاً. فعل موسى ففعلوا مثله. أترى إلههم قويٌّا مثل يهوه؟ حوَّل العصا إلى حيّة. ففعلوا مثله. وكاد يتساءل موسى لو لم تكن عصاه »ابتلعت عصيِّهم« (خر 7: 12). وما دام السحرة أقوياء، »كان قلب فرعون يزداد صلابة« (آ22). ومع الضربة الثالثة، ساعة لم يقدر السحرة أن يُخرجوا البعوض كما فعل موسى. قالوا: »هذه إصبع الله« (خر 8: 15). هذه العصا هي إصبع الله، لا إصبع إنسان من الناس. واعتبروا أنفسهم مهزومين.

هل يبقى موسى ثابتًا في رسالته؟ بل هو رفض أن يساوم. والمشروع مشروع الله. يمكنكم أن تعيِّدوا، لا في البرّيّة، »بل في هذه الأرض« (آ21). ثمّ: أرجوكم أن لا تبتعدوا (آ24). أمّا هم فقالوا: »أطلقنا فنسير في البرّيّة مسيرة ثلاثة أيّام. ونقدِّم ذبائح للربّ كما أمَرنا«. وبعد ذلك: »يذهب الرجال وحدهم، ويعبدون الربّ كما تطلبون« (خر 10: 11). وجواب موسى صريح: »نذهب بشبابنا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وغنمنا وبقرنا، لأنّنا سنعيِّد للربّ« (آ9). وتراجع فرعون أيضًا: »تتركون غنمكم وبقركم في مصر« (آ24). ما تراجع موسى. نمضي مع مواشينا والربّ يختار ذبيحة له من عندنا (آ26).

من أين جاءت القوّة إلى موسى لكي يقف في وجه الفرعون؟ من الله. فهو يسمع صوته قبل كلِّ عمل. »وقال الربِّ لموسى« (6: 1). »وقال الله لموسى« (آ2). وقال الربّ لموسى (آ11). فقال الربّ لموسى (7: 1). الله يقول وموسى يفعل. تارة وحده وطورًا مع هارون أخيه. يتوقّفان فيتوقَّف الربّ معهما. ويطلبان، فينفِّذ الربّ طلبهما. مثلاً، »حين ماتت مواشي المصريّين كلِّها« (خر 9: 6).

تقسّى قلب فرعون، وتقسّى قلب رجاله (خر 10: 1). هم يشيرون عليه وهو يرفض ما يطلبه الربّ بواسطة موسى. ولكنَّهم في النهاية قالوا لسيِّدهم: »إلى متى تقع في حبائل هذا الرجل؟ أطلقْ هؤلاء القوم من مصر ليعبدوا الربّ إلههم. أما علمتَ بعدُ أنَّ مصر خربت؟« (آ7). وفي النهاية قال فرعون: »إذهبوا واعبدوا الربّ كما قلتم« (خر 12: 31).

والصعوبة الصعوبة: عبور البحر، صرخ موسى ومعه العبرانيّون (خر 14: 10). فقال له الربّ: »ما بالك تصرخ إليّ؟« (آ15). هل هذا وقت الصراخ أم وقت العمل؟ »إرفع عصاك ومدَّ يدك« (آ16). وهكذا انتصر موسى، وسار في خط دعوته، كما أراده الربّ طائعًا، خاضعًا. ولكنَّه بدا يقول: »لو لم يكن الربُّ معنا، عندما قام الآخرون علينا، لو لم يكن الربّ معنا، لابتلعونا ونحن أحياء« (مز 124: 2-3). »تبارك الربّ الذي لم يجعلنا فريسةً لأسنان أعدائنا« (آ6). وأنشد موسى بعد هذا النصر الكبير له وللخارجين من مصر: »الربُّ عزَّتي وتسبيحي. جاء يخلِّصني. أمدحه فهو إلهي« (خر 15: 2).

 

3- صعوبات من الداخل

ولكن تبقى الصعوبات من الداخل هي الأهم. صعوبات من داخل الشعب الذي يريد أن يخلِّصه. هم لا يرون في البعيد، بل ينظرون إلى القريب القريب. ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ ماذا نفعل الآن؟ وشعلة النار التي ألهبت قلب موسى لم تصل إليهم. هم يشاهدون. وهمُّهم أنفسهم، لا مشروع الله من أجلهم. أجل، وجب على موسى أوَّلاً أن يخاف من الذين كانوا قربه. خاف هارون يومًا أن يقتلوه إن لم يصنع لهم تمثال عجل يأكلون قربه ويمرحون. قال لموسى: »أنت تعرف الشعب أنَّهم من الرعاع« (خر 32: 22). قال التفسير اللاحق: »رأى هارون، حورًا النبيّ مذبوحًا أمامه فخاف«. أمّا موسى فما اعتاد على الخوف ولا هدَّده شعبه بالرجم (خر 17: 4).

 

أ- من داخل الجماعة

الأمثلة عديدة في التاريخ. خصوصًا إذا كان القائد لا يجاري الذين لا يمشون معه. وفي أحسن الأحوال يتخلّون عنه. هذا ما حدث ليهوذا المكابيّ. أراد أن يواصل الثورة على السلوقيّين، بعد أن طهَّر الهيكل. فتركه الأتقياء يقاتل وحده. ولكن مع غاندي، أراد تابعوه أن يواصلوا العنف. وحين رفض، ما قتلَه المسلمون بل الهندوسيّون المتطرِّفون. وكذا نقول عن مارتن لوتر كينغ صاحب ثورة العبيد. قتله عبدٌ من الذين معه، لأنَّه رفض العنف. وفي الوقت عينه، رفض أن يهرب. لبث حاضرًا. فالقائد يمكن أن يهرب، يتخلّى عن دعوته. وهكذا ينجو بحياته. أو ما هو أسوأ: يمشي مع الشعب. يساوم. ذاك ما فعله شاول الملك، الذي دعاه الربّ وهو يبحث عن أتُنه. قال له صموئيل: »لم تسمع لصوت الربّ، وفضَّلت الغنيمة« (1صم 15: 19). بل فضَّل ما طالب به الجيش. تنازلَ. تراجعَ. »رفض كلام الربّ، فرفضه الربّ من الملك« (آ23). وأضاف صموئيل: »أبالمحرقات مسرّة الربّ أم بالطاعة لكلامه؟ الطاعة خير من الذبيحة. والإصغاء أفضل من شحم الكباش، والتمرُّد خطيئة كالعرافة، والعناد جريمة كعبادة الأوثان« (آ22-23).

ذاك كان شاول. لا موسى. مع أنّ شعبه عاداه أكثر من مرّة. ربَّما قال في وقت من الأوقات مثل عابد الربّ في أشعيا: »أنا باطلاً تعبتُ، وعبثًا أتلفتُ قوّتي« (أش 49: 4). وأضاف: »صباحًا فصباحًا ينبِّه الربُّ أذني، لأصغي إصغاء التلاميذ. السيِّد الربّ يفتح أذني، فلا أتمرَّد ولا أرتدَّ عنه« (أش 50: 4-5). صوت الربّ يعلو كلَّ صوت. يسمعه المدعوّ مهما قويَ عليه الاضطهاد. لهذا قال بطرس وهو مهدَّد مع رفاقه: »من نطيع؟ الله أم الناس؟« (أع 5: 29). سؤال لا يحتاج إلى جواب. قال رئيس المجمع: »لا تعلِّموا بهذا الاسم« (آ28). ولكنَّ بطرس دلَّ أنَّه الشاهد، وأخذ يحدِّثهم عن يسوع »الذي علَّقتموه على خشبة وقتلتموه« (آ30).

بدأ التذمُّر على موسى منذ البداية. هل يتخلّى عن المشروع، وشعبه لا يفهم ما يريده الله له؟ منذ ضيَّق الفرعون على الشعب لصنع الحجارة، قالوا لموسى وهارون: »الربّ يرى ويحكم عليكما« (خر 5: 21). وتوقَّف التذمُّر ما توقّف الضرر على الشعب. لو أصابهم البرَد كما أصاب المصريّين، فماذا كانوا فعلوا؟ ولكنَّ الربَّ وفَّر عليهم هذا الألم (خر 9: 26). وخيَّم الظلام على جميع أرض مصر (خر 10: 22). »أمّا بنو إسرائيل فكان لهم نور في مساكنهم« (آ23).

ولكن في بداية المسيرة لعبور البحر، قال الشعب لموسى: »أما في مصر قبور، فأخذتنا لنموت في هذه البرّيّة؟« (خر 14: 11). كأنَّهم يموتون وحدهم، وينجو موسى. وتابعوا كلامهم: »أما قلنا لك في مصر: دعنا نخدم المصريّين. فخدمتُنا لهم خيرٌ من أن نموت في البرّيّة« (آ12). وتواصل الرفض. المياه مرّة. لاموا موسى: »ماذا نشرب؟« (خر 15: 24). والطعام؟ الموت في مصر أفضل. »هناك كنّا نجلس عند قدور اللحم ونأكل من الطعام حتّى نشبع« (خر 16: 2). وكانت الخصومة بالنسبة إلى الماء (خر 17: 1). ثمّ الحروب.

توضَّحت دعوة موسى يومًا بعد يوم، من خلال الأحداث، حيث أحسّ بحضور الله بجانبه. أنا معك الآن. أنا أكون معك (خر 3: 12). والعلامة، وصولكم إلى جبل سيناء لعبادة الله. شدَّد الكاتب المرّة بعد المرّة على كلام الله لموسى. على أوامر الله له. فالوصايا هي من عند الله. حملها موسى من الربِّ إلى الشعب. وكذلك الفرائض والتنظيمات العديدة. هذا يعني حياة من المرافقة مع الله. وإذا حاول الإنسان أن ينسى، فالله لا ينسى تقيَّه. والصعوبات، والأعداء؟ هو لا يخاف منها. والحصون؟ صار النبيّ إرميا سورًا من نحاس، بابًا من حديد. فمن يقدر أن يغلبه؟ لهذا انتصر موسى وانتصر الله معه، فوصل الشعب إلى مشارف أرض الموعد.

ب- من داخل الإنسان

والصعوبات الخارجة من قلب الإنسان هي الأخطر. ومنها يخاف من يدعوه الله. فبطرس أنكر سيِّدَه لأنَّه اعتبر نفسه وكأنّ التجارب لا تصل إليه. الجميع ولكن لا أنا. ويهوذا خان الربّ، لحبِّه للمال. أو لنظرته الخاطئة إلى مسيح يخلِّص المؤمنين بالحرب والسلاح. فتحوَّل الحبُّ عنده قبلة كاذبة. وما هي الصعوبات التي واجهت موسى في دعوته؟

الصعوبة الأولى، هي اليأس من الشعب في قضيّة المنّ، قال لهم: »لا تُبقوا شيئًا منه إلى الصباح« (خر 16: 19). أبقوا منه، فدوَّد وأنتن. فغضب عليهم موسى (آ20). ثمّ قال لهم: »يوم السبت لا تجدونه في البرّيّة« (آ25). ومع ذلك، »خرج بعضهم ليلتقطوا« (آ27). قال الربّ: »إلى متى ترفضون أن تعملوا بوصاياي وفرائضي؟« (آ28). وأكثر ما أزعج موسى، هو أنَّ الشعب يجرِّب الربّ: »هل هو معنا أم لا؟« (خر 17: 7).

ورغب الشعب في العودة إلى مصر. وكلّ هذا العمل في مواجهة الفرعون، أيذهب ضياعًا؟ وعبور البحر، كما على أرض يابسة؟ الرجوع مستحيل. ويأتي الشعب إلى موسى باكيًا (عد 14: 1). هو يخصّ الربّ الذي أخرجه من أرض مصر. ولكن ها هو الربّ يقول له بعد خبرة العجل الذهبيّ: »فسدَ شعبك الذين أخرجتَهم من مصر« (خر 32: 7). وسيقول موسى للربّ: »لماذا يشتدُّ غضبك على شعبك (أنت) الذي أخرجت من أرض مصر؟« (آ11).

ودافع موسى عن الشعب: إن أهلكهم الربّ »ضحك« عليه المصريّون، وما عادوا يثقون به (آ12). ثمّ، أين الوعد إلى الآباء؟ أما يفي الربُّ بوعوده؟ وفي محطّة ثالثة تضامن موسى تضامنًا تامٌّا مع الشعب: »إن كنتَ لا تغفر خطيئتهم، أريد أن تمحوني من كتابك الذي كتبتَه« (آ32).

وجاء العرض من الله: »أفنيهم، وأجعلك أنت أمَّةً عظيمة« (آ10). ويبدأ الله من جديد، كما الفخّاريّ الذي يجد الوعاء غير صالح، فيعود ويصنع وعاء آخر (إر 18: 4). وقد يصبح الشعبُ الجديد شعبًا قديمًا، فيفنى بدوره!

ولكن إذا كان الله يترك الحِمل كلَّه على موسى، فما على موسى سوى أن يتنازل عن الرسالة. أن ينسى دعوته. ففي تاريخ الكنيسة، أراد مثلاً يوحنّا ماري فيانّاي، كاهن رعيّة أرس، قرب ليون، في فرنسا، أن يترك الرعيّة، أن يهجرها. فأعاده الربّ أكثر من مرّة. وتيودور أسقف المصيصة، رافق يوحنّا فم الذهب إلى الدير. وما عتّمت الحرارة الأولى أن بردت، فعاد تيودور إلى العالم ليصير محاميٌّا ويتزوَّج. فأرسل إليه يوحنّا رسالتين، فعاد عن قرارة ورُسم كاهنًا ثمّ أسقفًا.

وموسى. قال يومًا للربّ: »لماذا تسيء إليّ؟« (عدد 11: 11). هل أنا أمُّ هذا الشعب؟ هل أنا حبلت بهم لكي أحملهم في حضني. »لا أطيق أن أحمل هذا الشعب كلَّه، لأنَّه ثقيل عليّ« (آ14). وطلب الموت لنفسه على مثال إيليّا الذي رأى العدد الكبير من تبّاع البعل. ولكن أعاد الربّ إيليّا. وأعاد موسى. جدَّد له النداء على ما قال الرسول: »يحسبنا الناس كاذبين ونحن صادقون. يحسبوننا مجهولين ونحن معروفون. يحسبوننا في الحزن ونحن دائمًا فرحون. فقراء ونُغني كثيرًا من الناس. لا شيء عندنا ونحن نملك كلَّ شيء« (2كور 6: 8-10).

وتبقى التجربة الكبرى: الانفصال عن الله والاتِّكال على الذات. وهي تجربة قاتلة. وقد كلَّفت موسى خسران الدخول إلى أرض الموعد. وقع الحدث في قادش. لا ماء يشربون. وقال موسى: »إسمعوا أيُّها المتمرِّدون! أنخرج لكم من هذه الصخرة ماء؟« (عد 20: 10). من أنت يا موسى؟ أنسيتَ قدرة الربّ، التي تمسك يدك كما تمسك أنت العصا؟ وبدل الضربة الواحدة، »ضرب موسى الصخرة بعصاه مرّتين« (آ11). ورأى الشعب وأعجب من »قدرة« هذا الرجل. ورأى الربّ ما جرى فاستاء. احتاج الشعب إلى ما يشدِّد عندهم الإيمان، فجعل موسى عندهم الريبة. ربّما ضربة واحدة لا تكفي.

خطيئة كبيرة تعترض كلَّ مدعوّ. فتفتخر الفأس على من يقطع بها، والمنشار على من يحرِّكه (أش 10: 15). وإذا انقطع النهر عن نبعه، صار مستنقعًا قبل أن يتحوَّل جفافًا. فالمدعوّ تكون عيناه على يد سيِّده. ويعرف أنَّ عطاياه مجّانيّة وتدلُّ على سخاء كبير. ما دام الإنسان مرتبطًا بالله، يبقى حيٌّا كما الغصن في الكرمة. وإلاّ ييبس فيُرسَل إلى النار ليحترق. والعضو في الجسد ينتعش بالجسد. أمّا العضو الزمِن فلا فائدة منه.

هذا لا يعني أنّنا نحكم على موسى. فالخاطئ يعود إلى الربّ والربّ يغفر له. لكنّنا نحذِّر أنفسنا من أن ننسى أنَّ كلَّ ما لنا إنّما هو عطيّة من الربّ. والافتخار لا يكون بأنفسنا بل بالربّ. فنحن على مثال مريم العذراء، تلك الأمة الوادعة، ولكنَّها تنشد أن كلَّ الأعمال العظيمة التي تمَّت فيها هي من لدنه تعالى: نظر بعطف إليَّ. صنع لي العظائم. اسمه قدوس.

 

الخاتمة

هكذا رافقنا موسى الذي دعاه الله من قلب الشدّة التي يعانيها شعبه. نجا من الموت في طفولته، لأنَّ الربّ احتفظ به من أجل مهمّة يرسله إليها: خلاص الشعب. لبّى موسى النداء، بالرغم من الصعوبات الآتية من الخارج ومن الداخل، لأنَّ الربّ يعرف كيف ينجّي تقيَّه، كيف يكون عن يمينه فلا يسمح أن يتزعزع. الربّ يرافقه في الرواح والمجيء، في الليل والنهار، في العمل والصلاة. يبقى التجاوب مع من دعانا، والوعي التامّ أنّنا نحمل هذا الكنز في إناء من خزف. فكم ينبغي أن نكون حريصين. فنسمع قول الربّ بلسان أشعيا النبيّ: »في يوم الرضى استجبتك، وفي الخلاص أعنتك« (أش 49: 8). ويتابع الرسول: »هذا هو يوم الرضى« (2كور 6: 2). نستفيد من الزمن طالما يُدعى الآن، »ونتمسَّك إلى المنتهى بالثقة التي كانت لنا في البداية« (عب 3: 14).