بولس الطرسوسي، آخر المدعوين بين الرسل

 

حين أورد بولس الرسول لائحة شهود القيامة، ذكر بطرس والرسل الاثني عشر. ثمّ ذكر يعقوب وجميع الرسل. وفي النهاية قال: »حتى ظهر لي آخرًا أنا أيضًا كأنـي سِقْـط« (1كور 15:8 ). هذا يعني أنّ دعوته إلى الحياة المسيحيّة، وبالتالي إلى الرسالة جاءت بشكل غير عادي. غير طبيعيّ. هو ما دُعي كما دُعي سائر الرسل. ولا رافق المسيح كما رافقوه. لا رآه في العلّية كما رأوه. ولا نال الروح القدس معهم يوم العنصرة. بل هو ما كان يستحقّ أن ينال دعوة خاصّة. فماضيه تعيسٌ وهو الذي اضطّهد كنيسة اللّه، وأراد تدميرها. بل هو سار في طريق تدمِّر الكـنائـس الواحـدة بـعـد الأخـرى. ولكـنّ يســوع جعله في طريق آخر. قلب حياته رأسًا على عقب. جاء إلى دمشق يحارب المسيحيّين الذين أتوا من العالم اليهودي، جاء يعتقل كلّ من يدعـو باسـم الـربّ يسـوع (أع 9:14). فـإذا هو »يسارع في التبشير في المجامع بأنّ يسـوع هو ابن اللّه« (آ 20) هذا اليهودي صار مسيحيّا. دعاه اللّه. ودعوة اللّه محيّرة. ما أرسله كي يحمل الإنجيل إلى اليهود، بل إلى الأمم الوثنيّـة. بحيث دُعيَ رســول الأمـم. واقتســم العـالم مع بطرس. هو مع اللامختونين، العالم اليوناني. وبطرس مع المختونين، العالم اليهودي. فكيف برزت دعوةُ هذا الذي جُعل في مصاف الرسل، بل في صفّ بطرس فحمل معه الكنيسة، كما تقول الايقونات؟ في ثلاث محطّات: نداء اللّه، نداء الإنسان، نداء الرسالة.

أوّلاً ــ نداء اللّه

يروي سـفـر الأعمال ظروف نداء اللّه لشاول. فـي الطريق إلى دمشق. في الطريق إلى اضطهاد المسيحيّين وملاحقتهم. ذاك كان هدف فرّيسي متحمّس لديانة آبائه ولأوامر رئيس الكهنة (أع 9:14). وهناك في قلب الاضطهاد، دعاه الربّ باسمه. دعاه مرَّتين باسم حمله في طفولته بين الذين يقرأون التوراة ويتأمّلون فيها. شاول. شاول. هو التشديد من أجل رسالة خاصّة. هكذا دعا ابراهيم، ويعقوب، وموسى وغيرهم بين الذين دعاهم الربّ. فالدعوة من اللّه نداء حميم، أين منه نداء الآباء والأمّهات ! أين هو منه حنان الوالدين ولطفهم !

ودعا الربّ شاول، أو بولس، في عمله الذي يقوم به. هو يضطهد الكنيسة، فسوف يضطهده »يسوع« يلاحقه، يدركه (فل 3:12). فما عاد يستطيع أن يفلت. هو يطيع رئيس الكهنة، فسوف يطيع رئيس كهنة من نوع آخر »صار مصدر خلاص أبدي لجميع الذين يطيعونـه« (عب 5:19). هو يحارب »الطريق« (أع 9:2). يحارب من هو الطريق والحقّ والحياة (يو 14:6). يريد أن يقطع الطريق على المسيحيّين، فإذا هو يدخل فيها.

ودعا الربّ بطرس في عمله، كان صيّاد سمك. وكذلك متــّى، كان على طاولة جباية الضرائب. وجدعون، كان يدرس القمح على البيدر. ومريم العذراء، كانت في بيتها، في الناصرة، تعمل ما تعمله كلّ امرأة في بيتها. أجل، يدعونا اللّه حيث نحن. في قلب عملنا. فنترك »مهنة من أجل »مهنة«. والفرق شاسع بين عمل وعمل، بين خدمة وخدمة.

»شاول، شـاول، لماذا تضطهـدني« ؟ (أع 9:4). هو صوت داخليّ. توجّه إلى بولس وحده. أمّا الذين حوله فلم يفهموا شـيئا. تـارة يقول الكـتـاب: رأوا وما سـمـعـوا. وطورًا: سمعوا وما رأوا. هي خبرة شخصيّة عميقة، ونور سماويّ يصل بهــذا الرسول إلـــى نقطـــة اتّخــاذ القــرار. »من أنت«؟ هو الربّ. فما بقيَ لشاول سوى أن يسقط واقعًا على الأرض. رأى رؤية شبيهة برؤية أشعيا في الهيكل. النور داخليّ. والصوت داخليّ. هو كلا شيء بالنسبة إلى الناس. وبالنسبة إلى شاول هو نور أقوى من الشمس، وصوت أقوى من الرعد. هزّ له كيــانه. أنا يسوع، أنا هو، أنا الربّ، يهوه الذي عرفته في عالمك اليهودي. فما كان سوى جواب واحد: »يا ربّ، ماذا تريد أن أعمل« ؟ (أع 9:6).

نادى الربّ، فأجاب بولس. بدا كالأعمى. أعمى الجسد وأعمى القلب. هو يتلمّس الطريق إلى دمشق. وخصوصًا يتلمّس الطريق الأخرى والأهمّ التي تعطي المعنى الجديد لحياته. فاعتبر كلّ ما تعلّق به في الماضي »نفاية« كي يربح المسيح ويُوجَد فيه (فل 3:8). ولكنّ النَعم لم تكن بالهيّنة. قاده رفاقه بيده. بقي ثلاثة أيّام كما كان المسيح في القبر ونزل إلى الجحيم. ثلاثة أيّام في الظلمة. ثلاثة أيّام في الموت. ولكنَّ نور القيامة يشعّ، والقبر سينفتح مهما كان الحجر كبيرا.

في اليوم الثالث قام يسوع وظهر. وفي اليوم الثالث، انفتحت عينا بولس: »تساقط ما يشبه القشور، وعاد البصر إليه« (أع 9:18). هي قشور تفصل بيننا وبين نداء الربّ. ولا بدّ من أن يكون بولس وازى بين ما يُطلب منه وما سوف يترك. شاب أمامه المستقبل وهو رئيس الفرقة وحامل ثقة رئيس الكهنة. هو فرّيسي في عمر العشرين لدى معلّم كبير هو غملائيل. روماني تحضّر بالحضارة اليونانيّة، فدرس الشعر والفلسفة. والآن، يترك كلّ شيء. هذه القـوّة البشريّة قد تكون عائقًا في نداء الربّ. والاعتبار بأننا أتقيـاء مثــل ذاك الفـرّيسي، لا يمنحنا البرارة. ولا يساعد الربّ على المجيء إلينا. هو انحنى على مريم أمته الصغيرة. هو جاء إلى الودعاء، لا إلى أقوياء هذا الدهر. إلى المتواضعين لا إلى المتـكـبّريـن الـذيـن يريـدون أن يحــلّوا محــل اللّه. إلى المساكين، لا إلى الأغنياء الذين يرون أنهم يستغنون عن اللّه، مع أننا نعرف أن كلّ ما عندنا هو من عند اللّه.

ضعُفَ بولس، أحسّ بالوهن، زالت قوّته. ولمّا اعتمد وشارك في عشــــاء الربّ وتقبّــل الـــروح القـدس (أع 9:18)، عادت إليه قواه. والآن، بعدما خسر شاول كلّ ماله، وصـــار بولـــس، مــاذا بقـــي لـه ؟ وكــــان الجــواب: »تكفيك نعمـتــي. فـي الضعـف تـظـهر قدرتي« (2كور 12:9). وسار بولس بنعمة اللّه. فما دعاه الربّ دعوة عامّة ينالها كلّ مؤمن، بل دعوة خاصّة ليكون رسول الأمم. فأيّ شرف هذا الشرف ! وأيّة عظمة هذه العظمة ! ولكنــّها مسؤوليّة أمامها الصعاب، والغموض، والضباب. سبق وسأل: ماذا تريد أن أعمل؟ واليوم يسأل: كيف أعمل ؟ فلا بدّ مـن صوت بشريّ يجسّد صوت اللّه في حياته. وهذا الصوت كان حنانيا في مرحلة أولى، وبرنابا في المرحلة الثانية التي كانت حاسمة، فأطلقت هذا الرسول إلى أقاصي الأرض.

 

ثانيًا ــ نداء الانسان

اللّه يكلّمنا في أعماقنا. ولكن من يقول لنا إنّه صوت اللّه، لا صوت نفوسنا ورغباتنا وما نسمع حولنا من والدينا وأقاربنا وأصحابنا؟ بل لا ننسى أن الشيطان نفسه يتزيّا بزيّ ملاك النور. وهكذا لا بدّ أن نميّز صوت اللّه من الأصوات العديدة. وما هو المقياس ؟ ظروف الحياة بسهولاتها وصعوباتها. بدأ بولس بالرسالة في »المجامع«. فأعدّ اليهود خطة ليقتلوه (أع 9:20). فأجبر على الهرب. يمكننا، في موقع بولس، أن نندب الحظ والظروف. ولكن إن عرفنا أن نكتشف يد اللّه العاملة، نفهم أنّ اللّه ما أراد بولس مبشــّرًا في دمشق. فقد سبقه إليها العديدون. وأُنزل بولس في سلّة من السور. أهذه بداية الرسول أم نهايته ؟

ومضى إلى أورشليم، فخاف منه الإخوة، وحاول اليهود أن يقتلوه. وتراكمت الصعوبـة فــوق الصعوبــة. هل ضعف ؟ هل يئس ؟ ربّما. ولكن في أي حال، الربّ هو هنا. وقد أخبر بولس خلال دفاعه عن نفسه: »ثمّ رجعتُ إلى أورشليم. وبينما أنا أصلّي في الهيكل، وقعتُ في غيبوبة. فرأيت الربّ يقول لي: ''أسرع في الخروج من أورشليم، لأنّ الشعب هنا لا يقبلون شهادتك لي... بل سأرسلك إلى البعيد. إلى الأمم الوثنيّة« (أع 22:17-21).

أغلق بابٌ أوّل: مجامع دمشق. أغلق بابٌ ثان: أورشليم حيث يستطيع بولس أن يؤدّي شهادة لا يقدر أحدٌ أن يؤدّيها. هذا الانقلاب في حياته، يحرّك الذين يسمعونه، فيعرفون من هو هذا الذي يخلق الإنسان من جديد حين يدعوه. فأين صوت البشر يلتقي مع صوت اللّه ؟

حين تراءى الربّ لشاول على طريق دمشق لم يقل له ماذا يعمل. بل أرسله إلى إنسان. هو حنانيا. أجل، اللّه يكلّم البشر بلسان البشر. كلّم شاول ودعاه إلى الإيمان بواسطة »رجل تقيّ، متمسّك بالشريعة، يشهد له جميع اليهود في دمشق« (أع 22:12). انتظر شاول مدّة. ولكن حنانيا قال له: »ما لك تبطئ ؟ قمْ، تعمّد، وتطهّر من خطاياك داعيًا باسمه« (آ 16). أطاع بولس فوجد الراحة وبدأ الرسالة على طريقته. ولكنــّها ليست طريقة يسوع. فهو من يحدّد الرسالة، زمانها ومكانها، والأشخاص الذين يرسلنا إليهم. نحن نعرف خبرة بولس وسيلا اللذين ما أرادا أن يمضيا إلى أوروبا. أرادا أن يأخذا طريقًا أولى، فما سمح لهما الروح. وطريقًا ثانية، فمنعهما (أع 16:6-7). فهمَ بولسُ ورفيقه. ولكن في بداية حياته، لم يكن بعد تعلّم أن يصغي إلى إلهامات الروح. فالضجيج كثير حوله. هو بحاجة إلى صمت. وخصوصًا هو بحاجة إلى أن يتعرّف إلى صوت الحبيب بحيث يعرف بحضوره من خلال خطواته، همساته، إشاراته الصغيرة.

في الطريق إلى دمشق، اقتاده رفاقه. فاستقبله حنانيا. ولكن، ماذا بعد ذلك، والفشل تلا الفشل؟ ظروف الرسالة تهيّـأت. والربّ أرسله إلى من دعاه »برنابا، رجلاً بارًا، ممتلئًا من الروح القدس والإيمان« (أع 11:24). رجل يعرف أن يميّز عمل اللّه وعمل البشر. توسّعت الرسالة في انطاكية، فما اكتفى المؤمنون بمخاطبة اليهود، بل تحوّلوا إلى اليونانيّين، إلـــى الوثنيّين. خافت الكنيسة الأمُّ في أورشليم: أين التشريعـات والتنظيمات ؟ كيف ستكون العلاقة بين فئتين منفصلتين كلّ الانفصال؟ ما ذهب بطرس ويوحنا إلى انطاكية، كما سبق وذهبا إلى السامرة ليختما رسالة فيلبس، أحد السبعة (أع 8:14-17). بل أرسلت الكنيسة برنابا. »جاء ورأى نعمة اللّه. فرح وشجّعهم على الثبات في الربّ بكلّ قلوبهم« (أع 11:23). ما طلب منهم شيئــا. وما فرض عليهم ما سيُحاول بعضُهم أن يفرضوا على الوثنيّين نيرًا ثقيلاً، لا فائدة منه، نير الختان. وهنا كان بولس تلميذ برنابا حقا. مثله، سيفهم كيف تكون الرسالة إلى الأمم الوثنيّة.

ولكنّ بولس، أو شاول، يقيم في بيته. عاد إلى مهنة الحياكة يأكل خبزه بعرق جبينه. هو ينتظر، لأنّه لا يعرف. ولكنــّه انتظار يشبه حياة يسوع الشاب في الناصرة، قبل أن يبلغ الثلاثين ويبدأ الرسالة (لو 3:23). أترى كانت رؤية دمشق قضيّة عابرة وانتهت ؟ هذا غير ممكن، والنار لا تزال تشتـعل في قلـبه. وقد قــال يومًا لأهل كورنتوس: »أعرف رجلاً خــُطف قبل أربع عشرة سـنـة... أعلـــم أنــه خُطــف إلى الفـــردوس، وهناك سمع كلامـًا لا يقــدر بشــرٌ أن ينــطـــق بـــه، ولا يجــــوز لــــه أن يذكره« (2كور 12:2-3).

وهكذا أرسل اللّه إلى شاول، برنابا، ذاك الممتلئ من الروح القدس، فدعاه إلى الرسالة. إلى المركز الذي منه سوف تنطلق فيما بعد كلّ الرحلات البولسيّة الرسوليّة. إلى انطاكية. بحث عنه برنابا. وجده. أقاما سنة كاملة. وفي انطاكية تسـمّى التلامــيذ للمرّة الأولـى »مسيحيّين«. لا يمكن أن يكونوا إلاّ تلاميذ المسيح، بعد أن تركوا جميع المعلّمين الذين عرفوهم من بعد.

في ذلك النداء الآتي من إنسان من الناس، اكتشف بولس دعوته. وما عاد له الحق بأن يفكّر، بأن يتأخــّر. بأن يتردّد. وكانت مسيرة امتدّت زهاء ثلاثين سنة انتهت في رومة حيث مات بولس شهيدا. هنا نلاحظ دور البشر في اكتشاف دعوتنا. استشار بولس حنانيا، ذاك الرجل التقي. واستشار برنابا، ذاك الممتلئ من الروح القدس. عندئذ التقت كلمة اللّه في قلبه بكلمة البشر. وفهم بولس أن اللّه »بنعمته اختارني، وأنا في بطن أمي فدعاني إلى خدمته. وعندما شاء أن يُعلن ابنه فيَّ لأبشــّر به بين الأمم، ما استشرتُ بشرًا« (غل 1:15-16). كان برنابا سراجًا في حياة بولس فدلّه على الطريق. ولكنــّه كان سراجًا ضروريّاً، ولولاه لما كان ترك شاول بيت والديه. ربّما. هذا يعني دور الإنسان في حياة إنسان مثله. وهو الربّ أرسل إلى بولس حنانيا وبرنابا، وربّما غيرهما. وهذا يعني بالنسبة لي أن أفهم أنّ اللّه لا فم له مثل فمنا، لكي يكلّم من يدعوه. بل هو يأخذ فم القريب ليحمل إليّ كلمة اللّه وإرادته. وهذا يعني أننــي أعرف أن أختار المرشد الذي يدلّني على الطريق. هناك شرط واحد: أن يكون ممتلئــًا من الروح القدس، أن يكون مؤمنــًا فيرى عمل اللّه حيث لا يرى الآخرون شيئا. ويسمع صوت اللّه حيث يظنّ غيره أن هذا المدعوّ يعيش أضغاث أحلام.

 

ثالثاً ــ نداء الرسالة

منذ البداية، حدّد يسوع لبولس في أعماق قلبه إلى أين يرسله. قال لحنانيا، معمّد شاول: »اخترتُه رسولاً ليحمل اسمي إلى الأمم« (أع 9:17). هو اليهوديّ يُرسَل إلى الأمم الوثنيّة. تلك هي طريقة اللّه في التعامل مع من يدعوه. لهذا كان يرفض هذا الرسول أن يبني على أساس غيره. هو يمضي ويمضي. يترك ما وراءه وينبسط إلى أمامه. هو في سباق مع يسوع. أدرك يسوعُ بولس. وبولسُ يحاول أن يدرك يسوع. وان هو حاول أن يتردّد، أغلق الروح في وجهه المنافذ. وصل إلى رومة، إلى عاصمة الامبراطوريّة الواسعة، إلى قلب العالم الوثني. ولكنــّه ما اكتفى. يريد أن يصل إلى إسبانيا. إلى ما كان يُسمّى حدود العالم مع جبل طارق أو ما كان يُسمّى في القديم مضيق هرقل.

في الواقع، كان بولس يبدأ مع اليهود، في كلّ مدينة يصل إليها. منذ قبرص. يقول سفر الأعمال: بشــّــر بكـلام اللّه فـــي مجامــع اليـهود (أع 13:7). وفي انطاكية بسيديّة التي هي غير انطاكية سورية، يقول أع 13:14-15 عن بولس وبرنابا: »ودخلا المجمع يوم السبت وجلسا. وبعد تلاوة فصل من شريعة موسى وكتب الأنبياء، أرسل إليهما رؤساء المجمع يقولان: ''أيّها الأخَوان، إن كان عندكما ما تعظان به الشعب، فتكلّما''. فقام بولس وأشار بيده«.

ولكنّ العدد الأكبر ما عتـــّم أن عارض كلام بولس بالشتيمة (أع13:44). أراد بولس أن يبدأ مع اليهود. وفي كلّ مرّة كان يفشل. وحين ينتقل إلى غير اليهود، إلى الأمم، كانت الرسالة تتــّسع. هنا قال بولس: فالربّ أوصانا، قال: »جعلتك نورًا للأمم لتحمـل الخـلاص إلـى أقـاصـي الأرض« (أع 13:47). هذا الذي أحسّ بشوكة في قلبه (2كور 12:7)، في جسده، وفي عظامه، حين رأى إخوته بني قومه، يرفضون نداء الربّ يسوع. هذا الذي استعدّ أن يضحّي حتى بخلاصه (روم 9:2-3) لأجل خلاص شعبه، يفشل فشلاً كبيرًا مع اليهود. بل سيلاحقونه مرّة أولى فيُقيم في السجن سنوات. ومرّة ثانية في الموت. والسبب واضح: الرسالة تبدأ مع أهل الختان. لا مع الأمم. هنا نقرأ كيف ثاروا عليه في دفاعه في الهيكل، حين تحدّث عن الرسالة التي أوكلت إليه. قال: قال لي الربّ: سأرسلك إلى الأمم. إلى غير اليـهود. فصــاحوا بأعلى أصواتهم: »أزيلوا هذا الرجل عن وجه الأرض ! هو لا يستحقّ الحياة« (أع 22:22-23).

أجل، الرسالة دعَتْه. وسوف يدافع عن العنصر الأممي في الكنيسة. فهو على مستوى واحد مع الذين كانوا في العهد الأوّل. فما يربط اليهودي وغير اليهودي بيسوع، هو الإيمان. فالختان لا يزيد شيئا. وإن لم يُختن الإنسانُ لا يخسر شيئا. المهمّ كما قال بولس في الرسالة إلى غلاطية: »ففي المسيح يسوع، لا الختان ولا عدمه ينفع شيئــًا، بل الإيمان العامـل بالمحبـّة« (غل 5:6).

والرسالة تدعو اليوم الكثيرين. والمهمّ لا أن نبحث عن مشيئتنا، بل عن مشيئة اللّه. ما يريده اللّه منــّا. فإن سرنا في خطّ يريده الربّ لنا، كانت حياتنا نجاحًا بنجاح الملكوت. عرفنا الراحة والسعادة. ولكن من الأسف ! بعد أن نكون طلبنا اللّه، نعود ونطلب نفوسنا ورغباتنا، طموحاتنا البشريّة. نحاول أن نرضي الناس. نبحث عمّا يريده الأهــل، مع أن يســــوع قــال: »أعداء الرجـل أهــل بـيـتــه« (مت 10:36). في مثل هذه الحالة، ينقصنا المنطق في أبسط أموره. نريد أن نحيا للمسيح، ونرتبط بما ليس المسيح. نريد أن نشرب المياه الحيّة، فلا نمضي إلى ينبوع الماء الحيّ، بل نحفر آبارًا مشقّقة لا تحتفظ بالماء (ار2:13).

الأمّ تريزيا ده كلكوتا كانت راهبة في إحدى الرهبنات المهتمّات بالتعليم والتربية. رسالة جميلة. ولكنَّ الربّ أرادها لرسالة أخرى. تأخــّرت. أخــّرها المرشد. وفي النهاية، انطلقت حسب نداء الربّ لها. وسمع القديس دميان الربّ يدعوه لكي يعيش مع البرص في جزيرة مهجورة ومخصّصة لهم. وفي النهاية، مات معهم ومثلهم. واستعدّ فرنسيس كسـفــاريـــوس، رفيــق اغنـــاطيـوس ده لويولا، للتعليم في جامعات باريس. ولكن الربّ دعاه إلى الشرق الأقصى. طلب مشيئة الربّ. عمل بها. كانت له سعادة ما بعدها سعادة. الأساتذة كثيرون، ولكن رسول الهند واليابان والصين هو واحد. هنيئــًا لمن يلبّي نداء الربّ وينطلق إلى حيث يرسله. فهو علّمنا قال: »أنا لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني« (يو5:30).

 

الخاتمة

مرّ يسوع عند بحيرة الجليل. وهناك دعا سمعان وأخاه اندراوس. ثمّ يعقوب ويوحنا. ودعا آخرين. فكان شبيهًا بسيّد كرم يرسل عملة إلى كرمه. بدأ باكرا. وما توقّف عن البحث عن عمّال. واعتبر بولس أنّه ذاك الذي أرسِل في آخر من أرسِلوا. سبقوه كلّهم. ولكنّه لحق بهم، فقال في »جنـون« دفـعـه إليــه الكورنـثـيون: تعبتُ أكـثر مـنهم، »جاهدت أكثر منهم« (2كور 11:23). وفي كل هذا، ما طلب رضا الناس، بل رضا المسيح. فقال: »فلو كنت اليوم أطلب رضا الناس، لما كنت عبدًا للمسيح« (غل 1:10).

سمع شـاول ( بولس ) نداء الربّ. في أعماق قـلـبه. استنارت الصعوبة الأساسيّة. هل حياتي هي الشريعة، ومن أجلهـا أضحـّي بكلّ شيء وبكلّ إنسان مــن أجل »حرف يقتل«؟ لو أن المسيح كان ميتًا، كما يقول اليهود، لا ذاك الحيّ بعد القيامة، لكان بولس على حقّ. ولكنّ الرسول فهم أن يسوع حيّ. هو يكلّمه، يتراءى له، يعلّمه ماذا يعمل، يقوده في الطريق. عندئذ تبدّل كلّ شيء. »حياتي هي المسيح، والموت ربح لي« (غل 1:21). هو يحيا للمسيح، إن أراد له الربّ الحـياة. وهــو يموت فــي المسيح، إن أراد له الربّ الموت. ففي النهاية، ذاك الذي يمـوت مع المسيح يقوم معه. والهدف معروف لدى بولس ولدى كلّ واحد منـّا في »دعـوة اللّـه السماويّة في المسـيح يسوع« (فل 3:14).