إبراهيم، صلاة الايمان والرجاء والمحبة.

 

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

 

إبراهيم، صلاة الايمان والرجاء والمحبّة

 

حين نتطلَّع إلى شخص إبراهيم، لا يمكن إلاّ أن نطرح السؤال: من أين جاءه هذا المقام الرفيع في الديانات التوحيديّة الثلاث؟ هو في العالم اليهوديّ النبيّ الذي يستطيع أن يصلّي من أجل أبيمالك فيحيا ولا يموت (تك 20: 7). اسمه: الأب الرفيع. أبرام. واسمه أيضًا: أبو جمهور كبير، إبراهيم (تك 17: 5). وقيل فيه هو خليل الله وحبيبه (أش 41: 8). وفي المسيحيّة، كان إبراهيم الجسر الذي عبر عليه اليهود لكي يفهموا موقف الإيمان في حياة الذين سمعوا كلامه ودخلوا في العهد الجديد. لم يعد الهدف إبراهيم، بل يسوع المسيح الذي تمنّى إبراهيم أن يرى يومه فرآه (يو 8: 56). أجل، من أين جاءه هذا المقام؟ من الله الذي يعطي بنعمة مجّانيّة. ولكن إبراهيم تجاوب مع هذه النعمة، فكان قبل كلِّ شيء رجل الصلاة والإصغاء إلى نداء تكرّر في مراحل حياته، السهلة منها والصعبة. في الصلاة، عبّر عن إيمانه فقيل فيه: »آمن إبراهيم فحُسب له إيمانه برٌّا« (تك 15: 6). في الصلاة، عبَّر عن رجائه العميق وثقته برحمة الله. فقيل فيه: »وآمن إبراهيم راجيًا حيث لا رجاء« (روم 4: 18). في الصلاة عبَّر عن محبَّته، فما خاف أن يقدِّم للربّ »إسحق، ابنه، وحيدَه، حبيبه« (تك 22: 2).

 

1- آمن إبراهيم

دخل الربّ فجأة في حياة إبراهيم، كما دخل في حياة إيليّا، فدفعه إلى مسرح الأحداث: »حيٌّ الربّ الذي أعبده« (1مل 17: 1). وكما دخل في حياة الرسل الأوّلين. سمعان، أندراوس، إتبعاني. »فتركا شباكهما في الحالّ وتبعاه« (مر 1: 17). يعقوب، يوحنّا، »ما إن دعاهما حتّى تركا أباهما زبدى مع معاونيه وتبعاه« (آ20). وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى إبراهيم.

»إرحل من أرضك، وعشيرتك، وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك« (تك 12: 1). مثل هذا التخلّي التامّ عن جميع الرباطات البشريّة، لا يمكن أن يقبله إنسان يعيش في أرفع حضارة في ذلك الزمان. في أور. المدينة في المطلق. التي لا مدينة تضاهيها. في أرض خصبة عند لقاء دجلة والفرات. وفي عشيرة واسعة. ماذا كانت صلاة إبراهيم؟

»أنت دعوتني يا ربّ. فها أنا بين يديك. تريدني أن أترك كلَّ شيء، وها أنا بين يديك. أصنامي أتركها ورائي. فلا نفع منها بعدُ. وهل الطريق طويلة؟ أنت لا تقول لي شيئًا. إلى أين نصل في هذه المسيرة، في هذه الرحلة؟ لا توضح لي. أنا أريك إلى أين تمضي. آمنْ فقط.

»آمنت ربّي. وها أنا أسير في »المجهول« كما يقول البشر. لا. بل أنا أحسّ بيدك تمسك بيدي. وأجعل في طريقي محطّات تدلّني على وجهك اللامنظور. في شكيم، بنيتُ لك مذبحًا قبل أن تكون الذبائح الموسويّة. وهناك قدَّمت ذاتي ومشاريعي. فأريتَني وجهك. تراءيتَ لي لتقول: أنا معك (آ7). وكانت محطّة ثانية، قرب بيت إيل، بيت الله (آ8). هناك دعوتُك. دعوت باسمك وتابعتُ طريقي. إلى أين؟ حتّى وصلتُ إلى مصر.

تركتُ كلَّ شيء. تركتُ أرض العراق وما طلبت مثل لوط مدينة قريبة (تك 19: 20) من سدوم، تبعدني كثيرًا عن عالمي بما فيه من شرّ وزنى وعبادة أصنام. تركت الأرض الخصبة، غور الأردنّ، فأخذها لوط (تك 13: 10). أمّا أنا فرحتُ إلى البرّيّة. لا أريد غنى إلاّ ذاك الآتي منك. لا أريد سندًا سواك. وأنت قلت لي منذ البداية: أباركك. أكون لك بركة. وأنت تكون بركة للذين يمشون في طريقك.

»تركتُ أصنامي كلَّها، وما احتفظت ولو بصنم صغير كما فعلت راحيل (تك 3: 19). ولا بصورة ذلك العجل الذي عاد العبرانيّون فصنعوه في البرّيّة (خر 32: 1ي). ثمّ بنوا له المعابد باسم بعل الذي حسبوه السيّد وصاحب الأرض: يرسل إليها المطر ويمنحها الخصب.

»قلتَ لي: إرحل. فرحلتُ. ووصلتْ طريقي إلى مصر وكأنّي أحاول العودة إلى الأصنام. وهناك كان لي ما كان من مغامرة قاسية. دعوتني إلى أرض أعبدك فيها وأحبّك، فإذا أنا في أرض يعبدون فيها الملك ويصوِّرونه بشكل إله. وكان الخطأ الكبير. فعدتُ من هناك »بالغنم والبقر والحمير والعبيد والإماء والأتن والجمال« (تك 12: 16). صرتُ غنيٌّا جدٌّا. ما تركته في أور، استعدته في مصر. ولكنّي خسرتُ حضورك. تعبَّدتُ للمال لا لك (مت 6: 12). استندت إلى العظماء من البشر، ونسيتُ أنّي دعوتك فاستجبتني. كنتُ في الضيق فأخرجتني. أنشدتُ في الماضي، الربّ معي وهو نصيري، الاحتماء بالربّ خير لي من الاتّكال على البشر. الاحتماء بالربّ خير لي من الاتّكال على العظماء« (مز 118: 8-9).

»أحسستُ بغيابك حين أطلّ الجوع، فطلبتُ حمى فرعون، صاحب البيت الكبير. نسيتُ العهد، وبعتُ حاملة العهد، سارة. كلُّ هذا من أجل راحتي وطمأنينتي وسلامة حياتي. ولكنّك أعدتني إليك. اقتلعتني من جديد. كنتُ أتمنّى أن أكون في مصر، وأن تطول حياتي هناك مع الخيرات التي يؤمِّنها »النيل« ذاك الإله المعبود. طردَتني من هناك. استعملت فم فرعون وسلّطته، فأمر رجاله. هي نكسة بالنسبة إليّ. ولكن راحة بالنسبة إلى سارة. هي خسارة على المستوى الجسديّ والماديّ، ولكنّها ربح لمن ترك كلَّ شيء وأراد أن يتبعك. والآن أشكرك، وأفهم أن بركتك منعتني من أن آخذ من درب ابن أخي لوط »وادي الأردنّ الذي هو كأرض مصر« (تك 13: 10).

»وعدتُ إليك يا ربّ، إلى بيت إيل، وهناك دعوتُ باسمك (تك 13: 4). وعاد إليَّ إيماني، فانتصرتُ على الملوك بك أنت يا »أليعازر«، أيّها الإله المعين. ما قيمة الرجال الكثيرين الذين يصطفون للقتال (تك 14: 8)؟ لهم مركباتهم والخيول (مز 20: 8). وأنا يكفيني اسمُك يا ربّي وإلهي. أذكرك وأسبِّحك.

»دعوتني، يا الله، فلبّيتُ الدعوة بالإيمان (عب 11: 8-9). طلبتَ منّي أن أخرج من أرضي فخرجت. ذهبت بي إلى حيث لا أعرف. فذهبت. اقتدتني إلى أرض غريبة، وبالإيمان قبلت قيادتك فإذا أنا في أرض الميعاد. لا شكّ، كنتُ في الخيام راحلاً، متنقِّلاً، ولكن إيماني جعلني أنظر إلى »المدينة الثابتة التي أنت مهندسُها وبانيها« (آ10).

 

2- ترجّى إبراهيم

بعد الايمان، بدت حياةُ إبراهيم انطلاقة الرجاء. وثق بما رجاه، وصدَّق ما لا يراه (عب 11: 1) فكانت صلاته صلاة الانتظار.

»وأنتَ يا ربّ وعدتني بالبركة. وأنا أصدِّق كلَّ مواعيدك. ولكنّي ما رأيتُ بعد شيئًا. أنا كالعبد ينظر إلى يد سيِّده. وكالأمّة تتطلَّع إلى يد سيِّدتها، تنتظر إشارة لكي تعمل. أين هي الأرض التي وعدتني بها؟ مررتُ فيها وما رأيتها. بل ما عرفتها. فالكنعانيّون يقيمون فيها (تك 12: 6). كيف تتماشى عبادتك مع عباداتهم؟ مستحيل.

»لهذا صلّيتُ من أجلهم. ''خطيئتُهم عظيمة جدٌّا'' (تك 18: 20). بل وصلت الشكوى عليهم إلى الربّ (آ21). توسَّلتُ إليك مع أنّي ''تراب ورماد'' (آ27). ومع ذلك استمعتَ إلى طلبي. وكنتَ مستعدٌّا لأن تعمل ''مشيئتي'' من أجل سدوم وعمورة، وتنسى ما نويتَه لهاتين المدينتين (آ17). صلّيتُ. تجرأت. وقلتُ لك مرّتين: لا تغضب (آ30، 32).

»وتنازلتَ معي يا ربّ. فأنت اخترتني اختيارًا خاصٌّا. وأوصيتَني لأوصي أبنائي من بعدي كي يسلكوا في طرقك ويعملوا بالعدل والإنصاف (آ19). وقفتُ أمامك وأنت وقفتَ معي وما تركتني. انتظرتُ منك أن لا تهلك سدوم مهما كثُرت خطاياها. فانتظرتَ أن لا تهلك البارّ مع الشرّير. فأنت الإله العادل. أنت ديّان الأرض كلّها (آ25).

»تطلَّعتُ يا ربّ إلى الأبرار الذين يستطيعون أن يخلِّصوا إخوتهم معهم. لهذا، صلّيتُ وأنا كلّي رجاء بالخلاص الآتي. لا شكّ في أنَّ سدوم لم تنجُ من العقاب الذي استحقَّت بسبب خطاياها، ولكنَّ حزقيال نبيَّك تكلّم فردَّد كلامك: ''أُعيدُ أمجاد سدوم ومدنها'' (حز 16: 53). فكيف لا نرجو أن تخلِّصَ مدن أبنائي. أن تعيد ''أمجاد السامرة ومدنها'' وأن تعيد عهدك مع يهوذا وأورشليم. فأنت يا ربّ إله الخلاص أوّلاً وأخيرًا. ضحكتْ أورشليم على سدوم. تكبَّرتْ عليها. ذكرتها باحتقار. ولكنَّك لا ترضى بذلك.

»من أجل ذلك تجرأتُ وصلّيت. هناك أبرار في المدينة. لا شكّ. ليسوا كثيرين. هم لا يتجاوزون أصابع اليدين. كدتُ أيأس يا ربّ. ما وُجد عشرة أبرار في المدينة (تك 18: 32). ولكنَّك قلتَ لي إنَّك أتيت من أجل الخطأة، لا من أجل الأبرار. من أجل المرضى، لا من أجل المعافين. أنت مستعدّ، كما بعض الناس، لكي تموت عن الأبرار، بل ترسل ابنك لكي يموت عن الخاطئين في الوقت الذي حدَّدتَه أنت. أجل، تلك كانت محبَّتك لنا. برهنتَ عنها حين مات المسيح من أجلنا ونحنُ بعد خاطئون (روم 5: 6-8).

»صرختي إليك مثل صرخة أشعيا. بدوتَ كأنَّك تحجب وجهك. فهتفت: ''أرجوك وأتوكَّل عليك'' (أش 8: 17). عندئذٍ يكون الجميع هنا: ''هذا إلهنا انتظرناه وهو يخلِّصنا. هذا هو الربّ. انتظرناه، فلنتبهج ونفرح بخلاصه'' (أش 25: 19).

»وأهتف مع الهاتفين: ''سرنا على أحكامك يا ربّ، وفيك جعلنا رجاءنا. إلى اسمك وذكرك يا ربّ، تشتاق نفوسنا. في الليل أتوق إليك، وفي الصباح إليك أبكِّر'' (26: 8-9). أو: ''روحي في داخلي تأتيك سحرًا، قبل طلوع الشمس''. فما أهنأنا وما أسعدنا، نحن الذين جعلنا رجاءَنا فيك (أش 30: 18). أنت تنتظر لتتحنَّن علينا. وسريعًا تنهض وترحمنا.

»ولكنّنا يا ربّ معجّلون، مسرعون. نريد أن تتحقَّق أمنياتنا بسرعة، لهذا نخطأ إليك. لا نعرف أن ننتظر ساعتك. أن ننظر إلى حيث يطلّ نورك. أن نراقب كما الحرّاس على الأسوار يرون في البعيد طلائع الخلاص.

»وعدتني يا ربّ بنسل كبير. رأيتُك تأخّرتَ. استعملت الوسائل البشريّة. أردتُ أن أعلِّمك ماذا تفعل لكي تحقِّق وعدك. كم أنا مسكين. أردت أن يكون لوط هو من يرثني. ولكنَّه ترك المسيرة معك، واختار أرض سدوم. راح الواحد منّا جهة اليسار والآخر جهة اليمين. افترقنا بعد أن كثرت مواشينا. ثمَّ أردتُ أن يكون »أليعازر الدمشقيّ وارث بيتي« (تك 15: 2) لأنّي ''أموت عقيمًا''. رفضتَ لي مثل هذا العرض. ومع أنّ لا ولدَ لي قلتُ: ''أنظر إلى السماء وعُدَّ نجومها إن قدرتَ أن تعدَّها. هكذا يكون نسلك'' (آ5-6).

»آمنتُ يا ربّ بك وبكلامك. ولكن ماذا بعد ذلك؟ وطال الانتظار. فكانت محاولة بشريّة ثالثة. أخذت طريق البشر ولو على حساب حاملة العهد. أخذت طريق الوثنيّين: أخذتُ جاريتي زوجة لي. وهكذا يكون ابن الجارية ابني فيكون لي منه النسل الكبير. وكان جوابك: ''لا. من يخرج من صلبك هو يرثك''.

»أردتُ ولدًا بحسب الجسد. ولكنّ الأولاد بحسب الجسد كثيرون. أمّا الأولاد بحسب الوعد فمعدودون على الأصابع. وفرحتُ مع العاقر التي لا ولدَ لها (أش 54: 1). فرحتُ مع سارة التي ضحكت في البدء، ما صدَّقت (تك 18: 12): ''أبعد ما عجزتُ وشاخ زوجي تكونُ لي هذه المتعة''. وجب عليّ أن أشدِّد رجائي، وأتذكَّر كلامك: ''لا يصعب عليك أمر صعب''. وتقوّيتُ حين قلتَ مرّة أخرى: ''في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة، أعودُ إليكَ ويكون لسارة ابن'' (آ14).

»ولمَّا وُلد الولد، ضحكت سارة حقٌّا. وضحكتُ معها يا ربّ. ودعونا الصبيّ: وجهك الضاحك. احتجتُ إلى الكثير من الأمل والترقُّب. أنا شيخ وامرأتي عجوز. قالت: ''الله جعلني أضحك. وكلُّ من سمع يضحك لي'' (تك 21: 6). وتأكَّدتُ: ''في اليوم الذي تكلَّمت عنه'' (آ2). ما أصدق مواعيدك يا ربّ مع أحبّائك. وإن تأخرتَ فلكي تمنح نعمة فوق نعمة. فالذين ينتظرونك لا يخيبون (مز 25: 3). بل أنا أنتظرك يومًا بعد يومًا (آ25). أنتظرك منذ الصباح الباكر وأتأهَّب (مز 5: 4) وبعد أن جعلتُ رجائي فيك، تشدَّدتُ، تشجَّع قلبي، فما عدتُ أخاف خطرًا (مز 27: 14). وتأكَّدتُ أنَّك بجانبي فما عدت أخاف من شماتة المعادين فيّ. في الماضي، انتظرتك وانتظرتك (مز 40: 2). بل كلَّت عيناي من الانتظار (مز 69: 4). أوجعني صراخي، بُحَّ حلقي. انتظرت حركة، إشارة (آ21). لا شيء. حسبتُ أنَّك تريد أن تعذِّبني! لا. بل تريد أن تفتح قلبي واسعًا لكي أنال أغمارًا من النعم. بل تريدني أن أكون مثل الطفل مستسلمًا إليك. والآن وقد قلتُ ما تمنّيتُ، فما أعظم سعادتي وما أعمق سروري (مز 16: 2-3).

 

3- خذ ابنك، وحيدك

هنا الذروة في حياة إبراهيم. المحبّة. محبّة إسحق حبٌّا كبيرًا. ومحبّة الله حبٌّا أكبر. مرّت أحداث وأحداث. لوط صار بعيدًا. وأليعازر لا يمكن أن يكون الوارث. وإسماعيل صار في صحراء فاران، راميًا بالقوس (تك 21: 21). بل هو ذاك الثائر الذي »يعيش في مواجهة جميع إخوته« (تك 16: 12). فلا سبيل له بأن يعود إلى البيت الوالديّ. وهكذا صار إبراهيم وحده مع سارة وإسحق. ولا سبيل لأن يكون لهما ابن آخر. لهذا تعلَّق إبراهيم بمن هو ابن سارة، الأميرة، ابن الوعد، وجعل فيه كلَّ أمله. ولكنَّه كاد ينسى أنّ الله أعطاه هذا الولد ليكون له في النهاية، فينال البركة التي نالها أبوه. وكانت المحنة.

»أتذكَّر يا ربّ في تلك الليلة التي جئتَ فيها إليّ. سمعتُ صوتك. ناديتني باسمي. إبراهيم، كما ينادي الصديقُ صديقَه. ما أحلاها هذه الأويقات تأتي إلينا. تكلِّمنا. نراك بقلوبنا. نسمعك بآذاننا. ونفرحُ. هناك بشر عديدون على الأرض. نظرتَ إليّ. جئتَ تزورني. ويا شرفي بهذه الزيارة!

»هل أنا نائم؟ هل هو حلم أعيشه؟ لا. ففي يوم جئت إليَّ في وقت الظهيرة وكأنّي كنت أنتظرك. جلستُ في باب الخيمة. لا بدَّ أن يمرَّ زائر استضيفه. أقدِّم له بعض الماء ليغسل رجليه. أقدِّم له بعض الخبز فيسند قلبه. وإذا أنتَ جئت. قال بعضهم إنَّهم أضافوا الملائكة وهم لا يدرون (عب 13: 2). أمّا أنت فحللتَ ضيفًا عليّ، كما الملك ''يتدردش'' ويزور رعيّته و''معه حارسان''. ما عدت أعرف كيف أتكلَّم. أبصيغة المخاطب الجمع؟ ''أقدِّم لكم قليلاً من الماء... أقدِّم لكم كسرة خبز'' (تك 18: 4-5). أبصيغة المخاطب المفرد؟ ''إن كنتَ راضيًا عليّ يا سيِّدي، فلا تمرّ مرورًا بعبدك'' (آ2) قلتُ ذلك مع أنّي رأيتُ ''ثلاثة رجال واقفين أمامي''. مع أنّي سجدتُ إلى الأرض.

»شابهتُ عددًا من الذين أتيت إليهم. ولكنّني ما خفتُ. فأنا حبيبك. وأنا خليلك. صديقك الذي تودّ، وتخصّ بمودَّتك. ما شابهتُ جدعون الذي قال: ''رأيتُ (ملاك) الربّ وجهًا إلى وجه. فقلتَ له: ''سالمًا تبقى. لا تخف، فإنَّك لا تموت (قض 6: 22-23). ولا شابهتُ والدَي شمشون. ومع ''أنَّهما سقطا على وجهيهما إلى الأرض'' (قض 13: 20)، قال الرجل (منوح) لامرأته: ''سنموت لأنّنا رأينا الله''. وكان جواب امرأته: ''لو أراد الربّ أن يميتنا، لما كان أرانا جميع ما رأينا، ولا كان أسمعنا ما سمعنا الآن'' (آ21-22).

»وأنا يا ربّ رأيتُ. في وضح النهار. وسمعتُك تقبل ضيافتي. قلت لي: ''إفعل كما قلتَ'' (تك 18: 5). وعملتُ وأسرعت. دعوتَ نفسك إلى الغداء عندي. هو وقت حميم معك. وكلَّمتني عن امرأتي سارة. فحملتَ إليّ البشارة قبل أن يولد الولد. فكم أشكرك يا ربّ.

»وفي هذه الليلة، سمعتُ صوتك بعد أن تعوَّدتُ عليه. ما هو صوت بشريّ، هو صوتٌ إلهيّ. ''إبراهيم''. وجاء جوابي حالاً: ''ها أنا''. لبّيك. أنا حاضر. أنا أنتظر أوامرك. ولكن ما طلبتَ منّي يا ربّ في هذه الليلة أدمى قلبي. قُلتَ: ابنك اسحق هو لي.

»ما هذا يا ربّ؟ تُعطي باليد وتأخذ بالأخرى. أتتراجع في عطائك؟ هل ندمتَ على ما فعلتَ مع أنَّك قلتَ لي إنِّك راضٍ عنّي، إنَّك حامل إليَّ البركة؟ فهل تفرح أن تسحق محبّيك كما فعلتَ مع أيّوب؟ وبعد هذا تتعجَّب أن يكون محبّوك قليلين! أتعرف ماذا تطلب منّي؟

»تطلب إسحق الذي جعلني أضحك. وجعل سارة تضحك. إذًا تريدنا أن نبكي! تطلب ابني الذي خرج من صلبي. الذي تكوَّن في حشا سارة. وأنت تعلم أنَّه وحيد. ليس لي سواه بعد أن مضى اسماعيل. لا أقول لك كم أحبُّه. ''خذه إلى أرض أريك إيّاها''. ''كما تريد يا ربّ!«

ماذا كانت صلاة إبراهيم. هي تشبه صلاة يسوع في بستان الزيتون. قيل عنه: قضى ليلته في صلاة إلى الله (لو 6: 12). هي ليلة رهيبة. صلّى وألحَّ في الصلاة. تصبَّب العرق منه. ومن شدَّة الألم، »كان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض« (لو 22: 44). هكذا فعل إبراهيم.

»أنا وحدي الليلة معك، يا ربّ. ما أخبرتُ الصبيّ. ما أخبرتُ أمَّه لئلاّ أملأ قلبها عذابًا. لو كانت معي، لو شاركتني في الصلاة! ولكن من يدري؟ قد تكون منعتني أو بالأحرى أضعفت إرادتي. أما تشاء يا ربّ أن تبعد عنّي هذه الكأس؟ أن تنجّيني من هذه المحنة. ولكن لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت يا ربّ.

»ما نمتُ الليل كلَّه. أنا أحبُّك يا ربّ من كلِّ قلبي، من كلِّ نفسي ومن كلِّ عواطفي. ولا أقدر أن أرفض لك طلبًا مهما كان. وأحبُّ أيضًا ابني. ولكنّي فهمت، وأنا أبكي حزني ووجعي. ورافقتني محبّتك فما تراجعتُ. وفي اليوم الثالث، أطلَّت أرض موريّا. هناك تُرى أنتَ. هناك تعطيني أن أراك. نحن نلا نراك فقط ساعة الفرح والعيد والبهجة. فنحن نراك حين الألم يحزُّ في قلوبنا. هو لقاء حميم معك، يا ربّ، وأنا وإسحق وحدنا. تركتُ الخادمَين. وأنا وابني نصعد الجبل ونسجد لك. ونرجع معًا. قلتُ هذا الكلام وما كنت أعرف ما تهيّئ لي من معجزة. سيعود ابني جديدًا. كأنّي به مات وقام. وبدأ حياة ثانية ليست من عالم الأرض.

»أحببتك يا ربّ وكنتُ مستعدٌّا لأن أضحّي بكلِّ شيء لك. ولكنّي ما فهمت كيف أهب ابني لك. أردتُ أن أعمل مثل الوثنيّين الذين أنا في وسطهم: يذبحون أولادهم لآلهتهم. أردتُ أن أقول لهم استعدادي لأن أضحّي بابني ووحيدي ''فيعرف العالم كم أنا أحبّك'' (يو 14: 31). ولكنَّك إله الحياة، لا إله الموت. قلتَ في الوصايا: لا تقتل. فكيف ظننتُ أنَّك تطلب منّي أن أقتل ابني؟ جهلتُ أنَّ ابني ليس مُلكًا لي، أتصرَّف به كما أشاء. ابني هو لك وها أنا أقدِّمه لك بعد أن استعدَّ أن يكون الذبيحة التي تشاء.

»أحببتك. وعزمتُ أن أفعل. وما تردَّدتُ. حبُّك يا ربّ فوق كلِّ حبّ. ولكن متى نستطيع أن نتغلَّب عليك بالحبّ. أنت أحببتنا أوَّلاً. وأنت تسبقنا دائمًا. تعرف أن تمسك يدنا في الوقت المناسب.

»إبراهيم. إبراهيم« (تك 22: 11). ناديتني مرّتين. نداء مهمّ جدٌّا لا يسمح بالتردُّد ولا بالتأخير. نعم، ها أنا. وقلتَ لي: أنا دبَّرتُ كلَّ شيء. أنا رأيت. ها هو الكبش. قدِّمه محرقة إذا شئت. فما يهمّني هو القلب المتخشِّع، المتواضع. أجل، يا ربّ جئت إليك بروح منكسرة، بقلب منسحق (مز 51: 19). وأنا أفرح بأنّي عائش في مخافتك. تدعوني لأعمل، فأعمل. تدعوني لأمتنع فأمتنع. لتكن مشيئتك فيّ.

»شكرًا لك يا ربّ. أعطيتك ابني إسحق فأعدتَه إليّ (عب 11: 19) بعد أن تجلَّت فيه بركتك. أرسلتُه أنا إلى الموت، وأنت أقمتَه من بين الأموات، فكان الصورة البعيدة لما سيعمل ابنُك يسوع. أردتُ أن أحبَّك فتفوَّقت عليّ بالحبّ. أردتُ أن أكون أبًا لإسحق، فبيَّنتَ لي أيُّ ربٍّ أنت. كيف تتحرَّك أحشاؤك عند رؤيتك الابنَ العائد إليك«.

 

خاتمة

هكذا صلّى إبراهيم. ونحن نصلّي معه. كلَّم الله بكلمات الله. وهل أجمل من هذا الكلام الذي سبقنا إليه يسوع، حين كلَّم الآب من على صليبه: يا أبتِ في يديك أستودع روحي. وقالت فيه الرسالة إلى العبرانيّين ما في مز 40: »ما أردتَ ذبيحة ولا قربانًا. فقلت: ها أنا جئت يا الله، لأعمل بمشيئتك« (عب 10: 5-6). آمن إبراهيم، فعبَّر عن إيمانه في الطاعة لنداء الله. وعاش الرجاء البعيد في خلاص سدوم في تمام الأزمنة، وفي مسيرة تنتهي بنسل كبير يصل إلى المسيح، وبأرض هي في النهاية أورشليم السماويّة، الأرض الجديدة والسماوات الجديدة. وأعلن في صلاته حبَّه لله فوق كلِّ حبّ. حبّ لا يكون فقط في القول والكلام، بل يكون بالفعل والحقّ. »ما بخل على الله بابنه ووحيده«. تلك تكون صلاة المؤمنين. وكما تجلّى الله لإبراهيم يتجلّى لأبنائه، ويكون حاضرًا معهم على جبل موريّا. هناك يستطيعون أن يروه.