أيوب، من الاستسلام إلى الاستغراق في الله.

 

حين نذكر شخص أيّوب، يتبادر حالاً إلى أذهاننا ذاك الرجل الصبور. فالمثل يقول: يا صبر أيّوب. وفي الواقع، عُرف هذا الرجل بصبره، في الشرق القديم. خسر ما خسر من مال وخيرات، فلبث »يعضُّ« على جرحه، منتظرًا أن يتبدَّل الوضع. ولكنّ الكتاب المقدَّس، حين أخذ هذا الشخص، جعله منطلقًا لخبر روحيّ عميق جدٌّا: هو رجل الاستسلام لله. فتكون صلاته: الربُّ أعطى، والربّ أخذ. لا الظروف. ولا الحظّ والمصير والقدر. وحين نقرأ سفر أيّوب الذي هو أوَّل الأسفار الحكميّة في الكتاب المقدَّس، نودُّ أن نتعلَّم كيف نقلَنا من المجازاة الجماعيّة إلى المجازاة الفرديّة، ومن مبدأ يربط المرض والموت والفشل بالخطيئة، ويربط بالبرارة والحياة بحسب الله، ما يناله الإنسان من خير عميم وأبناء عديدين وعمر طويل. أمّا نحن، فنحاول أن نجد فيه رجل العلاقات الحميمة مع الله. في قلب محنته، عاش الغياب والحضور. كأنّي به أضاع الله ثمّ وجده. وحين خرج من ذاته، تطلَّع في الكون فعرف المشاهدة والاستغراق في حضور الله. سمعتُ عنك في الماضي سماع الأذن. أمّا الآن فرأتك عيناي!

 

1- رجل الاستسلام لله

كان أيّوب رجلاً غنيٌّا جدٌّا، وأورد الكتاب غناه. وضخَّم الأرقام في صورة بلاغيّة ليدلَّ على سعة أملاكه ومواشيه. سمح الله للشيطان بأن يأخذ منه كلَّ ما له بوسائل الحرب والسلب والنهب. جاء البدو من الجنوب. والكلدانيّون من الشمال. وساعدت الطبيعة: النار عبر البرق والرعد، أحرقت الغنم والرعيان. أتراه بركانًا! والريح صدمت زوايا البيت الأربع.

ذاك ما حصل لأيّوب. منذ البداية، ابتعد الكلام عن الله. فهو لم »يضرب« مباشرة، بل سمح للشيطان، ذاك الحسود والمعارض والرافض لسعادة الإنسان، ومتَّهم بني البشر. ويفهمنا الكتاب منذ البداية: هو صراع بين الله وإبليس في قلب أيّوب. من ينتصر؟ والإنسان يجعل الله ينتصر، أو لا سمح الله إبليس. الإنسان هو ساحة الحرب وهو المحارب. تحدّى الشيطانُ الربّ، فقبل الربّ التحدّي وهو عارف أنّ صفيّه »لا مثيل له في الأرض كلِّها. رجل بارّ، مستقيم، يخاف الله ويحيد عن الشرّ« (1: 8). ولكن ما قيمة هذه المخافة إن كان الربُّ غمره بكلِّ الخيرات »سيَّج حوله وحول بيته... وباركه« (آ10). فقال إبليس: »مُدَّ يدك الآن ومُسَّ كلَّ شيء له، فترى كيف يجدِّف عليك في وجهك« (آ11).

ومُدَّت يدٌ. فخسر أيّوب كلَّ شيء. الأمور أكبر منه. وما من إنسان يستطيع أن يتحمَّلها. ما يستطيع أن يفعل هو أن يجدِّف على الله. يخطأ فيموت بخطيئته. هذا إذا لم ترجمه الجماعة كما فعلت بنابوت اليزرعيليّ، بتهمة كاذبة: »جدَّف على الله وعلى الملك« (1مل 21: 13).

لجأ أيّوب إلى الصلاة. وقع على الأرض ساجدٌّا. انحنى. خضع. وضع جبهته بالأرض متعبِّدًا. كان بإمكانه أن يرتمي يائسًا على الأرض، كما تفعل أمٌّ فقدت وحيدها. أو يقف ويرفع يديه إلى السماء متسائلاً أمام بيت دُمِّر له، أو خراب حلَّ به: ماذا فعلتُ لك يا ربّ؟ وهكذا يُتَّهم الربُّ لأنَّه السبب في ما حصل له. أما هكذا فعل »آدم« الذي هو الإنسان، كلّ إنسان. حين رأى الحالة التي وصل إليها، اتَّهم العنصر الضعيف، »حوّاء«، المرأة. هي الحلقة الضعيفة التي أعطيتَني أنتَ إيّاها.

ترك أيّوب كلَّ هذا. هو أمام حالة صعبة، استسلم كلَّ الاستسلام لله. هو الذي خلقه. وهو الذي يعتني به. هو الذي أعطاه ما أعطاه، وهو الذي يعرف كيف يعطي بعد. إنَّه الإله الأمين. باركه في الماضي بخيرات مادّيّة. ويباركه الآن بخيرات من نوع آخر. اتَّخذ أعمق شكل للصلاة: الركوع، السجود، الانحناء، الخضوع. والخضوع يدلّ على من رفض الثورة والتمرُّد في قلبه. فانقاد لله. وسلَّمه قيادة نفسه. لا ضجّة في الداخل، بل سكون، كما الطفل في حضن أمِّه.

سمع ما قاله الربّ: »من يسمع لي يسكن مطمئنًا، ويأمن لا يرعبه شرّ« (أم 1: 33). فهتف مع مز 30: 7: »في طمأنينتي أقول: يا ربّ، أنا لا أتزعزع إلى الأبد«. تلك كانت خبرة المرتِّل بعد أن انتشله الربّ من الضيق وأصعده من عالم الموت. ويحاور الله في قلبه: »إلى الله ترتاح نفسي، فمنه وحده خلاصي« (مز 62: 2). وإذا خافت الأمواجَ كما الرسل في السفينة: »ارتاحي يا نفسي في الله. فمنه وحده رجائي. خالقي هو ومخلِّصي وملجأي فلا أتزعزع. عند الله خلاصي ومجدي، وفي عزّة الله صخرتي ومحتماي. توكَّلوا عليه أيّها الشعب، وافتحوا قلوبكم له، لأنَّه الملجأ لنا في كلِّ حين« (مز 62: 6-9).

وماذا قال أيّوب؟ »عريانًا خرجتُ من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك«. هو من التراب وإلى التراب يعود. وكما يُولَد في حشا والدته جالسًا، كذلك كانوا يدفنونه جالسًا. ويدفنونه عريانًا. جاء ولا شيء في يديه مع أنّهما مقبوضتان وكأنَّهما تحملان شيئًا. ويعود ويداه مفتوحتان. ليقول: انظروا. ما أخذتُ شيئًا معي. وتابع: »الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكن اسمُ الربِّ مباركًا«. أجل، بارك وما لعن. فهم وما عاتب، ولا عتب على الله. حياته بين يدي الله، على ما يقول المزمور: »في يديك أستودعُ روحي. فافتدني يا إله الحقّ... عليك يا ربّ أتوكَّل. أبتهج وأفرح برحمتك« (مز 31: 6-8). مثل هذه الصلاة قالها يسوع من أعلى صليبه. سلَّم نفسه كلّيٌّا إلى يد الآب: »يا أبي، في يديك أستودع روحي«. قال هذا وأسلم الروح (لو 23: 46).

مثله فعل أيّوب في قلب محنته. استسلم إلى الله فنال السلام والهدوء. استودعَ حياته بين يدي الله. هي وديعة، ومن لا يحافظ على الوديعة؟ تساءل الناس في زمن أشعيا: »تركنا الربّ. نسينا«. وكان الجواب: »على كفيّ رسمتكم«. ويقول الربّ لعابده: »أنا الربّ دعوتك في صدق. أخذت بيدك وحفظتك« (أش 42: 6).

في مرحلة أولى خسر أيّوب المواشي والممتلكات. ثمَّ خسر الأولاد حين سقط البيت عليهم. ولكنَّه لبث لا يتزعزع. وصلاته صلاة الثقة. سلَّم إلى الربّ أمره وتركه يفعل. هو في »قبضة الله«. ولكن ماذا حصل؟ هو الآن »في قبضة الشيطان« (2: 6). في يد الشيطان. يتلاعب به. ضربه المرض. البرص. »أخذ شقفة من الخزف ليحكّ جسده بها وهو جالس على الرماد« (آ8). ذاك هو منتهى الاتّضَاع أمام الله. حين حدَّث إبراهيم الله في صلاته من أجل سدوم، قال: »أنا تراب ورماد« (تك 18: 27). وأيّوب كذلك. هو الضعيف أمام الله. كان الشَعر علامة القوّة. جزَّه. كان اللباس علامة الغنى. شقَّه. من هو؟ لم يعد يعرفه أحد. ولكن يكفي أنّ الله يعرفه. ومنه يتقبَّل كلَّ شيء. تقبَّل الخير من الله. المال والأولاد والحياة. وبارك الله. وتقبَّل »الشرّ« الذي هو الفقر والمرض والموت. هو عرف قبل الوقت أنّ الله يحوِّلُ كلَّ شيء لخير الذين يحبّونه. حتّى المرض الذي يمكن أن يقود إلى الموت.

آمن أيّوب بالله، فلا شيء يزعزع إيمانه. ومن أراد أن يبعده عن هذا الموقف، هو »جاهل« بمعنى أنَّه لا يؤمن بالله. على ما قال المزمور: »قال الجاهل في قلبه: لا إله« (14: 1). ليس بموجود. وإن وُجد فهو لا يفعل. فيقدر الشرّير أن يتمادى في شرِّه. ولكن لا. فالله يشرف من سمائه على البشر، فيرى كلَّ واحد (آ2). وهو رأى أيّوب. سمع صلاته. فرضي عنه. اعتبرناه تعيسًا، نحن البشر. ولكنَّه كان سعيدًا، لأنّ السعادة التي يمنحها الله، لا يدركها إلاّ الذين يؤمنون.

 

2- غياب الله وحضوره

اشتكى أيّوب على الله، بيّن الحالة التي وصل إليها بعد أن »كسى لحمَه الدود والقروح« (7: 5). قال له:

تذكَّر: حياتي نسمة ريح،

وعيني لن ترى الخير بعد (آ7)

أبحرٌ أنا أو تنّين

لتجعل حارسًا عليَّ (آ12)

أو لتشغل به قلبك؟ (آ17).

ماذا حصل لذاك الذي استسلم إلى الله في صلاته! لماذا أحسّ أنَّ الله غاب عنه؟ بسبب الصورة التي وصلت إليه. إذا كان الله هو من يضرب. إذا كان الله يميت بعد أن يحيي، وكأنَّه يتراجع عمّا فعل. إذا كان يهدِّد باللعنة بعد البركة، أيُّ إله هو هذا الإله؟ يأخذ من الأهل أولادهم. يرسل المرض إلى هذا والصحّة إلى ذلك. بل كما يقول سفر الجامعة: »المصير واحد. للصدّيق وللشرّير. للصالح وللطالح. للطاهر وللنجس، لمن يقرِّب الذبائح ولمن لا يقرِّب الذبائح« (9: 2).

جاء أصدقاء أيُّوب. أفهموه أنَّه خاطئ، وأنَّه ينال الآن عقاب خطيئته. تلك هي مجازاة الله على الأرض. قالوا: أَمْهلَكَ الله ولكنَّه ما أهملك. انتظرك في الوقت المناسب وانقضَّ عليك. من يستطيع أن يحبّ تلك الصورة البشعة التي تخلّص منها العالم الوثنيّ، وما تخلَّص منها المؤمنون في أيّامنا؟ لهذا بنى أهل أثينة هيكلاً لإله مجهول يمكن أن يضربهم. وقدَّموا الذبائح طالبين الرضى. بل ذبحوا أولادهم لكي ينالوا النصر. إله لا يبكي مع الباكين. يفرح بسفك الدم. لا يسمع ولا يرى أولاده في الضيق!

وهكذا غاب الله. لا من العالم. فهو الذي خلق السماوات والأرض، وسوف يشاهده أيّوب. هو يمرُّ في ظلام كثيف، شأنه شأن تريز الأفيليّة أو يوحنّا الصليب. هو لا يرى الله. لا يحسُّ بحضوره. ولكنَّه لا يتخلّى عن المتعلِّق به. أصدقاؤه حدَّثوه عن الله. ولكنَّهم ما قالوا له دقيقة واحدة: تعالَ نصلّي. إنَّهم يعرفون كلَّ شيء عن الله. أو هكذا يحسبون. ولكنَّهم لا يعرفون الله. هو القريب منّا وإن حسبناه بعيدًا. ظنَّ قايين أنَّه يهرب من وجهه. فإذا هو يحافظ عليه. يحامي عنه فمن تسوِّلُه نفسه أن تقتله (تك 4: 15). في أيِّ حال، استقبله في دياره، كلَّمه. سأله: ماذا فعلت؟ يا ليته تاب. ولكنَّه »خرج« (آ16). وهرب يونان. ولكن يد الله لحقته إلى عرض البحر. كان كالطفل الذي يريد الهرب من والدته فتمسكه وتضمُه إلى صدرها.

ويخبرنا النبيّ هوشع كيف دعا الربّ ابنه. أحبَّه. علَّمه المشي. حمله على ذراعه ومع ذلك يقول الربّ: »كلَّما دعوته هرب من وجهي« (هو 11: 2). أصلحتُ حاله فما اعترف بذلك (آ3). فالشعب يريد أن يرجع إلى مصر، أرض العبوديّة، وإلى أشور موضع الموت.

كيف عبَّر أيّوب عن غياب الله في صلاته؟ كلَّمه في صيغة الغائب. ما تجرَّأ أن يقف أمام وجهه. »إن دعوتُ فهل من مجيب؟ وإلى أيِّ القدّيسين تلتفت؟« (5: 1). هؤلاء القدّيسون يساعدونه. ربّما. وإذا كان الله هو القدّوس وهو لا يجيب، فهل هناك قدّوس آخر يستطيع أيّوب أن يلتفت إليه طالبًا العون.

يأتي الغبيّ (آ2)، الجاهل، لا يرى سوى الشقاء. يتدخَّل أيّوب ويقول له:

8 لو كنت مكانك لدعوتُ الله،

وإليه تعالى رفعتُ أمري.

9 عظائمه لا يدركها أحد،

وعجائبه لا يمكن أن تُحصى.

10 على الأرض يُنزل أمطارًا

وعلى البراري يسكب المياه.

11 يرفع الوضعاء إلى العلاء،

وإلى الخلاص ينتشل الحزانى.

هذا يعرفه أيّوب. واسم الله لا يترك فمه، رغم الضيق الذي يعيشه. ولكن كيف العمل للحضور أمامه، بعد أن قيل له إنَّه خاطئ، فلا يحقُّ له أن يرفع نظره إلى العلاء؟ هتف مع المرتِّل: »هواني أمامي نهارًا وليلاً، والخزي يكسو وجهي« (مز 44: 16). مع أنّنا ما نسيناك. ولا خُنّا عهدك. ولا ارتدّت قلوبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن سبلك (آ18-19). أنا أرجوك ولكنّي أحسُّ بالخزي. أنا أطلبك، ولكنَّ الخجل يغطّي وجهي (مز 69: 6-8). عندئذٍ يطلب: »استمع إلى صلاتي، وليصل إليك صراخي. في يوم الضيق يا ربّ، لا تحجب وجهك عنّي. أمل أذنك وأجبني سريعًا يوم أدعوك« (مز 102: 2-3). ولماذا هذه الصرخة وكأنَّ المؤمن في وادٍ والله في وادٍ؟ يتابع المرنِّم: »أيّامي تلاشت كالدخان، وعظامي تحجَّرت كالوقود... من صوت نواحي يا ربّ، لصق جلدي بعظمي« (آ4، 6). فلا يبقى له سوى القول: »أرجعنا إليك يا الله، وأنِرْ بوجهك علينا فنخلص« (مز 80: 4). ويتكرَّر النداء في آ8. أيّها الربّ، لماذا تخذلني؟ »لماذا تحجب وجهك عنّي؟« (مز 88: 15). فأنا في ضيق. التفتْ، أنظر إلى وجهي. »أنر بوجهك على عبدك، وعلِّمني يا ربّ حقوقك« (مز 119: 135).

وكانت الصرخة الأعلى، ساعة لم يبقَ أملٌ لأيّوب في هذه الدنيا. الشيطان حاربه. الله »تركه«. امرأته دعته إلى اليأس. أصدقاؤه تركوه في عزلته. ومع ذلك، من عمق الشرّ والإلم والعذاب، تطلَّع إلى من تولّى أمره منذ حشا أمِّه. فهتف (ف 19):

25 أعرفُ أنَّ شفيعي حيّ،

وسأقوم آجلاً من التراب.

26 فتلبس هذه الأعضاء جلدي،

وبجسدي أعاين الله.

27 وتراه عيناي إلى جانبي.

ولا يكون غريبًا عنّي.

لا تزال معاينة الربّ بعيدة. ولكنَّه منذ الآن يقدر أن يخاطبه. لا أن يكلِّمه ويُرسل إليه المراسيل في البعيد. يقدر أن يطلب منه الحجّة. فهو يريد أن يفهم. يريد أن يرى. تمنّى فمتى يكون له ما تمنّاه؟

تعب من تعزية »الأصدقاء« ومن كلامهم »الفارغ« (16: 2-3). فقال (ف 16):

19 لي من الآن شاهد في السماء

ومن يحامي عنّي في الأعالي.

ويتوجَّه إلى الله في ف 17:

3 كن يا ربّ كفيلاً لي عندك،

فما من أحد يكفلني غيرك.

لماذا الاتّكال على الإنسان وهو لا يقدر أن يفعل؟ تطلَّع أيّوب، فما ارتفعت يدٌ لمعونته (آ4). لهذا هتف: »إليك أصرخ. أمامك أقف« (30: 20). وها هو ينتظر الجواب؟ ها هو يريد من الربّ أن يتنبَّه إلى ندائه. لهذا كانت الخطوة الأخيرة في مسيرة أيّوب. يريد أن يشاهد الله. يتأمَّله. يستغرق في حضوره، فلا يبقى على مستوى من يرى الصورة باهتة، يراها في مرآة. بل وجهًا إلى وجه، فتكون معرفتنا لله كاملة (1كور 13: 12).

 

3- المشاهدة والاستغراق

سمع أيّوب الكثير. سمع من يدعوه إلى الشرّ، فقال: لا مشيئتي يا ربّ بل مشيئتك. وصلّينا معك، لا تدخلنا، لا تسمح يا ربّ أن ندخل في التجربة، لكن نجِّنا من الشرّ، من الشرّير. سمع من يدعوه »إلى الاستسلام. فسلَّم أمره إلى الربّ وتركه يفعل. توكَّلْ عليه فيعطيك مطلب قلبك (مز 37: 4-5). ففعل كما يفعل المساكين (مز 10: 14).

وكلَّمه أصدقاؤه. قال له أليفاز (ف 4):

5 والآن أُصبتَ فما تحمَّلتَ،

وجاءتك الضربة فارتعبتَ

6 أين تقواك وهي اعتمادك؟

وحسن سيرتك وهي رجاؤك؟

وعاد أيّوب إلى تقواه، ومخافة الربّ التي تكمن في قلبه. فسمع من يقول له: »خافوا الربَّ يا قدّيسيه، فخائفوه لا يعوزهم شيء... تعالوا أيّها النبون واستمعوا لي، فأعلِّمكم مخافة الربّ« (مز 34: 10، 12).

وكلَّمه صوفر النعماتيّ (ف 11):

5 ليت الله يتكلَّم إليك،

ويفتح شفتيه ليجيبك

ويخبرك بتعاليم الحكمة.

هذا كلّ ما ينتظره أيّوب. أن يكلِّمه الله. إلى الآن بدا صامتًا وكأنَّه لا يريد أن يتدخَّل. فيردِّد مع المرتِّل: »أعلى الدوام انقضت رحمته. وانقطعت مدى الأجيال كلمته؟« (مز 77: 9). فما عادت تفعل كما في البدء. ويطلب: »يا إلهنا، لا تكن ساكتًا. لا تصمت ولا تهدأ يا الله« (مز 83: 2). ولكنَّه يهتف من عمق إيمانه: »إلهنا يجيء ولا يصمت«.

وحدَّثه بلدد الشوحيّ (ف 8):

5 وأنتَ إذا بكَّرت إلى الله،

وطلبتَ رحمة القدير،

6 وكنتَ نقيٌّا مستقيمًا،

ففي الحال يغار عليك

ويلبّي صدق نواياك.

وقد يكون أيّوب صلّى مع المرتِّل: »إلهي أنت، وإليك أبكِّر. إليك تعطش نفسي. جسدي يتوق إليك، كأرض قاحلة، يابسة، لا ماء فيها. دعني أشاهدك في مقدسك، لأرى عزَّتك ومجدك« (مز 63: 2-3). كانوا إذا أرادوا اللقاء بالربّ، يمضون إلى الهيكل. يدعوهم الربّ فيأتون إليه. »متى أجيءُ وأرى وجه الله؟« (مز 42: 3). أو: يراني الله ويسمح لي أن أراه. ولكنَّ الهيكل بعيد. وربَّما هو مدمَّر ساعة كُتب سفر أيّوب، مقدِّمًا في الرمز، النكبة التي عاشتها مملكة داود سنة 587 ق.م.

وأخيرًا جاء أليهو الذي يمثِّل الصوت النبويّ، فقال (ف 23):

14 الله يتكلَّم مرّة ومرّتين،

ولكن أين من يلاحظ كلامه؟

15 في الحلم يتكلَّم ورؤيا الله،

والناس على مضاجعهم نائمون.

الله يتكلَّم من خلال الأحداث التي حصلت لأيّوب. ويتكلَّم من خلال الأشخاص. وكلّهم ذكَّروا أيّوب بأقوال من الكتاب. ولكنَّ أيّوب »شبع« من السماع. هو يريد أن يرى. وبما أنّ الهيكل الذي هو كون صغير قد تهدَّم، فهو يدخل بنعمة من الله، في الكون الذي هو هيكل كبير.

إذا كانت السماوات تنطق بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه (مز 19: 2)، فماذا ينتظر أيّوب لكي يفعل؟ لكي يكتشف مجد الله الذي لا يُرى من خلال خلائقه التي تُرى.

بدأ أليهو فنقل أيّوب من فصل إلى فصل في فصول السنة. في الخريف (ف 36):

26 عظيم هو الله فوق إدراكنا،

وسنينُه كثيرة لا تُحصى.

27 هو الذي يجرّ قطران الماء

فتهطل مطرًا في الضباب.

وفي فصل الشتاء، البرق والرعد، فيلجأ الإنسان إلى بيته والحيوان إلى أوكارها (ف 37):

6 يقول للثلج: أسقط على الأرض،

وللمطر الغزير: أهطل بقوّة.

9 تهبُّ الأعاصير في الجنوب،

والبرْدُ من رياح الشمال.

وينشد مز 148: 7-8: »هلّلي للربّ من الأرض، أيَّتها التنانين وكلّ اللجج، النار والبرَد، الثلج والضباب، الريحُ العاصفة العاملة بكلمته«. وينتقل أليهو مع أيّوب إلى فصل الصيف:

14 فأصغِ إلى هذا، يا أيّوب!

قِفْ وتأمَّل عجائب الله.

كلُّ هذا، ساعد أيّوب على الصلاة في قلب الطبيعة، فأنشد: »أيُّها الربُّ ربُّنا، ما أعظمَ اسمَك في كلِّ الأرض!« (مز 8: 1). الأرض والسماوات تُنشد جلالك. يكفي أن أرى السماء فأراك. وأشاهد النجوم، فأكتشف عمل إصبعك. توقَّف الأقدمون عند الخليقة. رأوها جميلة، قويّة. فعبدوها. أمّا المؤمن فيرى أنَّ خالقها أجمل منها وأقوى. بل هو ينبوعُ جمالها وقوَّتها. هكذا بدأ يتدرَّج أيّوب بعد أن خرج من ذاته، ومن مشكلته الضيّقة. اعتبر في »وقت الضباب« أنّ الله لا يهتمّ بالإنسان. كان على خطأ. يهتمّ بالوعول حين تلد. وبحمار الوحش السارح في البرّيّة. النعامة أمامه واللقلق والصقر (ف 39). يهتمُّ بالحيوان الصغير، كما بالكبير، ولو كان بهيموت الذي يمثِّل البهيمة أو وحيد القرن، ولو كان لاويثان الذي يمثِّل الالتواء والتمساح. أتراه لا يهتمّ بالإنسان؟ وهل ترك أيّوب دقيقة واحدة؟ كلاّ. وأيّوب حاول منقلب المحنة والضياع، أن يبقى متمسِّكًا بالربّ: »من لي في السماء سواك، وفي الأرض لا أبغي غيرك« (مز 73: 25). بل استطاع أن يقول: »أنا معك كلَّ حين، تمسكني بيدي اليُمنى. بمشورتك تهديني، وإلى المجد تأخذني« (آ23-24).

أمّا أيّوب، فمرَّ أوَّلاً في مرحلة السكوت. ففي السكوت نسمع صوت الله. مع أنَّ أليهو قال له الكلام الكثير. وحين تجلّى الله في العاصفة (38: 1) كما على جبل سيناء، وأراه الكون الوسيع بغناه، ترك الجدال والخصام (40: 1). ودخل في صمت آخر. هو أبعد ما يكون عن موقف سلبيّ. عن عدم الكلام. هو صمت إيجابيّ واستعداد للاستماع إلى الله، على مثال إيليّا، على جبل حوريب. هي الخطوة قبل الأخيرة من أجل اللقاء بالله. فالصلاة في النهاية، هي لقاء بالربّ وتنعم بحضوره وسماع صوته. ونقرأ ف 40:

6 فأجاب الربّ أيوبَ من العاصفة وقال:

7 ''شُدَّ حيلك وكن رجلاً،

أريد أن أسألك، فأخبرْني.

أنت إنسان. فلماذا تجعل نفسك »إلهًا«؟ تريد أن تقف مع الله في المحاكمة. ما هي إمكانيّاتك؟ فهم أيّوب ضعفه، كما سبق وفعل إبراهيم. قال في ف 42:

6 لذلك، أستردُّ كلامي وأندم،

وأنا هكذا في التراب والرماد.

حين يكون الإنسان غنيٌّا، يحسب نفسه »إلهًا« يستغني عن الإله الحقيقيّ. وحين يكون قديرًا، يعتبر نفسه فوق وصايا الله وأوامره. أما هكذا كان داود؟ ولكن حين يتجرَّد الإنسان كما فعل إبراهيم، يكون إيمانه هو ما يربطه بالله. وأيّوب أنهى صلاته الطويلة، فنال ما طلب:

5 سمعتُ عنك سمع الأذن،

والآن رأتك عيناي.

 

خاتمة

هكذا وصل أيّوب إلى حيث يريد له الله. قال الله لإبراهيم: أترك وتعالَ إلى حيث أريك، إلى حيث أدلُّك. فسار إبراهيم كما أمره الله. كذلك فعل مع أيّوب. حياته مرتاحة وسط خيرات أُعطيَتْ له، وبنين يجتمعون مرّة في الأسبوع في بيت أخيهم الأكبر. حياة هادئة، مطمئنّة. لا تطرح سؤالاً. ولكنَّ الربّ جاء يُلقي نارًا على الأرض، وفي قلب كلِّ واحد منّا. هذا ما فعل بأيّوب الذي بدأ فاستسلم له بثقة كاملة. ولكن بدا الله وكأنَّه غاب وترك أيّوب يتخبَّط في مسيرته وكأنَّه وحده، على مثال إبراهيم الذي تساءل يومًا عن عطاءات الله. غير أنّ الربَّ حاضر. في قلب »الخير« حاضر. وفي قلب »الشرّ« حاضر. فهل الإنسان حاضر؟ هل يستعدّ لكي يسمع ويفتح الباب؟ هل يريد خبرة مع الله ولو كانت نارًا محرقة؟ قبِل الربّ بالتحدّي وغلب الشيطان في أيّوب. وقبل أيّوب التحدّي فرضي أن يغلبه الله، كما غلب قبله يعقوب. ولكن تلك الغلبة كانت أكبر بركة. سمع الله. رآه. فماذا ينتظر بعد ذلك؟