جماعة قمران وكتبها

 

 

جماعة عاشت على شاطئ البحر الميت من القرن ق م حتى سنة 68 ب م ودخول الجيوش الرومانيّة إلى أورشليم سنة 70. سمّاهم الأقدمون الاسيانيّين لارتباطهم بعالم الشفاء، وما هي العلماء بين أهل قمران وهؤلاء الأسيانيين الذين اختفت آثارهم قروناً عديدة، قبل أن تُكتشف عن طريق الصدفة سنة 1947 بواسطة بدو من قبيلة تعميرة.
بدأت الحفريات بعد ذلك الوقت في ما يُدعى اليوم "خربة قمران". لن نتوقّف عند القرن الثامن أو القرن السابع ق. م. حيث دلّت التنقيبات على بقايا جدران وفخاريات، وشحفة حُفرت عليها حروف فينيقية وختم ملكيّ يعود بنا إلى الملك عزّيا كما يُذكر في 2 أخ 16: 10. بل نصل إلى الربع الأخير من القرن الثاني ق. م. حيث حُفرت الآبار وبنيت أفران من أجل صناعة الفخار. ومنذ سنة 100 ق. ق. حتى الزلزال الذي حصل سنة 31 ق. م.، وُجدت أبنية من طابقين أو ثلاثة مع آبار ارتبطت بعضها ببعض بواسطة الخزّان والقنوات. وهذا ما يدلّ على وجود جماعة كبيرة ومنظّمة. أما الحقبة الأهم فهي التي تمتدّ من بداية المسيحيّة حتى الدمار سنة 68 ب. م.
وقد وُجدت نقود عديدة في هذا الموضع، فحدّدت حقبات الإقامة في خربة قمران. وهذه النقود تعود إلى الحقبة اليونانية والرومانيّة، منذ أنطيوخس السابع السلوقي (139- 129 ق. ق.) والملك الحشموني يوحنا حركانس (135- 104 ق. م.) حتى آخر ملوك حشموني أنطيغونس (40- 3 ق. م.) مروراً باسكندر يناي. وتحدّثت خنس قطع نقود عن هيرودس الكبير وحكمه الطويل (37 ق. م.- 4 ب. م.). وذُكر ارخيلاوس (4- 6 ب. م.) الذي أشار إليه الانجيل في معرض الحديث عن طفولة يسوع، وإقامة العائلة المقدّسة في الناصرة، لا في بيت لحكم اليهوديّة (مت 2: 22). كما ذُكر الولاة الرومان، وهيرودس اغريبا الأول (37- 44 ب. م.). ووُجدت نقود تعود إلى السنة الثانية من الحربّ ضدّ رومة (67- 68). في ذلك الوقت اختفى "دير" قمران من الوجود. ولم يعض ينبض بالحياة إلا بعد أن بدأت التنقيبات سنة 1947، فظهرت مكتبة كبيرة تحوي العدد الكبير من المخطوطات.
نجد في مخطوطات قمران ثلاثة أنواع من الكتب: النصوص البيبلية أو نصوص الكتاب المقدّس بعهده القديم. النصوص المنحولة. وأخيراً النصوص القمرانيّة التي تتحدّث عن نظام الجماعة وحياتها.
ففي أحدى عشر مغارة وُجدت فيها كتابات، اكتشف المنقبون 173 مخطوطاً تتضمن مقاطع كبيرة أو صغيرة من جميع أسفار الكتاب المقدس ما عدا سفر استير. يزاد على ذلك مخطوطان يحملان مقاطع من سفري اللاويين وأيوب في اللغة الآراميّة. كما وجدت نصوص يونانية لأسفار الخروج واللاويين والعدد، وبعض رسالة إرميا التي تشكّل في بعض الترجمات الفصل السادس من باروك. واكتشف العلماء أيضاً أربعة مخطوطات أرامية ومخطوطاً عبرياً لسفر طوبيا، ومقطعين عبريين ليشوع بن سيراخ.
ووُجدت في قمران كتب منحولة لم نكن نعرفها إلاّ في الينانية (وصيّات الآباء الاثني عشر) أو الحبشيّة (كتاب أخنوخ. اليوبيلات). وُجدت نصوص من الأصل العبريّ أو الأراميّ من هذه الكتب، كما اكتشفت نصوص لم تكن معروفة مثل صلاة نبونيد (المغارة الرابعة)، نصوص حول ملكيصادق ورؤى عمرام (التي عرفها أوريجانس)، ومزامير يشوع...
أما الكتابات القمرانية فتعلمنا بشكل دقيق عن تنظيم أخوّة برية يهوذا ومثالها. نذكر منها: نظام الجماعة الذي نقلناه في هذا الكتاب. وثيقة صادوق أو وثيقة دمشق التي عُرفت في مخطوطات تعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر، وقد وُجدت في مخبأ القاهرة سنة 1896. ثم، نظام حرب أبناء النور ضدّ أبناء الظلمة الذي تقلناه في هذا الكتاب. نظام الحلقة أو الأخوّة الذي ارتبط بنظام الجماعة، مع كتاب المباركات. جميع هذه الكتب وُجدت أصلاً في المغارة الأولى، مع بضعة مقاطع في مغاور أخرى. وأطول مخطوط هو "درج الهيكل" وقد اكتشف في المغارة الحادية عشرة.
وهناك "المدائح"، تلك المجموعة الشعرية (نقلناها في هذا الكتاب) التي فيها يحدّثنا الكاتب عن خبرته الروحيّة في خطّ سفر المزامير. والتفاسير (بشر أو فسر): أشعيا، هوشع، ميخا، ناحوم، حبقوق. ومز 37؛ 57؛ 68. وهناك ترجوم سفر التكوين...
كانت الكتابات القمرانيّة كثيرة. بعضها ضاع. والبعض الآخر نعرفه في مقاطع ونتف، أو في تلميحات نجدها في كتب أخرى. ونحن ننتظر عمل الباحثين لكي يجمعوا هذه النتف لنصل إلى مقاطع مقروءة مثل نصّ "التطويبات" الذي نشر أخيراً.
والسؤال الذي نطرحه الآن: ما هو المثال الروحيّ لجماعة قمران؟ لقد دلّت النصوص القمرانيّة على وجود جماعة يهودية، ابتعدت عن الهيكل، بل انفصلت عن أورشليم وتنظّمت في أخوّة فقدّمت نفسها على أنها جماعة العهد الجديد، الجماعة الحقيقيّة في نهاية الأزمنة. وهذه النهاية هي المحور الذي حوله تنتظم خبرة جماعة قمران.
وإذا عدنا إلى وثيقة صادوق (أو: وثيقة دمشق) والتفاسير البيبلية، نفهم أنّ مؤسّس القمرانيين هو معلّم البرّ، وهو شخص يمتلك قوّة معنويّة خارقة. وقد طبع بشكل عميق حياة الجماعة وتعليمها. كان له خصم في الكاهن الكافر الذي قد يكون عظيم الكهنة في أورشليم.
إن معلّم البرّ يرتبط بالتعليم المسيحانيّ في قمران. انقطع أهل قمران عن كهنة أورشليم قبل أزمة سنة 174 ق. م.، فقدّموا تعليماً مسيحانياً برأسين: مسيح ملك أو مسيح اسرائيل. مسيح كاهن أو مسيح هارون. هذا التعليم نجده أيضاً في وصيّات الآباء الاثني عشر وكتاب اليوبيلات. في هذا الإطار اعتبر القمرانيون أنهم جماعة نهاية الأزمنة، مع نظرة متطوّرة إلى التاريخ الوطنيّ الذي ظلّوا متضامنين معه رغم كلّ شيء.
فأهل قمران الذين هم في الحقيقة "أهل الكتاب" قد تركوا لنا المخطوطات العديدة، ونحن إذ ننقلها إلى العربيّة نحاول أن نتعرّف إلى حياتهم وتنظيمهم وروحانيَّتهم وما لكلّ هذا من علاقات مع العالم اليهودي والعالم المسيحيّ.