نظرة إجمالية إلى قلب الرؤيا

 

قرأنا ف 2- 3 والرسائل إلى الكنائس، فبدت لنا غنيّة بالرموز المسيحية المتجذّرة في العهد القديم وفي حياة الكنيسة الأولى. وبدت لنا سهلة نسبياً، وإن طلبت منا بحثاً في العمق. أما ف 4-22 فيخاف منها القرّاء لأنها تحيرّهم، لأنها منطقة مجهولة بالنسبة إليهم. ومع ذلك، فهذه الفصول هي القسم المبتكر في رؤ، وهي التي دوّنت في البداية، فجاءت الرسائل السبع تقرأها في إطار كنائس محدّدة في الزمان والمكان، لتعلّمنا كيف نقرأها نحن في محيطنا وعلى مشارف الألف الثالث.
وقبل أن نبدأ بقراءة النصوص، نحاول أن نكتشف الإطار العام والبنية التي فيها تدخل التفاصيل. هنا نبتعد عن كل فكرة مسبقة. لا نحاول أن نستشرف على التاريخ المعاصر!! ولا ننتظر أن نكتشف بناء منطقياً تدخل فيه كل الآيات. المهم أن ندخل في شخصية الكاتب وفي تعاريج نصّه فنصل إلى كلمة إيمان تتوجّه إلينا الآن.

أولاً: إشارات تدلّ على البنية
1- السباعيات
أ- الختوم السبعة
الختوم السبعة هي كتاب مقاصد الله. وحده الحمل هو أهل بأن يفضّها (يفتحها) ويُشرف على تنفيذ مشروع الله. تُذكر هذه الختوم أولاً بشكل إجمالي وبارتباط مع السفر المختوم (المغلق). نقرأ في 5: 1: "كتاباً مختوماً بخمسة أختام"؛ رج 5: 2، 5، 9؛ 6: 1. ثم تُفتح الختوم الواحد بعد الآخر. لكل ختم هويته ورقمه ومضمونه الخاصّ (6: 1، 3، 5، 7، 9، 12؛ 8: 1). ولكن حين نصل إلى الختم السابع نلاحظ شيئاً جديداً. مضمونه هو صمت يتبعه إعلان الأبواق السبعة.
يبدو كل ختم حسب رسمة ثابتة مع "نظرت" قبل الفتح أو بعده (6: 2، 5 ب، 8، 9، 12 ... 8: 2). ويبدو الختم السابع كسائر الختوم. أما مضمونه فصمت وسباعية الأبواق. ثم هناك علاقة حميمة بين صوت فيه يسمع الله صلاة القديسين دون أن يجيب عليها بعد، وملائكة يحملون أبواقاً تمثّل تنفيذ مقاصد الله. فهؤلاء الملائكة يبدون جامدين في النهاية (8: 2) ولا ينتقلون إلى العمل (8: 6) إلاّ حين تصل صلوات القديسين أمام عرش الله (8: 3- 5). وهكذا يكون مضمون الختم السابع سباعية الأبواق.
ب- الأبواق السبعة
نجد هنا الرسمة عينها التي وجدناها في الختوم والسبعة. تقدّم كلها دفعة واحدة (8: 2، 6: واستعدّ الملائكة السبعة الذين يحملون الأبواق السبعة). ثم تتعاقب الأبواق بشكل تدريجي متصاعد (8: 7، 8، 10، 12؛ 9: 1، 13؛ 11: 15). ويبدو البوق السابع هو أيضاً بدون مضمون. ليس مضمونه المجدلة. فبعد 10: 7، سيكون البوق السابع تتمّة سّر الله أي ما سنقرأه في باقي الكتاب. وهناك إشارتان أخريان تثبتان هذا الإستنتاج: الويلات الثلاثة في 8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14 والآيات الثلاث في 1:12 ،3؛ 15: 1.

ج- الكؤوس السبع
ونجد هنا أيضاً الرسمة عينها. تقدّم الكؤوس في نظرة إجمالية (15: 1، 6، 8؛ 16: 1). ثم تتعاقب في 16: 2، 3، 4، 8، 10، 12، 17. وتكون الكأس السابعة خاصة. كانت الكؤوس السابقة تعطي كل منها نتيجة محدّدة تقابل المكان الذي صبّت فيه. أما الكأس السابعة فصُبّت في الجوّ. إذاً، كوّن مضمونهُا ظواهر طقسية تلي 16: 18-21. ولكن ماذا نقول عن الزلزال الذي لا يحدث في الجوّ؟! ثم إن 16: 18-21 لا يرتبط بالجوّ بل هو جزء من سلسلة تعابير مقولبة سندرسها فيما بعد. وإذا نظرنا إلى المناخ العبادي، وجدنا أن الجوّ يمثّل موضع الأرواح الشرّيرة، الذي منه تعمل ضدّ البشر (أف 2: 2). والحال، إن تدخّل الله النهائي يتضمّن إزالة القوى المعادية وخصوصاً الشياطين (19: 20؛ 20: 10، 14، 15؛ 21: 8).
ثم إن دينونة بابل التي أعلنت في 16: 19، سترُوى بالتفصيل في 17: 1-19: 2. وعبارة "قُضي الأمر" في 16: 17 ستعود كما في تضمين في 21: 6، فتعلن أن مقرّرات الله قد نفذّت بشكل نهائي. وستكون نهاية الكتاب متأثّرة بالبوق السابع. فحين نقابل 12: 1 و 21: 9 نجد أن أحد الملائكة السبعة الذين يحملون الكؤوس السبع يقدّم على التوالي الزانية العظمى وعروس الحمل.
وفي الختام نرى أن كل سباعية تتضمن في نهايتها ما يلي. فالكأس السابعة تضمّ كل نهاية الكتاب. والبوق السابع يتضمّن الكؤوس السبع. والختم السابع يتضمن الأبواق السبعة والكؤوس السبع. وهكذا تتضمّن الختوم السبعة كل مادة الكتاب.

2- الويلات الثلاثة والآيات الثلاث
أ- الويلات
ونجد تقسيماً آخر يبدأ باحتفال في 8: 13 (ونظرت فسمعت نسراً طائراً في وسط السماء). ويتواصل في 9: 12 (مضى الويل الأول ويأتي الويلان الآخران) و 11: 14 (مضى الويل الثاني، وها هو الويل الثالث يأتي سريعاً). تحدّد الويل الأول بوضوح في 8: 13- 9: 12. والويل الثاني في 9: 12- 11: 14. وأشير إلى بداية الويل الثالث في 11: 14: يأتي قريباً، سريعاً. هذا يعني أنه لا يتأخّر، فيرافق بداية البوق السابع. لم تُذكر نهاية الويل الثالث، وهذا يعني أنه يمتدّ امتداد البوق السابع، يعني حتى نهاية الكتاب. وهذا يدلّ على أن نهاية الكتاب كله تأثّرت بطابع دراماتيكي كبير جداً.
لسنا أمام تقسيم جديد، لأن هذه الويلات الثلاثة تتماهى مع البوق الخامس والسادس والسابع. فالهدف هو إبراز الطابع الدراماتيكي لما سيحصل، ولفت الإنتباه إلى البوق السابع. هناك شيء جديد وحاسم سوف يبدأ، كالضربات الثلاث قبل رفع الستار على المسرح. قرأنا في 10: 7: "فما إن يحين الوقت وينفخ الملاك السابع في بوقه حتى يتمّ سّر الله". والمجدلة في 11: 17 تتحدّث عن الله فتقول: "أنت الكائن والذي كان". ولا تقول: الذي يأتي، الذي هو هنا. والهيكل الذي ينفتح في السماء وتابوت العهد الذي يظهر نقرأ عنهما في 11: 19.

ب- الآيات
في هذا الإطار الإحتفالي جداً، تظهر آية (سامايون) ثلاث مرات. في 12: 1: "وظهرت آية عجيبة في السماء: امرأة تلبس الشمس". في 12: 3: "وظهرت في السماء آية أخرى: تنين عظيم أحمر كالنار". في 15: 1: "ثم رأيت في السماء آية عظيمة رائعة: سبعة ملائكة يحملون سبع نكبات، وهي الأخيرة". هذه هي المرات. الثلاث الوحيدة التي فيها تظهر لفظة "آية" في صيغة المفرد. هي لا تعني "معجزة"، بل علامة نفسّرها. 
هناك تسلسل وثيق بين هذه الآيات الثلاث. هي تشكّل مجموعة كاملة. كلها موجودة "في السماء". ولفظة "أخرى" تربط الآيتين الثانية والثالثة بالأولى. يُقال شيء بسيط عن الآية الثانية. ويكون توسّع طويل في الآية الأولى. هي عظيمة. أما الآية الثالثة فهي عظيمة ورائعة بمعنى أنها تثير الخوف.
حين أشار النصّ إلى هذه الآيات الثلاث، أبرز قسماً جديداً يبدأ مع البوق السابع، وربط ربطاً وثيقاً الكؤوس السبع بالفصول 12- 14 حيث تظهر المرأة والتنين والوحش الأول والوحش الثاني (= النبي الكاذب) الذين سيتواجهون حتى النصر الأخير الذي يرويه البوق السابع.

3- عبارة نموذجية: بروق، أصوات، رعود
ترد هذه العبارة في أربعة أشكال يتوسّع فيها النصّ بشكل تدريجي مستعملاً دوماً الألفاظ الأساسية الثلاث: بروق، أصوات، رعود. في 4: 5: "خرج من العرش بروق وأصوات ورعود". في 8: 5: "حدثت رعود، أصوات، بروق، زلزال". في 11: 19: "وحدثت بروق، أصوات، رعود، زلزال، وبرد كثير". وفي 21: 18- 21: "وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزال عنيف ما شهدت الأرض مثله بهذا العنف منذ وُجد الإنسان على الأرض: تحطّمت المدينة العظيمة... ونزل من السماء على الناس برد كبير بمثقال وزنة، فشتم الناس الله لنكبة البرد هذه لأنها كانت رهيبة جداً".
إن العناصر الأساسية الثلاثة تعود إلى ظاهرة واحدة، هي ظاهرة الرعد. فاللفظة التي تعني "الصوت" هي في العبرية "قول" أي رعد (مز 29: 28). أما البروق فترتبط بالرعد. ما معنى الصورة في العهد القديم؟ في خر 19 وفي إطار تيوفانية سيناء الكبرى، نحن أمام ظهور حسيّ لله. ظهور يعلن عن تدخّل الله في التاريخ. هو رمز يدلّ على أن الله يعمل، دون أن يصوّر عمله بطريقة ملموسة (حز 1: 13؛ أي 37؟ 4).
* ونعود إلى 4: 5. نحن في إطار الرؤية التدشينية. رؤية ثابتة لعرش الله. لا ترتبط العبارة بما سبق ولا بما يلي. إنها تدلّ على قدرة الله الناشطة والمستعدة دوماً لأن تتدخل في حاضر يستمرّ، مثل فوهة بركان يشتعل دوماً. وسوف نرى كيف يتوضّح هذا العمل حتى نهايته.
* تبدأ 8: 5 بلفظة "وحدث" (وكان) بدل الماضي الذي يستمرّ في 4: ه. نحن الآن في كل مرّة أمام تدخّل ملموس محدّد من قبل الله في التاريخ. فالزلزال يشير إلى تدخّل عام يصيب الأرض والبشر. والإطار هو إطار استجابة صلاة القديسين أمام العرش. هذه الصلاة تدعو الله لكي يعمل، وعمله يتوضّح في الأبواق السبعة.
* في 11: 19 يتقدّم العمل، يسير إلى الأمام. فيزاد على الزلزال البرد الكثير (أو: القوي) الذي يعطي لتدخّل الله على الأرض طابع عقاب بارز. والإطار هو إطار تحقيق نهائي للميثاق (أو العهد) بواسطة الدينونة الكبرى. رج 11: 18: "جاءت ساعة دينونة الأموات، ساعة مكافأة عبيدك الأنبياء... ساعة هلاك الذين يهلكون الأرض". وينفتح الهيكل في السماء ويظهر تابوت العهد: الله سيسكن بيننا بعد أن يخزي أعداءه.
* ونجد في 16: 18- 21 العناصر نفسها ولكن مضخّمة إلى آخر حدود التضخيم. فتدخّل الله سيصل إلى أقصى قوته. هناك زلزال لم تشهد الأرض مثله منذ وُجد إنسان على الأرض. وهو يهدم المدينة العظيمة (هذا ما يرويه ف 17- 18). وحبّات البرد كبيرة جداً: 40 كلغ. هي ترمز إلى تدخّل الله الذي يعاقب البشر قبل أن يعطى لهم وقت ليأخذوا حذرهم. والإطار يعود إلى الهيكل وإلى العرش. وكلمة الله "قُضي الأمر" تدلّ على أن هذا. هو الحلّ الأخير.
في الخاتمة، إن العبارة تدل على رؤية العرش (4: 5)، وتشير بطريقة ملموسة إلى تدخّل الله الأزلي الذي لا يوقف مسيرته شيء. مثل هذه الأعمال تبدو متدرّجة حتى الذروة النهائية. هناك عودة إلى العرش (4: 5؛ 8: 3)، إلى الهيكل (11: 19) أو الإثنين معاً (16: 17). وهكذا يكون الرباط وثيقاً بين تسامي الله ومخطّط الخلاص وصلاة القديسين من جهة، وتدخّلات الله في التاريخ البشري من جهة ثانية. وفي النهاية، تأتي العبارة بعد العنصر السابع في السباعية، فتعلن تدخّل الله في الفصول التالية: تدخّل الله على الأرض بواسطة الأبواق (8: 5). عقابه بواسطة الكؤوس (11:-19). دينونته الأخيرة في الكأس السابعة (16: 18- 21). 
4- المجدلات
المجدلات بارزة في رؤ بتواترها وصيغتها الإحتفالية وتوزيعها توزيعاً منظماً في الكتاب. وظيفتها تشبه وظيفة الجوقة في التراجيديا اليونانية، فتجعلنا نعيش الأمور التي حصلت أو تعلن أموراً سوف تحصل. هي ترسل أنظارنا إلى الأمام لا إلى الوراء، فتساعدنا على التأمل في العمل الذي حصل أمامنا. ونقدم إشارات سريعة.
* 4: 8- 11: نستشفّ ما سيحصل في وليْ الكتاب: الإله الكائن، الذي كان، الذي سيأتي، لينال المجد والإكرام والقدرة.
* 5: 8- 14. هي في إجمالها ترسل أنظارنا إلى الأمام: كلى ما سيحصل في الكتاب هو تحت نظر الحمل. بسبب الفداء الذي تمّ والذي يعطي نتائجه التامة في آ 9- 10؛ بسبب صفات الله التي نالها الحمل ليعمل في الزمن الحاضر (آ 12)؛ بسبب مشاركة الحمل في عرش الله في المستقبل. وهذه المشاركة تمنحه مديح الكون كله إلى أبد الآبدين (آ 13).
* 7: 9-12. ينشد البشر الله لأجل ما عمله من أجلهم. ما أعلن في السابق في الكتاب، قد تحقّق الآن. وفي آ 12 ينشد الملائكة الله لما سيعمل في سائر الكتاب.
* 11: 15-18. جاءت النهاية. فلا يتكلّم النصّ عن الله الذي يأتي، بل عن الكائن والذي كان. إذن، من كان سيأتي هو الآن حاضر (آ 15). وهذا ما يقابل البوق السابع. ويبدأ قسم جديد. في آ 18، نستبق الأحداث التي ستتحقق فيما بعد: الملكوت (آ 15) = 12: 10؛ غضب الشعوب (آ 18)= 19: 19؛ 20: 8، 9؛ 20: 11- 15؛ نحن نتطلّع إلى الصراع الذي سيبدأ في ف 12 ولا ينتهي إلا بنهاية الكتاب.
* 15: 2- 4. يشير إلى حرب وإلى انتصار: يقف الغالبون على بحر البلّور ولا يغرقون (كما حدث لبطرس). غير أنهم لم يصلوا بعد إلى الضفّة الثانية. هم في مرحلة عبور.
* 16: 5- 07 الكائن والذي كان. والمستقبل الذي صار حاضراً قد تحدّد: ظهر الله. إنه قدوس (15: 4). لقد اقتربنا من النهاية، والقديسون الذين كانوا يصرخون تحت المذبح (6: 10) قد آستُجيبت صلاتهم.
* 19: 1- 8. تعود آ 1- 4 إلى الماضي: عرف القارىء بدينونة الزانية العظيمة (ف 17-18). وجعلتنا آ 6-8 نستشفّ عروس الحمل المستعدّة للأعراس. ولكنها لن تظهر إلاّ في ف 1 2. والبهجة الإحتفالية لهذه المجدلة، وهتاف هللويا أربع مرات، وتزايد الأصوات حتى الذروة، كل هذا يجعلنا نفكّر بخاتمة نهائية أدركناها منذ الآن ولكنها لم تتحقّق بعد كلياً. هذه المجدلة ستكون الأخيرة. تبدأ على الأرض وتنتهي في السماء حيث لا مكان للزمان والمكان وتبدّل الحالات.

ثانياً: البنية الإجمالية
1- كيف تتوزع القسمات
هناك السباعيات، عبارات الوصل، المجدلات، تماسك القسمات.
أ- السباعيات
نستطيع أن نعتبر ف 4- 5 كقسمة البداية. نحن في الواقع أمام مقدمة لسباعية الختوم. وسنجد في بداية كل سباعية مقطعاً يفتتحها فيشير إلى هذه الرؤية الأولى: 8: 2- 5 (الملائكة يتسلّمون الأبواق، والقديسون يصلّون)؛ 11: 15- 18 (البوق السابع)؛ 15: 2- 7 (الملائكة يتسلّمون الكؤوس)؛ 16: 17 (الملاك السابع). وقد نستطيع أن نعتبر ف 4-5 قطعة مستقلّة بسبب مكانتها المميزة كرباط بين القسم الأول (ف 1-3) والقسم الثاني (ف 5-22). وهكذا تبدأ السباعيات في 6: 01 العنصر السابع يتضمّن السلسلة التالية ويكون بدايتها. إذن، نستطيع القول إن القسم يبدأ مع العنصر السابع في كل سباعية: 8: 1 (ولما فضّ الحمل الختم السابع)؛ 11: 15 (ونفخ الملاك السابع في بوقه)؛ 16: 17 (وسكب الملاك السابع كأسه في الجوّ).
ب- عبارات الوصل
هي عبارة نموذجية ترد في صيغة الحاضر المستمرّ في 4- 5، ثم ترد في زمن (حدث، كان) يدلّ على أحداث محدّدة، وهي موضوعة في سياق العنصر السابع في كل سباعية: 8: 5 (حدثت أصوات)؛ 11: 19 (وحدثت)؛ 16: 18- 21 (وحدثت بروق ورعود).
ج- المجدلات
يعود 4: 8- 11 و 5: 8- 14 إلى الكتاب بجملته دون إشارة إلى القسمات. ويعود 7: 9- 12 (في آ 10) إلى الخلاص الذي حصلنا عليه: فتجاه المحنة العظمى التي بدأت في 5: 12، قد أعطى الله الخلاص للذين غسلوا ثيابهم في دم الحمل. وفي 7: 17 تكون خاتمة القسمة: لأن الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم...
يدلّ 11: 15-18 عك بداية قسم جديد، ويبيّن 15: 3-4 (مع عناصر ظهرت في ف 12-13) أننا ما زلنا في قسم بدأ في ف 12. ويحيلنا 19: 1-8 إلى الزانية من جهة، ومن جهة أخرى إلى العروس، فنجد في 17- 18 دينونة الزانية، وفي 21- 22 إنتصار العروس.
د- تماسك القسمات
يشرف على 4: 1- 5: 14 موضوع العرش والجالس عليه، وموضوع الكتاب بختومه السبعة والذي يتسلّمه. إنه الحمل المذبوح. وهكذا يتمازج الموضوعان (العرش، الحمل) تمازجاً رائعاً في 5: 13 (للجالس على العرش وللحمل). ويتوحّد 6: 1- 7: 17 بتسلسل الختوم الستة والخاتمتين: واحدة سلبية (6: 17): جاء يوم غضبه العظيم. والأخرى إيجابية (7: 14-17) تستبق تصوير الخلاص الذي سنجده أيضاً في ف 22. ويتحدد 8: 1- 11: 14 بتسلسل الأبواق الستة الأولى والطابع المحدود لما يحصل: ثلث دمار في ف 8-9؛ شاهدان يعملان 1260 يوماً. يدمّر عشر المدينة في ف 11. وبعد الكتاب الصغير (ف 10) يبقى جزئياً بالنسبة إلى التعليم السرّي في "الرعود السبعة" (10: 4). وحين يُنفخ في البوق السابع يتمّ سّر الله (10: 7).
كيف نوحّد 11: 15-16: 16 ساعة نتخلّى في ف 12-14 عن بنية السباعية؟ في الواقع، البداية محدّدة مع رؤية تابوت العهد الذي يدلّ على تحقيق الأزمنة المسيحانية (2 مك 2: 4- 8). وتظهر عناصر جديدة: المرأة، التنين، الوحشان: إن قوى الشر تنزع القناع عن وجهها فلا تعود خفيّة. وتظهر عناصر ختامية: 14: 8 (إعلان سقوط بابل)؛ 14: 14- 20 (الحصاد الاسكاتولوجي والقطاف)؛ 15: 1 (النكبات الأخيرة التي فيها يتمّ غضب الله)؛ 16: 16 (كل واحد يستعدّ للفصل الأخير من المعركة الأخيرة).
كيف ترتبط ف 12- 14 مع الكؤوس الست؟ إن الثلاث آيات (12: 1، 3؛ 15: 1) تضمّ مجمل القسم و 15: 1-8 (يوازي 11: 15-19) (رج خاصة 11: 19 و 15: 5) يستعيد التواصل فوق ف 12-14. كان خطّ قد بدأ في ف 12-13 (حرب في السماء وعلى الأرض بين المرأة والتنين) فانقطع في ف 14 الذي كوّن كتلة مستقلّة.
ويدخل 16: 17- 22: 5 بين عبارة "قضي الأمر" تتردّد في 16: 17 و21: 6، بين الزانية التي حُكم عليها فدمّرت (ف 17-18) والعروس التي دخلت في المجد (ف 21- 22). وبين هذين القطبين، نجد وصلة في عناصر مختلفة تشير إلى زوال الملوك والوحشين والتنين تجاه ملك الملوك ربّ الأرباب (17: 14؛ 19: 11- 16).

2- تدرّج خطوطي
حين نلقي نظرة إلى هذه القسمات الخمس (4: 1-5: 14؛ 6: 1- 7: 17؛ 8: 1- 11: 14؛ 11: 15-16: 16؛ 16: 17-22: 5)، نجد تدرجاً يصل إلى ذروته في القسمة الخامسة.
أ- الواقع
إنّ تداخل السباعيات يبيّن أن كتاب الختوم يتضمّن كل شيء. ومع العنصر السابع تبدأ سباعية جديدة. وأسماء السباعيات تدلّ على تدرّج. يُفضّ الختم، يُفتح. نحن في بداية العمل. والذي يفضّه يتسلّط شيئاً فشيئاً على واقع كان خفياً ومحفوظاً لله. وفي الختم السابع، نراه يتمتع بملء السلطان حقاً وفعلاً. وتعلن الأبواق الإنذار والتجمّع من أجل الحرب. هي تُنفخ أمام الملك أو القائد فتتجمّع الجيوش من أجل المعركة. وهي تنفخ لتعلن النصر. مع البوق السابع، تكون الحرب على أشدّها. وتأتي الكؤوس المليئة بالنكبات السبع فتدلّ على التتمة. وتشير إلى المجازاة وغضب الله العادل. وتعيد الكأس السابعة عدالة الله.
ب- تدقيق
كيف ندقّق في هذا الواقع؟ نبيّن في كل قسمة عناصر جديدة تجد خاتمتها في القسمة النهائية. القسمة الثانية (6: 1-7: 7: 17): مشروع الفارس في 6: 2 (حصان أبيض، وراكبه يحمل قوساً) يتحقّق في 19: 11 (فرس أبيض عليه راكب يُدعى الأمين الصادق). إن الموت والجحيم اللذين أطلقا في 6: 8 (راكبه يُدعى الموت والجحيم أو مثوى الأموات) سيُحكم عليهما بأن يقذفا ما فيهما من الأموات (20: 13-14). دم الشهداء الذي يصرخ إلى الله في 6: 10 (إلى متى، أيها القدوس الحقّ، لا تدين سكان الأرض وتنتقم منهم لدمائنا) سيجد جواباً في 19: 2 (إنتقم منها لدم عباده). وغضب الله الذي خافته كل فئات البشر في 6: 15 (ملوك الأرض وعظماؤها) قد تتم فيهم في 19: 18 (تأكل لحوم الملوك).
في القسمة الثالثة (8: 1- 11: 14): بئر الهاوية المفتوح في 9: 2 سيُغلق ويختم في 20: 1-8. وفي القسمة الرابعة (11: 15-16: 16): يصعد الوحشان من البحر والبرّ ليضلاّ البشر. في 13: 1، 11، 14 سيقيّدان، ويعاقبان في 19: 20 (في بحيرة من نار الكبريت الملتهب).
ج- مواضيع أخرى تبرز التدرّج
أولاً: العرش والجالس عليه والحمل
العرش هو الله كما نكتشفه عبر تجلّي قدرته وتساميه في الخليقة. والحمل المذبوح هو المسيح المصلوب والممجّد الذي يشارك قدرة الجالس على العرش في سلطان فريد على الكون. ونجد صورة عن تتمّة مخطط الله في 5: 13 (في نهاية المجدلة): "وسمعتُ كل خليقة في السماء والأرض وتحت الأرض وفي البحر والكون كله تقول: للجالس على العرش والحمل الحمد والإكرام والمجد".
وسنجد هذه الصورة في القسمة الثانية في 6: 16 في إطار من الغضب (يقولون للجبال: اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش ومن غضب الحمل) وفي 7: 10-17 في إطار خلاص. غاب الموضوع من القسمة الثالثة وظهر من جديد في الرابعة في 14: 4 (يتبعون الحمل أينما سار)، وفي الخامسة في 19: 7 (عرس الحمل قد حضر). ولكننا نجد التوسّع الكامل في 21-22، وخصوصاً في 22: 1-5 حيث يشكّل ملك الله والحمل الكلمة الأخيرة في الكتاب.

ثانياً: الكؤوس، البخور، صلوات القديسين
إن لرمزية الكؤوس معناها العميق. ففي اللغة البيبلية، الكأس تدل على مصير يحدّده الله لكل إنسان. قد تكون كأساً من الخير والسعادة (مز 16: 5؛ 23: 5) أو كأساً من الشّر والغضب (مز 75: 9؛ إر 25: 15- 29). الكلمة العبرية (كوس. في العربية: كأس) تترجم في اليونانية "بوتاريون". ولكن رؤ تفرّد في استعمال كلمة "فيالي" هي لا ترد إلاّ عنده في العهد الجديد وهي تعني آنية ترافق الذبائح وتقدمة البخور. 
إستعمل رؤ هذه اللفظة في المعنى المجازي وتحدّث عن كؤوس في أيدي 24 شيخاً (5: 8: مع كل واحد كؤوس من ذهب)، وعن الكؤوس السبع في السباعية السابعة (15: 7؛ 16: 1ي مع 9 استعمالات، 17: 1؛ 13:18؛ 9:21.
في 5: 8، ساعة يبدأ العمل، ويستعدّ الحمل لفتح الختوم، تظهر هذه الكؤوس مملوءة بالبخور (أو: العطور) الذي هو صلوات القديسين. إذن، الكؤوس هي صلوات القديسين. وسنجد هذه الصلوات والعطور في 8: 3- 4 (لا تذكر الكؤوس بل ما فيها). فالعطور تعطي نكهة لصلوات البشر فتصبح مقبولة لدى الله.
كل هذا يحصل على مذبح الذهب الذي أمام العرش. فالمذبح هو الموضع الذي فيه يتمّ الإتصال بين الله والبشر، حيث يقدّم الإنسان نفسه لله والله لإنسان. فالشهداء المصلّون (6: 9) هم تحت المذبح. ومن المذبح تأتي الإستجابة. فالمذبح يتكلّم في 9: 13 (سمعت صوتاً خرج من القرون الأربعة لمذبح الذهب) و 16: 7 (سمعت صوتاً من المذبح يقول). ونعود إلى ف 8. ففي آ 2، نرى الملائكة مع الأبواق لا يتحرّكون. في آ 6، يبدأون بالتحرّك؛ ما الذي حدث في تلك الفترة؟ قُبلت صلاة القديسين فدفعت بالملائكة إلى التحرّك.
ونجد المذبح أيضاً في 14: 18 (خرج من مذبح الهيكل) حيث صلوات القديسين المذبوحين قد استُجيبت، وخرج ملاك النار من المذبح ليدعو ابن الإنسان لكي يفعل.
في 15: 1، 7؛ 16: 1 نجد مضمون الكؤوس السبع لغضب الله. يقابل 15: 7 و 16: 1 سبع نكبات غضب الله (15: 1). أي، إن صلوات القديسين الذين كمل عددهم الآن (6: 11) هي القوة التي تعجّل في نهاية التاريخ. هي تدفع الله لكي ينتقم لدم عباده المقتولين، أي يفي وعود ميثاقه. نجد كلمة "انتقم" في 6: 10 و 19: 2. فذبيحة المسيحيين المتحدة بدم الحمل، بذبيحة الحمل، تعجّل في يوم الله. هنا نفكّر في صلوات وتضرّعات المسيح في عب 5: 7، بعبادة المسيحي الروحية في روم 12: 1، بما يقوله بولس في كو 1: 24: "أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة). بما يقوله بطرس: "تنتظرون وتستعجلون مجيء يوم الله" (2 بط 3: 12). بما يقوله لو 18: 1-8: "كيف لا ينصف الله مختاريه الضارعين إليه ليل نهار"؟
وهكذا نفهم كيف صارت ذات الكؤوس الذهبية صلاة القديسين وغضب الله. ونجد هذه الوظيفة المضاعفة في المبخرة الذهبية (كل ما يتعلّق بالله. هو من ذهب، أثمن ما في الكون) في 8: 3، 5. إن نارها المأخوذة من المذبح، نار الله بالذات، تعطّر صلوات القديسين من جهة، ومن جهة ثانية تحرق الأرض وتحرّك تدخّل الله.
إنّ الكؤوس (الصلوات) التي تنتظر الإستجابة تظهر في بداية 5: 8، ثم تظهر مرة ثانية ساعة تستجاب. وبين الإثنين هناك العطور والمذبح اللذان هما الطريق إلى الإستجابة. إنّ النهاية تبدأ ساعة يبدأ إنسان يصلي حتى وإن لم يحصل أمامه شيء منظور.

ثالثاً: الفارس الغالب
فارس على حصان أبيض. هو عنصر يسترعي انتباهنا في كل رؤ. يظهر في 6: 2 عند فتح الختم الأول. لا يقوم بأي عمل محدّد، غير ان لباسه يدلّ على إمكانية العمل عنده. إنطلق إلى الحرب وسيغلب. ويشدّد النصّ على هذا اليقين بالإكليل الذي أعطي له مسبقاً. من هو هذا الفارس؟ نتعرّف إليه حين نعود إلى المقطع الوحيد الذي يتحدّث عن الغلبة في القسمة الأولى. نعود إلى 5: 5: "غلب الأسد الذي من عشيرة يهوذا ونسل داود". الفارس هو الحمل.
بعد هذا يختفي ولا يعود يظهر إلاّ في الغلبة الأخيرة في 19: 11-16. ولكن خلال هذا الوقت نقرأ كلمة غلب، حرب، حارب. في القسمة الثانية نجد الفارس في 6: 2. في القسمة الثالثة (9: 7، 9) يستعدّ الجراد للحرب مع ملكهم (9: 2، 11). نحن أمام استعارة. في 11: 7، خرج الوحش من الهاوية ليحارب القديسين ويغلبهم. وسيهجم على الشاهدين ويقتلهما: مواجهة جزئية وحلّ جزئي: سيقوم الشهيدان ولكن الوحش لا يزال هنا. في القسمة الرابعة نجد حرباً في السماء (12: 7). قُهر التنين (12: 8) وطُرح إلى الأرض (12: 9). وإذ الحرب مستمرّة على الأرض (12: 13، 17)، خرج وحش من البحر (13: 1)، ثم خرج وحش من البرّ (13: 11) يكمّل عمل الوحش الأول: لقد انتقلت السلطة من يد إلى يد: من التنين إلى الوحش (13: 2). من الوحش الأول إلى الوحش الثاني (13: 12). بدا الوحش في زمن أول وكأنه لا يُقهر (13: 4، 7) ولكن غلبته جزئية وموقتة (15: 2) بفضل الحمل الذي أنشد أحبّاؤه الغالبون نشيد الظفر وهم واقفون على البحر (موطن الشّر). بعد هذا، تتهيّأ المعركة الأخيرة: نظّم المثلّث الجهنمي جيوشه: ملوك الأرض (16: 13- 14). ها قد وصلنا إلى الكأس السابعة حيث بدت المعركة الكبرى قريبة.
في القسمة الخامسة ينتهي كل شيء. في 17: 14 نجد المتحاربين: الملوك، الوحشان، الزانية. ثم الحمل الذي يساعده أخصّاؤه، المدعوون، المختارون، المؤمنون الذين وُعدوا بالنصر. حينئذ يظهر الفارس السّري من جديد، على حصانه الأبيض (19: 11- 16) فيتدمّر أعداؤه بترتيب معاكس لظهورهم: الملوك (19: 18)، الوحش الأول والوحش الثاني (النبي الكذّاب) (19: 20). التنين نفسه، الحية القديمة التي هي إبليس والشيطان بعد مهلة ألف سنة (20: 2، 7-10).
في كل قسمة ظهر عدو جديد أو اهتماماته. في القسمة الأخيرة، زالوا كلهم (رج 1 كور 15: 24-27). إذن، مع موضوع المعركة المتشعّب نكتشف عنصراً موحداً ومتدرّجاً من أول الكتاب إلى آخره.

3- شواذ في التدرّج الخطوطي
هل أدركنا معنى رؤ؟ كلا. وإلا لكنا أمام خبر بسيط. فالواقع هو أكثر تشعّباً. وهكذا تبرز عناصر جديدة تدعونا إلى نظرة جديدة.
لاحظنا التدرّج الخطوطي، تدرّجاً ينطلق في خطّ متواصل منذ البداية حتى النهاية. ولكن حين نلاحظ المجدلات نرى أن الكاتب الذي يميّز الماضي والحاضر والمستقبل، يشعر بوحدتها العميقة في زمن يسمو عليها ويشتملها. فالله هو معاً الكائن والذي كان والذي سيأتي. لا شكّ أن هناك عرضاً في ترتيب تاريخي (قبل وبعد)، ولكن النهاية موجودة في البداية وما يُروى في الماضي سيأتي في المستقبل. نحن في "أبدية" يتعاصر فيها كل شيء. وإليك بعض الأمثلة.
* في المجدلات
نقرأ في 11: 15- 18: أنت الكائن والذي كان. لا نقرأ: الذي سيأتي. فالمستقبل صار حاضراً. وفي السياق عينه (آ 15) ننتقل من الماضي (صار ملك العالم) إلى المستقبل (سيملك). وسنجد بعد ذلك فعل ملك في الماضي: ملكت (آ 17).
يشير 19: 1- 8 إلى دينونة الزانية وانتصار عروس الحمل. ولكننا نستعمل الماضي لندلّ على دينونة الزانية التي تحققت من قبل (ف 17-18) وعلى انتصار العروس الذي لم يتحقّق بعد (ف 21- 22).
* في القسمة الثانية (6: 1-7: 17)
في 6: 12-17: الختم السادس. في 6: 17 يُقال: جاء يوم غضبه العظيم. فتحدّثت الآيات السابقة عن خوف البشر. ولكن اليوم العظيم يقع في نهاية مسيرة الأزمنة الأخيرة، وسنجده في مكانه في 16: 14. نحن هنا في استباق. والكاتب بدّل موضع عناصر الخاتمة فجعلها في البداية.
* في القسمة الثالثة (8: 1- 11: 14)
نقرأ في 11: 3-13 خبر الشاهدين العجيب. تصوّر رسالتهما في المضارع (آ 3- 7). ويصوّر موتهما في الحاضر (آ 8- 10) وقيامتهما في الماضي. نحن هنا أمام ترتيب معاكس لترتيب طبيعي للخبر. بالنسبة إلى الكاتب، فما هو ماضٍ وحاضر ومستقبل قد يكون أيضاً "مستقبل، حاضر ماضٍ". إنه يخرج من التسلسل الزمني ويقف خارج الزمن، وهكذا يكون الوضع معزولاً عن توسّع خطوطي في الكتاب، فيشكّل عنصراً منعزلاً.
* في القسمة الرابعة (11: 15- 16: 16)
نقرأ في 14: 6-13. في آ 7: "جاءت ساعة الدينونة". الفعل هو في الماضي. غير أن الدينونة لم تأتِ بعد. في آ 8: "سقطت، سقطت بابل العظيمة". الفعل هو في الماضي. ولكن سيصوّر سقوط بابل في ف 17-18 (خصوصاً 18: 2). في آ 10، العقاب هو في المضارع: "يعرف (يقاسي) عذاب النار". والنتيجة هي في الحاضر: "دخان عذابهم يصعد أبد الدهور" (آ 11). إذن، نجد الماضي والحاضر والمستقبل وقد انتزعت من التسلسل الكرونولوجي العادي في الكتاب.
* في القسمة الخامسة (16: 17- 22: 5)
في 17: 8 يصوّر الوحش الذي يُلهم الزانية. "الوحش الذي رأيته كان وما عاد كائناً). "سيصعد بعد قليل من الهاوية". نستطيع أن نبذل الأزمنة كما نشاء. وُجد الوحش (13: 1 ي). ولم يعد يُوجد. ولكن كيف يعاقَب في 19: 20؟ يتحدّث النصّ عن خروجه من الهاوية، بينما صوّر الوضع في 13: 1. لقد أراد الكاتب أن يقول لنا إن الوحش الذي أقحمه في تسلسل الزمن هو في الواقع خارج الزمن. وهذا ما يتيح له أن ينسب إليه كل الأزمنة وإن لم تتوافق منطقياً. فالوحش هو دوماً هنا وفي الوقت عينه يُولد من جديد. هو غير موجود مع أنه واقعي ومعدّ للعدم.
ونستطيع أن نفسرّ هذا النصّ بشكل مختلف. أراد الكاتب أن يعارض بين إسم الله وإسم الوحش، فقدّم صورة معاكسة: الكائن، الذي كان. ثم الذي كان والذي لا يكون. وقدّم كذب قيامة الوحش (سيخرج من الهاوية ويذهب إلى الهلاك، رج 13: 4) تجاه قيامة الحمل الحقيقية (كنت ميتاً وها أنا حيّ إلى أبد الدهور، 1: 18). أو في 17: 8 تتعارض "كان، ما عاد كائناً، سيظهر" مع "الكائن، كان، سيأتي".
مهما يكن من أمر، هناك تيار في رؤ يحاول أن "يفسد" الترتيب الكرونولوجي. إن الكاتب يعرف المعنى الدقيق للزمن ولمسيرته، ولكنه يحرّك عناصره إلى الأمام أو إلى الوراء وكأنها متوازية. فكأنه يقول لنا إن تسلسل الأحداث في كتابه هو خارج زمن محدّد لأنه يضمّ كل زمن ممكن. إنه يحاول أن يرتّب أحداث كتابه، ولكنه يعرف قيمتها المستمرّة بالنسبة إلى الجماعة الكنسية، والواقعة ما وراء التاريخ. بالنسبة إلى المسيحي، الخلاص هو كله هنا، ولكنه كله خارج متناولنا. قال بولس الرسول: "نحن مخلّصون... في الرجاء" (8: 24). نحن نملك كل شيء، والأبدية قد بدأت، ومع ذلك ما زلنا ننتظرها. هذا ما يقوله صاحب رؤ مضحياً بمنطق الصرف والنحو على مذبح الخبرة المسيحية.

خاتمة
تعلّمنا الكثير عن بنية ف 4-22. إكتشفنا كتاباً مرتباً بحسب دينامية متدرّجة تذهب من "قبل" إلى "بعد"، من "بداية" إلى "تتمة". وبرزت الكلمات الأساسية بواسطة أساليب أدبية متنوّعة. كما اكتشفنا نسبية التسلسل الزمني حين رأينا أن الكاتب يبدّل موقع الأحداث من "بعد" إلى "قبل". إنه يدلنا على أن هذه الأمور ليست على مستوى الخبرة اليومية. لا شك في أنها تتسجّل في الزمن، ولكنها تتجاوزه لأنها تُقاس بمدى آخر يفلت منا: تُقاس بمدى الله الأبدي