دراسة حول نظام الجماعة في وادي قمران

 

 

نبدأ فنقدّم تصميم الكتاب، ثم نتوقّف عند الفنّ الأدبي والوضع التاريخيّ قبل أن ننهي بالمعطيات اللاهوتيّة.

1- تصميم الكتاب
بعد المقدّمة، يرد نظام الجماعة في خمسة أقسام. أما المقدّمة فتعرض أهداف الجماعة وتطلّعاتها: الامتناع عن كل شرّ وملاحقة الأعمال الحسنة. ويحدثنا القسم الأول (1: 16- 3: 12) عن الدخول في طقوس محدّدة يُشرف عليها الكهنة واللاويون. كل هذا يتطلّب الصدق من المرتدين وممارسة فضائل التواضع واللطف والمحبّة.
مع القسم الثاني (3: 13- 4: 16) نحن أمام التعليم عن "الروحين": روح الخير وروح الشر. روح أهل النور وروح أهل الظلمة. كلاهما من عمل الله وان احبّ الأول وأبغض الآخر. ويأتي الحيث عن أعمال هذين الروحين في أجيال البشر وعن مصيرهما ساعة الافتقاد، ساعة يأتي الله لكي يرتّب كلّ شيء ويجازي كل إنسان بحسب أعماله. أمل القسم الثالث (4: 27- 7: 25) فيتكلّم عن نظام الجماعة الداخلي. يبدأ بقواعد عامّة تتعلّق بالأشخاص (4: 27- 5: 8): يتجنّبون كل شرّ، يثبتون في إدارة الله، ينفصلون عن الناس الأشرار، يتّحدون مع العاملين بالشريعة. ثم ينتقل إلى "جلسات" الجماعة (5: 8- 6: 23): كيف يجلسون بحسب رتبة كلّ واحد منهم، وكيف يتشاورون خصوصاً من أجل قبول عضوٍ جديد. بعد ذلك يرد قانون العقوبات داخل الجماعة (6: 14- 7: 25). هناك الإهمال والخطايا الشخصيّة والخطايا ضدّ الجماعة. ولكلّ خطيئة عقوبتها. ولا ينسى الكاتب الافتراء والتذمّر والخيانة...
موضوع القسم الرابع (8: 1- 9: 11): تأسيس الجماعة وإقامتها في البريّة، في المستقبل: هي جماعة صغيرة، وهي تعيش سريّة تامّة. ونظامها يقوم على الفطنة في التعامل مع الأخوة ومع الذين في الخارج في إطار مسيحّين واحد لهارون وواحد لإسرائيل، مسيح من الكهنة ومسيح من العوام. ومسيح إسرائيل يخضع لمسيح هارون. أما القسم الخامس (9: 12- 11- 22) فيقدّم لنا الأنظمة من أجل "تجنيد" أعضاء جدد وتكوينهم الشخصي. هنا يلعب معلّم الحكمة دوراً كبيراً في اختيارهم وتعليمهم حول الأعياد، حول واجباتهم تجاه الله، حول واجباتهم تجاه القريب، حول واجباتهم تجاه أنفسهم. وينتهي الكتاب بنشيد الشكر: "مبارك أنت يا الله، يا من تفتح قلب عبدك للمعرفة".

2- الفن الأدبي
لا نجد في نج فناً أدبياً واحداً بل عدّة فنون، وإن كان الكتاب واحداً موّحداً في موضوعه.
يستلهم الكتاب التوراة التي يعرفها معرفة واسعة. لا شكّ في أنه لا يورد نصوصها بشكل صريح، إنما نجد في بعض عباراته سلسلة من التلميحات البيبليّة يوردها غيباً ويحوّلها بحسب موضوعه. أما أكثر الأسفار التي ترد فهي عد، تث، أخ، أش، إر، مز. مثل هذا الإختيار يدلّ على نظرة الكاتب: أراد أن يعرض قاعدة حياة توافق ما أمر به الله بواسطة موسى إلى جميع عبيده الأنبياء (1: 3)، لكي يتصرّف جميع الذين يتبعونهم في كمال الخفايا التي سيكشفها الله (1: 8- 9). لهذا، لجأ إلى الأسفار التي تُبرز مراحل الوحي كما نجدها في العالم اليهوديّ.
إن اعتباراته حول أخطاء تاريخ إسرائيل، قد بيّنت له إلى أي حدّ كان الشعب خائناً للعهد. لهذا، حاول أن يقدّم شميلة دينيّة تمنح مكانة هامة للاصلاحات التي نادى بها الأنبياء والمشترعون في خطّ موسى: هي عودة إلى الينابيع اليهويّة (عبادة يهوه) مع تعلّق حرفيّ بنداءات نبويّة توخّت أن تضع في الشعب روحاً جديداً لا أن تتحقق بطريقة ملموسة. مثلاً، إن الذهاب إلى البرية (أش 40: 3) بدا للكاتب مشيئةً إلهية يجب أن تتحقّق بشكل مادي، ساعة تطلّع الأنبياء إلى موقف أخلاقي من التوبة والعودة إلى الله على مثال ما فعله الشعب في بريّة سيناء.
لا يبني نج نظريّة لاهوتيّة شخصيّة، وهو لا يقدّم نفسه كمجدّد. بل هو يفكّر في النصوص المقدّسة، كما فعل ابن سيراخ قبله، فيجد فيها قاعدة حياة مطبوعة بأمانة داخليّة ومتطلّبة في أدقّ التفاصيل.
كان إرميا قد انتهى من تشكّى من العهد الموسوي بسبب خطايا الشعب الكثيرة، فأعلن عهداً جديداً، عهداً داخلياً (31: 31- 34). ذاك هو العهد الجديد الذي يريد كاتب نج أن يحقّقه، وهو عهد لا يتأسّس فقط على ختانة اللحم، بل على ختانة القلب (تث 10: 16؛ إر 4: 4: 9: 24- 25) والغريزة الرديئة (نج 5: 5). وهكذا، نحن أمام مشروع يدعوا الراغبين في الدخول إلى عهد النعمة هذا (1: 8)، فيتبعون قاعدة الحياة التي ينادي بها "معلّم الحكمة" (العاقل)، ويشكّلون إسرائيل الجديد، إسرائيل "السائرين في الكمال" (9: 6).
ويتطلّب الدخول في هذه الجماعة أولاً العهد كما مع يشوع (يش 8: 32- 35) وآسا (2 أخ 15: 9- 15) وعزرا (نح 8: 1- 9: 9: 1- 37). ويجعل الكاتب نفسه بشكل خاص في خطّ سفر التثنية الذي يتحدّث عن تجديد العهد للدخول إلى كنعان، ويفضّل البركات المرتبطة بهذا لا عهد، واللعنات التي تصيب من يميل عن العهد (تث 28- 30). وفي خطّ سفر التثنية، نظر نج إلى تجديد العهد مع العهد عن الروحين أو الطريقين اللذين يقودان الإنسان (3: 13- 4: 26؛ تث 30: 15- 20).
أما جماعة المؤمنين التي وضع "معلم الحكمة" أسسها، فهي تشبه كلّ الشبه شعب إسرائيل في تنظيمه على ما في الأسفار البيبليّة، ولا سيّما في زمن الأمانة والإقامة في البرية وقت الخروج. فالمتطوّعون يجمّعون آلافاً ومئات وخمسينات وعشرات، على مثال جيوش إسرائيل ( خر 18: 21؛ عد 31: 48، 54). وجيوش الحرب لاسكاتولوجيّة كما يراها الكاتب تنال التنظيم عينه (نظح 4: 1- 5). في بداية تأسيس الجماعة وغرّسها في البرية، يكفي لذلك عدد قليل من الناس (12 رجلاً + 3 كهنة) (8: 1) لكي يمثّلوا إسرائيل كله.
مثل هذا التعلّق الحرفيّ بالنصوص البيبليّة يحدّد أحد الفنون الأدبيّة الذي أخذ به الكاتب، أقلّه في المقاطع التي تتحدّث عن تنظيم الجماعة بوجه الإجمال. إنه "نظام" يتكوّن من وصايا الله، ووسائل عمليّة للعمل بهذه الوصايا بأمانة. هكذا وجب على شعب إسرائيل أن يعيش، ولكنه لم يفعل. لهذا،حين خان رسالته، حملت الجماعة المشعل وقدّمت المثال الذي يُحتذى به. فيبقى على المشترع أن ينظّم بالتفصيل طريقة العيش في الحياة اليوميّة، لمتطّوعين من أجل الأمانة (1: 2). وهذا الهدف يحدّد أسلوب مقاطع أخرى تبدو بشكل تشريع من أجل الجماعة. ويأتي قانون العقوبات فيواجه كل تهامل تجاه "النظام" و"الفرائض". 
وفي النهاية، يستعد الكاتب كل هذا بشكل مدائح تحدّد القواعد السابقة وتحمل قواعد جديدة. هنا يبدو الفن الأدبي قريباً من المزامير القانونيّة والمنحولة، لا سيّما تلك التي وُجدت في قمران.
وهكذا بدا نج كتاباً متشعّباً تتداخل فيه الفنون الأدبية المختلفة. من هذا القبيل بدا "نظام الجماعة" محاولة أولى لتنظيم "الحياة الرهبانية" كما سيعرفها العالم المسيحي في القرون الأولى بشكل واسع جداً.

3- الوضع التاريخي
لا نجد في نج أي تلميح إلى وقائع تاريخيّة محدّدة، ونحن لا نعجب من هذا الغياب بعد أن تعرّفنا إلى الفنون الأدبيّة التي توسّلها الكاتب ليدوّن مقاله (وصايا، فرائض، مدائح). كل ما نجده هو عناصر تساعدنا على استشفاف وضع تاريخي يتيح لنا أن نحدّد بصورة تقريبيّة التدوين الأول لهذا "النظام".
نحسُّ لدى قرائتنا النصّ في وضعه الحالي (قد كانت بعض اللمسات اللاحقة) أن الجماعة لا تزال نواة صغيرة: 15 عضواً يمثّلون كل إسرائيل. واطلاقة نخبة الجماعة (مثل "حركة تأسيسيّة" في بعض المنظمات) إلى البرية. تبدو بشكل مشروع يجب أن يتحقّق في المستقبل (8: 12- 14). أما الإقامة في البريّة فما بدأت بعد، والمساكن لم تكن قد بنيت في قمران.
كانت نواة الجماعة عائشة وسط بني إسرائيل. والتلميح إلى الذبائح في شعائر العبادة. وقد زاد عليها الكاتب "تقدمة الشفتين" (9: 5- 5)، يدلّ على أن الجماعة هي في بدايتها، ساعة لم يكن قد تمّ الانفصال عن الهيكل. أما نظح فيدلّ على أن جيوش الجماعة في الأزمنة الاسكاتولوجيّة ستستعيد المدينة المقدّسة( 2: 3- 3) وتؤمّن شعائر العبادة في الهيكل عادوا إليه بعد طول غياب (2: 3- 6).
هذه الملاحظات تقودنا إلى القول بأن نج قد يكون أول مقال ألّفته الجماعة، وذلك قبل أن يتحمّل معلّم البرّ (منظّمها) اضطهاداً من قبل الكاهن الكافر (فحب 1: 13). وهكذا نستطيع أن نحدّد زمن أول تدوين لهذا الكتيّب، قبل الاضطهاد الذي قام به الاسكندر يناي (103- 76) ضدّ الفريسيين وضدّ "معلّم البر" وتابعيه الذين ورثوا، شأنهم شأن الفريسيين، الحسيديم أو الأتقياء في الزمن المكابي (95 ق. م.).

4- المعطيات اللاهوتيّة
اعتبرت الجماعة أنها تمثّل كلّ إسرائيل، أنها "بقية" إسرائيل وإسرائيل الأمين. كما تصوّرت نفسها في الوقت عينه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً "بجماعة أبناء السماء"، بالملائكة. والفرائض التي تحدّد كلندار (روزنامة) الجماعة في نج كما في 1 أخن ويوب، تتوخّى في جوهرها تحديد العبادة التي يقدّمها البشر لله في خطّ العبادة السماوية التي يقدّمها الملائكة: بما أن الملائكة يُشرفون على مدار الكواكب (الجيوش السماويّة)، فيجب على عبادة الجماعة أن تنطبق على معطيات الكلندار الموحى، فتكون مراعاته إحدى العناصر الأساسية في الأمانة (1: 14- 15).
فالله قد ضمّ حلقة الجماعة إلى حلقة أبناء السماء (11: 8؛ رج 2: 25)، لكي يمدحه الملائكة والبشر ويمجّدونه معاً. لهذا، فالمنظار الذي ينفتح للجماعة يصلها بالأبديّة. فهي معدّة لتكون "الغرس الأبدي" (8: 5)، وأن تنعم بالأسرار العجيبة التي أوحيت للمؤمنين (1: 5- 7). ذاك هو مثال القداسة الذي ينادي به تابعو "معلّم الحكمة": اتحاد مع الملائكيّة في أمانة داخليّة وارتداد حقيقيّ إلى شريعة موسى ووحي الأنبياء (1: 3؛ 5: 8- 10) كما فسّرها أبناء صادوق "الكهنة الذين يحرسون العهد" (5: 9).
أما الأولويّة في الجماعة فتعود إلى الكهنة الذين يرتبطون بصادوق، حسب تفسير رمزي يجد جذوره في حز 44: 15. قال 9: 7: "تكون السلطة لبني صادوق وحدهم"، في كلّ ما يتعلّق بالتنظيم الداخليّ للجماعة. وما نىحطه هو أنه ليس من تلميح إلة نسل داود، إلى الوظيفة الملكيّة، في جماعة تريد أن تكون صورة مصغّرة عن إسرائيل. قد يعود هذا الموقف إلى أن الملوك كانوا المسؤولين عن خيانات إسرائيل. وحزقيال نفسه، حين يقدّم صورة عن شعب الله الجديد كما يجب أن تكون بعد العودة من المنفى، رفض الملك. وتحدّث عن أمير خفّت صلاحيّاته أمام الكهنة (حز 44- 45). ففي منظار مماثل يتحدّد موقع نج. كلّ ما نجده هو إشارة إلى "مسيح" (مكرّس) إسرائيل (9: 11) الذي يبدو مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمسيح الكهنوتي الذي هو الرئيس الحقيقي للجماعة كلها (منج 2: 12- 15، 18- 20).
ويتضمّن "النظام" عرضاً لاهوتياً في التعليم عن الروحَين. نجد هنا ثلاثة مبادئ لاهوتيّة: الاختيار السابق، الثنائية، الاسكاتولوجيا. فالاختيار السابق يبدو مطلقاً: كل مصير هو في يد الله، ولا يستطيع أحد أن يغيّر فيه شيئاً (3: 16). وبشكل ملموس يرتبط هذا الاختيار بوجود الروحين في كلّ إنسان، روح الأمانة وروح الفساد: لقد وضع الله الروحين في الإنسان لكي يتبعهما حتى يوم "الافتقاد" (3: 18).
أما النظرة الثنائية فتبدو كنتيجة عمليّة للاختيار السابق. فهي اعتبار حول وضع الإنسان الملموس، وهو اعتبار وجد أساس إلهامه في عدّة نصوص بيبليّة تدلّ على ثنائية الخير والشرّ (وهكذا نكون بعيدين عن المزديّة). فنحن نعرف عن العالم الشرقيّ القديم كلّ شيء في تعارض بين ضدّين (حلّ ربط. أحبّ أبغض). ونعبّر عن الاخلاقيّة بالمعارضة بين الخير والشرّ (تك 2: 9؛ أس 7: 15...). وفي خطّ النصوص مثل 1 صم 16: 14، ارتبط موقف الإنسان الصالح أو الرديء بالروح الصالح أو الروح الرديء. وراح ابن سيراخ في هذه النظرة بعيداً فأعلن أن الله هو أصل كل هذا (11: 14؛ 3: 14- 15: 42: 24). وكان الأنبياء قبله صدى لمثل هذه النظرية (أش 9: 1؛ 45: 7؛ 58: 10). وصوّر حزقيال العودة إلى الأمانة بشكل روح جديد يجتاح قلب الإنسان.