دراسة حول نظام الحرب في وادي قمران

 

نتوقّف في هذا المقال عند ثلاثة أمور: الفنّ الأدبي لهذا الكتاب، الوضع التاريخيّ، المعطيات اللاهوتيّة.

1- الفن الأدبي
عرف الكاتب في قراءته للعهد القديم أن ملكوت الله سيحتلّ الكون كله، وأن عدّة لعنات ستصيب الشعوب الوثنيّة. غير أنه لم يهتمّ بالأقوال النبويّة التي تدلّ على شموليّة الخلاص وتتحدّث عن ارتداد الوثنين. لهذا تخيّل، شأنه شأن اليهود في أيامه، أن ملكوت الله هذا سيتدشّن في حرب لا هوادة فيها تُفني كلّ الأمم، ولا تُبقي إلا على عبّاد يهوه الأمناء.
كان دقيقاً في تطلّعاته فهيّأ كلّ شيء بتفصيل ليكون للجماعة النجاح التام. فالممارسة الدقيقة لفرائض الشريعة تستجلب بركة الله على هذا المسعى الكبير. كان رجل قانون ولاهوتياً قبل أن يكون صاحب تقنيّات حربيّة، فبنى "حربه" على حلم غريب يمتزج فيه وهم حقيقيّ وواقعيّة خاطئة: حدّد بدقّة زينة الأسلحة، والكتابات على الأبواق، ولكنه اكتفى بستراتيجيّة بدائيّة. ثم إنه رأى أن تدخّل الله القدير سيتمّ بدون شك، فينصر الأبرار ويعاقب الأشرار ويدمّرهم دماراً تاماً.
كانت له "نظريات" حربية غامضة أخذها من الأخبار البيبليّة وبما سمعه عن تحرّك الجيوش الرومانيّة، فنظّم العمليّات العسكريّة بشكل مسيرة ليتورجيّة على واقع الأبواق العديدة كما في احتلال أريحا على يد يشوع. وكان خطيباً وشاعراً، فاعتقد بأهميّة الخطب، وألّف مسبقاً عدداً منها ليشحذ همّة المقاتلين.
وخلال عرض الأفكار، حصر الكاتب نفسه في مخطّط محدّد، وجمع في فصول متعاقبة المسائل المتعلّقة بالأبواق والرايات والأسلحة والخيل والخدم المعاونة والأبراج المهاجمة والكمائن. غير أن منطقة يختلف عن منطقنا. فهو يعود مرتين إلى تفاصيل العمليّات العسكريّة، ليشدّد على ما يعنيه صوت الأبواق (ع 8؛ 9: 1- 9)، أو على التحريضات المناسبة (ع 16- 17). ثم جُمعت خطبة المتعدّدة في سلسلتين تتابعان أولاً حسب النظام التراتبي (ع 10- 14) وثانياً حسب النظام الكرونولوجي (ع 15- 18).
ويتميّز الأسلوب بتكرارات عديدة، وعودة متواترة إلى نصوص التوراة. فالذاكرة تلعب عنده دوراً لا تلعبه المخيّلة. لهذا فهو يقدّم فكره في قوالب هيّئت سابقاً. فهو لا يخاف الملل، كما لا يخاف أن يجعل عبارات قديمة في إطار جديد. عرف الكتاب المقدس معرفة واسعة، ولكنه لا يستعمله إلا نادراً ليسند براهينه. وعى سلطته فتكلّم باسمه الخاص دون أن يعود إلى الإيرادات الواضحة. أما التذكرات البيبليّة في جملة فتتتابع في جمله وقد أخذها من أسفار الشريعة والأنبياء والمزامير. نثره يبدو باهتاً. أما شعره فيدلّ على حرارة في الإلهام، مع ايقاع تقدّمه ألفظّ بحثَ عنها الكاتب من أجل الجرس الموسيقي.
لقد أراد الكاتب، كما قال في عنوان مقاله أن يقدّم "تنظيماً" موضوعه حرب التحرير الآتية، وهي حرب تفني أعداء الله وإسرائيل. غير أن هذا التنظيم ليس فقط فرائض مجرَّدة، بل صوراً ملموسة تجعل أمامنا مثالاً يجب تحقيقه. ولهذا المثال قيمة دينيّة حقيقيّة تجعل منه "ليتورجيا الحرب المقدّسة".

2- الوضع التاريخي
قُدمت في هذا المجال افتراضات عديدة. رأى بعضهم في جماعة "كتيم" (اسم الأعداء بشكل عام) السلوقيين. واكتشفوا في نظح تلميحات مختلفة إلى الحروب المكابيّة. لهذا اعتبروا أن الكتاب دوّن في منتصف القرن الثاني ق. م.
ورأى آخرون أن الكاتب عرف بشكل دقيق سلاح الفيالق الرومانية وستراتيجيّتها. لهذا حدّدوا زمن التأليف بعد احتلال بومبيوس الروماني لأورشليم سنة 63 ق. م.
ورأت فئة ثالثة أن أساس هذه الروح الحربيّة في نظح تعود إلى تأثير الغيورين على صاحب الكتاب. لهذا، اعبروا أن الكتاب دوّن في القسم الأول من القرن الأول ب. م.، ساعة كان التوتّر على أشدّه بين الشعب اليهوديّ والسلطة الرومانيّة. وقد استلهمت هذه النظرة العهد القديم وما فيه من تطلّعات نجدها في سفر التثنية، وهي تدعو إلى إفناء الوثنيين. واعتبرت فئة رابعة أن أهل قمران كانوا من الغيورين، قرأت في نظح عمل أشخاص متوّسين على خطى رئيسهم اليعازر بن يائير. بين سنة 16 وسنة 70 ب.م.
ما نلاحظه هو قرابة وثيقة بين ونج، وبين نظح ومد. هذا يعني أننا أمام كاتب واحد لهذه الكتيّبات الثلاثة. أما صاحب المدائح فيتكلّم عن نفسه بسمات تذكّرنا بمعلّم البرّ. ونج برينا عمل منظّم الجماعة. في هذه الظروف يجب أن يكون نظح من تأليف معلّم البرّ الذي حاول أن ينظّم مسبقاً الصراع المحرّر الذي استشفه وتخيّله "قبل حدوثه".
فهناك أقلّه حالة واحدة (6: 29- 35) تورد المدائح نظح. فإذا قلنا إن معلّم البرّ هو صاحب نظح، يجب أ، يكون أيضاً صاحب مد. وإذا أردنا أن نوفّق هذه المعطيات مع معطيات فحب حول خلاف معلّم البرّ مع الكاهن الشرير، نصل إلى فرضيّة معقولة ترى الكاهن الشرير في اسكندر يناي الذي اضطهد حوالي سنة 100 (بداية عهده) مشرّع جماعة قمران الذي كان في ذلك الأيام شيخاً جليلاً. وفي هذه الحالة يكون تدوين نظح في نهاية حياة معلّم البرّ، حوالي السنة 100 ق. م. 

3- المعطيات اللاهوتية
بما أن نظح هو قبل كل شيء "تنظيم"، فهو لا يقدم لنا عرضاً لاهوتياً. لذلك نكتفي بجمع الارشادات التي وردت هنا وهناك.
الله هو أصل كلّ شيء. هو سيّد الخلق (10: 11- 15)، بل هو الذي خلق بليعال مع ملائكته الأشرار (12: 11). ولقد اختار برحمته إسرائيل وفصله عن سائر الشعوب (10: 9). وقد دُوِّنت كلمته الشخصيه في التوراة (10: 2، 6؛ 11: 5- 6، 11). وعمله القدير هو الذي ينظّم مسيرة الأحداث. أما الكفر الجوهري الذي اقترفه أبناء الظلمة فيقوم بعدم اكرام الله، بالاستناد إلى ما ليس بموجود. هو لا يوبّخهم على جحود أو شرك، بل لأنهم ليسوا عباداً أمناء لإله إسرائيل. من أجل هذا، فهو يجعلهم وسط عملاء بليعال ويعدّهم لفناء عادل. أما أبناء النور فهمهم الوحيد هو تأمين انتصار إلههم على الأرض، وهم متأكدون من حمايته القديرة. أما صفاته فهي البرّ والقداسة والأمانة والقدرة.
يحيط بالله ملائكته الذين يشكّلون بلاطه السماوي ويشاركونه في عمله في العالم (12: 1- 5). رئيسهم هو ميخائيل (17: 6- 7) يرافقه جبرائيل وسريئيل ورفائيل (9: 15- 16). ويقوم بحرب على هؤلاء الملائكة الذين من حزب النور، بليعال وأرواحه الفاسدة: هم أيضاً ملائكة، وقد خلقهم الله من أجل الشرّ (13: 11). إنهم المسؤولون عن المضايقات التي تصيب بشكل عابر أبناء النور (13: 4- 6). والصراع بين ثنائيّة الخير والشرّ يجد حلّه في عمل سرّي يقوم به الله الذي يحقّق الخير ويخلق السلام وإن ترك أرواح الشرّ تعمل.
وتنضمّ نفوس الأبرار إلى الملائكة، ومعاً يقاتلون من أجل أبناء النور (1: 13- 16؛ 12: 1- 7؛ 15: 13- 15). ليس من حديث في نظح عن مصير الأشرار الذين زالوا عن الأرض، ولكن يبدو أنهم يكوّنون الفئة الثانية بين الفئات الثلاث المتحالفة من أجل الشرّ (1: 13). وهكذا تكون أفكار الكاتب حول خلود النفوس والدينونة بعد الموت، الأفكار عينها التي ستكرّسها المسيحيّة فيما بعد.
خلق الله الإنسان، ولكن يبدو أن الإنسان لا ينعم بحريّة واسعة مع أن الكاتب يحرّض الضعفاء والجبناء على الشجاعة ليتصرّفوا كالشجعان (10: 5- 6؛ 5: 7). ويبدو أبناء الظلمة أناساً أشرار دون أن يتطلّع نظح إلى إمكانية ارتدادهم. وبما أن جميع اللايهود قد جُعلوا في حزب الظلمة، فهذا الشرّ ليس نتيجة خيار شخصي بل حتميّة وقدر. غير أن الكاتب يذكر "متجاوزي العهد" (1: 1) وبالتالي يعتبر أن اليهودي يستطيع أن يسقط وينتقل إلى المعسكر الآخر، معسكر الظلمة. أما أبناء النور فينعمون بكل مراحم الله، وينشدون مجده بألف نشيد ونشيد. يسمح الله لبعض الوقت بأن تضايقهم قوى الشرّ، وهو بذلك يتوخّى أن يستطع تدخّله العجيب في اليوم الذي حدّده.
ما الذي نعرفه عن الحياة الاخلاقيّة عند "أبناء العهد" (17: 8) هؤلاء؟ يهتمون بالاحتفاظ من النجاسات بحسب الشريعة (7: 2- 6؛ 9: 8- 10؛ 14: 2- 3). يُنعشهم مثال دينيّ رفيع وهم يعملون دوماً من أجل مجد الله تعالى. أما الفداء فيتمّ بشكل بسيط جداً: جميع أهل الظلمة سيقتلهم أبناء النور الذين يقيمون ملك الله النهائي في عالم تخلّص من الشرّ والخطيئة. لم يذكر المسيح، اذن يبدو أن لا دور له. كلّ هذا أخذه الكاتب من العهد القديم مع تحويل بعض المعطيات التقليديّة. إلاّ أننا نلاحظ على مستوى الاسكاتولوجيا ضيق أفق يحصر الخلاص في فئة محدّدة وينسى الشموليّة التي نادى بها الأنبياء.
ماذا يقول المسيحي الذي يقرأ نظح؟ يجد بعض التشابهات بين المسيحيّة وهذا الكتاب، لأن الاثنين يستعملان النصّ البيبلي الواحد (1: 12؛ مت 24: 21. كلاهما يعودان إلى دا 12: 1). وهناك لاهوت الملائكة الذي نجد مثله عند القديس بولس (2 كور 2: 10؛ أف 6: 12؛ ق نظح 1: 13- 16؛ 7: 6).
عمل المسيحيون كما عملت جماعة قمران من أجل ملكوت الله. ظنّت أنها تستطيع أن تحقّقه حين تفني جميع الوثنيين. أما المسيحيون فتطلّعوا إلى نداء يتوجّه إلى الجميع، سواء كانوا يهوداً أم وثنيين، إلى الخلاص الذي يقدّمه يسوع المسيح. نحن أمام خطّين انطلقا من التوراة، ولكن الخط المسيحي تقبّل وحي العهد الجديد، أما خطّ قمران فانغلق على جماعة من الجماعات ترفض سائر الجماعات. هذه الجماعة دعت إلى بغض الأعداء بغضاً لا هوادة فيه (1: 4، 10؛ 10: 9: 21؛ رج 2: 4- 10). وصلت بنا إلى قول يرد في الإنجيل: قيل لكم: "أحبب قريبك وأبغض عدوّك". أما يسوع فقال: "أحبوا أعدائكم وصلّوا من أجل مضطهديكم" (مت 5: 43- 44). على مستوى المحبة والغفران تفترق المسيحية عن الاسيانيّة، كما تفترق على مستوى شمولية تدعو الرسل إلى أن يذهبوا إلى العالم كله ويحملوا البشارة إلى الخلق أجمعين ويعدوا كل البشر إلى الإيمان من أجل الخلاص