المدخل إلى كتاب اخنوخ

 

نظرة عامة
مجموعة من التقاليد والكتابات دوِّنت بين القرن الثاني ق. م. وبداية القرن الأول المسيحي، ووُضعت بشكل عام على اسم أخنوخ ابن يارد (تك 5: 21- 24). كتاب طويل يضاهي الكتب الكبيرة في التوراة. ولا يوجد كاملاً إلاّ في اللغة الحبشيّة القديمة. دوّن الكتاب في الأصل في الاراميّة. ثم نُقل إلى اليونانيّة، ومن اليونانيّة انتقل إلى الحبشيّة على يد العلماء السريان. وما يؤكّد كلامنا حول أصل الكتاب، هو وجود أجزاء آراميّة في مغاور قمران.
إن المجموعة الاخنوخيّة تعتبر سلسلة من الايحاءات التي تلقّاها أخنوخ في الزمن القديم ونقلها إلى ابنه متوشالح من أجل الابرار الذين سيعيشون في نهاية الأزمنة. موضوعها الرئيسي موضوعان. الاول، طبيعة وأبعاد بنية الكون المخلوق وأصله. والثاني، أصل الشر والخطيئة وطبيعتهما ونتائجهما والدينونة الأخيرة.
يبدو وجه أخنوخ كما يصوره 1 أخن متشعّباً في الطبقات المختلفة في هذه المجموعة. وهكذا يفترق عن وجه الشخص البار الذي نتعرّف إليه في سفر التكوين كأول نموذج لشخص عاش حياة من الكمال، سلك مع الرب، فأخذه الربّ إليه. يبدو اخنوخ ذاك الرائي والحكيم والكاهن (أو أقلّه الوسيط) والديّان الاسكاتولوجي (ديّان آخر الأزمنة).
هناك ثلاث سطر تشرف على عرض 1 أخن. السطرة الأولى تتجذّر في تك 5: 21- 24 بارتباطه بمراجع رافدينيّة (من بلاد الرافدين). هي تتعلّق بسفَر أخنوخ إلى غرفة العرش السماويّ، عبر الكون والحكمة التي كُشفت له خلال تلك الرحلات.
وتضع السطرتان الاخريان سيناريوهات مختلفة عن ثورة أولانانية السماء كانت لها نتائج شرّ امتدّت طويلاً بالنسبة إلى الجنس البشريّ. وفي انشداد معهما نجد كلاماً عن البشر الذين سيُحاسبون على سلوكهم، وعلى جوابهم السلبيّ والايجابيّ بالنظر إلى هذا الوحي الذي يتضمّنه هذا الكتاب.

2- تصميم الكتاب
اذا أردنا أن نرسم توسّع هذه التقاليد المختلفة والمرتبطة بعضها ببعض والتي جُمعت في 1 أخن، نعرضها في الترتيب الذي فيه ألّفت.
الأول، كتاب النيّرات السماويّة أو الكتاب الفلكي أو مقال في علم الفلك (72- 28). تصوَّر فيه تحرّكات الأجسام السماويّة كما أوحيت لأخنوخ الذي تتبّع مسيرتها بنظره.
الثاني، كتاب الساهرين أو إعلان الدينونة الاخيرة (1- 36). يبدو أنه أقدم ما في الكتاب. نجد فيه وحي الملاك لأخنوخ حول نهاية العالم وخطايا البشر ضدّ النظام الذي جعله الله في الكون. كما نجد كلاماً عن الملائكة وسقوطهم، وعن رحلة أخنوخ في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض (الجحيم).
الثالث هو كتاب الاحلام (83- 90) أو أحلام أخنوخ الرؤيويّة. يسمّى أيضاً "رؤية الحيوانات". يقدّم عن طريق الاستعارة خبراً يمتدّ منذ خلق الكون حتى زمن المكابييّن. كل هذا يرويه أخنوخ لمتوشالح. صورة آدم ونسله بشكل حيوان، الطوفان، سقوط الملائكة، تحرير نوح... وينتهي هذا القسم باعلان أورشليم الجديدة، عدن الجديد وآدم الجديد.
الرابع هو رسالة أخنوخ (91- 108) أو: الارشادات. رسالة دوّنها أخنوخ لنسله الروحيّ تنطبع بالطابع الحكميّ فتحوي دينونة الله الأخيرة تجاه الخطأة وتشخيصاً وتعليماً للابرار. ضمّت إلى هذا القسم "رؤيا الاسابيع" (93: 1-10؛ 91: 12- 19) وفيها يروي أخنوخ تاريخ البشريّة منذ عصره حتى النهاية، قاسماً إياه إلى عشر حقبات. وتكون الحقبة السابعة حقبة الجحود.
الخامس هو كتاب الأمثال أو التشابهات (73- 71)، أو الخطب الاسكاتولوجيّة. هو القسم الأطول في 1 أخن وربّما الأحدث عهداً. نجد فيه ثلاثة أمثال: يصوّر الأول، مسكن المختارين. والثاني، ابن الانسان الذي يمارس الدينونة. والثالث، جزاء الأبرار وعقاب الخطأة. وينتهي الكتاب بصعود أخنوخ إلى السماء حيث يُوحى له بأنه ابن الانسان.
العنصر الذي يربط هذه العناصر بعضها ببعض هو الحكاية حول سقوط الملائكة والوحي الذي حملوه إلى البشر عن الأسرار السماويّة، وصعود أخنوخ إلى السماء حيث عرف أسرار الكون وتاريخ البشريّة.

3- التاريخ الادبيّ للكتاب
نستطيع أن نرسم الوجهات الرئيسيّة في التاريخ الأدبي للمجموعة الاخنوخيّة، ولو ظلّت بعض التفاصيل في الغموض. توسّع كتاب الساهرين على مراحل انطلاقاً من نواة سطريّة نقرأها في ف 1- 6. مع بعض الإضافات، لعبت هذه الوحدة الكبيرة وظيفة أخباريّة كمقدّمة لوصيّة أخنوخ. وزيد خبر آخر فصوّر كيف عاد أخنوخ من سفره عبر الكون فأُمر بأن يعلّم أبناءه (81: 1- 82: 3؛ 91). وفي وقت من الأوقات ضمّ هذا التعليم، التوبيخين اللذين نقرأها في ف 91 و94: 1- 4، والنظرة التاريخيّة في 93: 1- 10 و91: 11- 17 كما ضمّ الحلمين الرؤيتين (ف 83- 90) وجسم الرسالة (12؛ 94: 5 ي).
أما الرسالة فبدت كعرض لطريقتين في اللاهوت، وتحريضاً واسعاً تأسّس على رؤى أخنوخ (ف 21- 36؛ 81)، واعلانا لدينونة ضمنيّة ستصبح واضحة في ف 1- 5. أما إضافة ف 106- 107، فقدّمت خبراً عن الأزمنة الاولانيّة التي تستبق خلاص الدهر الأخير. ووُضع شكل مكثَّف لكتاب النيّرات (ف 72- 82) بجانب مواد فلكيّة في ف 33- 36. وهكذا وُجد كتاب الامثال (37- 71) وقد أزيح من مكانه فوضع بين هذين القسمين. وأضيف ف 108 كتحريض أخير.

4- الترجمات والمخطوطات
إذا وضعنا جانباً كتاب الامثال ثم ف 83- 84؛ 108، يتمثّل القسم الاكبر من 1 أخن في مخطوطات آراميّة وُجدت في قمران، كما هو الأمر بالنسبة إلى كتاب الجبابرة. وهكذا يكون من المعقول أن تكون الأقسام كلها بما فما كتاب الامثال قد دوّنت في الآراميّة.
وحُفظ 1 أخن في اليونانيّة. ف 1: 1- 3: 6 في مخطوط وُجد سنة 1886، في مدفن في أخميم في مصر (يعود إلى القرن السادس). طُبع سنة 1812، وفيه ترجمتان لما في 19: 3- 21: 9.
وفي "كرونوغرافيا" (توقيت الأزمنة) جورج سنقلوس (القرن التاسع) حُفظ النص اليوناني للفصول 6: 1- 9: 4؛ 8: 4-10: 14؛ 15: 8- 16: 1. وقد نُشرت هذه المقاطع للمرّة الاولى سنة 1606 في "كنز الأزمنة". وفي المخطوط اليوناني رقم 1809، في المكتبة الفاتيكانيّة، وجد 89: 42- 49 وقد نُشر سنة 1844. ووُجدت بردية اشترتها جامعة ميشيغان (أميركا) سنة 1930، فضمّت الفصول الاخيرة في أخنوخ اليوناني، أي 97: 6- 107: 3 (ما عدا ف 100).
في اللاتينية وُجد نص نُقل عن اليونانيّة (106: 1- 18)، في المتحف البريطاني وقد نُشر سنة 1893 في "أخبار منحولة".
في السريانيّة، وُجد في تاريخ مخائيل السرياني (القرن 12) جزء من ف 6.
في القبطيّة وُجد جزء من ف 93 (آ 3- 8). نشر سنة 1960.
أما مجمل النصّ فلا نجده إلاّ في اللغة الحبشيّة القديمة. تُرجم يوم تُرجمت الكتب المقدّسة من اليونانيّة إلى الحبشيّة بين القرن الرابع والقرن السادس ب. م. فالكنيسة الحبشيّة هي الكنيسة الوحيدة التي تعتبر 1 أخن من الأسفار القانونيّة، الذي كانت المخطوطات عديدة. كان جيمس بروس أول ما حمل ثلاثة مخطوطات من هذا الكتاب إلى بريطانيا سنة 1773. عاد المخطوط الأول إلى القرن الثامن عشر ونُقل سنة 1821 ونُشر سنة 1838. وتكاثرت المخطوطات في مكتبات اوروبا فوصلت إلى ستة وعشرين مخطوطاً. وهكذا كان لنا نسخة 1 أخن في اللغة الحبشية يمكن الوثوق بها. وقد انطلق منها أحد العلماء فنقلها إلى العبريّة محاولاً أن يجد النصّ السامي الاصلي.

5- الفنون الأدبيّة في 1 أخن
يقدّم لنا 1 أخن معلومات غنيّة حول توسّع الفنون الادبيّة البيبليّة خلال حقبة الانتقال إلى العالم الهلنستي. فإن ف 6- 11 هي مثل قديم لإعادة كتابة الإخبار البيبليّ الذين سنجده فيما بعد في الترجوم والمدراش. وتوسّعت نصوص أخرى في الشكل النبويّ مع "خبر دعوة"، و"قول خلاص ودينونة" مع "ويل" أو "تحريض". إن ف 2- 5 والتعليم في ف 91 و94 وبعض "الويلات" في الرسالة، تبدو قريبة من الأدب الحكميّ في أرض اسرائيل.
أ- مجموعة من الرؤى
إن جزءاً كبيراً من المجموعة الاخنوخيّة تنتمي إلى نوعين أدبيّين. ويظهر الأول في مختلف أنماط الرؤى. فكتاب النيّرات، ف 17- 19، 20- 36 وقسم كبير من الامثال، وجزء من الإخبار في 81: 1- 82: 3 وف 108، تبدو كسَفَر إلى مواضع لا يصل إليها بشر حيث يفسّر الرؤى ملاك يرافق الرائي. ما يقابل هذا الفنّ الأدبي هو حز 40- 48 وزك 1- 6. بالاضافة إلى ذلك، في النصوص التي لا تجد ما يقابلها في فنّ أدبي بيبلي، يستعيد أخنوخ في ف 85- 90؛ 93: 1- 10؛ 91: 11- 17 روى تصوّر تاريخ العالم من البدايات إلى النهايات. وفي اثنتين منها، يلعب الراوي وظيفة كاشف ملهم للأسرار حول المستقبل المخفيّ. في النهاية، إن التعليم والتحريض اللذين يشكّلان الجزء الاكبر من الرسالة، يتأسّسان بوضوح على رؤى أخنوخ لكيانات سماويّة وكونيّة: اللوحات السماويّة والكتب، تشفّع الملائكة، أماكن البركة الاسكاتولوجية والعقابات. إن هذا الاستعمال المتكرّر لفنون أدبيّة ترتبط بالوحي والكشف، والعودة إلى رؤى توحي وتعطي معلومات، يبرّران تسمية 1 أخن: كتاب رؤية أو مجموعة رؤى.
يري أخنوخ ثم يكشف للقارئ عالم الله الخفيّ والمستقبل المخبَّأ. فالدراسات في اللاهوت الجليانيّ تؤول إلى التشديد على الاسكاتولوجيا، على زمن النهاية. ومع ذلك، فكتاب النيّرات، لا يبدو في شكله الاول، على علاقة بالاسكاتولوجيا. بدل ذلك، كشف الكاتب الأعمال الخفيّة للأجسام السماويّة التي تسند التوراة الكلندارية (المستندة إلى الكلندار أو الروزنامة الليتورجيّة).
ومع أن أخبار السفر في ف 17- 26 تكشف وجهان من عالم الله الخفيّ، وتكشف بلا شك دروساً ونظريات حول مواد "علميّة"، فالأسفار ومختلف الدورات فيها، تجد ذروتها في رؤى مفسَّرة حول ظاهرات ومواضع ذات أهميّة اسكاتولوجيّة. وبالتالي إن المعلومة الكونيّة تتوخّى اسناد اسكاتولوجيّة الكاتب. وهذه الاسكاتولوجيا لها بُعدان زمانيان وبُعد مكانيّ واحد. هنا يرى أخنوخ أمكنة الدينونة (التي أنبئ بها في موضع آخر) وما يتعلّق بها ومن يفعل. فالله قد هيّأ وبنى في العالم كيانات تسهّل هذه الدينونة ونتائجها. فوحي أخنوخ يتضمّن تقريراً يقول إن هذه الأشياء هي حاضرة وتحصل في عالم الله الخفيّ. وهذا الكشف للامور الحاضرة يكفل أن الكشف للدينونة المقبلة ونتائجها لا بدّ آتٍ.
ب- الوصيّة والشهادة
صارت وظيفة الفنّ الأدبيّ واضحة في استعمال الفن الادبي الثاني الذي هو الوصيّة، أو آخر كلمات انسان قبل موته. إن فن "الوصيّة" يُشرف على جزء كبير من المجموعة الاخنوخيّة. ونلاحظ بشكل خاص تقارباً مع سفر التثنية. فوصف التيوفانيا الاسكاتولوجيّة تذكّرنا بمباركة موسى (1: 1، 3ج- 4، 9؛ رج تث 33: 1- 2). إن الوقفة التي يقفها الوحي في 81: 5- 82: 3 وفي ف 91، والوصف المضاعف للتاريخ المقبل في 91: 5- 10؛ 93: 1- 10؛ 94: 1- 4، تجد ما يقابلها في تث 28- 32. والمقطع الاجزائي في 93: 11- 14، يتوسّع بإسهاب في تث 4: 33 ويُبرز فرادة إيحاءات أخنوخ عن غرفة العرش السماويّ والكون، تجاه فرادة وحي توراة موسى (يقابل تث 30: 11- 14).
إن المفتاح هو لفظة "شهد" (81: 6؛ 96: 3) التي استعملت للكلام عن تعليم أخنوخ لابنائه وعن وظيفة الكتاب في الأواخر (104: 11؛ 105: 1)، والتي توازي الاستعمال في تث 30- 31. هذه الكلمة تنسب إلى المجموعة الأخنوخيّة وظيفة توازي توراة موسى ووصف موسى للمستقبل. وفي نهاية الزمن، إن وصيّة أخنوخ التي تبدو كوديعة للحكمة الموحاة، تدعو الأبرار بشكل خاص، والعالم بشكل عام، إلى طاعة التعليم الذي كُتب في المجموعة كما في التقليد الأوسع الذي نقلته الجماعة. فمن أطاع نجا من الدينونة الآتية