العرش في السماء

 

في هذا النصّ (4: 1- 5: 14) الذي يتبع الرسائل السبع ويسبق خبر فتح الختوم السبعة، تتأمّن الوحدة بالنسبة إلى 4: 1- 11 بالعودة إلى العهد القديم. وبالنسبة إلى 5: 1- 14 بالعودة إلى العهد الجديد. فالنبي حزقيال (بشكل خاص، ف 1، 10) يلهم الجزء الأول مع رؤى لم ترد في الكتاب المقدس. أما الجزء الثاني فيدلّ على تقارب مع اللاهوت اليوحناوي بسبب موضوع الحمل (5: 6، 8، 12، 13). إن تكرار لفظة "حمل" تدهشنا جداً. نقرأها مرتين في كل العهد الجديد (يو 1: 29، 36) و 29 مرّة في رؤ.
مع ف 4 يبدأ القسم الرئيسي في رؤ. وتشكّل الرؤية التدشينية (4: 1- 5: 14) إفتتاحاً إحتفالياً سنعود إلى مواضيعه اللاهوتية بشكل مستمرّ. سنجدها بشكل خاص في نهاية رؤ مع تعابير قوية جداً. إن هذا النصّ يشبه فسيفساء مؤلفة من عدّة أحجار ثمينة، قد أخذ أكثرها من العهد القديم. نلاحظ معرفة واسعة لعالم الجليان البيبلي واللابيبلي. كما نلاحظ قوة التأليف التي إنطلقت من نصوص وأفكار متنوّعة لتصل إلى كتاب واحد موحّد.
وما يدلّ على إيمان الكاتب وتقواه، هو أنه لا يكتفي بأن يصوّر في عبارات مقولبة وبشكل غير شخصي، ما رآه وما سمعه. ولكنه كتب حقاً هذه الرؤية بقلبه، فقدّم فيها لاهوت حياته وحياة كنيسته. إننا نراه راكعاً، ساجداً أمام عظمة الله الجالس على العرش، وأمام الحمل الواقف "كأنه مذبوح". هذه الرؤية الأولى التي تتضمّن أربع مجدلات (4: 8؛ 4: 10- 11؛ 5: 9- 10؛ 5: 12- 14) لم تدوّن في لغة "باردة"، بل بقلب يصلّي وحماس ليتورجي يصارع الكلمات ليعبّر في لغة البشر عما لا يستطيع العقل البشري أن يحيط به.

1- بداية قسم جديد (4: 1- 12)
"بعد هدا رأيت" (آ أ). هي عبارة إنتقالية نجدها في 7: 1، 9؛ 15: 5؛ 18: 1. كما نجدها في الكتب الجليانية. إنها تدلّ على إنقطاع "تام" مع ما سبق، وتبرز باحتفال أهمية رؤية جديدة.
"إنفتح باب في السماء". إن العالم العلوي يتضمّن عدّة طبقات تتزايد سرّيتها وقداستها بقدر ما نقترب من الله. فهناك سماوات عديدة: 3 أو 7. وهناك أبواب متعاقبة تمنعنا من ولوجها. تجاوز أخنوخ في رؤيته باباً أول واكتشف باباً ثانياً منه استشفّ عرش الله (1 أخنوخ 14: 12، 15). هذه الصورة التي تقابل السماوات المفتوحة في حز 1: 1؛ رؤ 19: 11؛ مت 3: 16 وز؛ أع 7: 56، ترد مراراً في العالم الصوفي اليهودي فتدلّ على الوصول إلى وحي أسمى، لا يعطى حتى في السماء، إلاّ لأقليّة قليلة: رؤية عرش الله ومجده.
من فتح الباب؟ ليس يوحنا هو الذي فتحه، بل فُتح من الداخل. فالباب المفتوح هو في حدّ ذاته نعمة ودعوة يشير الصوت إلى مصدرها. 
"الصوت الأول الذي خاطبني". نعود هنا إلى رؤية إبن الإنسان (1: 10). هناك كان الصوت صوت ابن الإنسان، وهنا ربّما. لا نستطيع أن نحدّد. فهناك أصوات عديدة تخرج من عرش الله (4: 5). هي تعبّر عن فكر الله (6: 6؛ 9: 13؛ 10: 4، 8؛ 11: 12؛ 12: 10؛ 1:16، 17؛ 4:18؛ 5:19؛ 3:21).
وقال الصوت: "إصعد إلى هنا". لا نجد هذا الأمر إلاّ لدى الأنبياء. بل نجده فقط في سفر الخروج حيث يصعد موسى إلى سيناء بناء على أمر الله (24: 1، 9، 12، 15؛ تث 10؛ 1- 3). هكذا نتذكّر الميثاق القديم الذي يوجّه أنظارنا إلى الجديد.
"لأريك". لا يقول الله فقط: يُري. يختلف عن الأنبياء، والرؤية تسبق السماع في الرؤى. وإن لفعل "رأى" عند يوحنا معنى وحي لعمل الله (يو 19:5-20؛ 20: 20).
"ما سيكون (سيحصل) من بعد". المسألة المطروحة منذ البداية هي مسألة مسيرة تاريخ العالم. وجدنا العبارة في 1: 19. فهدف الكتاب هو إعلان من سيأتي قريباً، بشكل عاجل وأكيد أي المسيح (1: 1؛ 22: 6). في الأصل، فتحت الوحيَ رؤيةُ العرش في ف 4. كنا سنقرأ في 4: 1: "سأريك ما سيحصل قريباً". ولكن حين دخلت الرسائل مع الرؤية الإعدادية، تبدّل التصميم فميّز بين ما هو الآن (ف 2- 3) وما سيحصل فيما بعد (ف 4- 22) كما كتب في 1: 19. من هنا كانت العبارة: "أريك ما سيكون بعد ذلك" بدل "أريك ما سيأتي في الحال" (رج دا 1: 28- 29). غير أن يوحنا شدّد على التقارب العميق بين الإيحاءات المتعلّقة بالكنائس ورؤية العرش. رج عبارات مماثلة بين 1: 10، 19، و 4: 1- 2 أ: الصوت، البرنامج، الروح الذي يمسك الرائي.
"وفي الحال اختطفني الروح" (آ 2). هذه هي النتيجة المباشرة للأمر بالصعود إلى السماء. جاء الأمر من الله... بنعمة الروح. تعني العبارة في 4: 2 كما في 1: 10، لا اختطافاً جسدياً على مستوى المكان (جسد يخطف من مكان إلى آخر) (كما في 1 أخنوخ 14: 8). بل عبوراً على مستوى الإيمان، وإمتداداً لإمكانية الادراك. وذلك بفضل الروح الذي يتيح لنا أن نرى ما ليس بمتناول العقل البشري (رج 1 كور 2: 7- 16).
إذن دُعي يوحنا لأن يقف على باب السماء ويشاهد أسرار الله: موضع إقامته وسرّ عنايته. وسوف يرى من زاوية الله مسيرة أحداث العالم.
ما يحدث الآن، لا يمكن أن يتخيّله إنسان. الله يعرّفنا بذاته دون أن نستحقّ ذلك. فالرؤية (4: 1) لا نستطيع أن نحصل عليها بقوتنا البشرية. ما نشاهده ينعكس في رؤية الإنسان بشكل يحيّر ويبعث على الاضطراب، وذلك من أجل الفرح والتعزية (خر 3: 3؛ 1 صم 3: 15؛ إر 14: 14؛ 23: 16؛ دا 7: 1؛ 8: 1؛ 10: 7؛ يوء3: 10؛ مت 17: 9؛ أع 10:9؛ 9:16؛ 9:18).
نشير هنا إلى أن يوحنا إستفاد من نماذج سابقة ليصوّر وقائع علوية تعجز عنها كلمات البشر. لجأ إلى الرموز التي لا تكفي لتعبّر عن الواقع نفسه. الرموز هي مرتكز توجه فكرنا إلى ما لا يدرك. نحن لا نتمسك بالمرتكز وإلاّ لم نصل إلى الحقيقة الموحاة. ولكننا لا نستطيع أن نتفلّت من المرتكز، وإلاّ بنينا كتاباً ولم نقرأ وحياً يقدّم إلينا.
ليست هي المرة الأولى التي فيها تحاول التوراة أن تتصوّر هيكل الله وعرشه وقصره. ففي 1 مل 22: 19، رأى ميخا بن يملة الملك ومجلسه. وفي أش 6: 1- 6 رأى النبي الملك (6: 5)، رأى الله القدير في هيكله السماوي مع العبادة التي يؤدّيها له السرافيم. وفي حز 1: 1- 28، يرى النبي إله العاصفة يختفي في السحاب ويأتي إلى النبي في أرض المنفى. وفي أخنوخ 14: 8- 25 يرى "الرائي" الإله السماوي المختفي وراء الغيوم، في بلاطه الناري. وفي دا 7: 9- 14، يرى الرائي الله الأزلي جالساً على عرش من نار (تدلّ النار على حضور الله). يقف الديّان، يفتح الكتب ويعاقب الخطأة ويستعيد بشكل منظور تدبير العالم بفضل إبن الإنسان الذي يسلّمه ملكاً أبدياً. سنعود إلى هذه النصوص التي تصوّر الله كالملك وديّان العالم والرب القدير، ولا ننسى المسافة بين هذه النصوص ورؤيا يوحنا.

2- صورة العرش (آ 2 ب- 3)
بعد البداية، نكتشف رؤية عرش الله والعبادة التي تؤدّى للخالق (4: 2 ب- 11). نبدأ بصورة العرش (آ 2 ب- 3) وقاعة العرش (آ 4- 6 أ)، فنصل إلى الأحياء الأربعة (آ 6 ب- 8 أ) وننتهي مع العبادة السماوية (آ 8 ب- 11).
ونبدأ بصورة العرش. فالعرش هو بالنسبة إلى الأقدمين علامة كرامة الملك الذي لا يُدنى منه. وإذا عدنا إلى لغة التوراة، نفهم أننا لا نعبّر عن سر الله إلاّ بصور وتشابيه: العرش (حز 1: 26؛ 10: 1). اليشب (حز 28: 13). العتيق والزمرد (حز 28: 13). قوس غمام (حز 1: 27- 28). بما أن الله وحده يستطيع أن يعرف الله ويصوّره، فقد حاول رائي بطمس أن لا يتحدّث إلاّ بما أحسّ به في هذه الرؤية. فبحث في العالم البيبلي واللابيبلي عن عبارات تساعده على نقل لقائه مع الله إلى الآخرين. 
"وإذا بعرش منصوب في السماء" (آ 2 ب). تشرف على كل هذا الفصل لفظة "عرش". ترد 14 مرّة، منها مرتين في صيغة الجمع حيث نرى عروشاً (الاثنا عشر) أخرى تحيط بالعرش الأول، عرش الله.
تتحدّث التوراة مراراً عن السماء على أنها عرش الله (أش 66: 1؛ مز 11: 4؛ رج مت 5: 34). رأى ميخا بن يملة وأشعيا الله على عرشه. ولكن حز 1 هو الذي ألهم يوحنا بشكل خاص. إن فصل حزقيال هذا يصوّر المركبة التي يجلس عليها الله. يرمز هذا العرش إلى الملك وهكذا يكون يوحنا أمام السلطة العليا. ومع ذلك فهو لا يقول شيئاً.
"ويجلس على العرش واحد". حنى الرائي رأسه. هو الرب وإن كان لم يُذكر اسمه. هناك أيقونات صوّرت الله بشكل عرش فارغ. فالله يبقى غير منظور لأنه بهاء يبهر العيون بنور لا نستطيع أن نتصوّره إلاّ بالحجارة الكريمة.
"ومنظر الجالس على العرش كحجر اليشب والعقيق، وحول العرش قوس غمام منظره كالزمرد". عاد الكاتب إلى الحجارة الكريمة التي لا نستطيع دوماً أن نتبيّن طبيعتها (لهذا اختلفت الترجمات). وكذا نقول عن الألوان (21: 1). في حز 1، بدا العرش مثل اللازورد (أزرق). ثم كان اللون الأحمر واللون الأخضر. هذا ما يدلّ على قوس قزح (ألوان سبعة كمال الألوان) الذي هو علامة عهد بين الله والبشر (تك 9: 12- 17؛ رج حز 1: 28). إن يوحنا "يرى" في ألوان، وهو لا يريد أن يقول إلاّ ما نقرأه في 1 تم 6: 16: "الله يسكن في نور لا يدرك". أو في مز 104: 2: "يلتحف بالنور كرداء". إن يوحنا لا يصوِّر الله (الله لا يصوَّر). بل يوجّه قلوبنا إلى معنى أعمق من الصور.

3- قاعة العرش (آ 4- 16)
هذا النص (مع الشيوخ 24) قد فسّر تفاسير مختلفة حين نضعه في سياق بيبلي أو في سياق لا بيبلي. هناك 24 فرقة من الكهنة اليهود (1 أخ 24: 5 ي). أو: 24 فرقة من المغنّين (1 أخ 25: 1 ي). أو: 24 شخصاً يمثّلون شعب العهد القديم. أو: 12 (أباً) و12 (رسولاً) يمثّلون شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد. أو: 24 شخصاً يمثّلون الحلقة التي تحيط بالأسقف. يبدو أن هذه الصورة أخذت من الحياة الليتورجية في الجماعة الأولى، فرأت الأسقف محاطاً بالشيوخ خلال الاحتفال بالافخارستيا. وهذا الاحتفال يشير إلى الليتورجيا السماوية حيث المشاركون يلبسون الثياب البيضاء (بالمعمودية صاروا كهنة)، وتكون على رؤوسهم أكاليل من ذهب (هم ملوك).
العرش هو في وسط الصورة مع حروف الجرّ: على العرش (آ 2). حول العرش (آ 3 ب، 4). على العروش (آ 9، 10). أمام العرش (آ 10). وسيجمع الرائي في نظرة واحدة الأفق ويجعله حول العرش. ينطلق من الخارج فيعود إلى المركز، إلى المحور. يبدأ في الدائرة الخارجية، فيرى: "24 عرشاً، وعلى العروش 24 شيخاً" (آ 4). فمن هم؟ ليسوا ملائكة، بل بشر. ففي رؤ يرتدي البشر وحدهم أكاليل (2: 10؛ 3: 11؛ 6: 2؛ 12: 1؛ 14: 4)، ولباساً أبيض (3: 4، 5، 18؛ 6: 11؛ 7: 9، 13؛ 16: 15؛ 19: 34). ويوعد المسيحيون بعروش سماوية (3: 21؛ رج مت 19: 28). واسم "الشيوخ" يدل على "الكهنة" (أو: القسس: قشيشا في السريانية يدلّ على الشيوخ. رج قسيس في العربية) وهم المسؤولون عن الجماعات اليهودية والمسيحية. دورهم دور ليتورجي. إنهم جالسون. هذا يعني أنهم ممجّدون.
ولكن، ما هي هويّة هؤلاء الأناس الممجّدين؟ قد نفكر بفئات الكهنة الأربع والعشرين. بل هناك أشخاص عظماء في العهد القديم رآهم اليهود والمسيحيون ممجّدين في سماء الله (لو 16: 19- 31؛ مت 8: 11- 12؛ عب 11: 2- 12: 1). في 4: 11 هم ينشدون الله الخالق. وفي 5: 5، يحيّون الحمل مع ألقابه المسيحانية المذكورة في العهد القديم.
ولكن، لماذا هم 24؟ أسفار التوراة العبرية هي 24. في الواقع هناك 22، حسب عدد حروف الأبجدية العبرية (والأرامية والسريانية). غير أن العالم اليهودي يتحدّث عن 24، بمعنى شاهدين لكل سبط من أسباط إسرائيل الاثني عشر. وهكذا، حين يكشف الله عن نفسه في مجده، يرى الرائي حوله "كتاب" العهد القديم، يرى هؤلاء "الآباء" الذين كانوا أداة الوحي النبوي، والذين يشاركون الآن في شعائر العبادة السماوية. لقد نالوا مسبقاً الحظ الموعود به للمؤمنين في العهد الجديد. يقول يسوع: إن إبراهيم رأى يومه وفرح (يو 8: 56). ويقول يو 12: 41 إن أشعيا شاهد مجد المسيح وحدّث عنه. يذكر العرش والملابس البيضاء والاكليل. إنهم ملوك يمارسون قضاء الله (5: 10؛ 20: 4؛ رج دا 7: 9- 10). إنهم كهنة بعبادتهم ومديحهم (5: 10).
لا يجعلنا الله نراه مباشرة، بل يكشف عن ذاته بواسطة من يعتبرونه الواقع الأسمى. والقارىء مدعوّ ليشاهد الله عبر شعائر العبادة التي يؤدّيها له عبّاده منذ البدايات.
"ومن العرش خرجت بروق وأصوات ورعود" (آ 5). نار وضجّة. في المدى الموجود بين عروش الشيوخ وعرش الله. هي جزء من لغة التيوفانيات التي فيها يجعل إله العاصفة الناس يرونه (خر 19: 6؛ حز 1: 13). إنّها تدلّ على عمل الله المخيف واتصاله بنا، على قدرته الناشطة دائماً والمستعدة للتدخل. أجل الله هو السرّ المخيف (مز 18: 14؛ 50: 3). وهناك أرواح الله السبعة (1: 4؛ 3: 1؛ 5: 6) أي الروح القدس بعطاياه المسبّعة، فيرتبط بنار العنصرة (أع 2: 33؛ مت 3: 11). وقد نكون أمام الملائكة السبعة (رج طو 12: 15؛ رؤ 8: 2) المذكورين مراراً في الأدب الجلياني. وهم: أوريئيل (يشرف على العالم). رافائيل (يشرف على عقول البشر). راجيل (يمارس إنتقامه ضدّ عالم النور). ميخائيل (يشرف على شعب إسرائيل والخواء). ساريئيل (يراقب أولئك الذين يدفعون الآخرين إلى الشر). جبرائيل (يشرف على الفردوس). رامئيل (المسؤول عن حراسة الذين يقومون من الموت).
"سبعة مشاعل نار متقدة". هي في خطّ وسائل العمل والتعبير عن الله. إنها تختلف عن المنائر التي تدلّ على الكنائس (1: 20). وهي تخصّ في الأصل الأدوات العبادية في الهيكل بشكل شمعدان بسبعة سرج (خر 25: 31- 40؛ 27: 20- 21). حسب زك 4: 10، هذه المشاعل (أو: السرج) هي أعين الله السبع (5: 6). وهي ترمز إلى حضور الروح المسبّع (في كل مكان) والكامل الذي ينير الأرض (1: 4).
"أمام العرش مثل بحر من زجاج يشبه البلور" (آ 6). يرى حز 1: 22 أن الجلد الذي يرتكز على رأس الأحياء الأربعة يشبه البلور. وحسب تك 1: 7، فصل الله المياه السفلى عن المياه العليا. وبما أن العرش هو فوق الجلد، فمن الطبيعي أن يجد أمامه بحر المياه العليا (حز 4: 29 ي). المياه السماوية تعتبر مجمّدة (1 أخنوخ 14: 10، 13) فلا تتميّز عن الزجاج أو البلور.
هذا البحر الهادىء يرمز إلى الاتصال بين العرش والخليقة، كما يرمز إلى المسافة اللامحدودة التي تفصل الله عن الخليقة، لأن بحراً يمتدّ بين باب السماء (حيث يقف يوحنا) والعرش.
وهكذا نرى أن العرش هو في وسط الهيكل السماوي، وقد تصوّره الرائي شبيهاً بالهيكل الأرضي: سرج (4: 5). موسيقى وعطور (أو بخور) (5: 8). نشيد قدوس (4: 8) الذي ينشد في الهيكل السماوي كما يقول أشعيا. أما الإشارات اللاحقة في هذه الرؤية التدشينية (8: 3- 5؛ 11: 19؛ 16: 17) فتزيد بعض التفاصيل مثل المبخرة وتابوت العهد والدخان...
ثم إن هذا الهيكل يتماهى مع عظمة السماء نفسها. فالرؤية كبيرة وهي تغطي كل مدى السماء. أما 24 شيخاً فهم صورة بعيدة عن آلهة بابل (الكواكب). والأبرار هم كالنجوم في السماء (دا 12: 3). والسرج السبعة تدلّ على الكواكب السبعة... كل هذه فرضيات ذكرناها، ولكنها لا تزيد شيئاً على فهمنا لسفر الرؤيا.

4- الكائنات الأربعة (آ 6 ب- 18)
"وفي وسط العرش وحول العرش، أربعة أحياء ممتلئة عيوناً من الأمام ومن الوراء...". هذا ما يحيلنا إلى حز 1: 5، حيث نجدها في وسط النور. أمّا هنا فهي في وسط العرش وأمام العرش: نتخيّل أن كل حي يقف تحت العرش. إذن، هناك علاقة وثيقة بين الأحياء والعرش. هي تشبه البشر في حز 1: 5. وفي حز 1: 6- 12 صارت شبيهة بالكروبيم (رج حز 10: 1- 22) التي كانت تحمل الله (مز 18: 11) قبل أن تُوضع على أبواب الهيكل لتمنع الناس من الدخول (تك 3: 24). كان لها أرجل ثور وجسد أسد وأجنحة نسر ووجه بشر (إذن، وجهات أربع). في يوحنا، صار لكل واحد وجه خاص به: الأسد، الثور، وجه الإنسان، النسر الطائر. وقد جعل يوحنا هؤلاء الأحياء الأربعة شبيهين بالسرافيم الذين ينشدون في رؤية أشعيا.
ما هو الواقع الذي تدلّ عليه الأحياء الأربعة: أن الرقم 4 يرتبط بجهات الكون الأربع، برياح الأرض الأربع (7: 1). والأحياء تدلّ على الكون كله. فالثور يمثل الحيوان الداجن. والأسد الحيوان المفترس. والنسر الطيور. وأخيراً الإنسان. أما كثرة العيون فدليل على العلم الشامل وعناية الله الساهرة.
هناك تقليد قديم جداً يرى في الأحياء الأربعة الإنجيليين الأربعة (إيريناوس، القرن الثاني): "بما أن هناك أربعة أقطار العالم والرياح الأربع الخارجة من الجهات الأربع. وبما أن الكنيسة مزروعة في كل الأرض، وبما أن عمود الكنيسة وأساسها هو الإنجيل وروح الحياة، فمن الطبيعي أن تسند الكنيسة عواميد أربعة ترسل إلى كل جهة روح عدم الفساد وتحيي الإنسان".

5- العبادة السماوية (آ 8 ب- 11)
وتتوسّع الصلاة، لأن أول واجبات الكائنات السماوية هو الليتورجيا وتمجيد الله الدائم: "هم لا يرتاحون ليلاً ولا نهاراً".
أ- الإطار
كانت الرؤية جامدة. فتحرّكت وصارت ليتورجيا. غير أن العمل الليتورجي سيدور حول العرش وحول الساكن على العرش. توزّع نظرنا بسبب الاحياء الأربعة التي تنشد للجالس على العرش، وبسبب أفعال العبادة التي يؤدّيها الشيوخ أمام الجالس على العرش، فيطرحون أكاليلهم أمام العرش (آ 10).
وهذا العمل الليتورجي ليس حدثاً يحصل في ساعة معيّنة ويتوقّف. إنه يتكرّر بشكل مستمرّ. "هي لا تنفك ليلاً ونهاراً تقول" (آ 8). يقول أخنوخ 71: 7 إن حرّاس العرش لا ينامون أبداً. لهذا يسقون "الساهرين" (عيري في السريانية). والعيون المتعدّدة المنتشرة في كل مكان تدلّ على سهر دائم لا زلّة فيه. لا ينقطع تسبيحهم ليلاً ونهاراً. ويسير النشيد بين جوقتين: بين الأحياء والشيوخ. والأحياء هم الذين يقودون الصلاة التي هي عبادة الخليقة بما فيها من نظام وإستمرارية. فالكون نفسه يرى في الله ملكه، وينشد مجدلة هي إفخارستيا وتعبير عن إكرام عميق وعبادة. يقدّم المجد والإكرام كما في مز 29: 1؛ 96: 7.
"ركع الأربعة والعشرون شيخاً" (آ 10). بدأت الخليقة عبادتها، فتجاوب معها البشر. فالشيوخ يتوجّهون بعبادتهم إلى الخالق، وإلى الله الذي يقود التاريخ، ويعبرّون عن سجودهم حين يطرحون أكاليلهم عند قدميه بحيث لا يبقى إلاّ الجالس على العرش. ويُعطى أخيراً إسم الله مرتين" في آ 9 وآ 10 (رج 10: 6؛ 15: 7). هو الحيّ إلى أبد الدهور. هذا الإسم يُدخل بُعد الزمن ويهيئنا لنقرأ سائر الكتاب. فصوت الخليقة وصوت البشر يدلاّن على حيوية الله الدائمة. في 1: 18، سمّي المسيح الحي. أجل، إن المسيح هو وحي الله التامّ.
ب- مضمون الليتورجيا
هناك قدوس. ثلاث مرات (أش 6: 3). دخل نشيد أشعيا في الليتورجيا المسيحية الأولى. في كلمات نقرأها في 1: 18: الرب، الإله القدير، الكائن والذي كان والذي سيأتي. هنا نجد الماضي والحاضر والمستقبل. في 1: 18: الحاضر والماضي والمستقبل: كل هذا يعدّ الطريق لتدخّل الله في التاريخ.
وتوضح آ 11 موضوع فعل الشكر: الله مبارك لأنه خالق. وهذا ما يؤكّد أنه يجب أن نفهم الرؤية في علاقتها بالله الخالق. "أنت الذي خلقت الكون" (الأشياء كلّها). إن 24 شيخاً يمثّلون كل العالم المخلوق الذي أراده الله للتسبيح والعبادة. إن الإنسان الذي تسلّم هذه الموهبة الإلهية دون أن يستحقّها، سيجعل نفسه صغيراً أمام الله خالقه.
"بمشيئتك كانت ووجدت". نجد هنا تلميحاً إلى وجود "الواقع السماوي" قبل وجود الواقع الأرضي (في مخطّط الله). فالواقع الأرضي هو صورة عن الواقع السماوي. هذا الاعتقاد نجده في العالم اليهودي كما في المسيحية الأولى. وبما أن الله خلق في البداية، فهو يستطيع أن يعمل حتى نهاية الزمن. وينتهي الفصل بالاعتراف بحقّ الله بأن يمجّد ويكرّم من أجل قدرته التي تحدّد بشكل إيجابي مسيرةَ الأحداث.