نحن سفراء المسيح

 

حين أرادت الجماعة في كورنتوس ان تنظر الى بولس نظرة بشرية، وحين قابلته مع الذين يعظمون نفوسهم ويفتخرون، قال لهم:" نحن سفراء المسيح وكأن الله يعظ بألسنتنا"(2كور20:5). السفير في مفهومنا اليوم هو الذي يمثّل دولة لدى دولة أخرى. هو يُرسَل في سفر الى خارج بلاده. وفي اللغة العربية السفير هو الرسول المصلح بين الناس. هكذا نظر بولس الى نفسه حين قال:" الله صالح العالم مع نفسه وما حاسبهم على زلاّتهم واضعاً في يدنا كلمة المصالحة"(آ19). الرسول سفير والكاهن سفير، وخادم الكلمة يأتي الى المؤمنين ويدعوهم "لكي يتصالحوا مع الله". ذاك هو موضع افتخار القديس بولس: أن يكون سفير المسيح. وبماذا يتميّز السفير: الدولة ترسله وهو لا يرسل نفسه. والكاهن لا يدعو نفسه، بل هناك من يدعوه، من يختاره، من يمنحه هذه الكرامة. السفير يأخذ التعليمات اللازمة لأنه لا يتكلّم باسم نفسه ولا يحمل معه آراءه الخاصة، بل يحمل " سياسة" بلاده. والكاهن كما يقول الرسول، لا يعظ بنفسه بل بالمسيح يسوع ربّه. وأخيراً، السفير يدافع عن بلاده حين تهاجَم في المحافل الدولية. ويُخبر في كل مناسبة عن جمالها وعظمتها. أما يجب على الكاهن ان يلاحظ الضلال الذي يتفشّى في الكنيسة؟ وهل يترك الذئاب الخاطفة تفعل فعلها، وكم هي كثيرة؟ أما يجب على الكاهن ان ينشر الإنجيل، ان يعرّف الناس الى المسيح في وقته وفي غير وقته. فهو قبل كل شيء ذاك"المغروم" بيسوع، لا يستحي به، على ما قال الرسول:"أنا لا أستحي بصليب المسيح الذي هو قوّة لكل مؤمن، من اليهود أولاً ثم من الشعوب".

1- الكاهن مرسل من الله

قالت الرسالة: "ما من أحد يتولى بنفسه مقام رئيس كهنة او كاهن، إلاّ إذا دعاه الله كما دعا هارون"(عب4:5). هارون هو شقيق موسى واول كاهن لدى العبرانيين. فالإنسان لا يدعو نفسه من أجل مهمّة ارضية، أو بالأحرى من أجل رسالة سماوية. فالذي يريد "ان يجعل نفسه كاهناً" يكون كل شيء ما عدا الكاهن. نستطيع أن نعطيه الأسماء العديدة التي لا تشرّف المسيح ولا الكنيسة. وتطبّق الرسالة هذا المبدأ على يسوع المسيح نفسه:" وكذلك المسيح ما رفع نفسه الى هذا المقام، بل الله الذي قال له: انت ابني وأنا اليوم ولدتك". وقال له في مكان آخر : انت كاهن الى الأبد على رتبة ملكيصادق" (آ 5-6).

اذا كان المسيح أُرسل فبالأحرى أن يعرف الكاهن أنه " مرسل من عند الله". بحيث يعرف أنه يمثّل الله، بحياته وأعماله وأقواله وحركاته. فإذا أراد الناس ان يتعرفوا الى الله، يكفي أن ينظروا الى الكاهن. لهذا في بعض القرى، حين يرون كاهناً يحيّونه: المجد لله. فيجيب: دائماً لله. هذا يعني ان الكاهن يمجّد الله. مرة جاء بعض الغرباء الى أورشليم وأرادوا ان يروا يسوع. هم لا يعرفونه بين الجمع ولباسه لا يختلف عن لباسهم. اتوا الى فيلبس وقالوا له:" نريد ان نرى يسوع"(يو22:12). فذهب فيليبس وأخبر إندراوس ومضيا معاً فأخبرا يسوع. لا شك ، رأوا فيلبس كيف يعيش رسالته. ورأوا إندراوس. وهكذا وصل أهل اليونان الى يسوع. وهذا ما يُطلَب من الكاهن: أن يقود الناس الى يسوع، ممّا يعني انهم يرون فيه صورة بعيدة عن يسوع ، وإلاّ يهربون من يسوع حين "يرون أعمالنا". وكما قال الرسول:" يجدّف الناس على اسم الله بسببنا" (رو24:2). والرب نفسه قال: "الويل لمن تقع الشكوك على يده. خير له أن يعلّق في عنقه الرحى ويرمى في أعماق البحر"(متى6:18). قال الإنجيل الرابع:" الله لم يره أحد قط"(يو18:1). فهو اللامنظور. ولكن كيف يصبح منظوراً؟ في يسوع المسيح الذي أخبرنا عنه. فقبل العشاء السري، قال فيلبس ليسوع:" ارنا الآب وكفانا". فقال يسوع:" من رآني رأى الآب".(يو9:14). هل نستطيع ان نقول مثل هذا الكلام؟ فإذا كان الإنسان مخلوقاً على صورة الله ومثاله، كيف تبدو هذه الصورة؟ من خلال أعمالنا. قال الرب:" انتم نور العالم...ليضئ نوركم هكذا قدام الناس ليشاهدوا أعمالكم الصالحة، ويمجدّوا أباكم الذي في السماوات"(متى16،14:5). الإنسان يمجّد الله، وبالأحرى الكاهن الذي "أُعطيَ نعمة فوق نعمة".

 

"السفير يمثّل بلده، ويسوع، سفير الآب، مثّل السماء على الأرض. وبولس الرسول استطاع ان يقول لنا:" تشبّهوا بي لأني أنا أتشبّه بالمسيح". والكاهن ماذا يقول؟ قال لنا الإنجيل:" هكذا أحبّ الله العالم حتى وهب ابنه الوحيد... الله ارسل ابنه الى العالم"(يو16:3-17). والذي أُرسل أرسل بدوره. فقال للرسل:" كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضاً"(يو21:20). ارسل الرسل ويرسل الكهنة اليوم وكل يوم. وكيف أرسلهم؟ اثنين اثنين الى كل مدينة أو موضع عزم أن يذهب اليه"(لو6:10). ونبّههم الى الصعوبات: "ها أنا أرسلكم مثل الخراف بين الذئاب"(آ3). ونبّههم الى أهمية التجرّد، لأنهم مجاناً أخذوا ومجاناً يُعطون.

كثيرون ساروا وراء يسوع، فما أخذهم يسوع كلّهم، بل "اختار". فهو يدعو كلّ واحد منا، وينبهنا:" لستم انتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بالثمار وتدوم ثماركم"(يو16:15). نلاحظ نحن الكهنة هذا الشرف الكبير الذي وصل الينا من عند الله، لا من عند الناس. من هم الرسل؟ صيادو سمك. أما كان بإمكانه ان يختار من المهن الرفيعة؟ هنا يفهمنا بولس:" تذكّروا ايها الإخوة كيف كنتم حين دعاكم الله، فما كان فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر ولا من الأقوياء والوجهاء"(1كو26:1). وبولس نفسه اندهش كيف اختاره الله وهو"الذي اضطهد كنيسة الله"(اكور9:15). ولكنه قال حالاً:"بنعمة الله أنا ما أنا عليه الآن"(آ10). أجل نعمة الله هي معنا(آ11). وهي تفعل فينا الكثير إذا تجاوبنا معها.

هنا نتذكّر داود وكيف اختاره الرب. اتى صموئيل ولفت نظرَه أخوه الأكبر. فقال في نفسه:"هذا هو الملك الذي اختاره الرب"(اصم6:16). فقال له الرب:" لا تلتفت الى منظره وطول قامته"(آ7). كل هؤلاء المقاتلين الأقوياء، إخوة داود وأبناء يسىّ، ما اختارهم الله بل مضى الى "الصغير الذي يرعى الغنم" (آ11). فهمَ داودُ اختيار الله المجاني، فأرسل الى الرب صلاة من أعماق القلب:" من أنا يا ربّ وما بيتي حتى أوصلتني الى هنا؟"(2صم18:7). وكم مرة قيل في قرانا:" ان طلع من الزوباع مسّاس يطلع من هذا البيت شماس". ولكن طرق الرب غير طرق البشر. هو يرفع من يشاء ويحطّ من يشاء: فيبقى على الكاهن ان يقول كما قالت مريم: "ها انا خادم الرب فليكن لي كما قلت"(لو38:1).

2- الكاهن يحمل رسالة

حين يُرسل سفير من بلده الى بلد آخر، فهو يأخذ معه رسالة خطّية يقدّمها للدولة التي يأتي اليها، ورسالة شفهية يحملها في قلبه ويبلّغها الى الناس الذين يلتقي بهم. والكاهن يحمل رسالة شفهية على مثال الرسل:" ودعا يسوع تلاميذه الإثني عشر..."(متى1:10). وأوصاهم قال:" اذهبوا الى الخراف الضالة... وبشّروا في الطريق بأن ملكوت السماوات اقترب"(آ7).

تلك هي التعليمات التي حمّلها يسوع الى رسله وبالتالي الى الكهنة الذين يعدّون اليوم في العالم  نصف مليون ونيّف. فالكاهن لا يبقى في "الحظيرة" مع التسعة والتسعين خروفاً الهادئة الساكنة. فهم لا يحتاجون اليه احتياجاً كبيراً. بل يمضي الى الخروف الضالّ. قال الرب يسوع في عظته الى الجماعة:" إن كان لرجل مئة خروف وضلّ واحد منها، الا يترك التسعة والتسعين في الجبال ويبحث عن الخروف الضال، وإذا وجده ألا يفرح به؟ "(متى12:18-13). تعليمة أولى.

وتعليمة ثانية، حملُ البشارة. يجب أن يكرز بالإنجيل في العالم كلّه(مر9:14). لا شك في أن كلّ مؤمن مسؤول عن حمل البشارة، لأن المعمَّد هو رسول، وإذا لم يكن رسولاً يكون عماده طقساً         خارجياً لم يحوِّل شيئاً في حياته. وإذا قلنا هذا الكلام عن المؤمن، فماذا نقول عن الكاهن:استعدّ السنوات العديدة، تكرّس ليؤمّن مائدة الكلمة ومائدة القربان. في بلادنا مائدة القربان مؤمّنة بسبب عدد الكهنة الذين عندنا. لهذا نستطيع ان نشكر الله لأن الحصاد كثير والفعلة كثيرون. ولكن حين ننظر الى عدد الذين يقدّمون للمؤمنين مائدة الكلمة نعود الى كلام الرب:" الفعلة قليلون". اين حضورهم وسط شعب الله.

نبّهنا الله في نبوءة حزقيال كيف يكون الراعي: يقوي النعجة الضعيفة، يداوي المريضة، يَجبر المكسورة، يردّ الشاردة، يبحث عن المفقودة(حز4:34). ولكن الويل للراعي الذي يتسلّط على الخراف بقسوة وعنف: الويل لهم ان استفادوا منها وما أفادوها، فاختلفوا عن بولس الرسول الذي قال للمؤمنين: لا أريد ما لكم، بل أريدكم انتم. ولماذا؟ لكي يوصلهم الى المسيح. فالخراف ليست خرافنا، بل خراف الله. فنتعلّم من الراعي الصالح الذي يبذل حياته من اجل خرافه. والراعي الآخر

"يأكل الجبن، ويلبس الصوف، ويذبح الخروف السمين، ولكنه لا يرعى الغنم(آ3). حينئذٍ يكون حكم الله قاسياً على الراعي ""الشرير"" الذي يشبه الأجير: يشتغل لقاء أجرة، ويتعب على قدر الأجرة. وبعد ذلك نتساءل: لماذا الرعية تعود الى الوراء؟

سُئل مرة القديس يوحنا ماري فياناي، خوري أرس، القرية القريبة من ليون في فرنسا، والذي نعيّده بعد 150 سنة على موته، سئل من قِبَل أحد الكهنة: ماذا أفعل لكي تنجح رعيتي؟ أنا أتعب، هذا إذا كان يتعب، وأشتغل، هذا إن كان يشتغل، ولكنني لا أجد ثمراً. سأله خوري آرس: هل تصلّي من أجل رعيتك، هل تصوم؟ وكان بالإمكان ان يسأله: هل تجلس في كرسي الإعتراف؟ هل تستقبل الناس الذين يأتون اليك مثل أب، أو مثل موظف في الدوائر الرسمية، فتجهّز لهم الأوراق اللازمة وتقبض المال المفروض؟ هل تذهب اليهم في بيوتهم كما ذهب يسوع الى بيت مرتا ومريم، وكما أقام في بيت زكا الخاطئ، العشار؟

إذا كان الجواب نعم، فلا بد أن تكون الرعية ناجحة. لأن الراعي يعرف رعيته ورعيته تعرفه. يكفي أن يناديها فتعرف صوته وتسير وراءه. أما إذا كان صوته غريباً فلا تسمعه إلاّ يوم الأحد، هذا إذا أتت الى الكنيسة. فكيف يمكن أن تتبعه؟

التعليمة الثالثة، حمل السلام. الكاهن هو حامل سلام حيث يحلّ. قال الرب لتلاميذه حين أرسلهم:" وإذا دخلتم بيتاً فاطرحوا السلام عليه. فإن كان هناك ابن سلام، حلّ سلامكم عليه. وإلاّ يرجع سلامكم اليكم"(متى12:10-13). فالسلام لا يعني فقط ابتعاد الحرب، بل يدلّ على ملء البركة. هذا ما قيل عن يوسف بن يعقوب حين كان في مصر: " وكان منذ وكَّله سيده على بيته. وعلى كل ما هو له، إن بارك الرب بيت فوطيفار المصري إكراماً ليوسف، وكانت بركة الرب على كل ما هو له في بيته وفي حقوله" (تك 5:39).

أجل، الكاهن حامل السلام والبركة. لامجال للخلاف في الرعية. لا مجال للخلاف بين الكاهن وابناء الرعية. يدعونه "ابونا". إذاً هو أبو الجميع. ولو سمع كلمة من هذا وذاك، فهو يستوعب الجميع كما الوالدون يستوعبون أولادهم. روى لي أحد الكهنة انه كان تلاسن بينه وبين واحد من ابناء الرعية. ولمّا اتى المساء راح ذاك الكاهن الى الرجل الذي تلاسن معه. فظن الرجل ان الكاهن آتٍ لكي يعاتبه. فاستعدّ. أما الكاهن فبادره الى الكلام وقال!"يا ابو الياس، حصل الذي حصل بيننا اليوم وأنا غداً أحتفل بالقداس. لهذا جئت اليك الليلة، وقبل أن أنام، طالباً المسامحة عمّا صدر عني". وقبل أن ينهي كلامه كان الرجل راكعاً عند قدميه. هكذا يكون حامل السلام متّشحاً بالتواضع. وهذا خبر آخر: سمع الكاهن وهو في السكرستيا شاباً يتكلّم عنه. ما فتح النافذة ولا عاتبه. عرفه من صوته، فمضى في المساء وزاره في بيته ولم يقل له كلمة عمّا سمع. يمكن ان نتصوّر كيف تحوّل هذا الشاب لأن الكاهن لم يردّ على الشرّ بالشرّ بل على الشرّ بالخير، بحيث طبّق كلام الرب:" من ضربك على خدك الأيمن فقدّم له الآخر". هو عاملك بالعنف، فعامله أنت باللطف.

قال لنا الرسول إن يسوع جاء يبشّر البعيدين والقريبين. كلّهم قريبون من قلبه. جاء يلغي العداوة  بين الأفرقاء . جاء يجمع الجماعتين. ويحلّ السلام بينهما(أف15:2). فالرعية كلّها أهل بيت الله. فهل نقبل ان يكون أحدٌ في الخارج؟ كلا. فلا يمكن أن نقبل. فنفعل مثل الوالد المحبّ الذي عرف ان ابنه الأكبر رفض ان يدخل الى الحفلة ويشارك في الفرح. قال الإنجيل:" فخرج اليه ابوه يتوسّل ان يدخل"(لو28:15). اراد الأب أن يستوعب "غضب الإبن". على ما قيل في الوليمة التي دعا اليها الله، الملك: يجب ان تمتلئ قاعة العرس بالمدعوّين(متى10:22). والكاهن كيف يسمح لنفسه أن يبقى أناسٌ بعيدين عن الإحتفال الأسبوعي، يوم الأحد؟ يمضي، يسأل عنهم، يتوسّل اليهم، يزيل كل حاجز طاعةً للرب:" أخرج الى الطرقات والدروب وألزم الناس بالدخول حتى يمتلئ بيتي"(لو23:14).

3- السفير في خدمة بلاده

يكون السفير في خدمة بلاده، لا في خدمة مصالحه الخاصة. وهكذا الكاهن أيضاً. ما أحلاه ان هو شابه صموئيل النبّي حين سلّم السلطة الى الملك شاول، وودّع الناس الذين خدَمَهُم في فترة عصيبة من التاريخ. قال:" ها أنا أمامكم، فاشهدوا عليّ أمام الرب وأمام الرجل الذي مسحه الرب ملكاً عليكم(اي شاول): هل أخذت ثور أحد أو حمار أحد، هل أسأت الى أحد أو ظلمت أحداً؟ هل ارتشيت من أحد لأغضّ عنه النظر فأردّ الرشوة له؟" فقالوا له:" ما أسأت الينا، ولا ظلمتنا، ولا أخذت من أحد شيئاً". فقال لهم:" يشهد الرب عليكم اليوم ان لا مأخذ لكم عليّ". فقالوا:" يشهد الرب"(اصم3:12-5).

ذاك هو المثال لمن علّمه يسوع:" مجاناً اخذتم مجاناً اعطوا"(متى11:10). ذاك هو المثال لمن يريد ان يتبع ذاك الذي قال إن"لا موضع له يُسند اليه رأسه"(لو58:9). وبولس الرسول جمع شيوخ أفسس وهو يودّعهم في طريقه الى أورشليم:" ما اشتهيت يوماً فضّة أحد أو ذهبه أو ثيابه وأنتم تعرفون اني بهاتين اليدين اشتغلتُ وحصلتُ على ما نحتاج اليه أنا ورفاقي"(اع33:20-34).

هذا على المستوى المادي. وعلى المستوى الروحي. قال:" وما قصّرتُ في شيء يفيدكم. بل كنت أعظكم وأعلّمكم في الأماكن العامة، وفي البيوت، وناشدتُ اليهود واليونانيين ان يتوبوا الى الله ويؤمنوا بربنا يسوع"(آ20-21).

السفير يدافع عن مصالح بلاده. وإذا سمع أو قرأ مما يسيء الى وطنه، ينبري سريعاً ويردّ فيبيّن الخطأ ويعالج الأمور. وإذا كان في اجتماع من الإجتماعات، ينشر جمال بلاده، ويتحدّث عن العظماء فيه. في أي حال، هو نموذج و"مسطرة" عن الإنسان في وطنه. فكأني به يقول: إذا أردتم أن تعرفوا شيئاً عن الأرض التي أمثّل، انظروا الى تصرّفاتي وكلماتي واتصالاتي بالجميع: فبلدي بلد الإنفتاح والشفافية. وهو يفرح حين يستقبل الآتين اليه ضيوفاً أعزاء مكرّمين.

والكاهن سفير يُدعى أول ما يُدعى لأن يحمل الى البشر"المصالحة". لا مجال بعدُ للخلاف. إذا كان الله اتى ليصالحنا في المسيح. فكيف لا نقترب منه كما الأولاد من والديهم؟ وفي أي حال، كلام الكاهن ليس كلامه، وكلامه البشري. كلام الكاهن هو كلام الله. لهذا قال الرسول:" وكأن الله يعظ بألسنتنا" (2كو20:5).

حين نقرأ أقوال الأنبياء، نتساءل: من الذي يتكلّم؟ الله ام النبي؟ النبي يحمل كلمة الله ولهذا يعلن:" هذا ما قال الرب". والله يستعمل فم النبي ليوصل كلامه الى البشر. وهكذا يكون الكاهن الذي هو "رجل الله". حين كان أشعيا في الهيكل أحسّ انه خاطئ." دنس الشفتين"(اتس5:6). فوجب عليه ان يصمت، لأنه لا يستحق ان يحمل كلام الله. لا يستحقّ ان يتكلّم باسم الله. ولكن تمّ التحوّل:" فطار اليّ أحد السرافيم وبيده جمرة التقطها من على المذبح، ومسّ فمي وقال:" انظر! هذه مسّت شفتيك، فأزيل اثمك وغُفرت خطيئتك". (آ6-7). لذلك، حين قال الرب:" من أرسل؟ من يكون رسولاً لنا؟" اجاب النبي حالاً: " ها أنا لك فأرسلني"(آ8).

كم نحتاج نحن الكهنة ان نرفع الصلوات:" افتح شفتيّ، أيها الرب، فيجود فمي بالتهليل لك"(مز17:51), وفي مز 4:63: "خير من الحياة رحمتك، شفتاي تسبّحان لك". وفي آ6:" تشبعني كما من طعام شهيّ فترنّم شفتاي ويهلّل فمي".

وارميا النبي قال:" آه، ايها السيد الرب! أنا لا أعرف أن أتكلّم"(ار6:1). ماذا قال له الرب:" انطلق الى من ارسلك اليهم، وكل ما آمرك به تقوله، لأني في فمك أضع كلامي". بعد هذا، لن يخاف النبي ، لأن كلامه كلام الرب. وأرفق الرب كلمته بحركة من يده:" ثم مدّ يده ولمس فمي"(آ9). فقوّة الكلمة لا تأتي أولاً من البلاغة والفصاحة، بل من الرب الذي يستعمل ضعفنا لكي يُظهر قوته. فبولس قال لنا:" وأنا، عندما جئتكم أيها الأخوة، ما جئت ببليغ الكلام أو الحكمة لأبشّركم بسرّ الله"(اكو1:2). ويواصل:" وكان كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريّة في الإقناع، بل على ما يٌظهره روح الله وقوّته، حتى يستند ايمانكم الى قدرة الله، لا الى حكمة البشر"(آ4-5).

لغة الله، ولغة الناس. قال الرسول:" لو كنت الى الآن أطلب رضا الناس. لما كنتُ عبداً للمسيح"(غل10:1). مثل هذا المناخ يحكم على تبشيرنا ووعظنا وتعليمنا. نحن مدعوّون للتبشير بكلام الله. ولا نكتفي بأن نبشّر، بل ندافع عن الإيمان. كما نبّه بولس حين حدّث شيوخ أفسس:" وأنا اعرف ان الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي ولا تشفق على الرعيّة. ويقوم من بينكم انتم اناس ينطقون بالأكاذيب ليضللوا التلاميذ فيتبعوهم" (أع29:20-30).

ونحن الكهنة، هل نعرف بوجود الذئاب في رعايانا، او نحن لا نريد أن نعرف لئلا نتعب نفوسنا؟ وإذا عرفنا الا نخاف على نفوسنا، لأننا ضعاف ولا قِبَلَ لنا بمواجهة هؤلاء "المعلمين الكذبة". نضع رؤوسنا في الرمل مثل النعام. نرتاح في بيوتنا وننسى أولى واجباتنا. أهكذا نكون سفراء الإنجيل والمعلمين باسم الكنيسة؟ كيف يمكننا ان نسكت ساعة الخطر يدّق بابناء الرعية؟ أتُرى الوالدون لا يتحرّكون حين يرون الخطر يهدّد أولادهم؟ هنا يتميّز إيليا النبي بغيرته عن "كهنة" التحقوا بالملكة اليزابيل فأمّنوا لهم ولعيالهم "حياة لائقة". قال لنا الرسول:" ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً، بل هو برٌّ وفرح وسلام في الروح القدس"(رو17:14).

 

الخاتمة

ذاك هو الكاهن. بل تلك هي وجهة من وجهات حياته الواسعة. انطلقنا من كلام بولس الرسول فاكتشفنا انه "سفير" الله. الله ارسله "في سفر" وسلّمه أمواله(متى14:25). وطلب منه ان يمثّله، ان يكون صورة عنه في الموضع الذي أقامه فيه(يو16:15). انه "السفير" الذي أخذ التعليمات اللازمة وهو ينفّذها لأنه يشبه معلّمه، الذي ما اراد ان يعمل مشيئته، بل مشيئة الذي أرسله(يو30:5). انه "السفير" الذي يدافع عن "مصالح الملكوت" ويجاهد الجهاد المطلوب(1تم12:6)، بحيث يكون رجل الله"(آ11) الذي يريده الله. والخادم الصالح الذي يأتي سيده فيجده عاملاً كلّ ما طُلب منه. فإليك نرفع صلاتنا يا ربّ لكي تعطينا كهنة بحسب قلبك.