وكلاء أسرار الله

 

كان جدال في كنيسة كورنتوس: هناك بولس وابلوس وبطرس وآخرون غيرهم. من هو الرسول؟ وهل يحتاج بولس الى أوراق اعتماد لأنه يبدو رسولاً من الدرجة الثانية تجاه الرسل "المتفوّقين" : وكما يقال "السوبر رسل" .مساكين أهل كورنتوس. قال لهم بولس: "ما تمكنت أن أكلمكم كأناس روحيين، يحرّكهم روح الله، بل كأناس جسديين. كبشر من لحم ودم. فيكم الضعف البشري والميل الى الخطيئة. وأضاف: أنتم مثل أطفال. غذيتكم باللبن الحليب لا بالطعام القويّ لأنكم لا تطيقونه. ولا تقدرون أن تحتملوه (1كو3: 1-2). فلماذا مثل هذا التساؤل على الأفضلية؟ أتريدون أن تعرفوا من نحن؟ "فليعتبرنا الناس خداماً للمسيح ووكلاء أسرار الله، وكل ما يُطلَب من الوكلاء أن يكون كل واحد أميناً" (أكو4: 1-2).

هذا هو الرسول: وكيل. الوكيل هو من يسلّمه سيّده أموره. يتركه ويمضي يفوّضه فيصبح كأنه الحاكم المطاع. الوكيل هو من يتّكل عليه الأصيل فيعتمد عليه ويثق به. والكاهن وكيل أيضاً في خطّ الرسل. ولنا مثال على ذلك يوسف إبن يعقوب الوزير المصري. أتى عبداً الى بيت أحد الوجهاء في مصر اسمه فوطيفار فأوكله هذا على بيته وجعل في عهدته كلّ ما كان له(تك 29: 4)

والدليل على هذه الثقة هو أن امرأة فوطيفار أرادت أن تزني مع يوسف. رفض وقال لها: "سيدي لا يعرف شيئاً ممّا في البيت، وكل ما يملكه ائتمنني عليه. لا أحد في هذا البيت أعظم مني الا سيدي، وسيدي لا يمنع عني شيئاً...."(آ8-9). ائتمن فوطيفار يوسف فكان على قدر الأمانة. وقال الكتاب عنه:" فترك فوطيفار كل ما كان له في يد يوسف، وكان لا يعرف شيئاً ممّا عنده الاّ الخبز الذي كان يأكله" (آ 6).

يوسف وكيل على الأرض والرسول وكيل في السماء.  هو وكيل أسرار الله. يعني يدخل في أعماق الله،  في سرّه الحميم. على ما نقرأ في1 كو 2: 12: "نحن نلنا الروح الذي يأتي من الله لنعرف ما وهبه الله لنا" من نعم.  وهذا الروح، يفحص كل شيء حتَّى أعماق الله" (آ10).  اسرار الله دخل فيها الرسول، كُشِفت له فعرّف بها المؤمنين .  قال لأهل أفسس:" وبامكانكم اذا قرأتم ذلك أن تعرفوا كيف أفهم سرّ المسيح، هذا السّر الذي ما كشفه الله لأحد من البشر في العصور الماضية، وكشفه الآن في الروح لرسله وأنبيائه القديسين" (أف 3: 3-14) فسرّ الله هو قصد الله الأزلي الذي كان خفياً وصار اليوم جلياً. من يجعله جلياً، من يكشفه؟ الرسول، الكاهن، حامل الكلمة.

ها هنا موقع الوكيل: أخذ مفتاح المعرفة، وهو من يفتح الباب لشعب الله. ولكن الويل له ان احتفظ بهذا المفتاح. فلا هو دخلَ ومنعَ الآخرين من الدخول (لو 11: 52). وأسرار الله في معنى أخر هي ينابيع النعم التي وُضعت في يد الكاهن لكي يوزّعها على المؤمنين. حين يمنح سر العماد يجعل من أطفالنا أبناء وبنات الله. ينقلهم من عالم الخطيئة الى عالم النعمة. يزرع فيهم بذار الحياة الجديدة التي تتفتّح على الحياة الأبدية. وحين يدعو الكاهن المؤمنين الى عشاء الرب، يعطيهم جسد يسوع  ودمه، لاهوته وناسوته. يجعلهم كنيسة حين يؤلفون كأعضاء جسد المسيح السري ويأتي المؤمن الى كرسي التوبة.  هو خاطئ يريد العودة الى بيت الآب. من يستقبله؟ الكاهن. في الماضي كان الخاطئ المشهور يُحرَم من الدخول الى الكنيسة والمشاركة في المناولة فيبقى عند الباب باكياً، تائباً، طالباً صلاة المؤمنين. وبعد وقت طويل أو قصير يدخله الكاهن الى الكنيسة بعد أن يحلّه من خطاياه. هل يعرف الكاهن أن ما قيل للرسل قيل له أيضاً:" ما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء وما تحلّونه في الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت 18:18). يا ليتنا نعرف السلطان الذي بين أيدينا نحن الكهنة. ندعو الربّ فيأتي ويعمل بأيدينا الضعيفة، بفمنا الخاطئ. والويل لنا إن نحن تهرّبنا من فتح "أسرار الملكوت".

بدا يوسف بن يعقوب مثل "رب بيت"، كما يُدعى الوكيل في السريانية وفي اليونانيّة. هو من ينظّم امور البيت كلها. تعرّفنا  اليه عند فوطيفار ونتعرف اليه" عند فرعون وعند جميع رجال حاشيته". قال الملك ليوسف:" أنت تكون وكيلاً على بيتي والى كلمتك ينقاد كلّ شعبي ولا أكون أعظم منك إلاّ بالعرش وها انا أقيمك حاكماً على كلّ أرض مصر". ونزع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف....." (تك 41: 40-42). سلطة هائلة. ولكن ما تكون هذه السلطة تجاه السلطة التي تعطى للكاهن؟ يموت الفرعون فتزول سلطة يوسف، وذلك ما حصل فيما بعد:"قام ملك جديد على مصر وكان لا يعرف يوسف" (خر 1: 8)

أما الكاهن فلا تزول سلطته فهو "الحبر الى الأبد على رتبة ملكيصادق"، لأن كهنوته امتداد لكهنوت المسيح، والمسيح هو هو أمس واليوم والى الأبد. هذه السلطة يستعملها الكاهن لكي "يتفقّد" شعب الله.  ذاك هو اسم الوكيل في اللغة العبرية. فالأم تتفقد ابنها أو ابنتها، خصوصاً حين يغيبان عن ناظريها. والكاهن كذلك يتفقّد أبناء رعيته واحداً واحداً ولاسيما المرضى والشيوخ الذين لا يستطيعون المجيء الى الكنيسة. والوكيل في العبرية هو أيضاً "نجيد": قويّ وشجاع، يعين من يستغيث به.  حيث لا يجسر أحد أن يمضي، "النجيد"، الكاهن يمضي. حيث لا يجسر أحد أن يقول كلمة الصدق، الكاهن يقول ولا يخاف ولاسيما في الدفاع عن القريب والضعيف عن اليتيم والأرملة.

يتميز الوكيل بثلاث صفات: هو الخادم ،هو الأمين، هو الحكيم

1-   الكاهن الخادم

حين يعيّن كاهنٌ على رعيّة، يُدعى "خادم الرعية". هو اسم شرف له. ومن لا يكون "الخادم" لا يمكن أن يُحسَب بين الذين دعاهم الرب. لماذا؟ لأن المثال لنا هو يسوع الذي جاء ليخدم ويبذل حياته عن الكثيرين(مر45:10). لا، ما جاء يسوع لكي يترأس على الناس ويطلب منهم أن يخدموه. بل هو ركع على أقدام تلاميذه، وغسلها، ومسحها "بالمنشفة التي اتّزر بها"(يو5:13). وفي النهاية أعطى الدرس لتلاميذه:" أعطيتكم ما تقتدون به، فتعملون ما عملته لكم"(آ15). إذاً المسيح " المعلّم والسيّد" جعل نفسه الخادم، فهل يستحي الكاهن بأن يكون الخادم؟ كنت مرة في أحد الأديرة، وأصيب أحد الرهبان ببعض البرد وكاد يغيب عن الوعي. فرأيت راهباً شاباً يركع عند قدميّ الشيخ ويغسل له رجليه ويمسّدهما لكي تعود الحرارة اليهما. وتخيّلت يسوع المسيح. وهذا ليس فقط فعل تواضع، بل فعل محبّة أيضاً. فالأم تغسل أرجل أطفالها و لا تحسب يوماً إنها قامت بفعل تواضع. محبّةُ قلبها تعلّمها ماذا يجب ان تفعل. والكاهن الذي يحبّ اولاد رعيته يفتخر بأن يخدمهم.  في أي حال، بداية خدمة يسوع هذه وغسل الأرجل، انطلقت من فعل محبة. قال الإنجيل:" وكان يسوع يعرف ان ساعته جاءت لينتقل من هذا العالم الى الآب، وهو الذي أحبّ أخصّاءه الذين هم في العالم، أحبّهم منتهى الحبّ".(يو1:13).

ما نلاحظ في سفر الأعمال هو الكلام عن الخدمة: الدياكوني، الشماسيّة. فمنذ البداية، احسّ الرسل بالنقص بسبب غياب يهوذا." كان واحداً منا وله نصيب معنا في هذه الخدمة"(اع17:1). ووقع الإختيار على متيا " ليقوم بالخدمة والرسالة"(آ25). وسوف يقول بولس في وداعه لشيوخ أفسس:" اتمّمُ سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع وهي أن أشهد لإنجيل نعمة الله"(أع 24:20).

بماذا تقوم هذه الخدمة؟ دُعيَت في سفر الأعمال " خدمة الكلمة". كثرت المسائل المادية فوجب على الرسل ان يتفرّغوا لحمل البشارة. هي الخدمة الأولى. طُلبت من الرسل. احسّ بولس انها جوهر رسالته. قال:" فالمسيح أرسلني لا لأعمّد، بل لأعلن البشارة، غير متّكل على حكمة الكلام" (اكو17:1). وسوف يقول في الرسالة عينها:" فإذا بشّرت فلا فخر لي، لأن التبشير ضرورة فُرضت عليّ" (اكو16:9). وانهى بهذه العبارة:" الويل لي إن كنتُ لا أبشّر". هل نسمع حقاً هذه الكلمة، وأين موقع البشارة في حياتنا نحن الكهنة؟ نحن نمارس أسرار الكنيسة، وهذا أمرٌ نُحمَد عليه، ولكن هل نعرف ان البشارة يجب أن تسبق الأسرار، وأن خبز الكلمة يسبق خبزَ القربان. هناك كثيرون يعتبرون انه يكفي أن نصل عند "النؤمن" ليكون قداسنا "مقبولاً "! من قال لهم ذلك؟ وأين خبز الكلمة يتقاسمه الكاهن مع المؤمنين، ويكون كلاماً مغذّياً يشكّل زاداً لهم طوال الأسبوع. والويل لنا من الرب إذا قيل لنا:" الأطفال يسألون خبزاً وليس من يكسره لهم"(سفر المرائي14:4). وقال يسوع لتلاميذه:" إن صرفت هؤلاء الى بيوتهم صائمين، يخورون في الطريق"(مر3:8). هو كلام عن طعام مادي، وكلام عن طعام من نوع آخر. لهذا قيل في موضع آخر أن يسوع بدأ يعلّمهم ثم كسر لهم الخبز(مر34:6).

وبعد خدمة الكلمة، خدمة الأسرار، يستطيع الكاهن ان يمنح سرّ العماد أكثر من مرّة، ولا سيّما في عيد الغطاس، بسرعة فائقة، لأن الأولاد ينتظرون. ولكننا لسنا أمام خدمة العماد، بل أمام "عمل سحري". فمثلُ هذا السرّ العظيم يُعطى بتأنٍ، فيشارك فيه الحاضرون، ويسمعون الكلمات العميقة عن الماء الذي صار الحشا الروحي للآتين الى المعمودية. وتُشرح الرموز، وتقال كلمة صغيرة تذكّر الوالدين والعرابين ببعض إيمانهم. في كنائس أوروبا، هناك استعداد الأهل والعرّابين. فإن لم يكن من استعداد عندنا، لماذا لا تكون "الحفلة" هادئة، تحمل التعليم الأساسيّ ولو في بضع كلمات.

وما نقوله عن المعمودية نقوله عن سرّ التوبة الذي اعتُبر عماداً ثانياً. في الماضي، في بعض رعايا اوروبا، كان المعترف "يدفع بعض المال للكاهن. لا بأس بهذه العادة إن هي دفعت الكهنة أن لا يتهرّبوا من كرسي الإعتراف. أذكر في بداية حياتي الكهنوتية، ان الرعية طلبت كاهناً للإعتراف، لا لشيء آخر. مررت مرة في إحدى الرعايا، فوجدت دلو الماء والممسحة في كرسي الإعتراف، مع الكراسي التي تمنع الوصول اليه . فاحتجنا بعض الوقت لتحريره واستعماله أقلّه في أسبوع الألام. ولست أدري إن عاد الى ما كان عليه بعد أن تركنا الرعية. والعذر الأهم: الناس لا يعترفون. والجواب: لماذا يمضون الى عنايا او حريصا أو كفيفان للإعتراف؟ هي خدمة هامة إذا عرفنا ان رسالة الإنجيل بدأت بهذه الكلمات:" توبوا لأن ملكوت السماوات اقترب" (متى17:4). وكيف يتوب المؤمنون إن لم يكن كاهن يقبل توبتهم!

وخدمة القداس، الذبيحة الإلهية التي تذكّرنا بذبيحة الصليب. هي خدمة هامة. هي خدمة الخدم. ونحن ندعوها في النشيد: سرّ الأسرار. في المدن، لا يتعدّى القداس وقتاً محدّداً، لأن قداساً يأتي وراءه. وفي القرى، ينتقل الكاهن من قرية الى قرية. ماذا يكون القداس؟ هو واجب نقوم به لئلا نقع في الخطيئة: قدّس يوم الرب. هل يفرح المؤمنون بخدمة الكهنة؟ هل يستطيعون ان يلحقونا حين نقرأ الصلوات ولا نتمهّل؟ ولا نقول شيئاً عن العظة التي هي جزء لا يتجزأ من القداس، ولاسيّما بعد دعوة المجمع الفاتيكاني الثاني.

والخدمة ثالثاً هي خدمة المؤمنين. إذا كان الكاهن وكيلاً  فهو "رب البيت". فالرعية بيته وهو مسؤول عن كل فرد فيها. سواء أصله من هذه القرية أو جاء من قرية أخرى بعد التهجير الذي حصل في لبنان، وفي أماكن أخرى. فزيارة العائلات أمرٌ ضروري. أقلّه مرة في السنّة. ولا نتذرّع فنقول: هي رعية كبيرة! الزيارة تدوم بين 20 و30 دقيقة. وكل يوم نزور أولادنا. عنذئذٍ يزوروننا، لا في بيوتنا، بل في الكنيسة التي هي بيت الكاهن. هكذا يردّون لنا الزيارة.

وزيارة المرضى جزء من خدمة الكاهن. يحمل اليهم كلام التعزية والتشجيع، ويحمل اليهم القربان المقدّس. وإذا دعت الحاجة، تمارَس مسحة المرضى، ولا يكن المال الدافع الأول، لئلا يتهرّب الناس من الكاهن، الذي يدعونه بابتسامة:" أب هات".

والمناسبات عديدة لكي يفرح الكاهن مع الفرحين، ويبكي مع الباكين، على ما يقول الرسول(رو15:12). فحضور الكاهن في رعيته حضور الوالدين عند أولادهم. يعرف حاجاتهم، يساعدهم قدر المستطاع، يدعو البعيدين ولا يترك أحداً "زعلان" من الكنيسة او من الكاهن. وخصوصاً، يتنبّه الى الشيع والبدع التي تنفث سمّها في الرعيّة. هنا يأتي دور اللقاءات الروحية والسهرات الإنجيلية. فالقديس بولس يدعونا كما دعا شيوخ افسس وكهنتها:" فاسهروا على انفسكم وعلى الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها اساقفة لترعوا كنيسة الله التي افتداها بدمه"(اع28:20).

2-   الكاهن خادم أمين

حين حدّث موسى الشعب على جبل موآب، قال لهم يشجّعهم:" فاعلموا ان الرب الهكم هو الإله الأمين، يحفظ العهد والرحمة لمحبّيه والعاملين بوصاياه الى الف جيل.(تث9:7). وأنشد موسى في نهاية سفر التثنية:" فنادوا باسم الرب، وهبوا عظمة لإلهنا. صوّر الكائنات وعمله كامل. وكل طرقه عدل. الله أمين لا جور عنده، وهو الصادق المستقيم".(3:32-4). وإذا كان الله هو "الأمين"، فماذا يكون خادمه، كاهنه؟ فالامين هو الثابت الذي لا يكون اليوم نعم وغداً لا. وهو الصادق كما قال لنا الرب في عظة الجبل:" ليكن كلامكم نعم نعم او لالا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير"(متى37:5). وذلك في خط يسوع:" لأن يسوع المسيح ابن الله الذي بشّرنا به بينكم، انا وسلوانس وتيموتاوس، لم يكن نعم ولا، بل نعم كلّه"(2كور19:1). والأمين هو الصادق الذي لا يكذب. هنا نسمع بلعام، ذاك النبي الآتي من شرقي الأردن:" ليس الله إنساناً فيكذب، ولا إبن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلّم ولا يفي؟" (ع د19:23). لهذا قال سفر الأمثال:"الشفاه الكاذبة يكرمها الرب والعامل بالصدق ينال رضاه"(ام22:12).

والأمين هو من يمكن أن نثق به، ونطمئن اليه دون ان نخاف من أي خيانة. أما الله فيقول فيه الرسول:" وإذا كنا خائنين بقي هو أميناً،لأنه لا يمكن ان ينكر نفسه" (2تم13:2). والرب يسوع يصف لنا "الوكيل الأمين". أوكل اليه سيّده أن يعطي الخدم الطعام(لو42:12). فإن قام بواجبه يهنّئه سيده. ثم"يوكل اليه جميع أمواله"(آ44). أي يرفع مقامه ويزيد له مسؤولياته ويدلّ على ثقته الكبيرة به. نشير هنا الى أن الطعام" أوسع من مفهوم الأكل. ونتذكر ما قيل عن الشمامسة الذين كلّفوا "بخدمة الموائد" (أع 2:6). ولكن اسطفانوس اهتمّ بمائدة أخرى وكذا نقول عن فيلبس الذي مضى الى السامرة يكرز لهم بالكلمة(أع 4:8).

وإذا أردنا أن نفهم كيف يكون "الوكيل الأمين" نقرأ ما قيل عن الخادم السيِّئ، الشرير. أولاً يتهامل في عمله، لأنه يعتبر أن سيّده يتأخّر. ثانياً، يتصرّف مع الخدم بقساوة، كأنّه سيدهم لا خادمهم. وأخيراً يقضي وقته في الأكل والشرب والسكر(لو45:12 ي). هذا قيل مثلاً عن الملك ايلة بن بعشه:" كان يشرب ويسكر"(امل9:16) ففاجأه الموت، وعن بنهدد الملك الأرامي الذي كان "يشرب ويسكر في الخيام مع الملوك المناصرين له".(امل6:20). مات الذين حوله، واستطاع هو أن يهرب على فرس. الى مثل هؤلاء قال ارميا النبي:" اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا..." (ار27:25).

هكذا يكون الخادم الشرير. لا يهتمّ بشيء إلاّ بنفسه وبراحته، ولكن يأتي العقاب قاسياً :" يرجع سيّده في يوم لا ينتظره وساعة لا يعرفها، فيمزّقه تمزيقاً ويجعل مصيره مع المرائين". (لو46:12). أي الذين لا إيمان عندهم و لا أمانة.

فالأمانة مبنيّة على الإيمان. الرب آمن بالكاهن فاختاره وكان له امينأً. فيبقى على الكاهن أن يردّ على الإيمان بالإيمان وعلى الأمانة بالأمانة. هذا هو معنى كلام الرسول الى اهل رومة:" من ايمان الى ايمان". (رو17:1). هذا يعني ان اساس حياة خادم الله هو الإيمان. فلولا الإيمان لا نستعد ان نضحّي بكل شيء ونحمل الصليب ونتبع الرب. ولولا الإيمان لما كنا نجعل رجاءنا إلاّ في الربّ، و لا كنا نطلب نجاحاً إلاّ في صليب الرب يسوع. فلولا الإيمان لما كنا نتابع الرسالة، بالرغم من الصعوبات التي تعترضنا وتكاد تقودنا الى اليأس. وفي هذا قال الرسول:" أنا أعرف بمن آمنت وأنا متأكّد انه قادر ان يحفظ لي وديعتي الى مجيء ربنا" (2تم12:1).

3 – الكاهن خادم حكيم

هناك حكمة وحكمة. الأولى مرفوضة، قال فيها الرب حين رأى تلاميذه يعودون من الرسالة مع النجاح الذي نالوه:" احمدك، يا أبي، يا ربّ السماء والأرض، لأنك أخفيتَ هذه عن الحكماء والفهماء واظهرتها للأطفال"(متى25:11). الحكماء الذي يعنيهم يسوع هنا، هم حكماء هذا الدهر الذين يعملون الحسابات الكثيرة: ماذا يكون لي إن أنا تبعتُ المسيح؟ تحدّث يسوع عن التجرّد من أجل أتباعه." فقال له بطرس:" ها نحن تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون نصيبنا؟" (متى24:19). ولكن يسوع رفع الجواب حالاً. لا في هذه الدنيا يكون نصيب الكاهن بل في الدنيا الثانية:" متى جلس ابن الإنسان على عرش مجده"(آ28). وفي الخط عينه، طلب الكرامة يعقوبُ ويوحنا فأرسلا الوالدة تقول:" مُر أن يجلس ابناي هذان، واحدٌ عن يمينك وواحدٌ عن شمالك في مملكتك"(متى21:20). لا جزاء في هذه الدنيا. ولا مجد قبل القيامة. لهذا كان جواب يسوع مرتبطاً بشرب كاس الموت. وما طلبه هذان التلميذان تمنّاه العشرة الآخرون. ولهذا غضبوا. البحث عن الأولوية، من يمشي قدام الآخر؟ من له الأفضلية؟ اتذكّر وأنا أترجم مقالات إفراهاط الحكيم الفارسي. كيف ان خدّام الرب يسوع يطلبون المقام الأول وهم في قلب اضطهاد افنى الكنيسة هناك.

كم مرّة يصحّ فينا، ما قاله الرب على الكتبة والفريسيين:" يحبّون مقاعد الشرف في الولائم ومكان الصدارة في المجامع"(متى6:23). هكذا يرانا الناس. فالمظهر الخارجي مهمّ وإلاّ كيف يعرفنا الناس وكيف يعرفون مقامنا. ويتابع يسوع:" يحبّون التحيّات في الأسواق وأن يدعوهم الناس: يا معلّم" (آ7). يا محترم. يا سيّدنا، السيادة، النيافة، الغبطة، القداسة. كلها نعوت لا تساوي اسم الأب. كانوا يقولون في أوروبا: الأسقف أميرٌ في الكنيسة، وكانوا يخافون عليه من الإغتيالات بسبب السلطة التي كان يملكها. ولا سيما على مستوى المال. كنيسة المسيح؟  قال لنا يسوع:" لا يكن هكذا فيكم، بل من أراد ان يكون عظيماً، فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لكم عبداً" (متى26:20-27). فإذا وقفت الأم تريزا ده كلكوتا قرب أكبر الشخصيات في هذا العالم، فأين تجد وجه المسيح؟ وإذا وضعت صورة القديس شربل الذي حين مات لم يبق راهب في دفنه، لأن عظيماً  في الطائفة مات، مع "الكبار"، فمن يدلّك على المسيح، ومن يجتذبك الى الله بعد مئة سنة ونيّف على موته؟

ونتساءل: لماذا انطلقت الرسالة سريعاً بعد صعود الرب الى السماء؟ لأن الرسل تركوا حكمة العالم وأخذوا بحكمة المسيح. فيسوع وهو ابن داود، ابن سلالة الملوك دعوه "نجاراً" فقط لأنه لم يتعلّم في مدارس الكتبة والفريسيين. والرسل هم "اميّون"(أع13:4)، فكيف يتجرأون فيقفون في وجه رؤساء الكهنة وأحبار الشعب؟ البساطة في الحياة المسيحية تميّز الرسول، ويسوع أعطانا الشرعة في بداية العظة على الجبل: الفقراء في الروح، أي الذين لا يتعلّقون بشيء في هذه الدنيا، بل يربطون حياتهم بالمسيح. ذاك ما كانه بولس الرسول، الذي ترك " المستقبل الباهر" الذي ينتظر ذاك الرجل المعدّ للعظمة، وتبع يسوع. وأين تبعه؟ دخل السجن، ضُرب، تعرّض للموت. جُلد خمس مرات، رُجم، انكسرت به السفينة..." ( 2 كو23:11ي). فما عمله دُعي "جنون" المسيح. ومثله كان الرسل: أُهينوا،ضُربوا، فخرجوا فرحين "لأنهم وُجدوا أهلاً لقبول الإماتة من اجل اسم يسوع"(أع 41:5).

ونحن، الويل لمن لا يحترمنا! الا يعرف من نحن؟ وهنا يقول لنا بطرس الرسول:" هنيئاً لكم إذا عيرّوكم من اجل اسم يسوع"(1 بطرس14:4). وينبّهنا هامة الرسل:" إذا تألّم لأنه مسيحي فلا يخجل، وليمجّد الله بهذا الإسم"(آ16). اما إذا تألّم وهو مخطئ، أو لأن في خدمته عيباً، فهو يستحق "الإهانة". فلا يبقى له سوى أن يصلح حياته. الى هذا دعا الرسول أبناء فيلبي، ويدعونا نحن الكهنة اليوم:" تكونون أنقياء ولا لوم عليكم وأبناء الله بلا عيب في جيل ضال، فاسد، تضيئون فيه كالكواكب في الكون"(فل15:2).

في تقليدنا الشرقي هناك " الأقمار الثلاثة"، يوحنا الذهبي الفم، غريغوار النازينزي، باسيل اسقف قيصرية في الكبادوك. ما زالوا ينيرون حتى اليوم ولن يزالوا. افرام السرياني، كنارة الروح، ما زال يُنشَد الى الآن. ومارون وانطونيوس... وإذ نعيّد يوحنا ماري فياناي، فهو ما زال ينير حياة الكهنة بعد مئة وخمسين سنة على موته. ولا نتحدّث عن يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني. هؤلاء منارة تضيء. ولكن الرب يقول لنا:" إحذر أن يكون النور الذي فيك ظلاماً"(لو35:11). فبدلاً من ان ندلّ على المسيح، نبعد الناس عن المسيح.

كل هؤلاء تركوا حكمة العالم، وأخذوا بحكمة المسيح. فكانوا من جماعة الوضعاء، لأن الرب يكره المتكبرين، وكانوا من جماعة الودعاء الذين يرثون هذه الأرض وتلك التي ترمز الى السماء. كانوا من محبّي السلام وصانعي السلام. وقبلوا ان يضطهدهم الناس، لا أن يضطهدوا من هم أضعف منهم ليكونوا أسياداً بعد ان نالوا " درجة روحية".

حكمة العالم تطلب المال والجاه والعظمة والسلطة، أما حكمة الله فتتطلع الى الصليب. قال الرسول:" البشارة بالصليب حماقة عند الذين يسلكون طريق الهلاك. وأما عندنا نحن الذين يسلكون طريق الخلاص، فهو قدرة الله" (1 كو18:1). ولهذا تابع الرسول:" جعل الله حكمة العالم حماقة" (آ20). ولما رأى أهل غلاطية يبحثون عمّا يؤمّن لهم حياتهم ويبعدهم عن الصعوبات. هتف:" أما أنا فلا أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح. به صار العالم مصلوباً بالنسبة اليّ، وصرتُ أنا مصلوباً بالنسبة الى العالم"(غل14:6).

الخاتمة

أسماء عديدة للكاهن والأسقف وكل خدّام الله.أما نحن فتوقّفنا عند "الوكيل". فيه يضع الله ثقته، ويسلّمه اسراره لكي يحمل غناه الى العالم. يستند اليه في رعاية القطيع بعد أن "صعد الى السماء، وجلس عن يمين الآب". فالكاهن يحلّ محلّ المسيح. قال يسوع في العشاء السري : هذا هو جسدي، هذا هو دمي، والكاهن يقول في القداس: هذا هو جسدي، هذا هو دمي، خذوا فكلوا. خذوا فاشربوا. صار الكاهن " مسلّطاً "على جسد الرب ودمه. ها هنا افتخاره لا في أمور الدنيا وما يناله من كرامات. غفر يسوع للمخلّع فاعتبر الناس انه يجدّف. أما الكاهن فيغفر للخطأة كل يوم ولا أحد يتعجّب، لأننا نعيش في الإيمان الذي يتيح لنا أن نرى ما لا يُرى. وإذ يمنح الكاهن الغفران يعرف ان هذا الغفران يمرّ فيه ويبدّل له حياته يوماً بعد يوم. آمن يسوع بنا نحن الكهنة. ونحن نؤمن به. نسلّمه ذواتنا وحريتنا ومشاريعنا. يكون الكاهن ذاك الوكيل، ذاك الخادم الأمين الحكيم، الذي ينتظر في النهاية من يدعوه ويطالبه بالحساب بعد أن نال ما نال من الوزنات:" أحسنتَ أيها الخادم الصالح الأمين! كنت أميناً على القليل، فسأقيمك على الكثير، أدخل فرح سيدك"(متى21:25).