بولس الرسول في كنيسته والكاهن في رعيته

 

حين نقرأ رسائل القديس بولس يحسب بعضنا أنها كتابات قديمة ولّى عليها الزمن. فهناك كتابات جديدة تصدر كل يوم. فالمسافة شاسعة بين القرن الأول والقرن الحادي والعشرين وما بعده. كتابات من الماضي نتركها لذوي الإختصاصات وقارئي النصوص التي لا يفهمها إلاّ القليلون. أفسس التي كتب إليها، ماذا بقي منها اليوم؟ نتذكر فقط انها مدينة مريم العذراء. فيلبي صارت كافلا والفرق شاسع بين المدينتين. وتسالونيكي هي اليوم سالونيك، مدينة كبيرة منفتحة على أوروبا الشرقية. وقرى الغلاطيين الذين بشّرهم بولس ماذا بقي منها؟ بل لا نعرف موقع كل قرية بالتحديد. وحتى في الترجمة التي نسمعها في القداس، ومع شرح الكهنة، تبقى هذه الرسائل مغلقة علينا. فماذا يمكن أن تقول لنا في هذه السنة الكهنوتية؟ مثل هذا الموقف ينسى أن يسوع المسيح، كلمة الآب، هو هو أمس واليوم والى الأبد. أما كلام الله فما هو فقط من الماضي. بل هو اليوم، كما تقول الرسالة  الى العبرانيين: سيف ذو حدّين يدخل الى مفرق النفس والجسد(12:4). وإذا أردنا أن نعرف كيف يكون الكاهن اليوم في رعيته، نتطلّع الى شخص بولس الذي رسم حياته في رسائله. وإذا أردنا أن نعرف نحن واجباتنا في الكنيسة في معاونة كهنتنا، ننظر الى الذين كتب اليهم بولس في كورنتوس أو أفسس أو رومة.

أمّا تأمّلنا فيأتي في ثلاث محطات. الأولى، بولس الرسول هو العارف بأمور كنيسته وصعوباتها وأفراحها وأحزانها، لأن المؤمنين هم في قلبه. وكيف عرف؟ بعض من الكنيسة حمل اليه الأخبار. الثانية، بولس هو العامل الذي لا يترك الأمور تسير وحدها ويكون هو مرتاحاً، هادئاً في أحلامه أو في ما يرى من صور قدامه. والرعية كلها تتجاوب معه في هذا العمل:" فمن صفحتم عنه صفحت عنه أنا أيضاً"(2كور10:2). والمحطة الثالثة، بولس هو المصلّي من أجل كنيسته ويفهم الراعي كما يفهم المؤمنين أن رعيّة لا تقوم على الصلاة، بل على العمل المؤقّت، تكون موقتة و لا تحمل ثمراً يدوم. هذا ما يكتشفه مرشد يمرّ في كنيسة من الكنائس: ماذا بقي بعد ان تركها هذا الكاهن أو ذاك؟ أما ماذا بقي من كنيسة كورنتوس بعد أن مضى بولس الى السجن بانتظار أن يموت شهيداً على طريق أوستيا قرب رومة، فالثمر باقٍ الى الآن.

1-      بولس عارف بأمور كنيسته

"بينكم خلاف". هذا يقول: "أنا مع بولس". وذاك يقول:" أنا مع بطرس"... فالذي اعتمد بيد بطرس يعتبر نفسه مرتبطاً به مدى الحياة، على مثال ما كان يحصل في عالم اليونان حيث التلميذ يتعلّق بمعلّمه. رفض بولس حالاً هذا الموقف. الحمد لله، لم أعمّد منكم سوى أشخاص قليلين: عائلة استفاناس(اكور16:1) وكرسبس وغايس. إذاً، لا تتعلّقوا بي. و لا تتعلّقوا ببطرس، بل بالمسيح وحده. واعطاهم المعنى اللاهوتي: هل بولس صُلب من أجلكم، أم يسوع؟ فيسوع صُلب من أجلي أنا أيضاً وأنا "لا أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح. به صار العالم مصلوباً بالنسبة اليّ، وصرت أنا مصلوباً بالنسبة الى العالم"(غل14:6). ثم قال الرسول لأهل كورنتوس:" هل اعتمدتم باسم بولس؟". بل باسن المسيح، باسم الثالوث الأقدس، الآب والإبن والروح القدس. وذكّرهم بخبرته على طريق دمشق :" قام شاول وتعمّد" وشارك في عشاء الرب ، في الإفخارستيا، "فعادت اليه قواه"(أع18:9). وانطلق في عمل البشارة.

كيف عرف بولس بما يحدث في كورنتوس، وهو يبشّر في أفسس البعيدة عنها المسافات الطويلة؟ الرعية أخبرته. هو أخبر:" أهل بيت خلوة"(اكور11:1). ومن هي خلوة؟ تاجرة ينتقل ملاّحوها من مدينة الى مدينة. وهي أرسلت فأخبرت بولس بما يحصل في الرعية. فلولاها لا يقدر أن يعرف. كانت "عينَ" الرسول في كنيسته. وهي أو غيرها أعلمت الرسول بحادثة الزنى(1 كور 1:5ي): شخص يزني مع امرأة أبيه، والذين حوله يفتخرون برجوليته. ووصلت أخبار أخرى عن ذهاب المؤمنين الى المحاكم:" تقاضون بعضكم بعضاً، وهذا عيب"(1 كور7:6). وقال لهم:" أما تعرفون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟"(آ9). عملياً، ليس الضعفاء هم الذين يقاضون إخوتهم، بل الأقوياء. ويعلنون أنهم مظلومون على مثال ما يقال:" ضربني وبكى سبقني واشتكى"، أو على ما نقرأ بين الذئب والحمل. ظُلمنا، سُلبنا. ذاك ما يقوله الأسياد بالنسبة الى العبيد أو العمال في بيوتهم. فقال لهم الرسول ببعض البسمة:" أما هو خير لكم أن تحتملوا الظلم؟ أما هو خير لكم أن تتقبّلوا السلب؟(آ7).

عرف بولس. وهناك رعاة لا يريدون ان يعرفوا، ولا أن يُتعبوا رؤوسهم. فهمومُهم كثيرة وأولها هموم الأسرة. ثم هم عملوا النهار كلّه ويحتاجون الى الراحة فيعملون ما يريحهم. أما بولس فما كان هكذا. قال:" عانيت الكدّ والتعب والسهر الدائم... الى جانب ما أعانيه من اهتمام بجميع الكنائس. فمن يضعف ولا أضعف معه؟ ومن يقع في الخطيئة وأنا لا أحترق من الحزن عليه؟" (2كور27:11-29).

يُقال للكاهن: يا أبانا، هذه الشيعة أو تلك تبشّر في الرعية. ذئاب خاطفة تأتي. لا نتعب حالنا. والأجير حين يرى الخطر يهرب، وهو يعمل بقدر أجرته. أما الراعي فيضحّي بنفسه من أجل خرافه. يدافع عنها ويتذكّر ما قاله الرب يسوع:" ما من حبّ أعظم من حبّ من يبذل نفسه عن أحبّائه"(يو13:15).

عرف بولس والكاهن يريد أن يعرف- ولكنه إنسان محدود. فكيف يحيط بأمور رعيّة تعدّ الالاف وعشرات الآلاف مثل تلك التي في بيروت وضواحيها؟ هذا مستحيل. فلا بدّ له من عيون تنير عينه. أعرف كهنة قسموا الرعيّة مناطق. وإذا كان هناك أكثر من كاهن، يهتم لك واحد بمنطقة، دون أن ينسى اهتمامه بالرعية كلها. ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يهتم بالجميع دون المؤمنين حوله. فأين أعضاء الأخوية لا يخبرون كاهنهم بما يحصل في الحيّ الذي يسكنون فيه؟ وإن قلت الأخوية، فانا لا أنسى كل الحركات الرسولية، بدءاً من الصغار وصولاً الى أخوية الميتة الصالحة. كلّنا مسؤولون عن الرعية وعمّا يحصل فيها. نكون عيون الكاهن فنوصل اليه الأخبار. وإذا كان الراعي يقوم بالسهرات الإنجيلية في كل منطقة في رعيته، يعرف. وكذلك إن هو زار البيوت وما ترك الشيع تزور البيوت بشكل منظّم وتزرع الزؤان في كل مكان. وحين تعي الرعية ويعي الكاهن، يكون الوقت فات. تأسس هنا "هيكل" وهناك "مائدة الملكوت". ومثل نقطة الزيت يمتد حضور لا يريده يسوع المسيح، فمن هو المسؤول؟ الكاهن أولاً. وإن هو لم يعرف، أبناء الرعية وبناتها، الذين لم يتصرفوا ولم يُعلموا الراعي بوجود الذئاب في الرعية.

وعرف بولس بما يحصل في كورنتوس بواسطة أشخاص كتبوا اليه. ذكر أسماءهم: استفاناس، فورتوناتوس، أخئيكوس(1كور 15:16). من هم هؤلاء؟ عاملون في الكنيسة، عاملون في الرعية. حملوا الأخبار، كتبوا الى بولس، سألوه فأرسل الجواب، وخصوصاً طلبوا منه أن يأتي، واستعدّ أن يأتي لكي يكون حاضراً حيث الخطر. قال النبيّ:"ويل للأنبياء الحمقى... ما صعدوا يوماً لسدّ ثغرة في السور، ولا بنوا سوراً لكم، حتى يدافعوا عنكم في القتال"(حز523:13). أتى العدو، فتح ثغرة، هدّد المدينة. أين النبي، أين الكاهن، أين من أرسله الله؟ هم غير موجودين. والسبب ، كما يقول النبي: "يتبعون هواهم ولا يرون" (آ5) أو هم لا يريدون أن يروا. والعقاب ينتظرهم: "تكون يدي على الأنبياء (للعقاب). أنا خصمكم، يقول السيّد الرب"(آ8). أنا ضدّكم. يا للكلمة القاسية. ويقول الرب عنهم:" لا يكونون في عداد شعبي، ولا يسجَّلون في سجل بيت الله. ولا يدخلون أرض الرب". إذاً يكونون خارجاً. فيا للضربة القاسية حين يأتون الى الرب ويصرخون من الخارج:" يا رب، يا رب، أما باسمك تنبأنا، وباسمك طردنا الشياطين، وباسمك عملنا العجائب الكثيرة؟" (مت22:7). فيأتيهم الجواب قارصاً:" لا أعرفكم، ابتعدوا عني يا فعلة الإثم"(آ23). واي إثم فعلوا؟" أضلّوا شعبي. قالوا:" سلام"(حز10:13) لا تخافوا. لا خطر هنا. ويسقط الجدار وتسقط المدينة ويكون "الأنبياء" اول الهاربين.

عن هؤلاء يقول الرب:" بحثت عن رجل يبني سوراً ويقف على الثغرة فما وجدت"(حز30:22). وحُكم يسوع جاء حتى على الرسل الذين أرسلهم. وبولس نفسه سوف يخاف أن يكون من الخاسرين بعد ان حمل البشارة(1كور27:9). نتخيل هذا الرسول يخاف من أن لا يكون على قدر المهمة التي أوكله الرب بها. الرب يختار كاهنه، يسلّمه " المفاتيح"، يعطيه ملء السلطان. فإذا لم يكن أهلاً يؤخذ منه ما حسبه له(لو26:19). في هذا المجال نقرأ ما ورد في نبوءة أشعيا عمّن اختاره الملك لمساعدته": القي مفتاح بيت داود على كتفه. يفتح فلا يغلق أحد، ويُغلق فلا يفتح أحد، وأركّزه في مكان ثابت فيكون عرش مجد لبيت أبيه"(22:22-23). ولكن هذا "المختار" لم يتعلّم ممّن سبقه الذي "أقيل من منصبه وخُلع من مقامه"(آ9). فقال فيه الرب:" انزع الوتد المركّز في المكان الثابت واقطعه". (آ25). ويفرح الكاهن حين يقال له ما قيل عن يسوع:" أنت كاهن الى الأبد"(مز4:110). ومرات عديدة ماذا يبقى من كهنوتنا؟ ربما نشبه يهوذا الذي قال فيه يسوع: كان أفضل له لو أنه لم يولد."لأن فيه شيطان"(يو70:6). هو كلام قاسٍ يسمعه كل خادم مهمل أو شرير:" يمزّقه سيّده تمزيقاً ويجعل مصيره مع المنافقين"(مت51:24). ولكن الحمد لله أنه بقي أحد عشر رسولاً، بعد أن مضى يهوذا في الليل وبعد أن تناول اللقمة(يو30:13).

كاهن لا يعرف! أي خطيئة. راعٍ لا يهتمّ تؤخذ منه الرعاية، وإن حافظ على الأمور الخارجية التي تبهر العيون ولا تنزل الى أعماق النفوس. وكم ننبهر من بعض الكهنة الذين قد يكونون بنوا وشيّدوا، وحين يتركون الرعية يمضون غير ماسوف عليهم. وهنيئاً لكاهن ترك وراءه أثراً. فكان رائحة المسيح الطيبة(2كور15:2). أما الذي ترك وراءه سمّ الموت وجعل الإنقسام داخل الرعية فتناله دينونة كبيرة. نجّانا الله من هذا المصير، بعد أن جعل الرب كل كاهن رقيباً على شعبه فيدعو الإنسان الى التوبة. إن قال له وتاب نال الخلاص. وإن لم يتب يكون النبّي خلّص نفسه. أما إذا لم يقم النبي بواجبه ومضى الإنسان الى الهلاك، فالرب يطالب ذاك النبي، ذاك الكاهن الذي لم يمضِ لكي يبحث عن الخروف الضال(مت12:18-14).

2-      بولس هو العامل

بولس هو العارف وهذه صفة رائعة عند الراعي الذي يعرف خرافه. يعرف حالها والمحيط الذي تعيش فيه، والأخطار التي تترقبها. ولكنه لا يكتفي بالمعرفة، بل يعمل متذكّراً كلام الرب: "فالخادم الذي يعرف ما يريده سيّده ولا يستعدّ ولا يعمل بإرادة سيده، يلقى قصاصاً شديداً. وأما الذي لا يعرف ما يريده سيّده ويعمل ما يستحق القصاص، فيلقى قصاصاً خفيفاً". (لو47:12-48).

نعرف فنعمل. وإن لم يعرف الكاهن، فأبناء الرعية مسؤولون لأنهم لم يُعلموه بالشرّ الذي يتهددهم. ويواصل يسوع كلامه منبّهاً الى كل ما منحنا من مواهب:" من أعطيَ كثيراً يُطلب منه الكثير. ومن إئتمن على كثير يُطالب بأكثر منه". (آ48). لهذا خاف بولس. ونحن نخاف أيضاً بعد أن نلنا كل هذه التربية وهذه الدروس. ورافقنا آباء ومعلّمون عديدون. هل نعرف عدد الوزنات التي تسلّمنا؟ هل نعرف أن علينا أن نتاجر ومن نال خمس وزنات عليه أن يقدّم خمس وزنات ليسمع تهنئة الرب له:" يا لك خادماً صالحاً واميناً. كنت أميناً على القليل فسأقيمك على الكثير. أدخل فرح سيدك"(مت21:25). ومن نال وزنتين يُطالب بوزنتين. وتكون له التهنئة كما الذي قدّم خمس وزنات ربحها بالمتاجرة.

ولكن ذروة المثل كانت بالنسبة الى الثالث، الى ذلك الذي نال الوزنة الواحدة. عادة، الخدام العاملون في حقل الرب هم مجتهدون، يتاجرون أفضل متاجرة بالوزنات التي نالوا. ولكن يسوع توسّع في الحالة الثالثة لكي ينبّه كل واحد منا. هل أنا الخادم أم السيّد؟ كلّفت بأن أعطي خدام الرب "طعامهم في حينه" (مت45:24). هل فعلت كالخادم أم كالسيّد؟ فالسيد "يضرب رفاقه ويأكل ويشرب مع السكيرين"(آ49). هي المعاملة القاسية التي منها ينبّه الرسول: السيد وحده "يضرب". لا الأب الذي هو أم في الوقت عينه. فالرسول يحنو على أبنائه ويطعمهم اللبن الحليب بانتظار الطعام القويّ. يفعل معهم كما الرب مع شعبه بحسب كلام هوشع:" علّمهم المشي، حملهم على ذراعيه... اجتذبهم بحبال الرحمة وروابط المحبّة. كان لهم مثل أب يرفع طفلاً على ذراعه ويحنو عليهم ويطعمهم".(3:11-4).

نبّه بولس تلميذه تيموتاوس كيف يكون خادم الرعية:" لا توبّخ شيخاً بل أرشده بلطف كأنه أب لك"(اتم1:5). ذاك كان تصرّف القديس مارون مع زيبيناس الذي كان تلميذه: كان يناديه أبي. وما اشنع الخادم الذي يتكبّر على الرعية لأنه نال درجة روحيّة! نحن لا نعرف المسيح بالجسد. ونحن لا نتصرّف تصرّف الجسد بعد أن نلنا من المسيح السلطة الروحيّة. ويواصل بولس كلامه:" عامل الشبّان كأنّهم إخوة لك". لا تتكبّر عليهم. وكل عجوز هي أم لك. إعرف كيف تكلّمها بمحبة وإكرام. هكذا يكون الخادم. أما السيّد فيبحث عن راحته ولذّته. هو ينام ولا يهتم بالسهر، وفي الليل يسكر مع السكارى(أفسس6:5).

ويواصل الكاهن فحص ضميره: هو أمين. والأمانة صفة المؤمن. والأمين هو الثابت. لا يندفع اليوم و"ينفِّس" في الغد. والكاهن لا يبدأ في الحماس وينسى محبته الأولى. فيدعوه المسيح:"أذكر من أين سقطت، وتب وعد الى أعمالك الماضية، وإن كنت لا تتوب جئتك واخذت منارتك من مكانها"(رؤ5:2). أجل، لا يعود الكاهن نوراً فيطلب الظلام لئلا تنفضح أعماله. لا يعود ملحّاً ، فيُرمى في الخارج لأنه لا ينفع شيئاً. ونسمع كلام الرب القاسي: إن كان النور الذي فيكم ظلاماً. فالظلام ماذا يكون. نحن نور العالم فنمجّد الله بأعمالنا الصالحة. ولكن ينبّهنا الرسول إذا لم تكن أعمالنا على قدر الدعوة التي دعينا اليها:" اسم الله يجدّف عليه بسببكم"(رو24:2).

هكذا يكون الخادم " الكسلان"(مت26:25)." الى متى تنام يا بطّال؟ ومتى تقوم من نومك؟ بين قليل من النعاس وطيّ اليدين قليلاً للنوم"(أم 9:6-10). ويقول ابن سيراخ عن العبد الشرير:" النوح على الميت سبعة أيام، والنوح على الأحمق والشرير كل الأيام"(12:22) والنتيجة يقولها الرب:" هذا الخادم الذي لا نفع منه إطرحوه خارجاً في الظلام، فهناك البكاء وصريف الأسنان"(مت30:25).

خادم عامل، خادم كسلان. قال سفر الأمثال:" الجهّال يقتلهم هذيانهم، والكسالى في لهوهم يبيدون"(32:1). وقال في موضع آخر:" الرجل الذكي يعمل بمعرفة، والكسول ينشر الحماقة. الرسول الشرير يوقع في السوء، والسفير الأمين يأتي بالهناء"(16:13-17).

أما بولس الرسول، فهو لا يعرف الراحة ولا يريد أن يعرفها على مثال الرب الذي قيل له أن يتوقّف بعض الشيء. فقال:" يجب أن نمضي أيضاً الى القرى المجاورة، لأني لهذا أرسلت"(لو43:4). وما اكتفى بالكلام بل "مضى يبشّر في مجامع اليهودية" (آ44). وبولس اعلن انه بشّر في كل مكان وصولاً الى اليريكون(رو19:15). التي تقابل صربيا الحالية. وحين يطلّ الخطر فهو يستعدّ أن يأتي سريعاً. نحن نعرف أنه أجبر على الهرب من تسالونيكي. هل اعتبر أنه نجا بحياته؟ كلا. قال: حاولتُ أكثر من مرة أن آتي اليكم فعاقني الشيطان(1تس18:2). وهل اكتفى بأن يكتّف يديه وينظر الى الخراب الذي حلّ بالكنيسة؟بل أرسل تيموتاوس" ليشجّعكم ويقوّي إيمانكم، لئلا يتزعزع أحد منكم في هذه الشدائد"(1 تس2:3-3). وكم فرح الرسول حين رجع الينا تيموتاوس من عندكم وبشّرنا بما أنتم عليه من إيمان ومحبّة". كاد بولس "يموت".حينئذٍ قال:" اما الآن فنحن نحيا ما دُمتم ثابتين في الرب".(آ8). ويواصل كلامه:" نرجو أن يمهّد الله أبونا وربُّنا يسوع طريق المجيء اليكم"(آ11).

فبولس لا يخاف. هناك صعوبة في كورنتوس. أتى، جابه الخطر. نال معاملة سيئة. لا بأس. كل الرسل أفضل منه. لا شك في ذلك وهو من لم يرَ الرب طول حياته على الأرض. هذا على المستوى البشري وهو يتقبّل الإهانة لإسم الرب يسوع. ولكن حين تكون الرسالة في خطر، يدافع بولس عن نفسه:" جاهدت أكثر من سائر الرسل كلهم، وما أنا الذي جاهدت بل نعمة الله التي هي معي"(1 كو10:15).

عمل بولس في كنيسة كورنتوس، وما ترك الأمور تسير مجراها. عرف بذلك الزاني المشهور. فطلب أن تؤخذ الإجراءات اللازمة:" لا يحسن بكم أن تفتخروا"(آ6). وبالنسبة الى الدعاوى:" لا يقاضِ الأخ أخاه"(1كو6:6) ويعطي السبب الرفيع: تدينون الملائكة ولا تقدرون أن تحكموا في القضايا البسيطة(آ2). هناك خلاف. لماذا لا يتدخّل أبناء الرعيّة لكي يفضّوا الخلاف؟ لماذا ينتظرون أن يذهبوا الجيران الى المحاكم وأن يُظلم الفقير ولا يأخذ أحدٌ له حقه. ويل لرعية تقول: كاهننا لا يفعل شيئاً. أولاً، لا أحد يعرف ما يعمل هذا الكاهن. ثم نحن لا ندين لئلا ندان. ومقابل هذا، إن كان هو لا يفعل لسبب أو لآخر، لماذا لا نفعل نحن الذين اعتمدنا وشاركنا في كهنوت الكنيسة. ماذا يمنعنا من أن نتثقّف تثقيفاً دينياً ولا ننتظر مثل الأطفال؟ أعرف رجلاً متعلّماً في أحد الرعايا يعطي التثقيف الديني فيأتي الكاهن ويستمع اليه. كما أعرف رعايا لا يتنازل الكاهن لكي يسمع بعد أن نسيَ ما تعلّمه على مقاعد الدراسة الجامعية. وفي عدد من الرعايا، اعتاد المؤمنون أن ينظّموا السهرات الإنجيلية، بمباركة الكاهن الذي لا يكفي لأن العمل أكبر منه.

والتنظيم في الكنيسة: الكاهن لا يتهرّب. ولكنه يزعج المؤمنين، ولا سيّما الاغنياء، والأقوياء. أين قوة المسيح التي تظهر في ضعفنا؟ واين وعظنا الذي لا يكون تكراراً لما قرأنا، بل تعليماً وتنبيهاً على ما سمع تيموتاوس من معلّمه:" علّم هذا وعظ به"(1 تم 2:6). ويواصل كلامه في الرسالة عينها:" وعليك أن توصي أغنياء هذه الدنيا أن لا يتكبّروا ولا يتّكلوا على الغنى الزائل... وأن يعملوا الخير، ويكونوا أغنياء بالأعمال الصالحة"(17:6-18). ويقول بولس لتيموتاوس في الرسالة الثانية، وكأنه يقول للكهنة في أيامنا:" أناشدك أمام الله والمسيح يسوع... أن تبشّر بكلام الله وتلحّ في إعلانه بوقته أو بغير وقته، وأن توبّخ وتنذر وتعظ صابراً كل الصبر في التعليم، فيجيء وقتٌ لا يحتمل فيه الناس التعليم الصحيح"(1:4-3).

3-      بولس هو المصلّي

بولس يتعرّف الى الكنيسة، والكاهن الى الرعية بصعوباتها ومشاكلها. بولس يعمل على جميع الصعد، على المستوى الحياتي كما على المستوى الليتورجي و لاسيما الإحتفال بالإفخارستيا، والكاهن يفعل مثله، فيهتم بالليتورجيا الإهتمام الكبير لأن شريعة الصلاة هي شريعة الإيمان والحياة. ففي الليتورجيا يوزّع كلام الله عن مائدة الكلمة، كما قال المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي الليتورجيا يوصل الكاهن رسالة الكنيسة المنتشرة في العالم كله. وفي قداس الأحد، يحسّ المؤمنون أنّهم جسد المسيح ويشكّلون وحدة متراصة حول المذبح. شُبّه المؤمنون في بدايات الكنيسة بحبّات القمح التي تُطحَن فتصبح البرشانة التي تتحوّل الى جسد المسيح. وبحبّات العنب التي تُعصَر لتصير دم المسيح. هل يأتي المؤمنون الى القداس يوم الأحد والأعياد؟ هل نعرف عدد الذين يأتون وعدد الذين لا نراهم يوم الأحد؟ هل نمضي اليهم وندعوهم. الجميع يكونون هنا في "حظيرة" الرب. قال يسوع:" لي خراف أخرى... فيجب عليّ أن آتي بها فتسمع صوتي وتكون الرعية واحدة والراعي واحداً"(يو16:10).  ما أ

في الماضي، في الرعايا الصغيرة، كان الجميع يأتون الى الكنيسة يوم الأحد. وإن غاب أحدهم فهذا يعني أنه مريض، فيمضي الجميع ويستفقده. فإن لم يكن مريضاً، استحى من نفسه ومن هؤلاء الناس الذين اتوا اليه، وهكذا لن يغيب يوماً عن قداس الأحد. هناك أحياء في القرى يقول لي أحدهم: في هذا الحي لا يمضي الى القداس إلاّ أنا وامرأتي. هل قلتم لهم شيئاً؟ والجواب: ما لي ولهم. والأبشع من هذا هو أن الكاهن يقول:" أنا نبهتهم، فمن أراد أن ينتبه فلينتبه!هل مضيت إليهم؟هل زرتهم؟ والجواب: هل أنا مسؤول عن كل واحد منهم؟ فيقول له الرب: أنت مسؤول عن كل واحد يقع في حدود رعيّتك. أذكر كاهناً توفّاه الله كان يعرف كل رعيته الموزّعة على ثماني مئة بيت تقريباً. يسلّم على الجميع ويسأل عن الذين غابوا لكي يمضي اليهم: إذا غاب كل واحد، من يبقى في الكنيسة. عندئذ نقفلها ونضع المفتاح على السطح!

ويأتي دور المؤمنين الذين يُعلمون الكاهن، شرط أن لا يضع رأسه في الرمل مثل النعامة ويقول: كنيستي ملأى بالمؤمنين. ما هو العدد في كل قداس؟ وما هو عدد المؤمنين؟ يخاف أن يطرح السؤال، لأن الجواب يحتّم عليه ان يعمل شيئاً. هنا نتذكّر ألم صاحب الرسالة الى العبرانيين لأن كثيرين لا يأتون الى الإجتماع الأسبوعي. وماذا يمنع الكاهن أن يدعو المؤمنين الى اجتماع خلال الأسبوع من أجل تثقيفهم الديني، كما يتمّ في كنائس أخرى؟ ولكن هذا يتطلّب جهداً، وكثيرون منا توقفوا عند الذي درسوه في الجامعة، فلم يبقَ الكثيرممّا تعلّمناه  بعد أن ذاب كالثلج.

لماذا التشديد على الليتورجيا، وعلى اجتماع يوم الأحد، وعلى الصلاة المشتركة؟ لأن الرسول يعرف:" إن لم يبنِ الرب البيت، فعبثاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة، فعبثاً يسهر الحارس"(مز1:127). الكاهن يعرف أنه بدون الرب لا يستطيع ان يفعل شيئاً(يو5:15). فالصلاة هي في أساس خدمة الكاهن وخدمة الرسول. ونعطي بعض الأمثلة. ففي بداية الرسالة الأولى الى تسالونيكي". كتب بولس:" نشكر الله كلّ حين من اجلكم ونذكركم دائماً في صلواتنا".(2:1). تتخيّلون بولس توقّف عن الصلاة لأجل مؤمنين تركهم على عجل وخاف أن يكون المجرّب جرّبهم فيروح تعب الرسول سدىً. ولكن الثمرة حاضرة: "نشاط في الإيمان، جهاد في المحبة، ثبات في الرجاء"(آ3). لهذا هتف الرسول:" ذاع خبر إيمانكم في كل مكان"(آ8).

وكما بدات هذه الرسالة بالصلاة انتهت بالصلاة لكي يقدّس اله السلام المؤمنين، ويحفظهم منزّهين عن اللوم(23:5). وكما صلّى بولس على نية الرسول، ها هو يطلب منهم أن يصلّوا من اجله:" صلّوا لأجلنا أيها الأخوة "(آ25). وهذه الصلاة طلبها الرسول بشكل خاص في الرسالة الى رومة:" فأناشدكم أيها الأخوة، باسم ربنا يسوع المسيح وبمحبّة الروح، أن تجاهدوا معي برفع صلواتكم الى الله، من أجلي، لينقذني من يد الخارجين على الإيمان في اليهودية ويجعل خدمتي في أورشليم مقبولة عند القدّيسين"(30:15-31). الخصوم عديدون وبولس يعرف الخطر الذي ينتظره، خصوصاً إن لم تُقبلَ الإعانة التي حملها الى المؤمنين في اورشليم. لذا احتاج الى صلاة المؤمنين. وفي الرسالة الثانية الى كورنتوس، أحسّ بولس بالشدائد تحلّ بالفريق الرسولي في آسية بعاصمتها أفسس. صلّى بدون شك هو والعاملون معه عن قرب. فنال خلاصاً اوّلياً. ولكنه شعر أنه ضعيف، فقال للمؤمنين:" نعم، لنا فيه(في الرب) رجاء أنه سينقذنا أيضاً وستعينوننا أنتم بصلواتكم. فإذا باركنا الله استجابة لصلوات الكثير من الناس، فكثير من الناس يحمدون الله من اجلنا"(10:1-11).

وظهرت صلاة بولس حين كثر المهاجمون عليه. فأجبر أن يتكلّم عن نفسه. ويفتخر بما نال من إيحاءات. صلاة عميقة تشبه الى حد بعيد صلاة يسوع في بستان الزيتون. هو القوي عليه أن يقبل بالضعف. هو المريض عليه أن يقبل ببعض الألم لكي يشعر أنه إنسان كسائر الناس. قال:" ولئلا أنتفخ بالكبرياء من عظمة ما انكشف لي، اصبتُ بشوكة في جسدي، وهي كرسول من الشيطان يضربني لئلا أتكبّر. وصلّيت الى الله ثلاث مرات ان يأخذها عني. فقال لي: تكفيك نعمتي. في الضعف يظهر كمالُ قدرتي. فأنا، إذاً، أفتخر راضياً مبتهجاً بضعفي حتى تظلّلني قوة المسيح"(2كو7:12-9).

مرات عديدة يذكر الرسول صلواته من أجل الذين يكتب اليهم. كما من اجل مشاريع يقوم بها. ففي النهاية يجب أن تتمّ مشيئة الرب. قال في بداية الرسالة الى رومة:" واسال الله في صلواتي أن يتيسّر لي بمشيئته، ان أجيء اليكم"(10:1). صلّى الرسول: لتكن مشيئة الرب. ولكن بولس لم يصل الى رومة مبشّراً، بل مقيّداً بالسلاسل. وصلّى من أجل اهل فيلبي الذين أعانوه في الرسالة". من اول يوم الى الآن"(4:1). كما صلّى لأجلهم لكي تزداد محبتهم لله عمقاً. فماذا يكون الكاهن إن لم يكن رجل الصلاة؟ وكيف يتعلّم المؤمنون كيف يصلّون إن رأوا خادم الرعية يركض ويركض ولا يعرف أن يتوقف ليسمع صوت الرب يدعوه الى هذه الرسالة أو تلك. في السجن ذكر بولس فيلمون في صلواته(فلم4:1) وطلب صلاة الجماعة(آ22). كما صلّى من أجل تلميذه تيموتاوس(3:1) قبل موته حيث يكون "ذبيحة يراق دمها"(2تم 6:4) وينال الإكليل الذي "به يكافئه الرب الديان العادل"(آ8).

الخاتمة

بولس في الكنيسة، رسول عمره الفا سنة تقريباً. ولكنه حاضر في عصرنا. نسمع كلامه في رعيتنا كما سمعه أهل كورنتوس أو فيلبي. والكاهن في رعيته. فالقديسون مرآة نرى نفوسنا فيهم. مرات ينزعج الكهنة حين يوضع تجاههم وجه بولس، بل قال لي أحدهم: إن كان الأمر هكذا فلا علاقة لنا بالكهنوت. رأينا بولس كيف يعرف وكيف يستخبر؟ فهو أدرى بكنيسته كما الكاهن برعيته. فالأم تعرف تاريخ أولادها منذ كانوا في حشاها. وهذا الكاهن الذي هو أبو الجميع، قبل أن يكون "المحترم". وبولس يعمل ويعلّم كل واحد منا كيف نعمل في رعايانا. لا يكون الكاهن آخر من يعمل ولا هو آخر من يعلم. فماذا يقول للرب حين يطالبه بالحساب كما طالب اصحاب الوزنات؟ وفي النهاية، نحن نقتدي ببولس كما هو اقتدى بالمسيح: في صلاته مع المؤمنين وفي ندائه الى المؤمنين لكي تواصل كلمة الله جريها وينتشر ملكوت الله يوماً بعد يوم. فالرب قبل صعوده الى السماء قال لتلاميذه:" كما ارسلني الآب كذلك أرسلكم". ومضى الرسل. ومضى بولس. ونحن نمضي بأمر الله:" أرسلتكم لكي تأتوا بالثمار وتدوم ثماركم فيعطيكم الآب كلّ ما تطلبونه باسمي"(يو16:15).