في الخدمة مع كهنة الربّ

 

حين نتعرَّف إلى الكنيسة الأولى يفاجئنا أنَّ الرسل الاثني عشر كانوا رجالاً ولم يكن بينهم امرأة واحدة. أتُرى المرأة لا مكان لها في الخدمة لأنَّها كائن ضعيف؟ ولكنَّ هل كان بطرس ذاك القويّ حين خان الربَّ؟ ويهوذا الذي باع معلِّمه، هل كان ذاك الرسول "المميَّز"؟ واختار يسوع سبعين على عدد الأمم، أو اثنين وسبعين بالنسبة إلى الأسباط الاثني عشر، ستَّة لكلِّ سبط، هل كان بينهم امرأة واحدة؟ كلاّ. هذا مستحيل بالنسبة إلى يسوع. فإذا كان عبده بولس الرسول قال: لا رجل ولا امرأة، أترى يسوع ميَّز بين الرجل والمرأة في مجال الخدمة؟ وفي سفر الأعمال، اختاروا سبعة "خدّام" أو "شمامسة" مثل إسطفانس وفيلبُّس، أما فكَّروا أن يختاروا معهم أو بينهم امرأة واحدة؟ فأين هي المرأة في بداية الكنيسة والنساء يشكِّلن نصف المجتمع؟ ألا نستفيد من حضورهنَّ وعملهنَّ من أجل البشارة ونحن نعرف الجلد الذي تتمتَّع به المرأة؟ ذاك ما فكَّرت به الأخت ماري ألفونسين في هذا الشرق الذي رأى المرأة في الدرجة الثانية إن لم يكن الثالثة أو الرابعة، هذا إذا كان لها من وجود. فهي من لا يحقُّ لها أن توقِّع على وثيقة ولا أن تصعد إلى درجات الخورس. هذا لن يكون بعد اليوم والربُّ فتح لنا الطريق ولكنَّنا نحن النساء لم نلجه، بقينا على جانب الطريق مثل طيما بن طيما الأعمى، إلى أن دعانا الربّ، فقيل عنّا كما قيل عن ابن أريحا: رمى مشلحه عنه وفيه ما فيه من خيرات، وسار وراء يسوع في الطريق.

ونحن نقرأ بعض النصوص من الكتاب لكي نفهم أنَّ مؤسِّسة راهبات الورديَّة في خطى مريم العذراء، كانت بإلهام الروح وعلى ضوء ما يدعونا الله: الخدمة في الرعايا مع كهنة الربّ (مر 10: 52).

  1. وبعض النساء

نقرأ الفصل الثامن من إنجيل لوقا: "وسار يسوع بعد ذلك في المدن... وكان يرافقه التلاميذ الاثنا عشر" (آ1). هذا أمر طبيعيّ والتلاميذ يلاحقون يسوع، لأنَّهم سيكونون الأساس في ما يبنيه. ولكنَّ لوقا يتفرَّد فيضيف: كان مع يسوع "بعض النساء". وها هو يذكر أسماءهنَّ: مريم المجدليَّة، حنّة، سوسنة. ويواصل النصّ: "وغيرهنَّ كثيرات" (آ3). ويقودنا الإنجيل الثالث إلى الجلجلة. أين هم الرسل وأوَّلهم بطرس؟ قال عنهم مرقس: "فتركوه كلُّهم وهربوا" (مر 14: 50). ولكنَّنا نقرأ في لوقا 23: 49 عن "النساء اللواتي تبعن يسوع من الجليل". ونقرأ بعد ذلك بآيات: "وكانت النساء اللواتي تبعن يسوع من الجليل" (آ55).

مرَّتين قرأنا فعل "تبع"، سار وراء يسوع. لا يقول الإنجيل شيئًا عن دعوته لهنَّ. ولكن أما نستطيع أن نتخيَّل يسوع يدعو كلَّ واحدة منهنَّ؟ يروي لنا إنجيل متّى دعوة التلاميذ الأوَّلين: "كان يسوع يمشي على شاطئ البحر، فرأى أخوين هما سمعان الملقَّب بطرس وأخوه أندراوس يلقيان الشبكة في البحر، لأنَّها كانا صيّادين. فقال لهما: "اتبعاني، فأجعلكما صيّادَي بشر". فتركا شباكهما في الحال وتبعاه" (مت 4: 18-20). وكذلك دعا الربُّ يعقوب وأخاه يوحنّا "فتركا القارب وأباهما في الحال وتبعاه" (آ22). ويحدِّثنا متّى عن نفسه: مشغول في أمر الجباية وضبط المال من أجل الدولة. "قال له يسوع: اتبعني. فقام وتبعه" (مت 9: 9). ويجمع القدّيس لوقا هؤلاء الرسل بعد الصيد العجيب: "تركوا كلَّ شيء وتبعوا يسوع" (لو 5: 11).

ولماذا لا تكون الدعوة عينها بالنسبة إلى النساء. لا نعرف عن سوسنة إلاَّ اسمها. أمّا حنّة فهي امرأة شريفة ولزوجها دور في المملكة. هي تركت كلَّ شيء وسارت وراء يسوع، من الجليل إلى الجلجلة والموت، بل بعد القيامة. حدَّثنا مار يعقوب السروجيّ عن الرسل الذين تركوا كلَّ شيء. فقيل له: لم يكن لهم الكثير ولهذا سهل عليهم أن يتخلَّوا عمّا يملكون. فأضاف السروجيّ: ولو كان لهم الكثير لكانوا تخلَّوا عن الكثير. فبالنسبة إلى يسوع: من لا يعطي كلَّ شيء يكون وكأنَّه ما أعطى شيئًا. وحنّة امرأة خوزي تركت الكثير وما تطلَّعت وراءها وهي تمسك المحراث "للفلاحة" في كرم الربّ، وهكذا "صلحت لملكوت الله" (لو 9: 62). لا مجال للحزن مثل ذاك الرجل الغنيّ. قال له يسوع: "تعال اتبعني". فحزن لأنَّه كان يملك أموالاً كثيرة" (مر 10: 21-22).

والمرأة الثالثة: مريم المعروفة بالمجدليَّة (لو 8: 2). هي من مجدل تلك المدينة التي ازدهرت بالصيد وكان فيها 230 سفينة كما يقول المؤرِّخ فلافيوس يوسيفس في الحرب اليهوديَّة (2: 634-635). ابتعدت هذه المدينة عن طبريَّة خمسة كلم فعُرفت أيضًا بصناعة النسيج. من هناك كانت مريم، لا من ضيعة حقيرة. أمّا ماضيها فيطرح أكثر من سؤال: "خرج منها سبعة شياطين". الرقم سبعة هو رقم الكمال وتتمّة. الشيطان يسيطر عليها سيطرة تامَّة. قال البعض: كانت خاطئة مثل تلك التي أتت إلى بيت سمعان الفرّيسيّ وأخذت تبكي عند قدمَيْ يسوع (لو 7: 38). ولكنَّ الإنجيل لا يقول هذا. وقال آخرون: كانت مريضة بمرض خطير فاعتُبرت ممسوسة من الشيطان، مثل تلك المرأة المحدودبة التي احتاجت إلى لمسة من يسوع. كانت ملتصقة بالأرض "فلا تقدر أن تنتصب" (لو 13: 11). وأتى يسوع "ووضع يديه عليها، فانتصبت في الحال ومجَّدت الله" (آ13). لم تكن إنسانًا، صارت إنسانًا صارت مؤمنة تستطيع أن ترفع المجد لله. ولكنَّ الإنجيل لا يقول هذا.

أمّا الجواب فنقرأه في إنجيل لوقا مع المثل المعروف، رأس الكسلان بيت الشيطان. إذا فرغ القلب من الله، حلَّ فيه الشيطان بما يحمل من الشرّ. فتنقل المرأة من بيت إلى بيت في كلام السوء والافتراء والنميمة، فتسبِّب في خراب البيوت. أهكذا يجب أن تكون المرأة؟ قال الرسول عن بعض النساء: "يتعلَّمن البطالة والتنقُّل من بيت إلى بيت، كما يتعلَّمن الثرثرة أيضًا والتشاغل بما لا يعنيهنَّ والتكلُّم بما لا يليق" (1 تم 5: 13). حياة فارغة. ماذا يملأها سوى يسوع. لهذا تأسَّست رهبنة الورديَّة، كما الراهبات في الكنيسة. لهذا يواصل بولس في الرسالة عينها، بعد الكلام عن الشمامسة أو الخدّام في الكنيسة: "وعلى النساء كذلك أن يكنَّ من أهل الوقار..." (1 تم 3: 11). هؤلاء النساء هنَّ الشمّاسات، أي الخادمات في الكنيسة، على مثال الشمّاس. فكما كان اللاويّون في خدمة الكهنة، كذلك الشمّاس والشمّاسة وهكذا كانت مريم المجدليَّة، شمّاسة بعد أن كانت حياتها فراغًا.

يحدِّثنا القدّيس لوقا عن الروح النجس الذي يخرج من إنسان فيمضي في القفار. وإذ يرجع إلى بيته "يجده مكنوسًا مرتَّبًا" (لو 11: 25). ماذا يفعل؟ "يذهب ويأتي بسبعة أرواح أشرَّ منه" (آ26). ذاك ما كان بالنسبة إلى المجدليَّة. كانت "مُلك الشيطان" فصارت "مُلك يسوع" كانت تخدم نفسها في ما يُسمّى الرذائل السبع فانتقلت إلى خدمة الربّ، وهكذا أشعَّت حياتها لا خلال حياة يسوع على الأرض، بل في رسالتها التي قال فيها التقليد إنَّها مضت إلى مرسيليا في جنوب فرنسا وهناك بشَّرت بالمسيح.

ذكر لوقا ثلاث نساء: واحدة "ستّ بيت" على ما يبدو. والثانية من مجتمع غنيّ. والثالثة كانت عائشة حياة فارغة لا مثال يرفعها. مرَّ يسوع في حياتها فكانت قربه حين دُفن كما كانت أوَّل من بشَّر بقيامته. قال الإنجيل الرابع: "يوم الأحد جاءت مريم المجدليَّة إلى القبر باكرًا... ثمَّ مضت إلى سمعان بطرس والتلميذ الآخر" (يو 21: 1-2). ولمّا عرفت يسوع حين دعاها باسمها وأرسلها إلى "إخوته"، مضت "وأخبرت التلاميذ بأنَّها رأت الربّ" (آ18). صارت مريم مبشِّرة، فلماذا يكون الكاهن وحده مبشِّرًا؟ لماذا الرجل وحده؟ وأين المرأة؟ لهذا تأسَّست راهبات الورديَّة.

  1. من ليدية إلى فيبة...

قال بطرس: "ها نحن تركنا كلَّ شيء وتبعناك" (مر 10: 28). قال هذا الكلام باسم الرسل. وكان بالإمكان أن يقوله باسم هؤلاء النسوة اللواتي تبعن يسوع: "ما من أحد ترك أمًّا أو أبًا أو أولادًا..." (آ29). هذا التوازن في التجرُّد يصيب الرجال والنساء. قال بولس: "المرأة غير المؤمنة تتقدَّس بالرجل المؤمن". ذاك في معنى واسع دور الكهنة وخدَّام الإنجيل. ولكنَّ بولس لم ينسَ دور اللواتي يرافقن الكاهن في خدمته: "الرجل غير المؤمن يتقدَّس بالمرأة المؤمنة". فالرجل يمكن أن يكون خادمًا على مثال المسيح الذي ما جاء ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل حياته عن الآخرين (آ45). وكذلك المرأة. فلفظ الخدمة يقال عن الكاهن الذي يُدعى "خادم الرعيَّة". وقال الإنجيل عن النسوة: كنَّ يساعدن الربّ. وفي نسخة أخرى: "كنَّ يساعدن الرسل" (لو 8: 3).

وتحدَّث متّى عنهنَّ. قال: "وكان هناك كثير من النساء ينظرن من بعد، وهنَّ اللواتي تبعن يسوع من الجليل ليخدمنه، فيهنَّ مريم المجدليَّة ومريم أمّ يعقوب ويوسف (إخوة يسوع، وهي زوجة كلاوبا)، وأمّ ابني زبدى (واسمها سالومة، وكانت مع مريم العذراء عند الصليب، كما أتت إلى القبر، مر 16: 1). ولا شكَّ في أنَّه كان مع هؤلاء النسوة حماة بطرس. كانت مريضة، فما إن شفاها يسوع حتّى "قامت وأخذت تخدمه" (مت 8: 15). أمّا مرقس فقال: "فأخذت تخدمهم" (مر 1: 31). خدمة الرسل بعد خدمة يسوع. ويمكن أن تكون اليوم الخادمة مع الكاهن خادم الرعيَّة. وما ميَّز يسوع حين دخل إلى أورشليم. قال: "من أراد أن يخدمني فليتبعني، وحين أكون أنا يكون هناك خادمي. ومن يخدمني يكرمه أبي" (يو 12: 26)؟

ولكن يأتي من يقول: هي خدمة مادِّيَّة. فالمرأة في البيت تؤمِّن الطعام والغسيل والكناسة وغيرها من الأمور المعروفة. لا بأس. ذاك كان عمل مريم العذراء في الناصرة ولكن هل توقَّف عمل مريم عند هذا الحدّ. يقولون: مضت إلى نسيبتها إليصابات لكي تخدمها وهي التي ستلد يوحنّا. ولكن أين كانت خدمتها الأولى؟ قدَّست يوحنّا المعمدان. قال الإنجيل: "فلمّا سمعت إليصابات سلام مريم، تحرَّك الجنين في بطنها" (لو 1: 41). ونلاحظ فقط "سلام" فحين أرسل الربُّ تلاميذه، قال لهم: "وأيَّ بيت دخلتم، فقولوا أوَّلاً: السلام على هذا البيت" (يو 10: 5). وماذا عملت مريم؟ حملت السلام إلى إليصابات، والسلام يعني ملء بركة الله. وماذا تعمل الراهبة؟ مثل الكاهن. تكون رسولة في الرعيَّة. وإذا كان الكاهن يُدعى "أبانا"، لأنَّه أبُ الرعيَّة على ما قال الرسول لأهل كورنتوس: "ولدتكم في المسيح" (1 كو 4: 14)، يمكن أن تكون الراهبة "أمَّ الرعيَّة"، وتُدعى "أمَّنا". فإن كان الكاهن يلد المؤمنين عند جرن المعموديَّة، فالراهبة ومساعدو الكاهن يلدون الناس إلى الإيمان. فما هو العماد من دون إيمان؟ فالإنجيل قال: "من يؤمن ويعتمد يخلص، ومن لا يؤمن يُداه". فالإيمان هو الأساس ونحن نعرف دور الأمَّهات في البيوت، ولماذا لا يكون دور "الأمَّهات" من نوع آخر في الرعيَّة؟ تحدَّث سفر إشعيا عن إبراهيم أبي المؤمنين وعن سارة أمّ المؤمنين، فقال: "انظروا إلى إبراهيم أبيكم وإلى سارة التي ولدتكم" (إش 51: 2). إبراهيم هو أبو الشعب العائش في المنفى على مستوى الإيمان، وذلك بعد آلاف السنين على موته. وكذلك نقول على سارة، ونقوله اليوم عن الكاهن كما نقوله عن الراهبة.

وإذا أردنا أن نفهم هذا الكلام حيث الخدمة المادِّيَّة لا تكون مادِّيَّة فقط، نتذكَّر تأسيس "الشمامسة". هم خدّام يعاونون الرسل. قال سفر الأعمال: "أخذ اليهود اليونانيّون المغتربون يتذمَّرون على اليهود العبرانيّين المقيمين، زاعمين أنَّ أراملهم لا يأخذن نصيبهنَّ من المعيشة اليوميَّة" (أع 6: 1). كان المؤمنون الأوَّلون يبيعون أملاكهم "ويجيئون بثمن المبيع فيُلقونه عند أقدام الرسل ليوزِّعوه على قدر احتياج كلِّ واحد من الجماعة" (أع 4: 34-35). إذًا، هناك خيرات مادِّيَّة يجب أن توزَّع على مثال ما نعرف اليوم لدى "كاريتاس" أو "جمعيّات مار منصور". فمن يوزِّع على الفقراء، على الأرامل؟ عادة الرسل. ولكنَّهم قالوا: "لا يليق بنا أن نهمل كلام الله لنهتمَّ بأمور المعيشة" (أع 6: 2). لهذا السبب اختاروا السبعة (آ3) ليواظبوا هم "على الصلاة والتبشير بكلام الله" (آ4).

نظريًّا هؤلاء السبعة تمَّ اختيارهم من أجل الأمور المادِّيَّة. وعمليًّا، لم يفعلوا شيئًا في هذا المجال. وإذا كانوا فعلوا، فسفر الأعمال لا يقول شيئًا، بل يعلن: "كان إسطفانس ممتلئًا من الإيمان والروح القدس" (آ5). فهل من حاجة إلى الروح القدس لتوزيع "الإعاشة"؟ كلاّ. فإسطفانس يعمل مع الرسل في نقل البشارة. والنتيجة "وكان كلام الله ينمو (ينتشر) وعدد التلاميذ يزداد كثيرًا" (آ7). احتاج الرسل إلى معاونين في الرسالة بشكل خاصّ. وسوف يموت إسطفانس لا لأنَّه تهامل في "أمور المعيشة"، بل لأنَّه "كان ممتلئًا من النعمة والقدرة، فأخذ يصنع العجائب والآيات العظيمة بين الشعب" (آ8). ومثل إسطفانس كان فيلبُّس الذي مضى إلى السامرة "وبدأ يبشِّر فيها بالمسيح" (أع 8: 5). ثمَّ وصل إلى "أشدود، وسار مبشِّرًا في المدن كلِّها حتّى وصل إلى قيصريَّة" (آ40).

لا، ليس الرسل وحدهم، بل معهم الشمامسة. وسوف نرى الشمّاسات. وليس الكهنة وحدهم. فهم يحتاجون إلى "راهبات" لكي يزداد عدد التلاميذ. وأوَّلهنَّ في تاريخ الكنيسة ليدية التي من مدينة تياتيرة. كانت تبيع الأرجوان وتخاف الله، ففتح الله قلبها لتصغي إلى كلام بولس. "فلمّا تعمَّدت هي وأهل بيتها، قالت لنا راجية: ادخلوا بيتي وأقيموا فيه إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالربّ، فأجبرتنا على قبول دعوتها" (أع 16: 14-15). وهكذا صار بيتها "كنيسة" يجتمع فيها المؤمنون في فيلبّي. اعتاد بولس في المدن التي يمرُّ فيها، أن يمضي إلى المجمع، ولكن لم يكن مجمع في فيلبّي، فمضى بولس يبشِّر "عند ضفَّة النهر" (آ13). أمّا الآن، فقدَّمت ليدية بيتها، وكان واسعًا. وإذا كانت لها السفن التي تربط فيلبّي بأفسس، أمَّنت المراسلة بين بولس وكنيسة فيلبّي. كما أرسلت مساعدة إلى بولس في سجنه. "فرحتُ في الربِّ كثيرًا عندما رأيت أنَّكم عدتم أخيرًا إلى إظهار اهتمامكم بي. نعم، كان لكم هذا الاهتمام، ولكنَّ الفرحة ما سنحت لكم. ولا أقول هذا عن حاجة، لأنّي تعلَّمت أن أقنع بما أنا عليه. فأنا أعرف أن أعيش في الضيق، كما أعرف أن أعيش في السعة" (فل 4: 10-12). بولس قبل مساعدة مادِّيَّة، وهو الذي افتخر أمام كنيسة كورنتوس بأن يحمل الإنجيل مجّانًا، فيفتخر ويعلن: "أنا أفضِّل أن أموت على أن يحرمني أحدٌ هذا الفخر" (1 كو 9: 10). فما الذي تبدَّل؟ لأنَّ من أرسل المساعدة عرف أن يرسلها باللطافة والوداعة والمحبَّة. هي ليدية. هي "الخادمة"، الشمّاسة في كنيسة فيلبّي. وربَّما المسؤولة عن الرسالة.

في تسالونيكي، تحدَّث سفر الأعمال عن "عدد كبير من السيِّدات الفاضلات (أع 17: 4) اللواتي شابهن ليدية. وذكر اسمٌ في أثينا: داماريس بجانب ديونيسيوس الأريوباغيّ (أع 17: 34). وهكذا تأسَّست كنيسة أثينا حيث "الراهبة" أو "الشمّاسة" تكون بجانب "الكاهن". ونحن لن نعجب في ذلك عندما نعرف عدد النساء اللواتي لعبن دورًا كثيرًا في بناء الكنيسة الأولى. ولماذا لا يتواصل هذا الدور في الشرق؟ فالبطريرك الياس الحويِّك أسَّس راهبات العائلة المقدَّسة في لبنان لكي يساعدن الكهنة في الرعايا. وكذلك رافق المونسنيور يمّين راهبات الورديَّة في فلسطين. أمّا في العراق، فالشمّاسات حاضرات إلى أيّامنا. نحن نعرف أنَّ العماد المقدَّس كان يتمُّ بالغطس في الكنيسة الأولى: إذا كانت فتاة أو سيِّدة، تكون الشمّاسة بقربها. والشابُّ أو الرجل يكون شمّاس بقربه.

يذكر بولس الرسول أوَّل من يذكر "فيبة". هي "شمّاسة" شأنها شأن أبلّوس وتيخيكس وأبفراس. فأبفراس سمع الإنجيل في أفسس وحمله إلى كولوسّي (كو 1: 7: "هذا تعلَّمتموه من أبفراس، رفيقنا الحبيب والخادم الأمين للمسيح عندكم"). وأبلّوس هو "خادم" شأنه شأن بولس، هدى العديدين إلى الإيمان (1 كو 3: 5). فبالنسبة إلى العمل الرسوليّ، يدعوه بولس "خدمة" (دياكونيا، شمّاسيَّة) العهد الجديد (2 كو 3: 6). ويفتخر باسم الجماعة: "نحن خدَّام الله" (2 كو 6: 4). وفيبة هي خادمة، ويبدو أنَّ دورها كان كبيرًا. كانت في "كنَّخريَّة"، التي هي مرفأ كورنتوس الشرقيّ، وهي الآن ماضية إلى رومة. يكون استقبالها كما كان استقبال بولس حين وصل إلى رومة (أع 28: 15). قال الرسول: "تقبَّلوها في الربِّ قبولاً يليق بالقدّيسين" (رو 16: 1). كما يُستقبَل الموفدون من أورشليم. دورها كان كبيرًا، ويبدو أنَّها كانت من النساء المعروفات فتدخَّلت من أجل المسيحيّين الذين يتعرَّضون للاضطهاد. ما نلاحظ هو أنَّ بولس يطلب من الجماعة أن "يساعدوها". يبدو أنَّها المسؤولة.

وفي الرسالة عينها يذكر بولس خادمتين أخريين: تريفينة وتريفوسة (رو 16: 12). هما "تتعبان في خدمة الربّ". ويُضاف إليهما "برسيس المحبوبة التي تعبت كثيرًا في خدمة الربّ". وكما كانت حماة بطرس، كذلك كانت "أمُّ روفس المختار في الربّ" (آ13). اعتبرها الرسول أمَّه. وذُكرت برسكلَّة زوجة أكيلا (آ5) ومريم "التي تعبت كثيرًا في خدمتكم". ثمَّ يونيا بجانب أندرونيكس (آ7) الذي قد يكون زوجها. وأخيرًا، جوليا مع فيلولوغوس، وأخت نيريوس (آ15). هل ذكر الرسول جميع النساء العاملات في كنيسة رومة وفي سائر الكنائس؟ كلاّ. فالعدد أكثر من أن يُحصى. وهنا يكفي أن نذكر عدد النساء الشهيدات لأجل المسيح. فلو لبثن في بيوتهنَّ لما كان عليهنَّ خطر. ولكنّهنَّ كُنَّ في قلب الرسالة، بل "الجبهة" حيث يكون الخطر.

في هذا الشرق حيث المرأة لا تظهر حتّى في الكنيسة فيناولها الكاهن من خلال "الشعريَّة". في هذا الشرق حيث الراهبة لم تكن تظهر فتقدِّم للضيوف طعامًا من وراء الدولاب. في هذا الشرق حيث لم يكن يحقُّ للمرأة أن تشارك في "الكورس" لكي تنشد مع الرجال فيحتاجون إلى أصوات الأطفال الرفيعة، جعل أفرام السريانيّ النساء مع الرجال لإنشاد مدائح الله، فقال فيه يعقوب السروجيّ: "رأى أنَّ النساء لا يمجِّدن الله، فاعتبر مثل حكيم أنَّه ينبغي أن يمجِّدن... فكم كان جميلاً هذا النسر وسط الحمائم، وهو يعلِّم مديحًا جديدًا!". وواصل يعقوب كلامه متوجِّهًا إلى النساء: "ارتديتنَّ مجدًا في السماء مثل إخوتكنَّ. تقبَّلتنَّ الحياة الجديدة من الكأس الواحد. خلاص واحد لكنَّ ولكم. لماذا لا تتعلَّمن التسبيح بصوتٍ عال؟ ففمكنَّ الصامت الذي أغلقته حوّاء أمكنَّ، فتحته الآن مريم، أختكم، من أجل التسبيح".

الخاتمة

ذاك هو الأساس الإنجيليّ للخدمة التي تقوم بها الراهبة بجانب كاهن الرعيَّة، بجانب الأسقف. هي مثل هؤلاء مسؤولة عن ملكوت الله، عن نشر الكلمة. واليوم في رعايا عديدة ينقصها الكهنة، هناك خدَّام وخادمات يقومون بالأعمال العديدة: في العماد، في المناولة، في حمل القربان إلى المرضى، في الاحتفال بسرِّ الزواج، في مرافقة الراقدين إلى مثواهم الأخير، في الوعظ والإرشاد... نقص عدد الكهنة فأجبرت الكنيسة على طلب المساعدة. ولكنَّنا نفرح حين نشاهد روّادًا في القرن التاسع عشر أرادوا أن تكون المرأة بجانب الرجل، والراهبة بجانب كاهن الرعيَّة، كما في الابتداء. على ما قال الرسول: "ففي الربِّ لا تكون المرأة من دون الرجل، ولا الرجل من دون المرأة" (1 كو 11: 11). فالأساس هو: "كلُّ شيء من الله" (آ12). وإليه يعود كلُّ مجد وإكرام.