جهلاء العالم وحكماؤه

 

الأخ إسطفان نعمه، ابن لحفد في جرود جبيل، في جبل لبنان، هو مكرَّم والكنيسة تدعوه طوباويًّا. تطوِّبه. من هو هذا الشابّ ومن كان يعرفه، سواء في بلدته أو في الديورة التي مرَّ فيها؟ لا أحد.

راهب بين الرهبان اللبنانيِّين. كانوا يُقسَمون بين إخوة يتابعون الدراسة، وآخرين يعملون في الدير أو في الحقول المجاورة. أمّا الأخ إسطفان فدُعي "سيِّد الحقلة"، مع أنَّ هذا اللقب ليس موجودًا في الرسوم الرهبانيَّة.

لو نعرف كم يستفيد العائش في الحقل كيف يقرأ الإنجيل. يزرع القمح فيتذكَّر كلام الربّ: خرج الزارع ليزرع. وقع بعض الحبِّ على قارعة الطريق، فجاء الطير وأكله. وآخر جاء في أرض قليلة التراب. نبت بسرعة ولكن لفحته الشمس فاحترق وما أعطى ثمرًا. وهناك الذي وقع بين الشوك، وأخيرًا ذاك الذي وقع في أرض صالحة فأثمر ثلاثين وستِّين ومئة.

ويتساءل الراهب: ما هي الأشواك التي تعشِّش في قلبه فتمنعه من أن يعطي ثمرًا. تحدَّث يسوع عن "هموم الدنيا وخيراتها وملذَّاتها" (لو 8: 14). هذه تخنق الكلمة التي زرعها الله في قلوبنا. ماذا يفعل الفلاَّح؟ ينتزع الشوك والعوسج والعلَّيق. والأخ إسطفان، أتراه يترك هموم الدنيا تسيطر عليه؟ إنَّه اختار طريق الربّ. قال له اتبعني: فمضى وتبعه غير نادم على شيء في هذه الدنيا.

*  *  *

وراح الأخ إسطفان إلى الحقل ومعه المحراث. هل يفعل مثل الفلاَّح الذي لا يسيطر على البقر؟ وخصوصًا، لا ينظر إلى الوراء؟ فكيف تكون الفلاحة؟ أمّا الراهب فيتذكَّر من هذه الحياة اليوميَّة كلام الربّ: "من يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء، لا يصلح لملكوت الله" (لو 9: 62).

منذ البداية، وبعد موت الوالد، راح الأخ إسطفان إلى الدير. فشابه القدِّيس شربل الذي لم يرجع إلى قريته بقاعكفرا. ترك هذا المكرَّم لحفد وهو في السادسة عشرة من عمره. جاء أخوه الأكبر يدعوه ربَّما لكي يساعده أو ليتحقَّق من دعوته: هل مضى إلى الدير يأسًا وإحباطًا بعد صدمة نالها على أثر موت أبيه؟ ماذا أجابه إسطفان؟ "إلى هنا أتيتُ، وهنا سأموت".

أجل، ما من أحد دفع هذا الشابَّ لكي يأتي إلى الرهبنة، سوى الرهبان العديدين الذين تركوا قرية لحفد وصاروا رهبانًا. قاربوا الستِّين شخصًا. هم سعداء، فلماذا لا يكون سعيدًا مثلهم؟ يُروى عن القدِّيس برنار مصلح رهبنة الترابيست: مضى إخوته إلى الدير وتركوا له الأرض الشاسعة. قال: ما هذه القسمة؟ أعطيتموني الأرض وأخذتم السماء. ولكنَّه ما عتَّم أن لحق بهم.

وابن لحفد هذا، أجاب أخاه بلغة الواثق من نعمة الله: "وهنا سأموت". ومع أنَّه مرَّ في أكثر من دير، إلى أن عاد قبل موته ببضعة أشهر إلى دير كفيفان، حيث ابتدأ. وهناك توفِّي ودُفن.

هكذا يكون القدِّيسون: لا تراجع، ولا تردُّد. دعاهم الربُّ فمضوا تاركين كلَّ شيء وراءهم. يعرفون أنَّهم جاؤوا إلى الدنيا وما معهم شيء، فهل يمضون ويأخذون معهم شيئًا؟ كلاَّ. وهكذا يفهمون أنَّه يكفيهم القوت والكسوة. وإن طلبوا أكثر كانت حياتهم تعيسة.

*  *  *

الأخ إسطفان كان رجلاً نبيهًا. كان بإمكانه أن يدرس الفلسفة، شأنه شأن رفاقه. ولكن طلب أن يكون "أخًا في الحقلة"، فأطاع وراح يعمل السنوات الطوال وتوفِّي في قلب عمله، يوم ضربته الشمس القاسية. ولمّا قال له أحد الإخوة: أتريد بعض الماء. أجاب: لا بأس. ومضى ذلك الأخ ولمّا وصل إلى الأخ إسطفان لقيَهُ مات.

ترك هذا الراهب الجديد الفلسفة العالميَّة، وأخذ بفلسفة أخرى. أن يعيش مع الربِّ بعيدًا عن العالم. فحين نقرأ ما دوَّنه المؤرِّخ تيودوريه عن أصفياء الله في برِّيَّة قورش وجوارها، نسمعه يقول: إنَّ فلان أخذ بالفلسفة، أي بالحياة النسكيَّة. فقيل مثلاً عن القدِّيس يمارون إنَّه "جعل حقله خصيبًا بالكثير من غروس الفلسفة". وقال القدِّيس باسيل الكبير: "السيرة الرهبانيَّة هي الفلسفة بحدِّ ذاتها، لا بل هي فلسفة الفلسفات". من قال هذا الكلام؟ شيخ درس الفلسفة في أرقى جامعة في ذلك الزمان، في أثينة، وفي النهاية قال: "الحياة الرهبانيَّة هي فلسفة الفلسفات".

العلم، حكمة العالم، دروس العالم. هي جهالة في نظر الله. خصوصًا إذا اعتبرنا "حكمة البشر" هدفًا في حدِّ ذاتها. حينئذٍ يقول لنا الرسول: العلم ينفخ. والمحبَّة وحدها تبني. ومن هو القدِّيس؟ هو ثمرة المحبَّة.

مرَّة جاء إلى الأخ إسطفان راهب وقال له: "يا معلِّمي أخ إسطفان، بقي لي هذه الليلة تدعوني فيها أخًا" (قبل سيامتي الكهنوتيَّة). فقال له الأخ إسطفان: "وهل تظنُّ أنَّ القسوس (الكهنة) يأخذون السماء قبل الإخوة؟ أنا سأسبقك إلى السماء.

لستُ أدري إذا كان هذا الكاهن "الجديد" فهم أنَّ القداسة لا تقوم بالوظيفة مهما علا مقدارها. القداسة هي في المحبَّة. على ما قال الرسول: "لو كنت أنطق بألسنة الناس والملائكة ولم تكن فيَّ المحبَّة، فأنا نحاس يطنُّ أو صنج يرنّ. ولو كنت عارفًا كلَّ علم ولا محبَّة عندي، فما أنا بشيء" (1 كو 13: 1-2). أجل، هذا "القسِّيس" أن يكون كلَّ شيء، إذا اعتبر أنَّ الدرجة الكهنوتيَّة تجعله أرفع من الذي لبث راهبًا يعمل في الدير ويخدم.

*  *  *

الراهب الكاهن يقوم بالرسالة، يراه الناس، يعرفونه، يمتدحونه على عظة يقوم بها، أو خطبة في المجتمع، أمّا الأخ فلا أحد يراه. هو يعيش الحياة الخفيَّة على مثال يسوع في الناصرة. كم يتساءل الناس اليوم: ماذا عمل يسوع منذ كان عمره اثنتي عشرة سنة حتَّى وصل إلى ثلاثين سنة؟ وجاءت الأخبار "المنحولة" تتحدَّث عن أعماله الخارقة. كأنِّي به أظهر ألوهته منذ كان في المهد، وحين صار صبيًّا يأخذ التراب وينفخ فيه فيجعله عصفورًا يصير. ما هذه الأخبار الصبيانيَّة!

وهناك من اعتبر أنَّ يسوع مضى إلى الهند، وهناك أخذ فلسفة اللاعنف وغيرها من الفلسفة. لا شكَّ في أنَّه قيل ليسوع خلال حياته العلنيَّة: يا معلِّم. وقيل عنه: ما علَّم مثله إنسان قطُّ، بمن فيهم الكتبة والفرِّيسيّون. ولكن في الناصرة، كان يسوع إنسانًا مثل سائر الناس، عاملاً كسائر العمّال. يمضي يوم السبت إلى المجمع ويسمع الكتاب المقدَّس ويصلِّي مع المؤمنين، ويقدِّسهم بحضوره. يكفي أن ينظروا إليه لكي يتعلَّموا الكثير.

هكذا كان الأخ إسطفان. قيل عنه إنَّه كان نجَّارًا ماهرًا. يا لسعادته! مثل يوسف، مثل يسوع! الناس حزنوا من يسوع حين رأوا "الحكمة المعطاة له والمعجزات التي تجري على يده. فقالوا: أما هو النجّار ابن مريم؟" (مر 6: 2-3). ومع ذلك، انظروا ماذا يعمل هذا النجّار؟ والأخ إسطفان النجّار، هو حيٌّ بعد موته، سبعين سنة ونيِّف، وهو الذي توفِّي سنة 1938. وأين ذاك القسِّيس الذي جاء يقول له: لن أبقى أخًا مثلك! فالمستقبل أمامي. أكون رئيسًا، مدبِّرًا، معروفًا في المجتمع. وأنت تنتقل من الحقل، إلى المطبخ، إلى المائدة، دون أن يعرفك أحد! ولكنَّ الرسول يقول: عرفتم الربَّ، بل الربُّ عرفكم. فالله نفسه عرف الأخ إسطفان، وهي معرفة بالمعنى الكتابيّ: أحبَّه، أراده له عروسًا على مثال ما نقرأ في نشيد الأناشيد: أنا لحبيبي وحبيبي لي. فحين يكون القدِّيس في مناجاة الربّ، أيُّ سعادة تعادل سعادته؟ وهل يطلب بعدُ شيئًا؟ ذاك ما قالت عروس نشيد الأناشيد، وكلُّ واحد منّا عروس لهذا العريس السماويّ، يسوع المسيح، الذي هو وحده العريس: "أجد من يحبُّه قلبي، أمسكه ولا أرخيه" (3: 4).

*  *  *

من هو الأخ إسطفان؟ ابن القرية. عامل بين العمّال. تعلَّم النجارة والبناء. قيل عنه: كان بنَّاء مميَّزًا. من كان والده؟ أشيخ الضيعة؟ كلاَّ. أزعيم من الزعماء؟ كلاَّ. هل درس والده في جامعات باريس ولندن وبرلين ورومة؟ كلاّ. فأكثر الرهبان والكهنة، اليوم وفي الماضي، والدوهم من الطبقة العاملة. هذا أبوه طبَّاخ. وذاك أبوه عامل في أحد المعامل، أو موظَّف صغير. ويا ويلنا حين يصبح قسِّيسًا وترتفع رتبته. وإذا كان في الدير إخوة عاملون، يعامَلون باحتقار وتكبُّر، ومرَّات بقساوة. أمّا إذا كان في الدير "موظَّفون وموظَّفات"، هناك المعاملة وأيُّ معاملة! هي تنسى ما قاله بولس الرسول بالنسبة إلى الأسياد والعبيد: "أيُّها العبيد، أطيعوا في كلِّ شيء سادتكم في هذه الدنيا" (كو 3: 21). ويتابع كلامه: "أيُّها السادة، عاملوا عبيدكم بالعدل والمساواة، عالمين أنَّ لكم أيضًا سيِّدًا في السماء" (آ4). نعامل الذين يعملون عندنا كالعبيد وهم يطيعوننا. وننسى واجبنا تجاه الله الذي يديننا بلا رحمة إذا كنّا لا نعامل الذين يعملون عندنا بالرحمة، كما قال القدِّيس يعقوب (2: 13).

أمّا الأخ إسطفان فأراد أن يكون عاملاً بين العمّال ومثلهم. هو ليس فوقهم. فحين جاء إلى الدير، أراد أن يكون الخادم، والخادم لا يختار من يَخدُم. فيسوع خدم الرسل، غسل أرجلهم، ولو كانوا ناكرين مثل بطرس، خائنين مثل يهوذا (يوضاس)، طالبين المجد الباطل مثل يعقوب ويوحنّا، حاسدين بعضهم بعضًا مثل الرسل.

قال بولس: "صرتُ كلاًّ للكلِّ لأربح الكلّ" (1 كو 9: 22). مع الضعيف صرتُ ضعيفًا. مع الوثنيِّ (الذي لا شريعة موسويَّة له) صرتُ وثنيًّا. مع اليهوديّ (الذي له شريعة) سرتُ يهوديًّا، لأربح الوثنيَّ وأربح اليهوديّ. ويستطيع الأخ إسطفان أن يقول: صرتُ عاملاً مع هؤلاء العمَّال لكي أربح العمَّال إلى المسيح، لا لأستربحهم.

فما أحلى هذا الراهب مع العمّال! لولا ثوبه لا شيء يميِّزه عنهم. شهد عليه أحد الإخوة فقال: "أعترف أنَّ الأخ إسطفان كان أشطر منِّي. كان ذا بنية قويَّة أكثر منِّي، وإنسانًا نبيهًا، شفوقًا، محبًّا، ورحومًا لكلِّ من يعمل معه". إنَّه يرى في وجه هؤلاء العمَّال وجه يسوع الذي قال: "كلُّ ما تفعلونه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي تعملونه". تحبُّونهم يعني تحبُّونني. تعاملونهم بالسوء، يعني تعاملونني بالسوء. تظلمونهم يعني تظلمونني. تأكلون أجورهم يعني تأكلون أجري. ترحمونهم يعني ترحمونني.

قابل الرسول بين اليهوديِّ والوثنيّ، وأستطيع أن أقابل بين المكرَّس (أو: المكرَّسة) للربِّ وبين الإنسان العاديّ. "الله يجازي كلَّ واحد بأعماله، إمّا بالحياة الأبديَّة لمن يواظبون على العمل الصالح ويسعون للمجد والكرامة والبقاء. وإمّا بالغضب والسخط على المتمرِّدين الذين يرفضون الحقَّ وينقادون للباطل" (رو 2: 6-8). فليس عند الله محاباة. يفضِّلني أنا الكاهن على المؤمن العاديّ، وأنا الراهبة على الأمِّ في البيت. لهذا يواصل الرسول كلامه: "الويل والعذاب لكلِّ من يعمل الشرَّ من اليهود أوَّلاً ثمَّ اليونانيِّين. والمجد والكرامة والسلام لكلِّ من يعمل الخير من اليهود أوَّلاً ثمَّ من اليونانيِّين" (آ9-10). هل ينال اليهوديُّ الكرامة لأنَّه يهوديّ؟ كلاَّ. هل الراهب ينال كرامة يتفوَّق بها على المؤمن العاديّ؟ كلاَّ. بل إن لم يكن على قدر ما يطلبه الله منه، تكون دينونته قاسية جدًّا. يُروى عن الأنبا مكاريوس الذي عُرف بزهده وصومه وصلاته أنَّه حسب نفسه وصل إلى درجة الكمال. ولكنَّه وصل إلى عائلة تقيَّة، فقال له الربّ: "أنت وهذه العائلة على الدرجة ذاتها من الكمال".

*  *  *

قال القدِّيس نعمة الله الحردينيّ: "كلٌّ حسب دعوته". الكاهن يكون قدِّيسًا إذا عاش بحسب دعوته كما يريد الربّ. وربُّ العائلة كذلك... فكلُّ واحد يتقدَّس في العمل الذي يقوم به. يُروى عن الأخ ألفونس رودريغز أنَّه عند ساعة موته طلبَ "مفتاح السماء". فما عرف أحدٌ أن يأتيه به. لا الأب الرئيس ولا مرشد الأخويَّة... المحبَّة؟ هي بيده. الإنجيل: بين يديه. كتاب الرسوم؟ على صدره مع الصليب. ماذا ينتظر بعد؟ اعترف، تناول، نال الحلَّة الأخيرة عن جميع خطاياه، مُسح بالزيت المقدَّس مع صلوات المنازعين. فماذا ينقصه بعد؟ وما هو هذا المفتاح الذي يطلبه؟

أتى أخ مثله كان يعمل في المطبخ. سمع الآباء يتساررون. هم لا يريدون أن يرفضوا لهذا الأخ شيئًا وهو في ساعاته الأخيرة. ماذا يطلب؟ قالوا له: مفتاح السماء. عرف ذاك الأخ في الحال مطلب القدِّيس ألفونس: كان خيّاطًا في الدير. فمضى الأخ وجاءه بالإبرة وبكرة الخيطان. ضمَّهما القدِّيس ألفونس وأغمض عينيه. يستطيع أن يمضي إلى ربِّه قرير العين بعد أن حمل في يده مفتاح السماء.

والأخ إسطفان؟ كان خلاف بين دير ميفوق والأهالي الذين يعملون في أراضي الدير. مشكلة صعبة وإذا لم تُحلَّ فعواقبها وخيمة. أين حكماء هذا الدهر، أين العلماء وأصحاب النفوذ؟ لا يدَ لهم في ذلك. أمّا الأخ إسطفان، فلجأ أوَّلاً إلى الصلاة، وبذكائه الحادِّ وروحه الطيِّبة، وضميره الحيّ، أنهى الخلاف وعاد إلى دير كفيفان، وكأنَّ شيئًا لم يحدث.

تلك هي الفلسفة الحقيقيَّة الموصلة إلى الملكوت: "أخفيتَ هذا عن الحكماء والفهماء وأظهرته للأطفال". ونتذكَّر ما قاله بولس الرسول إلى أهل كورنتوس حيث يقيم الواحد الدعوى على أخيه ويقاضيه في المحاكم. ومن الذي يَظلم؟ الأقوى. أمّا الضعيف فينال الظلم وهو صامت. وإن صرخ من الألم أسكتوه بسبيل من السبل. عندئذٍ قال الرسول: "أما فيكم حكيم واحد يقدر أن يقضي بين إخوته؟" (1 كو 6: 5). وإذا كان الأخ إسطفان فضَّ هذه المشكلة العويصة، نستطيع أن نتخيَّل جوَّ السلام الذي كان يجعله بين العمَّال في الحقل. كم كنَّا نتمنَّى لو وصلت إلينا شهادات حيَّة عن عيش هذا الراهب بين الناس؟ ولكنَّه عاش خفيًّا، ومات خفيًّا، فدُفن في ظلِّ القدِّيس نعمة الله. ولكنَّ الربَّ يعرف كيف يرفع أحبَّاءه. قالت حنَّة والدة صموئيل: "يقيم المسكين عن التراب، والبائس عن المزبلة، يجلسهما مع العظماء، ويمنحهما عرش المجد" (1 صم 2: 5).

وهكذا يُرفَع الأخ إسطفان مع الأخت رفقة، على مستوى كاهنين قدِّيسين هما الأب شربل والأب نعمة الله.

*  *  *

ذكرنا الأخت رفقة، لأنَّ الأخ إسطفان شابهها في تحمُّل الألم. ولكن ما عرف أحد بالعذابات التي كان يتحمَّلها بسبب مرضه. فالذهاب إلى الطبيب أكثر من مرَّة، والأدوية التي تُشتَرى له، كلُّ هذا دليل على أنَّه كان يحمل أكثر من مرض في جسمه. طلبت رفقة أن تشارك المسيح في ألمه، أمّا إسطفان فحفظ سرَّه في قلبه. أمّا المبدأ فيقوله لنا القدِّيس بولس: "أكمِّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24). فالذين يحبُّهم المسيح يُشركهم معه في آلامه.

لا مجال للكلام عن التعب الذي كان يحسُّ به هذا الراهب العامل في الحقل، ومثل هذا التعب جعل الرهبان اليوم يريدون كلُّهم أن يصيروا كهنة، متناسين المبدأ الرهبانيّ الأساسيّ: "صلِّ واعمل، اعمل وصلِّ". هذا ما نجده اليوم في الرهبانيَّات الغربيَّة حيث الجميع يعملون في الأرض، في تربية الحيوانات... ويجتمعون للصلاة في النهار كما في الليل.

وما يلفت النظر هو أنَّ الأخ إسطفان لم يكن يكتفي بعمل الحقل، بل كان في عودته إلى الدير يجعل نفسه في خدمة الجميع. قيل عنه: "بعد رجوعه إلى الدير وتتميم واجب الصلاة المسائيَّة مع الجمهور، كان يتوجَّه حالاً إلى من هو بحاجة إلى خدمةٍ من إخوته الرهبان العجَّز أو المرضى، وإلى مساعدتهم وخدمتهم بكلِّ تواضع عميق، ومحبَّة صادقة وبشاشة وجه". فالربُّ، كما قال الرسول، يحبُّ المعطي الفرحان. ومثل هذا الفرح لا بدَّ أن ينعكس على الراهب المتألِّم، أو الذي صار في أواخر أيَّامه. ولا شكَّ مع الخدمة هناك الصلاة.

التعب، الخدمة حتَّى بعد العمل نهارًا كاملاً في الحقل، وأخيرًا الإماتة. وشهد على ذلك السيِّد نعيم خليفة من دريا، الذي كان طاهي الدير: "كان يضع الأخ إسطفان في صحنه قليلاً من الأرزِّ المطبوخ. ويضيف إليه بعض الماء ويأكل. فمرَّة سألته: "لماذا تفعل هذا يا أخ إسطفان؟" فأجاب: "يا بْني، شو بدكن فيِّي، هيدي إماتة. أنا فرحان بما أفعله".

هكذا يكون الراهب والأخ العامل في الدير. "لا يضيِّع وقته أبدًا. يعيش طبق المقولة الرهبانيَّة: "يكون الراهب إمّا عاملاً وإمَّا مصلِّيًّا". في كفيفان كان يعمل مع الإخوة المبتدئين، وفي دير سيِّدة المعونات، كان يعاونه الإخوة الدارسون. يسهر على كلِّ شيء، فالدير بيته، ومن يترك بيته يسقط.

وننهي رفقتنا مع الأخ إسطفان في الصلاة: ماذا كانوا يصلُّون في الرعايا؟ صلاة المساء والقدَّاس يوم الأحد. أمّا المسبحة فترافق المؤمنين في حلِّهم وترحالهم. وفي الدير، هناك صلاة الصباح والقدَّاس. ثمَّ صلاة الظهر وصلاة المساء في الشحيمة أو كتاب الفرض السريانيّ: أناشيد، مزامير، قراءات من الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد.

هذا في الخارج، وبالنسبة إلى الرهبان عامَّة. أمّا الأخ إسطفان فاعتاد أن يأتي إلى الكنيسة قبل الجميع ويذوب في الصلاة، ولاسيَّما قدَّام القربان المقدَّس. بعد وفاته، كان الرهبان في سيِّدة المعونات في جبيل يقولون: "كان لنا جميعًا مثال رجل الله، وكان في جوِّ صلاة دائم، حتَّى عندما يكون صامتًا، كان يبان وكأنَّه يصلِّي. كان يردِّد طيلة النهار هذه العبارة: "الله يراني".

ما أجمل هذه العبارة: "الطفل هو مع أمِّه، المؤمن مع الله الذي هو أبٌ وأمّ. في هذا المعنى يقول المزمور: "تراقبُ سَفري وإقامتي، وتعرف جميع طرقي" (139: 3). هذا على مستوى التحرُّك. كنّا نقول ونحن صغار: الملاك يرافقني، يكون بقربي لئلاَّ أسقط. ويتابع المزمور: "من ورائي ومن قدَّامي تحيط بي، وتجعل عليَّ يدك" (آ5). أيُّ ارتياح يكون ارتياح المؤمن مثل هذا لا يخاف. الله عن يمينه فلا شيء يزعزعه. "إن تسلَّقت السماء، فأنت فيها، وإن نزلتُ إلى الأسافل فأنت هناك" (آ8). بما أنَّ الله هو في كلِّ مكان، فهو يراني حيثما أمضي. عينه تراقبني، يده ترافقني، قلبه يحنو عليَّ، "يدك تهديني، عينك تمسكني". أنا طفل يا ربّ، وأنت تمشي معي، فلا أخاف ولا أفزع. في النهار؟ لا أخاف. ولكن في الليل؟ يقول المزمور: "يأمر الظلامَ فينجلي، والليلَ فيصبح نورًا" (آ11).

الله يراني وأنا أراه، أين؟ في الصلاة أوَّلاً، نتخيَّل يسوع راكعًا على الجبل في صلاة مع الله، وهو الذي قال لنا: صلُّوا ولا تملُّوا. فالقدِّيسون لا يتوقَّفون عن الصلاة، سواء تمتموا بشفاههم أو عملوا بأيديهم، على ما قال الرسول: "إن أكلتم أو شربتهم أو مهما عملتم، فليكن كلُّ ذلك لمجد الله".

يمشي الأخ إسطفان فيمسك المسبحة بيده وهو في طريقه إلى الحقل. يدقُّ جرس الدير لصلاة الظهر. إن كان في الدير يشارك إخوتَه والمؤمنين. وإن كان في الحقل، بعيدًا، يركع على الحجارة حيث هو، ويتلو مع الحاضرين التبشير الملائكيّ. ولنا شهادة عنه: "قضيتُ معه في دير كفيفان حوالي أربع سنوات، وكان بالنسبة لي: "الراهب الذي يصلِّي". ما أجملها تسمية! القدِّيس نعمة الله كان "الراهب الذي يعلِّم"، لا بفمه فقط، بل بحياته. الطوباويّ يعقوب الكبُّوشيّ، هو الراهب الذي لا يترك مريضًا أو معاقًا إلاَّ ويهتمُّ به، حتّى اليوم، يُرمى طفل عند باب المستشفى، فتقول الراهبات: أبونا يعقوب أرسله إلينا.

الأخ إسطفان هو "الراهب الذي يصلِّي" ومن يقدر أن يخبرنا عن عمق صلاته! لا أحد. وإذ يقول: "الله يراني"، فلأنَّه هو كان يرى الله ماشيًا معه في الطريق، عاملاً معه في الحقل، خادمًا معه حيث الحاجة. وبانت قداسته بشكل خاصٍّ في تواضعه العميق متعلِّمًا من الربِّ نفسه "الوديع والمتواضع القلب". هو يحسب نفسه أكبر خاطئ. شأنه شأن فرنسيس الأسِّيزيِّ الذي قال مرَّة هذا الكلام لإخوته. وبما أنَّه خاطئ فهو "شحّاذ" لدى الله. مثل هذا الشحَّاذ الذي يمدُّ يده كلَّ يوم، ينال كلَّ شيء بحسب قول الربّ: اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. واليوم، نحن شحّاذون معه ومع القدِّيس شربل والقدِّيس نعمة الله والقدِّيسة رفقة. فهم يصلُّون معنا ويشفعون بنا. فهل نعجب بعد ذلك أن تصبح عنّايا وكفيفان وجربتا مثل أرض الجليل حيث المسيح حاضر "يعلن إنجيل الملكوت ويشفي الناس من كلِّ مرض وداء" (مت 4: 23).